القوى الخاسرة في الانتخابات العراقية ترهن التفاوض بحسم الطعون

استمرار مساعي التهدئة بعد تحوّل الاحتجاجات لاعتصام مفتوح... والكاظمي يحذّر من قطع الطرق وتعطيل الحياة العامة

خيمة للمعترضين على نتائج الانتخابات قرب أحد مداخل المنطقة الخضراء ببغداد أمس (رويترز)
خيمة للمعترضين على نتائج الانتخابات قرب أحد مداخل المنطقة الخضراء ببغداد أمس (رويترز)
TT

القوى الخاسرة في الانتخابات العراقية ترهن التفاوض بحسم الطعون

خيمة للمعترضين على نتائج الانتخابات قرب أحد مداخل المنطقة الخضراء ببغداد أمس (رويترز)
خيمة للمعترضين على نتائج الانتخابات قرب أحد مداخل المنطقة الخضراء ببغداد أمس (رويترز)

استمرت أمس (الأربعاء) مساعي التهدئة في العراق بعد تحوّل الاحتجاجات ضد نتائج الانتخابات الأخيرة إلى اعتصام مفتوح أمام بوابة المنطقة الخضراء ببغداد، وسط رهان من القوى الخاسرة على نتائج الطعون المقدمة إلى لجنة الانتخابات قبل الدخول في مفاوضات مع الأطراف السياسية الأخرى.
وأكد رئيس الحكومة العراقية القائد العام للقوات المسلحة مصطفى الكاظمي، أمس، التزام بلاده بحماية بعثة الأمم المتحدة لدى العراق، والبعثات الدبلوماسية الأخرى لدى البلاد، من أي تهديد، ودعمها للقيام بمهامها، في نطاق التزام العراق بالقوانين والأعراف الدولية. وجدد الكاظمي، خلال اجتماع للمجلس الوزاري للأمن الوطني، موقف العراق الثابت في رفضه أن يكون منطلقاً للاعتداء على أي دولة أخرى. وقال إن التظاهر السلمي «حق دستوري، ومن واجب القوات الأمنية تأمين حق التعبير عن الرأي، على ألا يتضمن التجاوز على القانون والنظام أو التضييق على المواطنين، وقطع الطرق وتعطيل الحياة العامة، أو الاعتداء على الأملاك العامة والخاصة، أو الإساءة إلى هيبة الدولة»، حسب ما أوردته وكالة الأنباء الألمانية. وأضاف أن «الحكومة أدت دوراً كبيراً لإجراء الانتخابات، ونجحت الأجهزة الأمنية في تأمين المراكز الانتخابية والمرشحين والناخبين، وجرت الانتخابات، وللمرة الأولى، من دون حظر للتجول، ومن دون مفخخات أو اغتيالات وأعمال إرهابية»، حسب بيان للحكومة العراقية.
وأكد الكاظمي أن الاعتراض على نتائج الانتخابات يجب أن يكون ضمن الإجراءات القانونية المعمول بها، وهي المسار القانوني الطبيعي والسليم. ودعا المتظاهرين إلى التعاون مع القوات الأمنية؛ من أجل القيام بمهامها في حفظ الأمن والحفاظ على سير الحياة العامة.
جاء ذلك في وقت دعا فيه زعيم «تحالف الفتح»، هادي العامري، المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق إلى النظر بجدية في جميع الطعون المقدمة لها من أجل «طمأنة الجميع وإثبات حياديتها الكاملة». وقال العامري، في بيان صحافي: «مما لا شك فيه أن المطالبة بالحقوق بالطرق السلمية والحضارية ووفق الإجراءات الأصولية حق كفله الدستور». وأضاف: «أتقدم بالشكر والتقدير لكل الإخوة المتظاهرين لحرصهم على سلمية المظاهرات ولتعاملهم العالي مع الأجهزة الأمنية حماة الوطن، وأملي بهم الاستمرار بهذا النهج السلمي وإنهاء ظاهرة حرق الإطارات وقطع الطرق بالسرعة اللازمة؛ فهذه الأمور تجب مراعاتها بكل دقة»، حسب ما نقلت عنه وكالة الأنباء الألمانية.
ودخلت اعتصامات أنصار الأحزاب الشيعية التي فقدت كثيراً من مقاعدها في البرلمان العراقي بعد الانتخابات البرلمانية التي جرت في 10 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، يومها الثاني قبالة إحدى بوابات المنطقة الخضراء الحكومية وسط بغداد. ويطالب المعتصمون بـ«إعادة العد والفرز لنتائج الانتخابات يدوياً ومعالجة حالات التزوير التي رافقت عملية التصويت».
من جانب آخر، انطلقت أمس مظاهرات مماثلة في محافظات بابل وواسط وذي قار وديالي، مرددة المطالب نفسها، حسب وكالة الأنباء الألمانية.
