وول سوينكا... الرواية الأولى منذ نصف قرن

أول كاتب من أفريقيا السوداء يحوز جائزة نوبل للآداب

الكاتب النيجيري وول سوينكا
الكاتب النيجيري وول سوينكا
TT

وول سوينكا... الرواية الأولى منذ نصف قرن

الكاتب النيجيري وول سوينكا
الكاتب النيجيري وول سوينكا

يرفض الكاتب الحائز على جائزة نوبل وول سوينكا، والذي تعد روايته الجديدة «سجلات من أرض أسعد شعوب الأرض» الأولى له منذ ما يقرب من 50 عاماً، التراجع عندما يستشعر خطراً يهدد حرية وطنه، نيجيريا - ودائماً ما يتسبب الناشط المثير للجدل وول سوينكا في المشكلات. ومن بين الأمثلة على ذلك، عندما سيطر على إدارة محطة إذاعية لمنعها من بث ما وصفه بأنه نتائج انتخابات مزيفة، الأمر الذي تسبب في الزج به إلى السجن، أو عندما تسلل إلى بيافرا في ذروة حربها من أجل الاستقلال عن نيجيريا، وقضى عامين قيد السجن الانفرادي بعدما دعا إلى إنهاء القتال.
الواضح أنه في اللحظة التي يشعر أول شخص داكن البشرة وأول أفريقي يحوز جائزة نوبل للآداب بأن قيماً مثل الحرية والديمقراطية يتهددها الخطر داخل وطنه الحبيب، فإنه لا يملك حينها سوى المسارعة إلى المشاركة.
وعن هذا الأمر قال سوينكا البالغ 87 عاماً خلال مقابلة أجريت معه في أبيوكوتا، مسقط رأسه في جنوب نيجيريا: «إنه طابع شخصيته».
ويصف سوينكا منزله من الطوب، الذي تحيطه غابات وطيور، بأنه ملاذه. كانت نبرات صوته العميق والمميز، تحمل أصداء المسرحيات التي لطالما اشتهر بها، والتي تتميز بالتنقل المستمر ما بين لحظة تشهد حدثاً مهيباً وأخرى تتميز بخفة الظل.
أما قميصه، الذي تم فك أزراره حتى الخصر تقريباً، فبدا متناغماً مع سمعته كمتمرد. إنه الشخص الذي مزق بطاقته الخضراء الأميركية بعد أن أصبح دونالد ترمب رئيساً لأميركا. كما أنه الشخص الذي أطلق على رئيس بلاده «ريب فان وينكل التاريخ النيجيري»، ووصف الرئيس الأوغندي بأنه «عجوز وقح».
وكثيراً ما يمزح سوينكا ويسخر من نفسه بسبب هذه النزعة في شخصيته وميله الدائم للتعبير صراحة عما يدور في ذهنه.
قال سوينكا مبتسماً بينما كنا نجلس على مقاعد بذراعين مصنوعة من القصب في رواق مرتفع ومفتوح: «لسوء الحظ، البعض منا لا يتسم بالحكمة الكبيرة. نحن نعرف ما يجب علينا فعله، ومتى علينا أن نتقاعد، ومتى ينبغي لنا الرحيل والاختباء في مكان ما والعيش في حياة مريحة، ومع ذلك لا ننتبه إلى نصائحنا لأنفسنا، أليس كذلك؟ هذا أمر أراه لغزاً».
العام الماضي ونظراً لاعتقاده بأنه بحاجة إلى تغيير بعد فترة طويلة قضاها «منغلقاً على نفسه داخل مكتبه»، كاد ينتهي من إخراج مسرحيته «الموت وفرسان الملك» التي نشرها عام 1975 في لاغوس، ولم يدرك سوى بعد بضع قراءات أنه لا يرغب في الاضطلاع بهذا الأمر.
