من نابليون إلى السيسي... 20 شخصية تختصر تاريخ مصر الحديث

رؤية جديدة لتاريخ المنطقة العربية بأكملها

روبير سوليه
روبير سوليه
TT

من نابليون إلى السيسي... 20 شخصية تختصر تاريخ مصر الحديث

روبير سوليه
روبير سوليه

متعة حقيقية هي قراءة كتاب «وجوه مصر الحديثة»، للروائي الصحافي الفرنسي - المصري روبير سوليه. فعلى الرغم من أن تاريخ مصر كتب فيه الكثير، فإن هذا الكتاب يأخذ على عاتقه أن يقدم رؤية، لا أن يسرد أحداثاً، وأن يعيد الحياة إلى مائتي سنة من التاريخ العربي الحديث، بدل أن يقدمه بحيادية باردة. سوليه بأسلوبه الروائي السلس العذب، ومن ثم مترجم النص عن الفرنسية أدونيس سالم، نجح في إيصال مؤلفٍ مغرٍ، يبدأ به القارئ، ولا يستسلم حتى يأتي على صفحاته الثلاثمائة.
بدءاً من نابليون بونابرت إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، يكتب سوليه تاريخ مصر من خلال حياة 20 شخصية كان لكل منها الدور المفتاح. الكاتب وفق فعلاً في غربلة الأسماء، وفي الكتابة عنها بتسلسل زمني يجعل حياة واحدها كأنه يكمل الآخر. والطريف أنه لم يميز بين سياسي وأديب ومطربة وقائد عسكري، فكل لعب الدور الذي أثر في رأيه في صناعة الأحداث. لهذا تم اختيار: محمد علي، ورفاعة الطهطاوي، وأحمد عرابي، واللورد كرومر، وسعد زغلول، وهدى شعراوي، وحسن البنا، وطه حسين، وجمال عبد الناصر، وأم كلثوم، وأنور السادات، ونجيب محفوظ، وآخرين غيرهم. أنسنة التاريخ وكتابته من باب شخصياته منحه مسحة تشويقية، وإن صعّب مهمة الكاتب الذي تحمّل عبء البحث عن الجوانب التفصيلية لكل شخصية لمنحها قوامها الأدبي وحرارة الحياة. وكلما تقدمت في صفحات الكتاب، اتضح لك كم أن تاريخ مصر صاخب هائج، وكم من الجنسيات والشعوب مرّت، حكمت وحاربت، هزمت وانتصرت، وكيف أن وصول جمال عبد الناصر إلى سدة الحكم لم يكن مجرد انقلاب ضباط شبان على الملكية، واستبدال جمهورية بها، وإنما وصول مصري إلى حكم مصر للمرة الأولى بعد غياب تاريخي طال أمده. فلم يكد نابليون بونابرت يقضي على حكم المماليك، حتى جاء محمد علي الألباني الأصل الطامح إلى إقامة إمبراطوريته، وتبعته سلالته التي بقيت تتولى السلطة حتى سقوط الملك فاروق. هذه الفترة المتقلبة، من بلوغ نابليون شواطئ الإسكندرية حتى الإطاحة بآخر سلالة محمد علي، تخللها استعمار ومعاناة، وتحكم من الإنجليز والفرنسيين والأتراك، وتسلط من الشركس. بمعنى آخر، فإن عبد الناصر مثّل بالنسبة للمصريين تحقيق حلم طال انتظاره فهو «من أصول مصرية، وابن الشعب»، كما أنه عربي، لذلك كان الأجدر بأن يحمل الحلم القومي، كما لم يفعل أحد من قبل.
في مطلع الكتاب، نلتقي بنابليون أو «السلطان الكبير»، كما سماه المصريون، الذي لم يصمد في مصر أكثر من 36 شهراً، وهرب مهزوماً بعد أن انكسر في عكا، وضاع حلمه الإمبراطوري بسبب تحالف بريطاني - عثماني. فقد كان هدفه النهائي الوصول إلى الهند، ورأى في الإسكندر قدوته، وانتهى حزيناً خائباً، فهو الذي كتب: «في مصر، وجدتني متحرراً من عوائق حضارة مزعجة. كنت أحلم بأشياء كثيرة، وأجد الوسيلة لتطبيق كل ما حلمت به. كنت أؤسس لديانة جديدة، وأرى نفسي في الطريق إلى آسيا ممتطياً فيلاً، وعلى رأسي عمامة، وبيدي قرآن جديد ألفته كما أشاء. كنت سأجمع في مشاريعي تجارب العالمين، وأستفيد من دروس التواريخ، وأهاجم القوة الإنجليزية في الهند، ثم أعود لأنسج بواسطة هذا الغزو علاقاتي مع أوروبا العجوز. الفترة التي أمضيتها في مصر كانت أجمل فترة في حياتي لأنها كانت الأكثر مثالية».
