وول سوينكا... الرواية الأولى منذ نصف قرن

أول كاتب من أفريقيا السوداء يحوز جائزة نوبل للآداب

الكاتب النيجيري وول سوينكا
الكاتب النيجيري وول سوينكا
TT

وول سوينكا... الرواية الأولى منذ نصف قرن

الكاتب النيجيري وول سوينكا
الكاتب النيجيري وول سوينكا

يرفض الكاتب الحائز على جائزة نوبل وول سوينكا، والذي تعد روايته الجديدة «سجلات من أرض أسعد شعوب الأرض» الأولى له منذ ما يقرب من 50 عاماً، التراجع عندما يستشعر خطراً يهدد حرية وطنه، نيجيريا - ودائماً ما يتسبب الناشط المثير للجدل وول سوينكا في المشكلات. ومن بين الأمثلة على ذلك، عندما سيطر على إدارة محطة إذاعية لمنعها من بث ما وصفه بأنه نتائج انتخابات مزيفة، الأمر الذي تسبب في الزج به إلى السجن، أو عندما تسلل إلى بيافرا في ذروة حربها من أجل الاستقلال عن نيجيريا، وقضى عامين قيد السجن الانفرادي بعدما دعا إلى إنهاء القتال.
الواضح أنه في اللحظة التي يشعر أول شخص داكن البشرة وأول أفريقي يحوز جائزة نوبل للآداب بأن قيماً مثل الحرية والديمقراطية يتهددها الخطر داخل وطنه الحبيب، فإنه لا يملك حينها سوى المسارعة إلى المشاركة.
وعن هذا الأمر قال سوينكا البالغ 87 عاماً خلال مقابلة أجريت معه في أبيوكوتا، مسقط رأسه في جنوب نيجيريا: «إنه طابع شخصيته».
ويصف سوينكا منزله من الطوب، الذي تحيطه غابات وطيور، بأنه ملاذه. كانت نبرات صوته العميق والمميز، تحمل أصداء المسرحيات التي لطالما اشتهر بها، والتي تتميز بالتنقل المستمر ما بين لحظة تشهد حدثاً مهيباً وأخرى تتميز بخفة الظل.
أما قميصه، الذي تم فك أزراره حتى الخصر تقريباً، فبدا متناغماً مع سمعته كمتمرد. إنه الشخص الذي مزق بطاقته الخضراء الأميركية بعد أن أصبح دونالد ترمب رئيساً لأميركا. كما أنه الشخص الذي أطلق على رئيس بلاده «ريب فان وينكل التاريخ النيجيري»، ووصف الرئيس الأوغندي بأنه «عجوز وقح».
وكثيراً ما يمزح سوينكا ويسخر من نفسه بسبب هذه النزعة في شخصيته وميله الدائم للتعبير صراحة عما يدور في ذهنه.
قال سوينكا مبتسماً بينما كنا نجلس على مقاعد بذراعين مصنوعة من القصب في رواق مرتفع ومفتوح: «لسوء الحظ، البعض منا لا يتسم بالحكمة الكبيرة. نحن نعرف ما يجب علينا فعله، ومتى علينا أن نتقاعد، ومتى ينبغي لنا الرحيل والاختباء في مكان ما والعيش في حياة مريحة، ومع ذلك لا ننتبه إلى نصائحنا لأنفسنا، أليس كذلك؟ هذا أمر أراه لغزاً».
العام الماضي ونظراً لاعتقاده بأنه بحاجة إلى تغيير بعد فترة طويلة قضاها «منغلقاً على نفسه داخل مكتبه»، كاد ينتهي من إخراج مسرحيته «الموت وفرسان الملك» التي نشرها عام 1975 في لاغوس، ولم يدرك سوى بعد بضع قراءات أنه لا يرغب في الاضطلاع بهذا الأمر.