بدلاً من ذلك، تولى صديقه المخرج السينمائي والمسرحي النيجيري بولان أوستن بيترز، المسرحية التي تدور حول كبير معاوني أحد الملوك الذي يجب أن يموت عندما يموت سيده. وبدت المسرحية كأنها هدية غالية في خضم ندرة الفعاليات والعروض المسرحية أثناء الوباء. وبعد عقود من كتابة المسرحية، هلل جمهور لاغوس لها خلال أمسية في مايو (أيار)، وهتفوا وبكوا أثناء العرض الذي ترددت خلاله أصداء صوت سوينكا المميز الهادئ.
إلا أنه في بعض الأحيان، يتسبب المزاج الناري في تشتيت سوينكا عن الكتابة. إلا أن إرول ماكدونالد الذي يتولى مهمة تحرير أعمال سوينكا منذ فترة طويلة، يرى أن جانبي الناشط والكاتب من شخصية سوينكا يتعايشان معاً. وقال عن ذلك: «إنهما يتغذيان على بعضهما. من المستحيل التفكير في أحدهما دون الآخر». وعلى ما يبدو، يستمر الناشط سوينكا في إمداد سوينكا الكاتب بمواد ثرية تصلح للكتابة.
وينطبق ذلك على عمله الأدبي الأخير، «سجلات من أرض أسعد شعوب الأرض»، التي تعد روايته الأولى منذ ما يقرب من 50 عاماً، والتي من المفروض أن دار بانثيون في الولايات المتحدة قد نشرتها يوم الثلاثاء (أمس). قد تبدو التقلبات في حبكة القصة، ومجموعة الشخصيات المفعمة بالحيوية، وعناصرها شريرة لأقصى حد - فهناك شركة تبيع أجزاء من جسم الإنسان ونبي كاذب يجمع عناصر من ديانات مختلفة لتناسب أغراضه - إنها حبكة غير محتملة، لكنها ليست كذلك في عين شخص تربطه علاقة حميمة مع نيجيريا.
ولد سوينكا في إبادان، وترعرع على يد أبوين مسيحيين متحابين، ومع جده، الذي يؤكد سوينكا، أنه كان من أبناء أوغون، إله الشعر واليوروبا (مجموعة عرقية)، والحدادين ونبيذ النخيل. ويعد أوغون مصدر إلهام رئيسياً لسوينكا.
درس سوينكا في بريطانيا، الدولة التي استعمرت نيجيريا، وعندما عاد في يوم رأس السنة الجديدة 1960، كان وطنه يشق طريقه نحو الاستقلال. وعليه، ألقى سوينكا بنفسه في بحر استكشاف وتنمية وطنه الحر الجديد.
ومع ذلك، لم يمضِ وقت طويل قبل أن تخذله طبقة السياسيين الجدد في البلاد، وظهرت أمامه دلائل التزوير الانتخابي في غرب نيجيريا جلية. وكان إجباره المذيع بهيئة الإذاعة على قراءة رسالة تدين التزوير الانتخابي تحت تهديد السلاح أولى محاولاته الدراماتيكية لمحاسبة السياسيين في البلاد، لكنها في الوقت ذاته كانت مجرد بداية نضال استمر مدى الحياة.
في هذا الصدد، قال أوستن بيترز متحدثاً عن سوينكا: «يبدو كأنه لا يمكن المساس به تقريباً، وذلك لأنه دفع الثمن بالفعل، بجانب أنه شخص مشهور دولياً».
جدير بالذكر في هذا الصدد أن سوينكا اضطر مرات عدة إلى التسلل من نيجيريا إلى المنفى، نتيجة الخطر الذي ظل يتهدد حياته بسبب حديثه علانية ضد السياسيين في ذلك الوقت. (ذات مرة، تسلل إلى خارج نيجيريا وفر إلى بنين المجاورة).