الفترة النابليونية على قصرها مهدت لتولي محمد علي، مؤسس مصر الحديثة، مقاليد الحكم، وفتحت الباب أمامه لإرسال بعثته العلمية الأولى إلى باريس، حيث أوفد 44 شاباً، على رأسهم الإمام الأزهري اليانع، رفاعة الطهطاوي. وهو الذي سيبزّ كل من ابتعث معهم، سواء في إجادة الفرنسية، أو كتابة مشاهدته، عملاً بنصيحة أستاذه حسن العطار الذي كان هو نفسه قد تتلمذ على يد علماء بونابرت في مصر. وبعودة الطهطاوي، سيصبح كتابه «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» الأول من نوعه عن الحياة في أوروبا، ويتحول إلى مرجع. كما سيفتتح مدرسة الألسن، ويطلق الترجمة، ويكون وراء كثير من المؤسسات الثقافية التي ستلعب أدواراً محورية، ويعين وزيراً للتعليم العام، ويطلق عصر النهضة الفكرية في العالم العربي.
ثم نصل إلى الخديوي إسماعيل الذي كان له فضل أحياء عمل كان قد بدأ قبل توليه الحكم بأربع سنوات ثم توقف، وهو وصل البحر الأحمر بالبحر الأبيض بواسطة قناة بطول 160 كيلومتراً. كان ذاك عام 1854، حيث الحلم بقناة السويس قد بدأ، والمخاوف تصاعدت، فلا الباب العالي يوافق خشية أن تنال مصر استقلالية أكبر، ولا إنجلترا خشية أن يدعّم المشروع النفوذ الفرنسي في المنطقة. أهدر إسماعيل كثيراً من الاستثمارات في مشاريع لم تثمر، وأورث خليفته بلداً مفلساً يقبع تحت رحمة دولتين دائنتين، هما فرنسا وبريطانيا، فرضتا سيطرة تشبه الاستعمار، ما سيحرّض على انبجاس حركة وطنية.
ويبين سوليه كيف أن ثورة أحمد عرابي هي حركة كفاح عسكريين مصريين هضمت حقوقهم لصالح الأتراك والألبان والأكراد من زملائهم. فقد انتظر عرابي عقدين ليصبح عقيداً، وهذه أعلى رتبة يستطع «ضابط فلاح» بلوغها. عرابي الذي جابه الإنجليز بجسارة، ودفع أثماناً غالية، منها تخوينه، لم يعد إليه الاعتبار بصفته بطلاً وطنياً إلا بعد نصف قرن من قبل عبد الناصر.
وكما لعب عرابي دوراً في بلورة الهوية المصرية، تمكن محمد عبدة، صاحب كتاب «التوحيد» الذي عين مفتياً للديار المصرية، من تدعيم فكرة أن النهضة لا تأتي إلا متسقة مع الإسلام الذي يحتاج إلى تحديث. وعلى الرغم من المعارضة، تمكن من فتح الباب أمام ظهور مصلحين ومثقفين وسياسيين، مثل لطفي السيد وسعد زغلول، وعلى يديه تتلمذ قاسم أمين.
ظهور سعد زغلول (أبو الأمة) هو امتداد لما سبق، فهو أحد طلاب جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده، معه اشترك في ثورة عرابي، وسجن بتهمة «المشاركة في جمعية سرية». وعلى الرغم من أنه فلاح مصري تمكن من السفر إلى فرنسا، ونيل إجازة في الحقوق، وأصبح وزيراً للتعليم، ومن ثم وزيراً للعدل. وانتظر حتى عام 1919، وانتهاء الحرب الأولى، ليلقي خطابه الحماسي الشهير الذي يطالب فيه بالاستقلال، ويرحل بسببه مع ثلاثة من رفاقه إلى مالطا، وتبدأ معارك حزب الوفد من أجل حرية مصر، سواء كان على رأس الحكومة أو خارجها. ويصف البراون فيرمن فان دان بوش الحقوقي البلجيكي زغلول بأنه «رجل إرادة وعناد، يثير العواصف ويجد الارتياح فيها كأنه في وسطه الطبيعي». ومع ظهور القومية العربية، تجاوزت أهمية زغلول مصر، لينظر إليه على أنه «زعيم الشرق كله».