بدلاً من ذلك، تولى صديقه المخرج السينمائي والمسرحي النيجيري بولان أوستن بيترز، المسرحية التي تدور حول كبير معاوني أحد الملوك الذي يجب أن يموت عندما يموت سيده. وبدت المسرحية كأنها هدية غالية في خضم ندرة الفعاليات والعروض المسرحية أثناء الوباء. وبعد عقود من كتابة المسرحية، هلل جمهور لاغوس لها خلال أمسية في مايو (أيار)، وهتفوا وبكوا أثناء العرض الذي ترددت خلاله أصداء صوت سوينكا المميز الهادئ.
إلا أنه في بعض الأحيان، يتسبب المزاج الناري في تشتيت سوينكا عن الكتابة. إلا أن إرول ماكدونالد الذي يتولى مهمة تحرير أعمال سوينكا منذ فترة طويلة، يرى أن جانبي الناشط والكاتب من شخصية سوينكا يتعايشان معاً. وقال عن ذلك: «إنهما يتغذيان على بعضهما. من المستحيل التفكير في أحدهما دون الآخر». وعلى ما يبدو، يستمر الناشط سوينكا في إمداد سوينكا الكاتب بمواد ثرية تصلح للكتابة.
وينطبق ذلك على عمله الأدبي الأخير، «سجلات من أرض أسعد شعوب الأرض»، التي تعد روايته الأولى منذ ما يقرب من 50 عاماً، والتي من المفروض أن دار بانثيون في الولايات المتحدة قد نشرتها يوم الثلاثاء (أمس). قد تبدو التقلبات في حبكة القصة، ومجموعة الشخصيات المفعمة بالحيوية، وعناصرها شريرة لأقصى حد - فهناك شركة تبيع أجزاء من جسم الإنسان ونبي كاذب يجمع عناصر من ديانات مختلفة لتناسب أغراضه - إنها حبكة غير محتملة، لكنها ليست كذلك في عين شخص تربطه علاقة حميمة مع نيجيريا.
ولد سوينكا في إبادان، وترعرع على يد أبوين مسيحيين متحابين، ومع جده، الذي يؤكد سوينكا، أنه كان من أبناء أوغون، إله الشعر واليوروبا (مجموعة عرقية)، والحدادين ونبيذ النخيل. ويعد أوغون مصدر إلهام رئيسياً لسوينكا.
درس سوينكا في بريطانيا، الدولة التي استعمرت نيجيريا، وعندما عاد في يوم رأس السنة الجديدة 1960، كان وطنه يشق طريقه نحو الاستقلال. وعليه، ألقى سوينكا بنفسه في بحر استكشاف وتنمية وطنه الحر الجديد.
ومع ذلك، لم يمضِ وقت طويل قبل أن تخذله طبقة السياسيين الجدد في البلاد، وظهرت أمامه دلائل التزوير الانتخابي في غرب نيجيريا جلية. وكان إجباره المذيع بهيئة الإذاعة على قراءة رسالة تدين التزوير الانتخابي تحت تهديد السلاح أولى محاولاته الدراماتيكية لمحاسبة السياسيين في البلاد، لكنها في الوقت ذاته كانت مجرد بداية نضال استمر مدى الحياة.
في هذا الصدد، قال أوستن بيترز متحدثاً عن سوينكا: «يبدو كأنه لا يمكن المساس به تقريباً، وذلك لأنه دفع الثمن بالفعل، بجانب أنه شخص مشهور دولياً».
جدير بالذكر في هذا الصدد أن سوينكا اضطر مرات عدة إلى التسلل من نيجيريا إلى المنفى، نتيجة الخطر الذي ظل يتهدد حياته بسبب حديثه علانية ضد السياسيين في ذلك الوقت. (ذات مرة، تسلل إلى خارج نيجيريا وفر إلى بنين المجاورة).