عام 1994، لاحقه الديكتاتور العسكري ساني أباشا، ما اضطره إلى الفرار من أبيوكوتا، بينما كان يتشبث بمؤخرة دراجة نارية طوال 10 ساعات. في تلك الليلة، أعلن أمام نفسه قسماً بينما كان متوجهاً إلى المنفى عبر مسارات ترابية خلال الغابة. يقول: «شيء ما أصاب مستوى حساسية هذه الأمة، لكنني لم أتمكن من التعرف عليه بالكامل. ويبدو أن شيئاً ما خرج عن مساره».
من جانبه، يعبر أوستن بيترز، مدير المسرح، عن الشعور نفسه: «المشكلة متوطنة. لقد كانت هناك دوماً، لكنها تكبر يوماً بعد يوم. لم تعد لدينا مؤسسات بعد الآن، فجميع المؤسسات التي اعتنت بنيجيريا انهارت».
جدير بالذكر هنا أن نيجيريا تعد أكبر دولة في أفريقيا من حيث عدد السكان، وهي دولة ذات تنوع مذهل من نواحٍ كثيرة: اللغة والدين والعرق والمناظر الطبيعية. وقد تعرضت على مدار العقد الماضي أو نحو ذلك لأزمة تلو الأخرى. وابتليت بجماعة «بوكو حرام» وجماعة أخرى خرجت من رحمها هي ولاية غرب أفريقيا الإسلامية، في شمال شرقي البلاد، ما أسفر عن مقتل عشرات الآلاف من المدنيين. وأصبحت عمليات الخطف الجماعي أمراً شائع الحدوث في الشمال الغربي. وتحولت الاشتباكات بين الرعاة الذين دمرت مواشيهم الأراضي الزراعية والمزارعين الذين وسعوا حقولهم، بحيث اعتدت على ممرات رعي تقليدية، إلى قضية سياسية محفوفة بالمخاطر.
وتستهدف قوات الأمن المدنيين، بما في ذلك كثير من الشباب لدرجة أنه في العام الماضي، بعد فترة وجيزة من ظهور احتجاجات حركة «حياة السود مهمة»، نهضت حركة أطلقت على نفسها «ضعوا نهاية لسارس» (وسارس اختصار يشير إلى الوحدة الخاصة لمكافحة السرقة في نيجيريا، وهي وحدة بوليسية يتهمها متظاهرون بارتكاب انتهاكات).
وناشدت هذه الحركة سوينكا الانضمام لمسيراتها، حسبما ذكر. وجاءت شروطه للموافقة على النحو التالي:
> توفير كرسي متحرك كهربائي.
> توفيرر واقٍ من الغازات المسيلة للدموع.
في روايته «يجب أن تنطلق في الفجر»، يقتبس سوينكا أحد أمثلة اليوروبا، المجموعة العرقية التي ينتمي إليها، الذي يشير إلى أنه عندما يشيخ المرء، يتوقف عن الانغماس في المعارك.
ويعلق سوينكا على هذا المثل بقوله إنه عندما جرت صياغة هذه الحكمة، لم يكن الكيان المسمى نيجيريا في الحسبان.
الواضح أن المكانة التي يتمتع بها سوينكا بفضل حصوله على جائزة نوبل عززت صوته في خضم مثل هذه المعارك، في وقت يشعر فيه الكاتب بمسؤولية تجاه ضرورة استغلاله هذه المكانة. ومع ذلك، يتحسر الكاتب بعض الأحيان على راحة البال عندما لم يكن معروفاً قبل حصوله على جائزة نوبل ويعرب عن أمله في العودة إليها - لكن يبدو أن النجاح لا يحالفه في ذلك طوال الوقت.
- خدمة «نيويورك تايمز»



زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان
TT

زيغمونت باومان يكشف عن تهافت الحداثة وفقرها الأخلاقي

باومان
باومان

لم تكف الحداثة التي انطلقت قبل قرنين من الزمن عن نقل الحياة على الأرض من طور إلى طور، ورفد المسيرة البشرية بما يلزمها من أسباب الرفاهية المادية والتطور التقني والمعرفي، وصولاً إلى العولمة والوصل المتسارع بين جهات الأرض وأصقاعها المتباعدة. لكن الأعراض المصاحبة للحداثة، على المستويات المتصلة بالأخلاق والعلاقات الإنسانية ونظام القيم، لم تكن جانبية وضئيلة بما يسهّل ابتلاعها على المفكرين والمبدعين وعلماء الاجتماع، بل إن عدداً غير قليل من هؤلاء، قد وجّهوا سهام نقدهم إلى الحداثة الغربية التي حوّلها النظام الرأسمالي إلى ديانة جديدة، قوامها عبادة المال وشهوة الربح والاستهلاك واللذة العابرة.

واللافت في هذا السياق أن النقد الأشد قسوة الذي وُجّه إلى حضارة الغرب قد جاء من جهة الغرب نفسه، ابتداءً من عمل غوته الشهير «فاوست»، الذي يبيع فيه الأخير نفسه للشيطان لكي يربح المعرفة والعلم، مروراً بكتاب شبنغلر «تدهور الحضارة الغربية»، ورواية «المسخ» لكافكا، التي استيقظ بطلها «سامسا» على حين غرة، ليجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ضخمة، بما بدا تعبيراً بالغ الدلالة عن سحق الإنسان تحت السنابك الصماء للنظام الرأسمالي، وليس انتهاء بكتاب المفكر الكندي ألان دونو «نظام التفاهة»، الذي بدا أشبه بمضبطة اتهام قاسية ضد تهافت الحياة الغربية وتصحرها وخوائها.

فرويد

أما كتاب الباحث وعالم الاجتماع البولوني زيغمونت باومان «الحب السائل»، ترجمة حجاج أبو جبر، فيقع من جهته في الخانة نفسها التي يقع فيها كتاب دونو، سواء من حيث تركيزه على دور الحداثة الغربية في تفكيك العلاقات الإنسانية وإفراغها من أبعادها العاطفية والروحية، أو من حيث إماطة اللثام عن تهالك البشر المتمادي على الاستهلاك، سواء تعلق الأمر بالسلع والمنتجات وأدوات الترفيه، أو بالمتع الجسدية العابرة.

وحيث إن الالتزام بكل أشكاله، سواء اتخذ شكل الحب أو الزواج أو الدين واليوتوبيا والآيديولوجيا، لم يعد واحداً من اهتمامات إنسان الحداثة، فإن باومان يرى في رواية إيتالو كالفينو «المدن الخفية»، الصورة النموذجية للإنسان الحديث؛ حيث لا يعادل تلذذ البشر باقتناء الأشياء الجديدة سوى «تلذذهم بطرح الأشياء والتخلص من النفايات اليومية، وتطهير أنفسهم من قذارتها».

لقد ولّى في نظر المؤلف الزمن «الصلب» الذي كانت العلاقات العاطفية فيه خارجة من أعماق الروح ومنذورة لشخص بعينه، أو مرتبطة بمواثيق الزواج الديني التي تتوجها عبارة «لا يفرقكما أحد حتى الموت»، ليحل محله زمن الحداثة «السائلة» والمنبتة عن أي سياق زمني. وإذا كان بودلير قد شكّل في أعماله الشعرية والنثرية المنعطف الحاسم باتجاه الحداثة، فهو في الشذرات التي ضمها كتابه «سأم باريس» يجسد أفضل تجسيد الطبيعة المتقطعة للزمن الحديث. وفي الرسالة التي بعث بها الشاعر إلى ناشره، لا يتوانى عن وصف كتابه بأنه عمل بلا بداية ولا نهاية، ليضيف ما حرفيته «أنا لا أمسك بالإرادة العنيدة للأجزاء لأصنع حبكة مفتعلة، فاحذف ما شئت من الشذرات، وستجد أن كل شذرة يمكن أن تكون قائمة بذاتها».

ولعل أي نظرة متفحصة إلى أحوال هذا الزمن، لا بد أن تفضي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القصيرة والمتعددة التي يعيشها أهلوه تبدو شبيهة بشذرات بودلير، الموجزة والسريعة من جهة، والقابلة للاتصال والانفصال من جهة أخرى. وهو ما يرى فيه المؤلف النتيجة الحتمية لتراجع اليوتوبيا وتفكيك الأبنية الآيديولوجية والدينية المُحكمة، واستبعاد السرديات الكبرى لتفسير العالم. فالحداثة على الرغم من تجلياتها المعولمة التي وسعت مساحة «الشكل»، هي نفسها التي ضيّقت مساحة «المعنى» وموارده الروحية، وهي نفسها التي رفعت سقف المتعة العابرة، وقلصت سقف السعادة والاغتباط بالوجود.

ولا يعني الانتصار للحب «الصلب» أنه مثالي وخالٍ من الشوائب والأمراض، إذ ثمة في معظم العلاقات العاطفية نزوع إلى تملك الآخر المعشوق وإخضاعه، أو إدماجه الكامل في الأنا العاشقة، وفق ما يرى إريك فروم. ولأن الخوف من الانفصال عن الحبيب هو أفظع ألوان الخوف التي يعانيها المحب، فإن الأخير يعمد، بذريعة درء مخاوفه، إلى جعل الأول صورة عنه أو تابعاً له، وصولاً إلى خنقه ومصادرة هويته.