من الصعب لمقالة أن تعكس روح الكتاب، المبنية أهميته على تفاصيله، والإيحاءات الذكية التي يستخدمها سوليه لمساعدة القارئ على ربط الأحداث والخروج باستنتاجات. فحين نصل إلى الصفحات المخصصة للملك فؤاد الأول (1917-1936)، نقرأ وصفاً مذهلاً لأحوال مصر بعد تفكك السلطنة العثمانية، فالقاهرة تحولت إلى باريس الصغرى، بترفها وبذخها ومقاهيها وأماكن اللهو. يقول الكتاب: «لم يسبق لمصر وأوروبا أن تقاربتا على هذا النحو قط». كانت عيون فؤاد الأول شاخصة نحو أوروبا. وفي هذا البلد الذي كانت تحتله بريطانيا منذ عام 1882، كل العقود كانت توقع بالفرنسية، وكثير من المراسلات الإدارية الرئيسية أيضاً، وحتى نقاشات مجلس الوزراء. كثيرة الشخصيات التي وقعت تحت التأثير الفرنسي. هدى شعراوي، ذات الجرأة الاستثنائية، كانت على تواصل مع كاتبات فرنسيات في معركتها، وتدعى إلى مؤتمرات نسوية في باريس، وتقضي عطلاتها في أوروبا. كما أنها أسست مجلة فرنسية شهرية في مصر، اسمها «المصريات»، استمر صدورها 15 سنة باللغة الفرنسية، فقد كانت مهتمة بإطلاع الرأي العام الغربي على حال المرأة والمجتمع في مصر. شعراوي لم تقف لا مبالية أمام خطر زحف اليهود على فلسطين، وعبرت عن رفضها الشديد، وخشيتها من أن يحل هؤلاء مكان الفلسطينيين، وأدانت الممارسات البريطانية والصهيونية.
وفي موازاة الشخصيات الوطنية التي طالبت بالاستقلال، ومالت للاستفادة من الغرب، ظهر حسن البنا الرافض لهذا التوجه، وأسس مع ستة من رفاقه عام 1928 تنظيم «الإخوان المسلمين»، وافتتح مدرسة وجامعاً في الإسماعيلية. ومن قرية إلى أخرى، انتقل الرجل، وزاد أتباعه بسرعة. وهو التنظيم السياسي المصري الأول الذي لم ينبثق من البرجوازية، وإلى هذا يعزو الكاتب سبب نجاحه. رفض البنا بشدة علمنة المجتمع المصري، ورأى أن «كل قطعة أرض خفقت فوقها راية الإسلام هي بالنسبة إلى كل مسلم وطن يجب المحافظة عليه، وأن يعمل ويجاهد من أجله»، مطالباً بإعادة نظام الخلافة.
الحديث عن ظهور المتناقضات والتيارات يقتضي الكلام عن طه حسين الذي أبصر بعيني زوجته الفرنسية سوزان، وأقر التعليم المجاني، وأسس لفكر نقدي، وحثّ على رؤية البعد المتوسطي لمصر، فاستحق تكريماً من أندريه جيد وجان كوكتو. ثم نمر على حكم الملك فاروق الذي انتزع منه العرش عام 1952، لينتهي بذلك حكم سلالة محمد علي، ويبدأ عهد جديد مع جمال بعد الناصر.
صوت أم كلثوم لم يكن بعيداً عن السياسة، فهي «صوت كل العرب»، والمواكبة بأغنياتها لكل حدث. كانت فاتحة أغنياتها الوطنية حين توفي سعد زغلول، ورثته بأغنية مطلعها «إن يغب عن مصر سعد، ينضب الماء ويبقى بعده النبت الكريم». يومها، بكى الجمهور، ومزقت السيدة منديلها.
بالطبع، لا ينتهي الكتاب دون المرور بسنوات أنور السادات السابح عكس التيار مع معاهدة «كامب ديفيد»، المتجه صوب أميركا، الراغب في «محو كل آثار الناصرية»؛ إنه «الرجل الذي جمع المتناقضات. أراد أن يحكم باسم العلم والإيمان، بطل حرب وسلام، مسلم متشدد وداعية حداثة وتنور». بطبيعة الحال، عصر السادات يستدعي صفحات عن نجيب محفوظ الأديب الذي لم تخلُ مواقفه السياسية من إثارة للجدل.
الصفحات الأخيرة المخصصة لحسني مبارك والرئيس السيسي لا تحمل للمتابع الدهشة أو الجديد، فهي إعادة سرد لأحداث عايشها وعاصرها، لكن قراءة مائتي سنة من حياة مصر على طريقة سوليه تفتح الأعين بالتأكيد على رؤية جديدة لتاريخ المنطقة العربية بأكملها.