عام 1994، لاحقه الديكتاتور العسكري ساني أباشا، ما اضطره إلى الفرار من أبيوكوتا، بينما كان يتشبث بمؤخرة دراجة نارية طوال 10 ساعات. في تلك الليلة، أعلن أمام نفسه قسماً بينما كان متوجهاً إلى المنفى عبر مسارات ترابية خلال الغابة. يقول: «شيء ما أصاب مستوى حساسية هذه الأمة، لكنني لم أتمكن من التعرف عليه بالكامل. ويبدو أن شيئاً ما خرج عن مساره».
من جانبه، يعبر أوستن بيترز، مدير المسرح، عن الشعور نفسه: «المشكلة متوطنة. لقد كانت هناك دوماً، لكنها تكبر يوماً بعد يوم. لم تعد لدينا مؤسسات بعد الآن، فجميع المؤسسات التي اعتنت بنيجيريا انهارت».
جدير بالذكر هنا أن نيجيريا تعد أكبر دولة في أفريقيا من حيث عدد السكان، وهي دولة ذات تنوع مذهل من نواحٍ كثيرة: اللغة والدين والعرق والمناظر الطبيعية. وقد تعرضت على مدار العقد الماضي أو نحو ذلك لأزمة تلو الأخرى. وابتليت بجماعة «بوكو حرام» وجماعة أخرى خرجت من رحمها هي ولاية غرب أفريقيا الإسلامية، في شمال شرقي البلاد، ما أسفر عن مقتل عشرات الآلاف من المدنيين. وأصبحت عمليات الخطف الجماعي أمراً شائع الحدوث في الشمال الغربي. وتحولت الاشتباكات بين الرعاة الذين دمرت مواشيهم الأراضي الزراعية والمزارعين الذين وسعوا حقولهم، بحيث اعتدت على ممرات رعي تقليدية، إلى قضية سياسية محفوفة بالمخاطر.
وتستهدف قوات الأمن المدنيين، بما في ذلك كثير من الشباب لدرجة أنه في العام الماضي، بعد فترة وجيزة من ظهور احتجاجات حركة «حياة السود مهمة»، نهضت حركة أطلقت على نفسها «ضعوا نهاية لسارس» (وسارس اختصار يشير إلى الوحدة الخاصة لمكافحة السرقة في نيجيريا، وهي وحدة بوليسية يتهمها متظاهرون بارتكاب انتهاكات).
وناشدت هذه الحركة سوينكا الانضمام لمسيراتها، حسبما ذكر. وجاءت شروطه للموافقة على النحو التالي:
> توفير كرسي متحرك كهربائي.
> توفيرر واقٍ من الغازات المسيلة للدموع.
في روايته «يجب أن تنطلق في الفجر»، يقتبس سوينكا أحد أمثلة اليوروبا، المجموعة العرقية التي ينتمي إليها، الذي يشير إلى أنه عندما يشيخ المرء، يتوقف عن الانغماس في المعارك.
ويعلق سوينكا على هذا المثل بقوله إنه عندما جرت صياغة هذه الحكمة، لم يكن الكيان المسمى نيجيريا في الحسبان.
الواضح أن المكانة التي يتمتع بها سوينكا بفضل حصوله على جائزة نوبل عززت صوته في خضم مثل هذه المعارك، في وقت يشعر فيه الكاتب بمسؤولية تجاه ضرورة استغلاله هذه المكانة. ومع ذلك، يتحسر الكاتب بعض الأحيان على راحة البال عندما لم يكن معروفاً قبل حصوله على جائزة نوبل ويعرب عن أمله في العودة إليها - لكن يبدو أن النجاح لا يحالفه في ذلك طوال الوقت.
- خدمة «نيويورك تايمز»



أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟


أفروديتي
أفروديتي
TT

أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟


أفروديتي
أفروديتي

إذا كان الحب يستند من بعض وجوهه إلى العناصر المادية التي يتيحها الواقع الملموس، كما هو الحال مع الشعر، إلا أنه يغادر ملموسيته من وجوه أخرى، ليقيم في عالم التخيل وسماء التهيؤات، كما لو أن «أسطرة» الآخر هي الممر الإلزامي لتتيُّمنا به. وإذا كان الجسد العاشق هو جسد طفولي بامتياز، وفق رولان بارت، فإن ما ينطبق على الأفراد ينطبق على الجماعات، حيث كانت الأساطير هي سبيل الشعوب القديمة، إلى فهم الظواهر الكونية أو النوازع الإنسانية. وتكفي معاينة ذلك الإرث الهائل من السرديات الملحمية والميثولوجية المتعلقة بالحب، لكي نتحقق من دوره في رفد الأساطير بنماذجها الأولية، والعكس بالعكس أيضاً.

ومع أننا نلاحظ غياباً للحدود الواضحة بين الحب الروحي، الذي يقيم مملكته في سماء التصورات، وبين العشق الملفوح بنيران الرغبات الجسدية، إلا أن أي نظرة متأنية إلى الميثولوجيات القديمة، لا بد أن تكشف عن تباين ملحوظ في الرؤية إلى الحب، بين حضارات تُطابق على نحو كلّي بين الحب والشغف الشهواني، وبين حضارات أخرى تفرد هامشاً واسعاً لزفرات القلب وانخطافات الروح. إضافةً إلى ما نلحظه داخل الحضارة نفسها من تبدل في الرؤى والمفاهيم.

ولا بد لمن يتأمل في آلهة الخلق الأربعة لدى السومريين (إن، وكي، وإنليل، وأنكي) أن يلاحظ أنهم لم يكونوا سوى المعادل الميثولوجي للعناصر الأربعة، الهواء والماء والنار والتراب. ولما كانت وظيفة الإنسان تتمثل بالدرجة الأولى في خدمة الآلهة، والتوفير لها كل ما تحتاج إليه من طعام وشراب ومأوى، لكي يتسنى لها التفرغ لشؤونها الإلهية، فقد استتبع ذلك إنشاء المعابد التي تقام فيها الصلوات. فضلاً عن القرابين والشعائر والطقوس التي كانت تقدّم لاسترضائها، والتي كان يتولى القيام بها كهان وكاهنات ومنشدون وخصيان وبغايا مقدسات. وفي أعياد القمر الجديد، التي كانت تُختتم في العادة بطقوس الزواج المقدس، كان ملك سومر يتزوج من إنانا، إلهة الخصب والتناسل، أو من إحدى الكاهنات التي تنوب عنها.

ولم تكن أسطورة أدونيس وعشتروت لدى الفينيقيين والكنعانيين، سوى نسخة معدلة عن مثيلتها في بلاد الرافدين. فعشتروت إلهة الحب والخصب، التي التقت أدونيس، الشاب الوسيم وعاشق الصيد، في مكان قريب من مغارة أفقا اللبنانية، سرعان ما وقعت في غرامه وهامت به حباً. ومع أنها نهته بإلحاح عن التجول وحيداً في الغابات المكتظة بالوحوش المفترسة، فإن عشقه للمغامرة جعله غير مكترث بتحذيراتها، إلى أن قتله خنزير بري على ضفة نهر إبراهيم المنحدر من الذرى الشاهقة عبر وادٍ سحيق، ما لبث أن سُمي باسمه.

وكما هو حال الأساطير المماثلة في الشرق القديم وبلاد اليونان، فإن عشتروت تهبط إلى العالم السفلي متضرعةً للآلهة بأن تعيد حبيبها القتيل من عالم الأموات، ثم تتم تسوية المعضلة على نحو جزئي، بحيث يعود أدونيس إلى الحياة في فصلي الربيع والصيف، مترافقاً مع قيامة الزرع والخصب، ثم يعود إلى عالم الأموات في الخريف والشتاء. ويرى جيمس فريزر أن ملوك بيبلوس، كانوا يتسمّون جميعاً باسم أدونيس ويتزوجون من عشتروت. وفي السنوات التي أعقبت موته وقيامته، ظل سكان تلك النواحي يحتفلون بالمناسبتين، نواحاً حدادياً في الأولى، وفرحاً عارماً في الثانية.

وفي الأساطير الإغريقية يظهر هذا الإله على شكل شاب جميل أغرمت به أفروديت. وبعد أن خبأته الآلهة الكبرى، حمايةً له، في صندوق ووضعته في عهدة برسيفوني إلهة العالم السفلي، رفضت الأخيرة إعادته إلى أفروديت، بعد أن فتحت الصندوق ورأت ما هو عليه من جمال. وبعد إخفاق أفروديت في استعادته، قرر زيوس حسماً للنزاع بين آلهة الحب وآلهة الموت، أن يُبقي أدونيس ستة أشهر فوق الأرض برفقة الأولى، وستة تحتها برفقة الثانية.