لكن العاشق في الوجه الآخر من الصورة، لا يكف عن تعظيم المعشوق كجزء من تعظيمه لنفسه، وصولاً إلى تأبيد صورته وإعلائها عن طريق القصيدة واللوحة والأغنية، وسائر ضروب الإبداع. وقد يكون أثمن ما يقدمه الحب للميممين شطره من العشاق، هو أنه ينتزع لهم حياة أخرى من بين كل العالم، ومن ثم يعيد تشكيلها في هيئة شخص محدد تماماً، شخص له فم ننصت إليه ونحادثه، لعل أمراً يحدث في ذلك الفراغ الممتد بين محدودية أعمال البشر ولا نهائية أهدافهم وآثارهم.

إلا أن الفرص غير المسبوقة التي وفرتها التقنيات المعاصرة لهذا النشاط، قد سهّلت الدخول فيه والخروج منه، بما أحال العلاقات الرومنطيقية على التقاعد، وجعلها عدا استثناءات قليلة، محصورة بالروايات والأفلام السينمائية وقصائد الشعراء. كما تم تسهيل الاختبارات المسماة «حبّاً» وتخفيض مدتها ورهاناتها، إلى حد اقتصارها على مغامرة سريعة أو لقاء عابر.

ومع أن الرغبة والحب شقيقان، وفق باومان، فإن الأولى هي اشتهاء للاستهلاك والإشباع، وصولاً إلى هضم الآخر وتجريده من هويته بمجرد انتهاء المهمة، في حين أن الثاني يتطلب من الحبيب أن يوفر حماية تامة للمحبوب، حتى لو كان الهدف منها سجنه والاستيلاء عليه. كما أن للرغبة والحب مقاصد متعارضة «فالحب شبكة تُنسج من أجل الأبدية، والرغبة بالمقابل وسيلة للهروب من أعباء نسج الشباك. وفي حين يسعى الحب بطبيعته إلى إدامة الرغبة، تسعى الرغبة بطبيعتها إلى الافلات من قيود الحب».

إن جزءاً غير قليل من الثقافة قد ولد في ظل لقاء الرجل والمرأة؛ حيث بدأ منذ ذلك اللقاء التعاون الحميم بين الطبيعة والثقافة، في كل ما هو جنسي. وإذا كان فرويد قد اعتبر أن التهذيب والتحكم بالشهوات والغرائز أساس الحضارة؛ حيث ضغوط الجسد الشبقي يتم تحويلها عبر الأنا الأعلى إلى أعمال إبداعية عظيمة، فإن إنسان الألفية الثالثة يذهب إلى المكان النقيض. فالسعي إلى المتعة يتحول إلى نوع من العبادة، وتتحول الرغبة الجنسية إلى مادة قابلة للتسويق. أما السلع والأدوات المادية الأخرى كالطعام والسيارات وأدوات التجميل والمنازل، فتصبح من جهتها موضوعاً للشبق، وتعِد بنشوة استهلاكية معادلة لنشوة الجنس نفسه.

المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن

وإذ تتحول المتعة إلى حدث فيزيولوجي داخل الجسد، وتتحول الشبكة العنكبوتية ووسائل التواصل إلى أدوات شبه وحيدة لإدارة العلاقات بين البشر، فإن الإنسان المعاصر يجد نفسه محاصراً بعلاقات واقعة خارج الدائرة الإنسانية، بحيث إن الآلة وحدها هي التي تصله بالعالم، وتنظم شؤونه الحياتية والمالية، وتدخل معه إلى فراشه في نهاية الأمر. وفي المدن الحديثة التي تزودك بخدمات الإنترنت وعالم العلاقات الافتراضية، ليس عليك أن تتحلى بفضيلة الصبر أو التضحية، أو اجتياز الأرخبيل الإنساني المفضي إلى علاقة عميقة بالآخر، ما دمت قادراً على الشروع في العلاقة أو إنهائها خلال لحظات محدودة. وليس عليك لكي تفعل ذلك سوى الضغط بالإصبع على المفتاح المناسب للاتصال والانفصال.