مقالات ذات صلة

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

ثقافة وفنون «تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

تتقدم عدنية شبلي ببطء في روايتها «تمويه» الصادرة عن «دار الآداب» في بيروت، لترسم صورة إنسانية شفيفة لعائلة صغيرة، تعيش في ظل الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين.

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

صدر حديثاً، بالتعاون بين «دار نوفل» (هاشيت أنطون)، ودار «الفاضل للنشر»، رواية «اللّاروب» للكاتب والسياسي المغربي حسن أوريد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً...

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

واجهت الأقليات في المجتمع المصري متغيرات وتحولات سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية حادة في حقبة الخمسينيات من القرن الماضي في أعقاب عملية «التمصير» وما تلاه...

رشا أحمد (القاهرة)
كتب كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

في كتابه «رواد الواقعية في السينما المصرية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة ضمن سلسلة «آفاق السينما»، يتوقف الناقد والمؤرخ الفني دكتور وليد سيف..

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص
TT

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً مركزياً حول إمكانية «النجاة» في عالم يتعرض فيه كل شيء للهدم والاقتلاع القسري.

صدرت الرواية أخيراً عن «دار الكرمة» للنشر بالقاهرة، وتبدأ من لحظة ذروة؛ من خبر منشور عن استشهاد الطبيب المصري «عمر المهدي» في أثناء قيامه بجراحة لطفل بالمستشفى المعمداني في «غزة»، وهي اللحظة التي تُصيب البطلة «إيمان» بصدمة عنيفة، لتفتح السرد على مسارين متوازيين؛ الأول يعود بها إلى سنوات الجامعة وبدايات علاقتها العاطفية بـ«عمر»، بينما يتتبع المسار الثاني حياتها المعاصرة بعد أن أصبحت زوجة لمهندس زراعي طموح، اختارته امتثالاً لضغوط أسرتها للابتعاد عن حبيب سنواتها الجامعية، وزواجها ممن «تنطبق عليه شروط عائلتها الميسورة»، ليصبح اقتلاع الحب من منابته الأولى أحد الاختبارات المبكرة التي ستترك أصداءها العميقة في حياة البطلين لاحقاً.

منذ تلك اللحظة المبكرة، لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم، واكتشاف لهوية دفنتها البطلة طويلاً تحت حياة أكثر امتثالاً واستقراراً ظاهرياً، قبل أن يُعيد استشهاد «عمر» استدعاء نبوءة «السماء الثامنة» التي أخبرها بها ذات يوم، تحت ظلال أشجار عتيقة، حين تبادلا الحديث عن الحب وسماواته السبع وهما في سنوات الجامعة، وهي السماء التي ستدرك إيمان معناها بعد أن صار الوصول إليها مستحيلاً.

دين قديم

يطل السرد على سنوات الجامعة، وتشكّل حب «إيمان» و«عمر» داخل فضاء مُشبّع برومانسية البدايات وجسارة الأحلام، وتبدو نزهات الحبيبين وثيقة الصلة بالأماكن التي يعبرانها معاً، كاشفةً عن وعيهما بامتدادها التاريخي؛ لا سيما في حديقة الحيوان، بأشجارها العتيقة الممتدة منذ عصر الخديو إسماعيل.

وعبر جولات تتقاطع فيها الثقافة بالفن والتاريخ، تظهر المدينة كذاكرة حيّة مُهددة، خاصة مع الإشارات المتكررة في الرواية إلى هدم الفيلات ذات الطُرز المعمارية التاريخية، وتحويل البيوت القديمة إلى أبراج سكنية، وكأن الرواية تضع مصير العلاقات الإنسانية ومصير المدينة داخل المسار نفسه؛ فكما يُنتزع العاشقان من حلمهما القديم، تُنتزع الأمكنة بدورها من ذاكرتها، لتتحول القاهرة تدريجياً من فضاء حميمي للتجوال والحب، إلى مدينة تفقد ملامحها القديمة تدريجياً.

يعتني السرد برسم شخصية «عمر» بوصفه نموذجاً متسقاً مع الحب والقضية معاً؛ فهو طالب كلية الطب الحالِم الذي يقود مظاهرات منذ كان طالباً ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين حتى يستشهد بعد سنوات وهو يمارس مهنته متطوعاً في غزة، يتحدث عن «السماوات السبع للعشق»، حيث تمثل المرتبة السابعة «الهُيام»، قبل أن يلمّح إلى معنى آخر للحب يتجاوز المشاعر الفردية: «لا تقتصر السماء الثامنة على المشاعر التي تجمع العاشقين، إنما تسمو بهما معاً إلى مرحلة التضحية في سبيل القضايا الكبرى».

