تصعيد غير مسبوق في علاقات تونس بواشنطن وعواصم أوروبية

قيس سعيّد يرفض النيل من {السيادة الوطنية}

تصعيد غير مسبوق في علاقات تونس بواشنطن وعواصم أوروبية
TT

تصعيد غير مسبوق في علاقات تونس بواشنطن وعواصم أوروبية

تصعيد غير مسبوق في علاقات تونس بواشنطن وعواصم أوروبية

أحدث الإعلان غير المسبوق عربياً عن حكومة ترأسها سيدة ونحو نصف وزيراتها من السيدات «صدمة إيجابية» في تونس التي تمر بأزمات اقتصادية وسياسية كبيرة منذ مدة، فاقمتها مضاعفات جائحة «كوفيد - 19» والاضطرابات في ليبيا، وتزايد التوتر بين المغرب والجزائر من جهة، وبين باريس والجزائر من جهة أخرى. إلا أن الترحيب بتشكيلة حكومة الأكاديمية الدكتورة نجلاء بودن سرعان ما اقترن بظهور بوادر «أزمة دبلوماسية» و«فتور علاقات» غير مسبوقين بين تونس وشركائها الأوروبيين والأميركيين، بلغت حد تخصيص جلسات خاصة بملفات «مستقبل الشراكة» مع تونس في الكونغرس الأميركي والبرلمان الأوروبي.
أيضاً، تعاقبت الانتقادات داخل تونس وخارجها للحكومة الجديدة التي شكك عدد كبير من البرلمانيين والسياسيين والحقوقيين في «شرعيتها»؛ لكونها «لم تحظ بمصادقة البرلمان المنتخب عليها وعلى قرار إقالة حكومة هشام المشيشي».

لقد شهدت الأزمة السياسية الاقتصادية التونسية «تدويلاً سريعاً»، في الآونة الأخيرة، انخرطت فيه بقوة كل من واشنطن وباريس وبرلين وبروكسل ومجموعة «السبعة الكبار» - بما فيها اليابان وكندا - عبر سلسلة من البلاغات المشتركة والتصريحات المثيرة والحملات الإعلامية في مواقع قريبة من كبار صنّاع القرار.
ولئن تراجعت تدريجياً أصوات المعارضين لقرارات الرئيس التونسي قيس سعيّد يوم 25 يوليو (تموز) الماضي، التي أدت إلى «تجميد البرلمان» وحل حكومة هشام المشيشي، فإنها عادت بقوة داخلياً وخارجياً في أعقاب المرسوم الرئاسي 117، الصادر يوم 22 سبتمبر (أيلول) الماضي الذي عزز كثيراً صلاحيات رئيس الجمهورية.
والحال، أن هذا المرسوم الرئاسي أدى عملياً إلى حلٍ نهائي للبرلمان، وتعليق الدستور، وتمديد الإجراءات «الاستثنائية» من دون سقف زمني، وإلى اعتماد «نظام مؤقت» للحكم أسند صلاحيات البرلمان والإشراف على كل مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية والقضائية إلى مجلس الوزراء. وهذا الأخير أسندت رئاسته إلى رئيس الجمهورية، وسط تساؤلات عن الدور السياسي الجديد للمؤسستين العسكرية والأمنية، وكذلك عن مستقبل بعض المؤسسات العليا «المستقلة» التي تشرف على قطاعات القضاء والإعلام والثقافة وعالم المال والأعمال... إلخ.