يتضح بهذا المعنى أن المبادئ والنماذج الإنسانية التي اعتنقتها الأجيال السابقة لم يعد لها مكان يُذكر في هذا الزمن. ذلك لأن ما صدّره الغرب، وما انفك يصدّره إلى بقية العالم، لا يقتصر على منتجات التطور التكنولوجي فحسب، بل هو يتسع ليشمل سيرورات التفكك وانهيار المعتقدات وتقويض الروابط التي جهدت البشرية في تطويرها عبر التاريخ. وفي ظل هذه التغيرات الدراماتيكية، فقدت المجتمعات البشرية لحمتها، لتتحول إلى تجمعات سكانية يلتف كل واحد من أفرادها كالشرنقة على نفسه. وفي ظل التفاقم المرضي لملذات الجسد، تقدمت شاشات الكمبيوتر والهواتف المحمولة إلى واجهة المشهد، لتقوم بوظائفها نيابة عن الحياة الحقيقية، وتتحول إلى حصالات للمتع العابرة والشقاء المقيم.


حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
TT

حلل زخرفية من قصر المَشتى في بادية الأردن

تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين
تفاصيل من واجهة قصر المَشتى المحفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين

شيّد خلفاء بني أمية في وسط صحارى بلاد الشام قصوراً هُجرت بعد أفول نجمهم، ودخلت في النسيان، إلى أن بدأ عدد من العلماء الغربيين بالكشف عنها ابتداء من نهاية القرن التاسع عشر. تصدّعت هذه الأبنية في أغلب الأحيان، وبقي منها أسسها، وشكّلت هذه الأطلال انطلاقة لدراسة مخططاتها الهندسية، وتبيّن أنها تتبع طرازاً خاصاً جامعاً. في المقابل، حافظ بعض من هذه الأطلال على حلله الزينية، ومنها قصر يُعتبر أكبر القصور الأموية في بادية الأردن، ويُعرف باسم المَشتى.

يقع هذا القصر في لواء الجيزة، على بعد 32 كيلومتراً جنوب شرقي مدينة عمّان، ويجاوره موقعان أمويّان نُسبا إلى الخليفة الوليد بن يزيد، أوّلهما قصر يُعرف بقصر القسطل، وثانيهما خربة تُعرف باسم زيزيا، وهي على الأرجح منزل «زيزاء» الذي ذكره الطبري في تاريخه، وقال إن الخليفة كان يُطعم فيه الحجّاج «ثلاثة أيام، ويعلف دوابّهم». لم يكن قصر المَشتى مطموراً تحت الرمال عند الكشف عنه، بل كان بناءً ضخماً مهجوراً، يُعرف محلياً بهذا الاسم الذي لا نجد له ذكراً في كتب التراث. رأى العلماء أن هذا القصر سُمّي المشتى، لأن قبائل الصحراء كانت تتخذه محطة لها خلال فصل الشتاء. وهو ما تشير إليه المعاجم العربيّة بقولها: «الشتاءُ معروفٌ، والموضعُ المشتى، بفتحِ الميمِ، مقصورٌ».

كان قصر المشتى أول القصور الأموية التي كشف عنها العلماء في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، في زمن شهد فيه علم الآثار في أوروبا اهتماماً متصاعداً بالفنون الإسلامية. خرج المشتى من الظلمة إلى النور في تلك الحقبة، وأنجز عالم الآثار الألماني برونو شولتس رسماً تخطيطيـاً متقناً له نُشر في عام 1903، وذلك بالتزامن مع نقل واجهته إلى برلين. لم يتمّ هذا النقل بشكل سرّي، بل جاء هدية من السلطان عبد الحميد الثاني إلى حليفه غليوم الثاني، قيصر الرايخ الثاني الألماني، وملك بروسيا، إثر رحلة جرت في 1898، قصد خلالها «الأراضي المقدسة» في فلسطين، ومحيطها.