وبالتزامن مع اعتصام الخاسرين، بدأت الكتل والأحزاب التي حققت فوزاً كبيراً في البرلمان المقبل تحركات بهدف التهدئة. ففيما لا تريد القوى الخاسرة الاعتراف بالهزيمة وتوحي لجمهورها بأن تلاعباً كبيراً حدث في نتائج الانتخابات يستدعي كل هذا الغضب، فإن القوى الفائزة تريد البدء بإجراءات عقد الجلسة الأولى للبرلمان وتحديد الكتلة الكبرى ومن ثم انتخاب رئيس جديد للبرلمان ورئيس للجمهورية. والأزمة في الظاهر شيعية ـ شيعية بين قوى حصلت على أعلى المقاعد مثل الكتلة الصدرية بزعامة مقتدى الصدر التي حصلت على 73 مقعداً، وبين قوى أخرى تراجعت مقاعدها كثيراً عما كانت عليه مثل «تحالف الفتح» بزعامة هادي العامري. ومع أن «ائتلاف دولة القانون» بزعامة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي حل في المرتبة الثانية شيعياً بعد الكتلة الصدرية بحصوله على 33 مقعداً، لكنه عدّ نفسه جزءاً من الإطار التنسيقي الرافض لنتائج الانتخابات. ولم يبحث ائتلاف المالكي عن مقاعد إضافية؛ لكنه سعى إلى احتواء القوى الخاسرة لكي يربح ما لديها من مقاعد في إطار معركته المؤجلة مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر بشأن الكتلة الكبرى التي ترشّح من بين أعضائها رئيساً للوزراء.
وطبقاً لمعلومات حصلت عليها «الشرق الأوسط» من مصدر مطلع، يقود زعيم «تيار الحكمة» رئيس «قوى الدولة» عمّار الحكيم مساعي التهدئة حالياً بين مختلف الأطراف. وقال المصدر إن «الأمور لم تصل إلى مرحلة المفاوضات بعد، لكنها محاولات للملمة الوضع السياسي لكيلا يحتقن أكثر».
وكان الحكيم قد التقى مساء أول من أمس الرئيس العراقي برهم صالح. كما التقى أمس وفداً من «التيار الصدري» برئاسة حسن العذاري، رئيس الكتلة الصدرية. وأفاد بيان عن مكتب الحكيم بأن الأخير أكد «أهمية الوئام الوطني ورسائل الاطمئنان المتبادلة بين جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «الانتخابات كانت وسيلة لخروج العراق من أزمة سياسية كان قد عاشها في مرحلة سابقة، لذا لا بد من أن تسهم نتائجها في تحقيق تطلعات الشعب العراقي ومطالبه بالخدمات وفرص العمل وحفظ الدولة والسيادة». كما أكد البيان أن «تيار الحكمة» «لعب وسيلعب دوراً في تقريب وجهات النظر لما يملكه من علاقات طيبة مع جميع الكتل السياسية»، مبيناً أن «هذا الدور نابع من قراءتنا لضرورة جمع الكلمة على المصلحة العراقية بالدرجة الأساس».
وكانت القوى الخاسرة في الانتخابات والتي بدأت تعزز مظاهراتها أمام بوابة المنطقة الخضراء، أعلنت أنها ترفض أي مفاوضات قبل النظر في الطعون التي تقدمت بها إلى المفوضية العليا المستقلة للانتخابات. وبينما لا أحد يعرف هل ستسفر مساعي التهدئة التي يتولاها الحكيم عن نتائج إيجابية، فإن القوى السنية والكردية بدأت تتحرك هي الأخرى من أجل الضغط على بقية الأطراف لكي يتم استكمال مسار الانتخابات عبر تشكيل الحكومة، رغم قناعة الأطراف الشيعية أن الأكراد والسنة لا يمكنهم التحرك بمعزل عن شركائهم الشيعة.
وفي هذا السياق، أكد النائب الفائز عن «دولة القانون» محمد الصيهود، في تصريح له، أن «الكتل السياسية السنية والكردية لا يمكن لها أن تشكل تحالفاً مع قوى سياسية شيعية وتقاطع كتلاً سياسية شيعية أخرى. بمعنى أنها لا يمكن أن تتحالف مع الكتلة الصدرية وتترك (قوى الإطار التنسيقي)». وتابع أن «الكتل السياسية السنية والكردية تعمل على تشكيل الحكومة العراقية من خلال التحالف والتحاور والتفاوض مع الإجماع السياسي الشيعي، وهذا الأمر عملت عليه هذه القوى طيلة السنوات (الماضية)». وتابع أن هذه الكتل «تنتظر توحيد الموقف الشيعي حتى تدخل بحوارات وتفاوضات جدية بشأن تشكيل الحكومة الجديدة».
إلى ذلك؛ ردت «الهيئة القضائية للانتخابات» المشكلة في «مجلس القضاء الأعلى» إعادة الطعون بنتائج الانتخابات إلى المفوضية. وعزت «الهيئة» قرارها إلى أن «الطعون جاءت قبل إعلان النتائج النهائية». ودعت «الهيئة» مجلس المفوضين إلى «إعلان النتائج النهائية وانتظار طعون جديدة وتوحيد الطعنين أصولياً لكي يتسنى تدقيقها وحسمها ضمن المدة الزمنية المحددة قانوناً».



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.