- «تدويل» سريع للأزمة
ومن ثم، أخذت الانتقادات أبعاداً خطيرة عندما انخرط فيها عدد من السفراء الغربيين في تونس، وعدد من رؤساء الدول والحكومات والبرلمانات في الولايات المتحدة والدول الأوروبية و«مجموعة البلدان الفرنكوفونية» التي تضم 88 بلداً؛ ما أوحى بـ«تدويل الأزمة التونسية».
وحقاً، أضحت تونس خلال وقت قياسي قبلة عشرات الوفود الحكومية والبرلمانية والحقوقية والإعلامية الدولية الرفيعة المستوى، بينها موفدون من الرئيسين الأميركي جو بايدن، والفرنسي إيمانويل ماكرون، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، ورئاسة المفوضية الأوروبية، وقيادة حلف شمال الأطلسي (ناتو).
وفي الوقت نفسه، تعاقبت بشكل غير مسبوق المكالمات بين الرئيس قيس سعّيد وعدد من كبار صناع القرار في العالم وفي المنطقة، بينهم ماكرون، وميركل، ووزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، ومستشار الأمن القومي الأميركي جايك سوليفان - وقبل ذلك، كامالا هاريس نائبة الرئيس الأميركي. وهذا، فضلاً عن مباحثات سعيّد مع عدد من قادة الدول العربية والأفريقية.
وكان لافتاً بالذات، أن ستيفن تاونسند، قائد القيادة العسكرية في أفريقيا (أفريكوم)، عندما زار المنطقة أخيراً، فإنه التقى في الجزائر الرئيس عبد المجيد تبون، وفي ليبيا رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة، لكنه اكتفى في تونس باجتماع مع رؤساء أركان الجيش في المطار بحضور السفير الأميركي في تونس دونالد بلوم. وللعلم، قرر الرئيس بايدن هذا الأسبوع نقل السفير بلوم إلى باكستان من دون أن يعين خلفاً له.
وحول هذه النقطة، ربط الإعلام التونسي بين قرار نقل السفير الأميركي والجلسة التي عقدها الرئيس التونسي معه في قصر قرطاج الرئاسي. وأعلنت الصفحة الرسمية للرئاسة، أنه أبلغه فيها «احتجاجاً رسمياً على تخصيص الكونغرس الأميركي جلسة حول تونس» معتبراً ذلك نيلاً من «السيادة الوطنية» للدولة التونسية.

- النقابات والأحزاب
من جهة أخرى، رغم إصدار القيادات النقابية بلاغات تنتقد «التدخل الأجنبي» في شؤون تونس، عقدت في مقرات اتحاد نقابات العمال وبعض الأحزاب وكبار السياسيين عشرات الاجتماعات مع الدبلوماسيين والموفدين الأجانب، بينهم وزراء خارجية وبرلمانيون أوروبيون وأعضاء في الكونغرس الأميركي؛ وذلك «لمطالبة الرئيس التونسي وحكومة نجلاء بودن بالعودة للمسارين الديمقراطي والبرلماني».
وطالبت الوفود الأجنبية في تصريحات بعد تلك الاجتماعات باحترام «المكاسب الديمقراطية التي تحققت منذ 2011 بدعم مالي أوروبي وأميركي» تجاوز الـ12 مليار دولار أميركي؛ بهدف دعم الاستقرار والأمن في تونس وفي كامل المنطقة، والترويج للنموذج التونسي عربياً وإسلامياً وأفريقياً».

- ضغوط... واحتجاجات
وخلافاً لما عُرفت به السياسة التونسية التقليدية من حرص على البروز في موقع «الشريك المميز» لـ«ناتو» وواشنطن والدول الغربية و«السبعة الكبار»، تزامن تشكيل حكومة نجلاء بودن مع تصعيد الضغوط البرلمانية والحكومية والعسكرية الغربية على السلطات التونسية. وكانت الذريعة ملفات الديمقراطية وحقوق الإنسان وقرارات تجميد الدستور والبرلمان، وكذلك بروز مؤشرات عن احتمال ضرب مبدا الفصل بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية تحت عنوان «مواجهة الخطر الداهم».
في المقابل، احتج الرئيس التونسي في تصريحاته - سواءً إبان لقاءاته برئيسة الحكومة بودن وفريقها الوزاري أو بالوفود الأجنبية - على الدول التي اتهمها بمحاولة النيل من «السيادة الوطنية لتونس» والتدخل في شؤونها الداخلية. وحمل سعيّد بقوة على الجهات الأجنبية والتونسية التي تسببت في تجميد عضوية تونس في اتحاد برلمانات الدول الفرنكوفونية و«تأجيل» قمة البلدان الفرنكوفونية التي كان من المقرر تنظيمها بنهاية العام الحالي في جزيرة جربة السياحية التونسية. وطلب الرئيس من النيابة العمومية فتح تحقيق ضد الرئيس الأسبق الدكتور المنصف المرزوقي؛ بسبب تصريحات أورد فيها أنه طلب من أصدقائه في الحكومة الفرنسية الامتناع عن تنظيم القمة الفرنكوفونية في تونس «قبل عودة البرلمان وتفعيل الدستور والمسارين الانتخابي والديمقراطي».
وكما هو معروف، نظمت حملة إعلامية ضد المرزوقي بسبب هذه المواقف، واتهمه أنصار الرئيس سعيد بـ«الخيانة الوطنية»، وطالبوا بتجريده من جواز السفر الدبلوماسي ومن منحة التقاعد التي تخصص لرؤساء الدولة السابقين. وفي هذه الأثناء، نظم آلاف النشطاء والشباب عبر المواقع الاجتماعية حملات مساندة لخطاب سعيّد ضد واشنطن والحكومات الغربية.
في المقابل، طالبت غالبية قيادات الأحزاب والنقابات، وبينها نور الدين الطبوبي زعيم «الاتحاد العام التونسي للشغل» وأحمد نجيب الشابي، الزعيم المعارض، الرئيس التونسي بـ«قرارات وطنية وقائية تحمي تونس من التدخل الأجنبي»، على رأسها الإعلان عن «خريطة طريق» تضمن العودة قريباً إلى المسارين الديمقراطي والبرلماني، وإن لزم الأمر عبر الدعوة إلى «انتخابات مبكرة».