أما الأساطير الرومانية فتربط على نحو وثيق بين الحب بالجمال، جاعلةً من فينوس إلهة لكليهما معاً. غير أنها لا تكتفي بالتركيز على رمزية الأم، بل تصوِّر ابنها كيوبيد، على شكل طفل مجنح، يحمل قوسه ونشابه ويرمي من يشاء بالسهام الذي لا تخطئ هدفها إلى قلوب البشر. وإذ تظهر على مسرح الجمال منافسة بشرية لفينوس تسمى سايكي، تغضب الأولى وتطلب من ابنها معاقبتها على طريقته. لكن الابن العابث يجرح نفسه عن طريق الخطأ، ليقع في غرام سايكي، ويصاب بالسهم إياه الذي ظل يسدده باتجاه الآخرين. وبعد أن تمر قصة الحب تلك بتعقيدات كثيرة، يتدخل كبير الآلهة جوبيتير ليمنح سايكي الخلود ويسمح للحبيبين بالزواج.

على أن المماهاة التامة بين وجهي الحب والخصب، كما بين صورتي الموت والانبعاث، لم تنحصر في ثقافة بعينها، أو حيز جغرافي واحد، بل اتسعت دائرتها في الألفية الثالثة قبل الميلاد، والألفيتين اللاحقتين، لتطول الحضارة الفرعونية وحوض النيل، إلى جانب الحضارات العديدة الأخرى. فحيث لم ترُق علاقة الحب التي ربطت بين إيزيس إلهة الخصب عند المصريين، وزوجها أوزيريس، للإله ست أخي أوزيريس، عمد ست بفعل الغيرة العمياء، إلى قتل أخيه وتقطيع جثته أربع عشرة قطعة، قبل أن يرميها جميعاً في مياه النيل. وبعد أن تمكنت إيزيس من جمع الأجزاء وإعادتها إلى الحياة، توصل ست إلى معرفة مكان أخيه، حيث قام بقتله مرة أخرى وتقطيع جسده إلى اثنتين وأربعين قطعة.

لكن الزوجة الوفية رفضت الاستسلام للأمر الواقع، فقامت بجمع أجزاء الزوج المتناثرة من جديد، وأعادت إليه الحياة بما تملكه من طاقة السحر، «ثم ما لبثت أن استنجدت بالإله رع، متوسلةً إليه أن يخصبها، كي تلد ولداً ينتقم. فنزل عليها رع ونفخ فيها من أنفه، فخصّبها بالفعل وولدت بعد ذلك طفلها حورس الذي لم يتأخر في الانتقام لموت أبيه». وإذ تتقاطع قصة التخصيب عن طريق النفخ الإلهي في الأنف، مع سرديات دينية أحدث عهداً، ولو على نحو معدل، تتقاطع مراثي إيزيس لأوزيريس، من جهة ثانية مع مراثي إينانا لديموزي، وعشتار لتموز، ومن بينها قول إيزيس مخاطبةً حبيبها القتيل:

أنا زوجتك وأختك وأمك

عدْ إليّ على جناح السرعة

إن السماء والأرض متحدتان في الظلام

وقلبي يحترق لانفصاله عنك

إنني أطأ الأرض ولا أكلُّ أبداً عن البحث

وفي داخلي حرارةٌ متأتية عن حبي لك

المماهاة التامة بين وجهي الحب والخصب كما بين صورتي الموت والانبعاث لم تنحصر في ثقافة بعينها أو حيز جغرافي واحد

وقد تكون أسطورة أورفيوس ويوريديس اليونانية، واحدة من الأساطير القليلة التي لا تماهي على نحو تام بين الحب والفعل الجنسي، كما يشير الفيلسوف الألماني هيغل، بل تضع العلاقة بين الحبيبين في إطارٍ من انخطافات الروح وحمّى المشاعر الملتهبة. إلا أن صورة الموت المتربص بالحبيبين، لا تتأخر عن إعطاء مشهد العشق طابعه التراجيدي، حيث تقضي يوريديس نحبها بلدغة أفعى قاتلة. وإذ قرر أورفيوس الطلب من هاديس، إله الموتى، إعادة زوجته إلى الحياة، راح يستعين بموهبته النادرة في العزف والغناء، ليشق طريقه إلى العالم السفلي. وبعد أن وافق هاديس على إعادة المرأة المتوفاة إلى الحياة، اشترط على أورفيوس ألا يلتفت إلى الوراء، حيث قُضي على زوجته بأن تمشي خلفه إلى ما لا نهاية. لكنّ عاصفةً من الحنين لرؤية الحبيبة العائدة سرعان ما تهب على الزوج العاشق، حتى إذا التفت إلى الخلف، اختفت يوريديس عن ناظريه إلى الأبد.