إلا أن حلم «عمر» بالوصول مع حبيبته إلى «السماء الثامنة» لا يكاد يتجاوز عتبة الحلم، بعد أن تخضع «إيمان» لضغوط أسرتها وتبتعد عنه، لتتحوّل تلك السماء تدريجياً إلى ما يشبه النبوءة الروحية التي تظل الرواية تستدعيها باستمرار.

ولا تدرك «إيمان» المعنى الحقيقي لهذه النبوءة إلا متأخرة، عبر الفقد والذنب، حين يتحوّل خبر استشهاد «عمر» من مجرد صدمة عاطفية إلى لحظة تعيد فيها تقييم حياتها التي تكتشف زيفها، فتغدو رحلتها إلى «رفح» محاولة متأخرة لإنقاذ ما تبقّى من ذاتها القديمة، وسداد دين قديم تجاه رجل عجزت يوماً عن التمسك باختياره له: «اعذرني يا عمر، تأخرت في اتخاذ قراري ولكني اتخذته أخيراً، وهأنذا قد جئتك بكامل إرادتي».

رغم غلبة القضية الفلسطينية على عالم الرواية، فإن حضورها لا يأتي بوصفه مساراً منفصلاً عن الحياة الشخصية للأبطال، بل يتسلل تدريجياً داخل نسيجهم العاطفي والإنساني، بحيث تبدو التحوّلات السياسية جزءاً من تكوين الوعي نفسه، لا مجرد خلفية للأحداث، فمنذ الإحالة إلى الحرب الأخيرة على غزة، تفتح الرواية طبقات متعددة من الذاكرة السياسية المصرية، عبر استدعاء مظاهرات الطلبة ضد الاحتلال الإسرائيلي في زمن الرئيس السادات، وما ارتبط بها من لحظات استقطاب سياسي، في إشارة إلى التشققات التي أصابت المجال العام مبكراً، وإلى هشاشة فكرة التضامن نفسها تحت ضغط الانقسامات السياسية.

في هذا السياق، لا تظهر جماعات «الإسلام السياسي» في الرواية كعنصر منفصل عن المشهد، بل كقوة تتغلغل تدريجياً داخل النسيج الوطني، مستفيدة من مساحات سمحت بها الدولة ذاتها في لحظات معينة، قبل أن تتحوّل إلى بنية تعمل في الخفاء وتعيد تشكيل المجال الاجتماعي والسياسي من الداخل، غير أن الرواية لا تتوقف طويلاً عند التحليل المباشر، بقدر ما تترك هذه التحوّلات تنعكس على مصائر الشخصيات.

لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم

إحالات فنية

ومع انتقال السرد إلى غزة، يقترب النص من الجانب الأكثر قسوة في الحرب، خاصة عبر تفاصيل العمل داخل مستشفياتها، حيث يصبح الجسد الفلسطيني نفسه مساحة يومية للعنف والحصار، ليقترب السرد مع نهاية الرواية من المشهد الذي يضطر فيه «عمر» إلى إجراء عملية بتر لمصاب من دون استخدام «مُخدر»، بعدما منع الاحتلال الإسرائيلي دخول الإمدادات الطبية، هنا لا تكتفي الرواية بإدانة الحرب من بعيد، بل تقترب من أثرها المادي المباشر على الجسد الإنساني، كاشفة كيف يتحوّل الطب نفسه من فعل إنقاذ إلى مواجهة شبه مستحيلة مع الألم.

تمتلئ الرواية بإحالات فنية وأدبية بوصفها امتداداً شعورياً للشخصيات نفسها، فعندما تُزيّن «إيمان» شعر «عمر» بزهور البنفسج، يحيلنا السرد إلى صورة الإله «باخوس» في لوحة «كارافاجيو» الشهيرة، وحين تعثر البطلة لاحقاً بين أشيائها القديمة على الرواية الفرنسية «الأميرة دي كليف» تجد نفسها متقاطعة مصيرياً مع بطلتها؛ امرأة ممزقة بين حب حقيقي وحياة اختارتها تحت ضغط، قبل أن يفيض بها الذنب هي الأخرى، وتستدعي الرواية تحديداً قرار «الأميرة دي كليف» في نهايتها «باللجوء إلى الخدمة العامة للتكفير عن ذنبها»، وهو ما ينعكس بدوره على رحلة «إيمان» إلى رفح، بوصفها محاولة متأخرة للخلاص، أو لسداد دين عاطفي وأخلاقي قديم، ليصبح توظيف الفنون في الرواية أقرب إلى انعكاسات مرآوية شجية.