- دعم «الجبهة الداخلية»
الشابي اعتبر أن الرد على «التدخل الخارجي يكون بدعم الجبهة الداخلية من خلال احترام الدستور والقانون وصندوق الانتخابات». وحذر من إجهاض فرصة تعيين امرأة مستقلة على رأس الحكومة بسبب «أزمة الشرعية». وطالب، من ثم، السلطات بالتجاوب مع عشرات الآلاف من الشباب والمواطنين الذين نظموا مظاهرات عدة في تونس وخارجها للمطالبة بالعودة إلى «المسار الديمقراطي». وفي السياق نفسه، وصف الفاضل عبد الكافي، وزير المالية السابق وزعيم حزب «آفاق تونس»، حكومة نجلاء بودن بكونها «فرصة»، لكنه رأى أنها «حكومة ناقصة للشرعية بسبب افتقارها لمصادقة برلمان منتخب عليها».
أيضاً، نوّه قادة «تنسيقية القوى الديمقراطية» بزعامة خليل الزاوية، زعيم حزب التكتل الديمقراطي، وغازي الشواشي، زعيم حزب التيار الديمقراطي بكون غالبية الشعب ترفض التدخل الأجنبي، ورحبوا بـ«بصدمة» 25 يوليو. لكن غالبية الشعب، حسب تقديرهم، عارضت قرارات 22 سبتمبر التي لم تعلن عن إعادة فتح البرلمان أو عن تنظيم انتخابات جديدة في ظرف بضعة أشهر. ومن جانبه، ناشد وليد جلاد، البرلماني والقيادي في حزب «تحيا تونس»، الرئيس سعيّد «قطع الطريق» أمام التدخل الأجنبي عبر الإعلان عن إصلاحات وخطة واضحة تضمن إعادة تفعيل الدستور والمسارين الديمقراطي والبرلماني واحترام القيم الكونية وبينها الحريات العامة والفردية.
أما شاكر الحوكي، مدير قسم العلوم السياسية في كلية الحقوق بتونس، فأعرب في حديث لـ«الشرق الأوسط» عن تخوّفه من أن تهدر تونس فرصة تعيين حكومة ترأسها امرأة وتضم 10 نساء من أصل 24 وزيراً بسبب قرارات 22 سبتمبر التي توحي بجر البلاد إلى أزمة سياسية اقتصادية اجتماعية طويلة، وبإحداث «فراغ برلماني» و«انقلاب على الدستور» وعلى المؤسسات المنتخبة... مقابل تضخيم دور السلطة التنفيذية المركزية على حساب بقية المؤسسات الدولة والهيئات المستقلة التعديلية.