ومع أن النقاد والباحثين كانت لهم اجتهادات متباينة في تأويل أسطورة الحب المؤثرة تلك، إلا أنها تشير من بعض وجوهها إلى أن صراع الحب والموت، ليس بالضرورة أن ينتهي دائماً لمصلحة الأول، بقدر ما تشير إلى العواقب الوخيمة، التي تترتب على كل مَن يعصى الآلهة ويخالف مشيئتها. وقد تكون المقايضة الجائرة بين عودة المرأة المعشوقة إلى الحياة، وبين تعذر النظر إليها، نوعاً من الاختبار القاسي لالتزام الزوج بطاعة الآلهة والوثوق بها، من جهة، والاختبار المماثل لتغليب الروح على الجسد، من جهة أخرى. ومن دلالات تلك السردية الأسطورية، أنه ليس بمستطاع أحد خرق قوانين الطبيعة، وقطع الحاجز الفاصل بين الحياة والموت، حتى لو استعان البشر بالحب والفن لتحقيق هذه الأمنية.


أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
TT

أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا

كشفت أعمال التنقيب في البادية الفلسطينية عن منشآت عمرانية تعود إلى الحقبة الأموية، أهمها قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم «قصر هشام»، نسبة إلى عاشر خلفاء الدولة الأموية الذي أمر بتشييده خلال عهده الذي استمر من عام 724 إلى عام 743.

تطور بناء هذا القصر في عهد الوليد بن يزيد الذي خلف عمه هشام مدة قصيرة لم تتجاوز سنتين، وخرب حين تعرَّض موقعه لزلزال ضخم في سنة 746، وأعيد اكتشافه في الأزمنة المعاصرة.

خرجت من هذا القصر مجموعة هائلة من القطع النحتية، تشهد لتنوُّع كبير في الأطرزة المتبعة، وتحوي كثيراً من القطع التصويرية التي تستمد مواضيعها من العالم الحيواني، منها ما تمثل أحصنة مسرجة، وصلت كلُّها بشكل مهشَّم.

بدأ استكشاف قصر خربة المفجر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في ظل حكم الدولة العثمانية، وتواصل في عهد الانتداب البريطاني؛ حيث شرعت دائرة الآثار البريطانية في مسح الموقع خلال عام 1934، ونقلت اكتشافاتها الأثرية إلى متحف بدأت تشييده عام 1930 في القدس الشرقية، وافتتحته عام 1938 تحت اسم «متحف فلسطين للآثار».

استمرت أعمال المسح في الموقع اثني عشر عاماً، وخرجت بمجموعة هائلة من القطع الحجرية المنقوشة، تبيَّن أنها أجزاء مهشَّمة من حُلَّة الموقع الأصلية. وتمَّ حفظ هذه القطع في «متحف فلسطين للآثار» الذي تحوَّل اسمه إلى «متحف روكفلر» إثر هزيمة 1967، نسبة إلى الثري الأميركي جون ديفيد روكفلر الابن الذي تبرَّع بمبلغ مليوني دولار لبنائه في العشرينات. وبات هذا المتحف مقراً لرئيس دائرة الآثار الحكومية.

تحضر في هذا المتحف مجموعة كبيرة من نقوش وتماثيل «قصر هشام»، وتُعتبر من أهمِّ وأجمل شواهد الفن الأُموي. وفقاً للتقليد الذي تبنَّاه هذا الفن بشكل كبير. اعتمدت هذه الحُلل في الدرجة الأولى تقنية الجص المنقوش، على شكل شبكات هندسية زخرفية تجمع بين المفردات الهندسية المجرَّدة والعناصر التصويرية المتعدَّدة. وأخذت بأساليب عدة مستمدَّة من فنون العالم المتوسطي والعالم الفارسي والعالم الآسيوي الأوسط، غير أنها عكست قدرة مثيرة في الابتكار والقولبة والتجديد. من هنا بدت متأصلة في تقاليد قديمة، ومطبوعة بطابع محلِّي خاص يُعرف اليوم بالطابع الأُموي.