ولا تبدو هذه الإحالات الفنية والأدبية منفصلة عن التكوين النفسي للأبطال، بقدر ما تكشف عن الطريقة التي يرى بها «عمر» و«إيمان» العالم؛ فالحب عندهما لا يتشكل في فراغ، بل عبر الفن، والموسيقى، والكتب، والمدينة القديمة بكل طبقاتها الثقافية والرمزية لذلك تأتي استعادة اللوحات والروايات والأماكن التاريخية بوصفها محاولة لمقاومة القبح والعنف المحيطين بهما، وكأن الشخصيتين تحاولان الاحتماء بالجمال من عالم يتآكل تدريجياً تحت وطأة الحرب والهدم والخسارات المتتالية.

من ثم، في موازاة رثاء الحب، تبدو «السماء الثامنة» في أحد مستوياتها رثاءً لأبرياء الحرب، ومحاولة للتمسك بما تبقى من الحب والحقوق والذاكرة، في عالم يتآكل فيه البشر والمدن معاً.


اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد
TT

اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

واجهت الأقليات في المجتمع المصري متغيرات وتحولات سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية حادة في حقبة الخمسينيات من القرن الماضي في أعقاب عملية «التمصير» وما تلاه من هيمنة مفهوم «العروبة»، وهو ما أثار أسئلة تتعلق بمن يكون عربياً ومن لا يكون كذلك، على نحو دفع «الآخرين» إلى هوامش محصورة.

هذا ما تذهب إليه الباحثة الفلسطينية نجاة عبد الحق، الحاصلة على الدكتوراه من قسم «التاريخ الحديث للشرق الأوسط» بمعهد العلوم السياسية بجامعة فريدريش ألكسندر إيرلانجن نورنبرغ الألمانية، في كتابها «اليهود واليونانيون في مصر - ودورهم الاقتصادي حتى 1960»، الصادر عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة عبد الرحيم يوسف.

تشير المؤلفة إلى أن المسار الاقتصادي لمصر منذ 1857 والذي وصل إلى ذروته مع تأميم الشركات والمصانع والمؤسسات في عامي 1960-1961 لم يستهدف القطاع الخاص وإنما قلل من شأنه، إضافة إلى النقد اللاذع الموجه إلى «البرجوازية الزراعية» من أجل الترويج لفكر الاشتراكية.

واعتبر صناع هذا المسار أن وكلاء هذه البرجوازية لم يكونوا أكثر من رأسماليين جشعين قاموا باستغلال الشعب أبشع استغلال في الوقت الذي كانت فيه الأقليات سواء محلية أو أجنبية، أرمنية أو يونانية أو إيطالية أو يهودية أو سورية منخرطة بشدة في القطاع الخاص وهيمنت بالفعل على نسبة منه، وهو ما أثر على الصورة النهائية لتك الأقليات.

تبرز هنا الأقليتان اليهودية واليونانية باعتبارهما الأقليتين الأكبر من ناحية العدد والتأثر الاقتصادي، فبرغم الجدل المثار حول كلتا الجماعتين، يبين تحليل بيانات 759 شركة مساهمة جرى توثيقها في الفترة من 1885إلى 1960، فإنَّ مشاركة اليهود واليونانيين المصريين في تأسيس هذه الشركات قد تجاوز النصف وكان العنصر المركزي في ريادة الأعمال وهو الابتكار حاضراً بوضوح بينهم، حيث بلغ عدد الشركات الابتكارية المصرية نحو الثلث من إجمالي عدد الشركات في السوق مع هيمنة واضحة لليهود واليونانيين على هذا الثلث.

تراوح عدد اليونانيين المصريين ما بين عامي 1937و1947 من 8 آلاف إلى 57 ألف فرد، فيما تراوح عدد اليهود المصريين في الفترة نفسها بين 63 ألف إلى 100 ألف فرد من إجمالي عدد السكان الذي بلغ نحو إلى 19 مليون نسمة في عام 1947، بحسب الإحصاءات والبيانات التي تستند إليها المؤلفة، وهى معلومات مهمة على صعيد تحليل الدور الاقتصادي لكل جالية مقارنة بالعدد التقريبي لأفرادها.