- عين على ليبيا والجزائر
في سياق موازٍ، من أكبر التحديات التي تواجه حكومة بودن، حسب ما أورده الخبير الاقتصادي والمالي رضا الشكندالي في تصريحه لـ«الشرق الأوسط» أن «مستقبل الأزمات الهيكلية والظرفية التي تواجه الاقتصاد والموازنات المالية للدولة رهين معطيات دولية كثيرة، من بينها إعادة كسب ثقة مؤسسات التصنيف الدولية، مثل (موديز) وصندوق النقد الدولي الذي توقفت المفاوضات معه منذ مايو (أيار) الماضي». واعتبر الشكندالي، أن مصير حكومة بودن، أو أي «حكومة إنقاذ» سيظل رهين «كسب ثقة كبار المانحين العرب والدوليين وتسوية الخلافات بين السلطات التونسية مع المؤسسات المالية الدولية حول صناديق الدعم والتعويضات، وتضخم عدد الموظفين، ومستقبل الشركات العمومية المفلسة، وبينها كبرى شركات النقل والمحروقات والكهرباء والغاز والمياه».
وعلى الصعيد الخارجي، رأى البشير الجويني، الدبلوماسي السابق في ليبيا والخبير في العلاقات الدولية، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن مصير حكومة نجلاء بودن والدولة التونسية سيتأثر بـ«المتغيرات السريعة في ليبيا والجزائر وفي العلاقات بين الدول المغاربية». وتوقع الجويني، أن يؤدي نجاح المسار السياسي والانتخابي في ليبيا، وإعادة فتح حدود تونس مع الجزائر وليبيا، وتنقل ملايين السياح والتجار والعمال الليبيين والجزائريين والتونسيين بين البلدان الثلاثة، إلى توفير مداخيل مهمة للدولة التونسية التي تواجه عجزاً في توفير رواتب الموظفين وجرايات المتقاعدين. وكذلك إلى إيقاف معضلات التضخم وغلاء الأسعار ونقص احتياطي البنوك والدولة من العملات الأجنبية. وبالفعل؛ ما يؤكد هذا التلازم بين المسارات في ليبيا وتونس والجزائر تنظيم عدد من كبار المسؤولين الغربيين أخيراً زيارات لتونس على هامش مشاركتهم في مؤتمرات «التسوية السياسية للأزمة الليبية».

- خطوات إلى الأمام... ولكن
هذا التداخل بين المتغيرات في تونس، والتطورات في ليبيا والجزائر، والتصعيد الجزائري المغربي وفي بعض دول الساحل والصحراء، يؤكد فرضية مزيد من «تدويل» أزمات المنطقة، وبينها الأزمة السياسية الاقتصادية الجديدة في تونس التي تسبب بـ«ماراثون» من التحركات والاجتماعات داخل الكونغرس الأميركي والبرلمان الأوروبي ومؤسسات حكومية سياسية وأمنية واقتصادية عديدة. بل، وتزايد التأكيد على التداخل بين الأبعاد الأمنية وتسوية الأزمات في تونس وليبيا بعد تطورات أفغانستان، وتقدم مسار مفاوضات ترحيل «الميليشيات الأجنبية» من ليبيا وسوريا وتركيا والعراق وأفغانستان.
هذا، وأثار عدد من مشرّعي الكونغرس الأميركي هذه المسألة أخيراً في جلسات مناقشة الملف التونسي بواشنطن. وجرى التأكيد، بالخصوص، على أن «تعثر المسار الديمقراطي واستفحال الاضطرابات في تونس» أمر قد يساعد على تسلل مجموعات من الإرهابيين التونسيين والأجانب إلى تونس من بؤر التوتر، وخاصة ليبيا ومالي ودول الساحل والصحراء الأفريقية.
التحذير الأميركي من خطورة انفجار الوضع الأمني مجدداً يتزامن مع صيحات مماثلة صدرت عن مجموعات من البرلمانيين الأوروبيين اليساريين والحقوقيين، وعن مسؤول ملفات الأمن والسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل. وفي الوقت نفسه، دعا برلمانيون أوروبيون إلى «دعم السلطات التونسية اقتصادياً، وإعادة تفعيل المسار التعددي والديمقراطي، من أجل كسب ورقات الانتصار على الغلو والتطرف والإرهاب والهجرة غير القانونية، وأيضاً دعم مسارات التسوية السياسية للنزاعات في المنطقة، بدءاً من ليبيا ودول الساحل والصحراء الأفريقية».


مقالات ذات صلة

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

حصاد الأسبوع باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك،

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي

حصاد الأسبوع كيريكو (آ ف ب)

بنين... الديمقراطية «المستقرة نسبياً» في أفريقيا

تُعدّ بنين، التي كانت تُعرف سابقاً باسم داهومي، والتي يقارب عدد سكانها 14 مليون نسمة، واحدة من أكثر الدول استقراراً نسبياً في أفريقيا. وسياسياً، عاصمة بنين

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع صورة جامعة للقادة المشاركين في «القمة» (رويترز)

«القوى التقدمية» في الغرب تسعى لاستعادة الثقة بالنفس

عندما بزغ فجر القرن الحادي والعشرين، كانت كوكبة من القيادات «التقدمية» - الاشتراكية أو من اليسار المعتدل - تتربع على قمم السلطات التنفيذية في أوروبا، من بينها:

شوقي الريّس ( مدريد)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.