برز النقش التصويري بقوَّة في هذا الميدان، واعتمد في تشكيلاته مختلف العناصر الحيوانية، ومنها الطيور والزواحف المتعدِّدة الأنواع والأشكال. ظهر الحصان في عدد من هذه القطع المهشَّمة، واتَّضح تكوينه الفني بشكل كامل من خلال الدراسة المتأنية لهذه القطع الجزئية. حضر رأس هذا الحصان في قطعتين مستقلتين، وحضر الجزء الأعلى من بدنه كذلك في قطعتين، وبدا من خلال هذه القطع أنه حصان مسرَّج ومروَّض. في المقابل، ظهر في قطع أخرى حصان من نوع آخر، تميَّز بجناحين كبيرين يعلوان وسطه. وحضر هذا الحصان بشكل كامل في قطعة أُعيد جمع أجزائها وفقاً للتقنيات العلمية المتبعة، كما حضر بشكل جزئي في قطعةٍ سقط قسم كبير من تكوينها الأصلي.

وصل رأس الحصان بشكل شبه كامل في هاتين القطعتين المستقلتين، اللتين جاءتا على شكل كتلتين حجريتين اعتمدتا النقش الناتئ، وقاربتا في صياغتهما النحت الكامل. يبدو الرأس منحنياً في إحدى هاتين المنحوتتين، وتظهر ملامحه المجسَّمة بشكل متين، وتتكوَّن من منخرين واسعين، وفم مطبق عريض، وأذنين طويلتين منتصبتين، وعينين لوزيَّتين ضاعت إحداهما، وحافظت الأخرى على تكوينها. يعلو الرأس شعر وثير، يأخذ شكل شبكة من الخصل المتناغمة والمتوازية، التي تنسدل على رقبة طويلة مقوَّسة، وتنقسم كتلتين معاكستين تستقرَّان على جبين مسطَّح. يعلو هذا الرأس لجام عريض، مصنوع من الجلد، يُثبَّت على رأس الحصان للتحكم في اتجاهه وسرعته أثناء الركوب. يتكوَّن من شريط عمودي يستقر وسط العينين، وشريط مشابه ينعقد حول الوجه، وتُزيِّن هذين الشريطين سلسلة من الحلقات الدائرية المترابطة. كذلك يظهر شريط حول أعلى الرقبة، وآخر حول أسفلها، وتزيِّنهما شبكة من الخيوط المجدولة. يبدو الفم مكبَّلاً بحلقة، تُعرف باسم «الأنفة»، وتحيط بالخطم وفك الحصان لتمنعه من فتح فمه بشكل واسع.

يظهر الرأس الثاني في حركة المواجهة، وصياغته مشابهة إلى حدِّ التماثل. هنا وهناك، يحضر النقش الأنيق ويأخذ طابعاً زخرفياً، يتجلَّى في تجسيم حدود الملامح، كما في تشكيل خصل الشعر المنسدلة، وتزيين شرائط اللجام. يخرج هذا الحصان عن النسق الروماني الكلاسيكي، ويتبنَّى أسلوباً يعكس أثر الفن الساساني، ويظهر كذلك في القطعتين المستقلتين اللتين تجسَّدان الجزء الأوسط من بدن الحصان. يظهر طرف الكاهل، وهو الجزء الذي يعلو الكتفين مباشرة، ويُعد أعلى نقطة في جسم الحصان. تحضر مكوِّنات الجزء الأعلى من البدن بشكل كامل، وقوامها الصدر والظهر والبطن والكِفَل والمؤخرة. أما القوائم فغائبة، ولم يبقَ منها أي أثر للأسف. يعلو الظهر سراج عريض ضاع الجزء الأكبر منه، تزيِّنه حلَّة زخرفية، أنيقة ومرهفة.

يحضر الحصان المجنَّح داخل إطار دائري على شكل إكليل تحدّه سلسلة من الحلقات المتجانسة، ويظهر بدنه هنا بشكل كامل، في حركة حية. تتقدّم القائمتان الأماميتان نحو الأعلى، وتتقدّم القائمتان الخلفيتان بشكل معاكس. يتكرّر هذا التأليف في القطعة الأخرى التي ضاع جزء كبير منها، مما يوحي بأنّ القطعتين تتبعان طرازاً واحداً جامعاً.