في الفترة بين 1929 و1948 لم يتغير قانون الجنسية المصرية لكن السياق الداخلي والخارجي كان هو ما تغير ومعه تغير الموقف تجاه الأقليات، حيث يكشف تعداد عام 1947 أن نحو 75 في المائة من يهود مصر كانت لديهم جنسية مصرية، لكن مع تطبيق السياسات المتعلقة بقانون الشركات رقم 138 وما يرتبط به من حقوق منح الجنسية، أدى إلى أن تصبح نسبة كبيرة للغاية من هؤلاء بلا جنسية وبالتبعية إلى الخروج من مصر.

كان قانون الشركات رقم 138 لسنة 1947 السبب الرئيسي وراء احتياج اليهود المصريين إلى دليل توثيقي لوضعهم بوصفهم مواطنين مصريين بصرف النظر عما إذا كانت جذورهم ممتدة في هذا البلد لأجيال، وقد توجه ذلك القانون في الأساس نحو مراجعة حالة الحرية واسعة النطاق التي كان يتمتع بها القطاع الخاص في الثلاثينيات والأربعينيات، وفي الوقت نفسه نحو محاولة توفير وظائف للشباب المصريين عن طريق تحديد عدد الموظفين والعمال غير المصريين.

مثَّل عام 1956 وما شهده من عدوان ثلاثي ضد مصر قادته بريطانيا وفرنسا وإسرائيل نقطة تحول جوهرية بالنسبة إلى وضع الأقليات في مصر وتزايدت معدلات هجرتها العكسية، وهو ما تزامن مع القانون رقم 315 لسنة 1955 والقرار الوزاري رقم 10 لسنة 1956 الخاص بتحويل كل الشركات الأجنبية والممتلكات الأجنبية إلى أيدي المصريين.

ومع تراجع دور القطاع الخاص، تأثَّرت الروح الريادية في الأعمال وهي التي كانت قاطرة الاقتصاد منذ أواخر القرن التاسع عشر، فالأفراد الذين كانوا هم العقول المدبرة للنمو الاقتصادي سواء كانوا يهوداً أو يونانيين أو حتى مسلمين وأقباطاً غادروا مواقعهم، حيث ظلت مباني الشركات وماكيناتها وعمالها قائمين، ولكن من دون عناصر الإلهام والبراعة التي كانت تتمثل في القيادات المغادرة.

ورغم تلك التطورات، تؤكد الباحثة أن جميع أفراد الطائفتين اليونانية واليهودية التي التقتهم عبر المقابلات الشخصية والحوارات العامة والاستبيانات يؤكدون على عنصر واحد يشتركون فيه جميعاً، وهو انتماؤهم القوي إلى مصر كبلد عظيم بطعامه وثقافته وأهله، فضلاً عما يشعرون به من حنين لا شفاء منه.


كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية
TT

كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

كمال سليم... مؤسس نهضة السينما المصرية

في كتابه «رواد الواقعية في السينما المصرية»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة ضمن سلسلة «آفاق السينما»، يتوقف الناقد والمؤرخ الفني دكتور وليد سيف طويلاً أمام تجربة المخرج كمال سليم باعتباره أول من أخذ على عاتقه تقديم دراما مستلهمة من الحارة الشعبية والشارع عبر الشاشة الفضية، على نحو يعكس الصورة الحقيقية للمجتمع، لتصبح أعماله بمثابة نقطة تحول غير مسبوقة في تاريخ الفن، ويطلق عليه البعض لقب «أبو السينما المصرية».

ويشير المؤلف إلى أن كمال سليم وُلد في حي «القلعة» العريق بالقاهرة عام 1913، لينشأ في بيئة شعبية خصبة كانت بمثابة المنبع الأول لوعيه السينمائي الذي تشكَّل مبكراً في فترة تميزت بحراك وطني وثقافي، حيث كانت البلاد تسعى لترسيخ هويتها في مواجهة الاستعمار، وكانت الفنون، والسينما تحديداً، تبحث عن لغة تعبر عن «المصري الأفندي» و«المصري الكادح» بعيداً عن القصص المقتبسة حرفياً من الروايات الفرنسية أو الأفلام الهوليودية التي كانت سائدة آنذاك.

بدأ شغف كمال سليم بالسينما يتجاوز مجرد المشاهدة، فسافر إلى فرنسا لدراسة السينما بجهد ذاتي، وهناك احتك بالتيارات الواقعية الأوروبية الناشئة التي كانت تنادي بالنزول بالكاميرا إلى الشارع والاهتمام بقضايا الإنسان البسيط، وهو ما جعله يعود إلى مصر محملاً برؤية مغايرة تماماً لما كان يقدمه رواد السينما الأوائل مثل يوسف وهبي أو عزيزة أمير الذين غلب على أعمالهم الطابع الميلودرامي المسرحي.