في مطلع ذلك العام، تمّ إنشاء «المؤسسة الألمانية الشرقية»، فعمدت إلى إتمام اتفاق يقضي بأن تحصل ألمانيا على نصف ما تعثر عليه بعثاتها الاستكشافية في العالم العثماني. أُقرّ هذا الاتفاق بشكل ضمني بين القيصر والسلطان، ومهّد لنقل واجهة قصر المشتى هدية من السلطان إلى القيصر، واللافت أن الموقع كان يومها بالنسبة إلى العثمانيين قصراً بيزنطياً شرع الإمبراطور يوستينيانوس في تشييده خلال القرن السادس، ولم يكمل بناءه.

حصل الألمان على إذن بمعاينة قصر المشتى في عام في 1902، وسارعوا إلى إرسال بعثة لدراسة عملية نقل واجهته. تمّ فكّ حجارة هذه الواجهة، وجُمعت في صناديق نُقلت براً عن طريق سكة حديد الحجاز إلى ميناء بيروت، ثمّ بحراً إلى ألمانيا، ووصلت إلى «متحف القيصر فريديريك» في نهاية 1903، قبل افتتاحه بعشرة أشهر، وتمّت إعادة جمعها هناك، فتحوّلت إلى قطعة فنية ضخمة طولها 33 متراً وعرضها 5 أمتار. تمّ نقل هذه التحفة إلى «متحف بيرغامون» في 1932، ودخلت «متحف الفن الإسلامي» الكائن في هذا الصرح.

توالت الدراسات الخاصة بقصر المَشتى بعد دخول واجهته إلى متحف القيصر فريديريك. نشر العالِم اليسوعي هنري لامنس في 1910 مقالة نسبه فيها إلى الخليفة وليد الثاني، مستنداً إلى رواية نقلها في القرن العاشر الأسقف القبطي ساويرس ابن المقفع، تقول إن الوليد بن يزيد تسلّم الخلافة بعد وفاة عمه هشام بن عبد الملك في 743، «فبدأ يبني مدينة على اسمه في البرية». رأى لامنس أن هذه المدينة ما هي إلاّ قصر المَشتى، وأن الوليد الثاني لم يكمل بناءها بسبب رحيله المبكر في 744. ويجمع العلماء اليوم على القول بأن المَشتى بُني في النصف الأول من القرن الثامن، ومثّل نموذجاً مبكراً للقصور الملكية الأموية.

شُيّد هذا المجمع على شكل مربّع يقع مدخله في وسط واجهته الجنوبية التي تتميّز بشبكة من الزخارف تجمع بين النقش والنحت الناتئ والغائر. تحلّ في وسط هذه الشبكة سلسلة من المثلثات المعدولة، تقابلها سلسلة معاكسة من المثلثات المقلوبة. تتوسّط كل مثلث من هذه المثلثات حلقة دائرية تأخذ شكل وردة ذات بتلات مفتوحة. ومن حول هذه الأقراص الوردية تمتدّ شبكات واسعة من الزخارف، تجمع بين عناصر تصويرية متعدّدة. تعتمد هذه الزخرفة في المقام الأوّل على زينة نباتية، قوامها الكرمة التي تمتد بأغصانها في كل اتجاه. وبين أغصان هذه الكرمة تظهر مجموعة من الطيور تقتات بمناقيرها من حبات العنب.

تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية، وتتعدّد صورها، فمنها الحمام، ومنها الحجل، ومنها تلك التي يصعب تحديد فصيلتها. في القسم الأسفل يظهر زوجان من الحيوانات حول آنية تحتلّ وسط التأليف. تتعدّد صور هذه الأزواج، فمنها الأسد، ومنها الثور، ومنها العنقاء، ومنها الحيوانات الأسطورية. كما تتعدّد صور الآنية التي تجتمع من حولها هذه الكائنات، وتشكّل سجلاً يضم أشهر النماذج التقليدية المعتمدة في الميراث اليوناني.