عند عودته، واجه سليم تحديات عديدة في إقناع المنتجين بجدوى تقديم أفلام تخلو من القصور والباشوات، لكن محطته الأبرز والأهم في تاريخ السينما العربية جاءت عام 1939 حين أخرج فيلمه الخالد «العزيمة»، الذي لم يكن عملاً سينمائياً عابراً، بل جاء بمثابة «بيان الواقعية الأول».

تدور أحداث الفيلم في حارة شعبية حقيقية، متناولاً قصة (محمد) الشاب المتعلم الذي يكافح من أجل الحصول على وظيفة ويرغب في الزواج من ابنة جاره، ليصطدم بآلام البطالة والفساد والمحسوبية، عبر شريط سينمائي أتاح للجمهور المصري لأول مرة أن يرى نفسه على الشاشة ويشاهد الحارة بتفاصيلها اليومية، ويسمع لغة الشارع الصادقة، فضلاً عن الصراع الطبقي والاجتماعي الذي طُرح بجرأة فنية لم يسبق لها مثيل.

نجح كمال سليم في «العزيمة» في توظيف الإضاءة والزوايا ليجعل من «المكان» بطلاً موازياً للشخصيات، مما جعل الفيلم يتصدر قائمة أفضل مائة فيلم في تاريخ السينما المصرية حتى يومنا هذا.

امتدت مسيرة كمال سليم لتشمل مجموعة من الأعمال التي حاولت تكريس هذا المنهج رغم الضغوط الإنتاجية، منها فيلم «إلى الأبد» عام 1941، و«شهداء الغرام» عام 1944 الذي قدم فيه رؤية سينمائية لقصة روميو وجولييت بروح مصرية، كما تميز أسلوبه بقدرة فائقة على إدارة الممثلين، حيث استطاع استخراج أداء طبيعي وتلقائي من نجوم مثل فاطمة رشدي وحسين صدقي، بعيداً عن المبالغات المسرحية التي كانت شائعة في ذلك التوقيت.

كما اهتم سليم بالبناء الدرامي المتماسك، فكان يكتب السيناريو والحوار لأغلب أفلامه، ليمنح أعماله وحدة فنية ورؤية إخراجية متكاملة، من خلال رؤية فكرية ترى في السينما رسالة اجتماعية قبل أن تكون وسيلة ترفيه، ولذلك كانت أفلامه دائماً ما تنتهي ببارقة أمل أو دعوة للعمل والكفاح، وهو ما يفسر تسمية فيلمه الأهم باسم «العزيمة».

غيَّب الموت كمال سليم في ريعان شبابه عام 1945 عن عمر ناهز 32 عاماً فقط، غير أن الأثر الذي تركه كان عميقاً ومستداماً بعد أن مهَّد الطريق لظهور جيل كامل من مخرجي الواقعية الذين جاءوا من بعده، أمثال صلاح أبو سيف وصلاح التهامي، الذين استلهموا من مدرسته ضرورة الالتصاق بقضايا المجتمع.

وتكشف شهادات من ممثلين ومخرجين ونقاد عن عمق تجربة كمال سليم وخصوصيتها البارزة، باعتباره أحد الرواد الأوائل الذين لم يحظوا بما يستحقون من تقدير، ومنهم المخرج صلاح أبو سيف الذي كان يعتبره أستاذه الأول، وأكد مراراً بأنه هو من أخرجه من جدران الاستوديوهات الضيقة إلى الحارة المصرية الحقيقية، لافتاً إلى أنه لولا «العزيمة» لما وجدت المدرسة الواقعية التي اشتهر بها أبو سيف لاحقاً.

أما يوسف شاهين فوصفه بأنه المخرج الذي «كسر القالب التقليدي» للسينما الغنائية والكوميدية التي كانت سائدة، ونجح في جعل «الحارة» بطلاً درامياً يضاهي الشخصيات البشرية، بينما يشير الناقد سمير فريد في دراساته التاريخية إلى أن سليم كان يمتلك رؤية سوسيولوجية سابقة لعصره، حيث لم يكتفِ بنقل الواقع، بل حلل الصراع الطبقي بذكاء سينمائي، معتبراً رحيله خسارة فادحة.

وذكر الفنان أنور وجدي في مذكراته أن العمل مع كمال سليم كان بمثابة درس في «الأداء الطبيعي»، حيث كان سليم يرفض المبالغة المسرحية ويصر على أن يتحدث الممثلون كما يتحدث الناس في الشارع.