تتكرّر صور هذه الأزواج وتتشابه دون أن تتماثل، ويشكّل هذا التنوع خصوصية أشار إليها العلماء باكراً، وأوّلهم القسيس الأنغليكاني هنري بايكر ترسترام الذي قدّم أول عرض توثيقي لهذا القصر في 1872، ضمن كتاب حمل عنوان: «أرض مؤاب، رحلات واستكشافات في الجانب الشرقي من البحر الميت والأردن»، وفيه توقّف أمام هذه الصور التي «تجسّد الحيوانات، والفواكه بتنوع لا متناهٍ»، وأحصى «نحو خمسين حيواناً من جميع الأنواع، وهي تشرب معاً من جهات متقابلة من إناء واحد»، ورأى أن هذه الواجهة تجمع أشكالاً كثيرة «مع وجود مزهريات»، «وقد تمت إحاطة هذه الأشكال جميعاً بنقوش لنماذج تقليدية، وصدوع مليئة بأشكال جميلة للأوراق».

يجمع هذا التأليف بين عناصر تعود إلى العالم المتوسطي اليوناني، والعالم الآسيوي الفارسي، غير أنه يعيد صوغها في قالب جديد مبتكر، يشكّل خصوصية الفن الأموي، ونواة الفنون الزخرفية الإسلامية في العصور الوسيطة. من هنا تبدو واجهة قصر المشتى أشبه بمعرض كبير احتضن مجمل العناصر الزخرفية التي سادت في البقاع التي فتحها الأمويون. يتميّز هذا المعرض بأسلوب فني خاص يبرز في هذه الحلل، كما في العديد من حلل خرجت من قصور أموية أخرى تمّ اكتشافها في العقود التالية.


دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب
TT

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

دراسة عن قصائد جيكور للسياب

صدر حديثاً عن دار «متون المثقف للنشر والتوزيع» كتاب «الاتساق النصي في البنية الشعرية: قصائد جيكور لبدر شاكر السياب نموذجاً»، للباحث مصطفى عطية جمعة، في 250 صفحة، مقدماً قراءة نقدية تجمع بين التنظير والتطبيق، وتتخذ من قصائد «جيكور» في منجز بدر شاكر السياب، ميداناً لاختبار منهجية الاتساق النصي في تحليل الشعر.

يقول الناشر: «يعرض الكتاب منهجية الاتساق النصي، بوصفها مدخلاً يراهن على الموضوعية والعلمية في قراءة النصوص الأدبية، انطلاقاً من بنية النص ونسيجه اللغوي، بعيداً عن الرؤى التعميمية، والأحكام الانطباعية، التي قد تُحمِّل النص ما لا يحتمل، أو تبتعد في تحليله عمَّا تقوله الكلمات، وتومئ به التعبيرات. وفي هذا السياق، يسعى المؤلف إلى استنطاق شيفرات النص، والبحث عن أسباب ترابط بنيته وفق آليات واضحة يمكن تطبيقها والخروج بنتائج تدعم جماليات القصيدة، وتفسر اشتغالها الداخلي».

ويقدم الكتاب، كما يضيف، إضافة منهجية عبر طرح استراتيجية لدراسة البنية الشعرية تستوعب الرؤية والمضمون، وتنظر في البنيتين الرأسية والأفقية، وما تضمّانه من سرديات وأساطير ورموز، بالتوازي مع التحليل النحوي والصرفي ووجوه البلاغة. كما يقدم دراسة تطبيقية حول شعرية السياب بوصفه شاعراً حداثياً في طليعة جيل الحداثة العربية، عبر التركيز على مجموعة قصائد يجمعها رابط مضموني يتمثل في حضور «جيكور» في عناوينها، وتوظيفها داخل العالم الرؤيوي للنص، بما يتيح تتبع تحول «جيكور» من قرية في الذاكرة إلى علامة دلالية تتسع لتحولات الذات والعالم.

تتوزع مواد الكتاب على ثلاثة فصول: يؤطر الفصل الأول مفهوم علم النص وصلته بالخطاب والاتساق، وصولاً إلى البنية الشعرية، مع شرح للمنهجية المعتمدة، فيما يتناول الفصل الثاني «جيكور» بوصفها موطن تكوين الذات الشاعرة، مسلطاً الضوء على سنوات البراءة في حياة السياب، وعلاقته بقضايا الوطن والعالم، مع تحليل نماذج من القصائد وعناوينها بوصفها عتبات دالة. ويخصص الفصل الثالث لدراسة القصائد نفسها دراسةً رأسية وفق منهجيات الاتساق النصي، مع التركيز على الأبنية العليا والجزئية في المتن الشعري.