للوهلة الأولى، يعيد هذا الكائن إلى الذاكرة الحصان اليوناني الذي يُعرف في قاموس الميثولوجيا اليونانية باسم «بيغاسوس»، غير أنه في الواقع حصان آخر، يعود إلى الفن الإيراني، وشواهده الفنية كثيرة، منها قطع من النسيج تعود إلى العهد البيزنطي.

يتبنّى النقش الأموي هذا النموذج التشكيلي، ويعيد صياغته بشكل مبتكر في تكوين يغلب عليه طابع النحت.


تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»
TT

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

صدر أخيراً عن «دار روافد للنشر والتوزيع» بالقاهرة، رواية «أيام حي البوسطة»، للروائي السوداني مصطفى خالد مصطفى. الرواية سبق أن فازت وهي مخطوطة بالمركز الأول في «جائزة الطيب صالح» للإبداع الروائي. وتعتمد على تداخل الحكاية الشخصية بالذاكرة الجماعية؛ إذ يستلهم الكاتب بعض شخصياتها وحكاياتها من وقائع وأشخاص عرفهم، قبل أن يعيد تشكيلها داخل العمل الروائي.

تدور «أيام حي البوسطة» في أحد الأحياء القديمة بمدينة أم درمان، حيث تتقاطع حكايات سكانه مع تحولات المجتمع السوداني وتفاصيل الحياة اليومية. ومن خلال مجموعة من الشخصيات، خصوصاً النساء، تستعيد الرواية ذاكرة المكان والعلاقات العائلية والاجتماعية، وتكشف عما تخفيه البيوت من صراعات وآلام وأحلام مؤجلة.

تتحرك الرواية بين أجيال مختلفة، وتتناول موضوعات مثل العنف الأبوي، والزواج، والمرض النفسي، وتفكك العلاقات الأسرية، في محاولة لفهم أثر البيئة الاجتماعية في مصائر أفرادها. ولا يظل حي البوسطة مجرد خلفية للأحداث، بل يتحول إلى فضاء يحمل ذاكرة شخصياته ويعكس التحولات التي مر بها المجتمع من حولهم.

يذكر أن المؤلف مصطفى خالد مصطفى، طبيب وروائي سوداني، مواليد أم درمان 1998م، صدرت له ثلاثة أعمال أدبية؛ «غول سليمة» (رواية 2020م)، و«تكيّة البِجاوي» (رواية 2022م)، و«السقف النبيل للأحلام» (مجموعة قصصية 2023م). وفاز بجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي 2022م عن رواية «أيام حي البوسطة»، كما فاز بجائزة «بيت الغشّام» - دار عرب للترجمة الدولية- عن رواية «هاه هاه... كُح كُح... نجوتُ بأعجوبة» 2025م. وجائزة «نيرفانا» الأدبية عن قصّة «حرب شارع البهلوان» 2020م. وحصل على منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون 2023 عن المجموعة القصصية «السقف النبيل للأحلام».

ومن أجواء الرواية، نقرأ: «فور دخولكِ مع شادية بوَّابة هذا المشفى يتغيَّر وجهُك وتحسين بثقلٍ رهيب على صدرك، كثيرون قالوا لأمك إنّ المريضة فيكما هي أنتِ، أصحاءُ ومرضى قالوا هذا الكلام، لا تحبين قضاء الكثير من الوقت في ردهات هذا المشفى. أحلك أيام حياتك هي تلك الأيام التي تسوء فيها حالة أمك كثيراً فترينها مبتهجةً كثيرة الحركة ثرثارةً فتضطرين لترقيدها والبقاء معها لأيام خصوصاً إذا لم ترافقكما جدتك. لا مشكلة إذا تدهورت حالتك النفسيّة ليومٍ أو اثنين، المهم عندك أن تتلقى أمك العلاج وتبقى صموتةً هادئة راقدةً على الدوام. تعرفتِ على حالاتٍ كثيرة مشابهة وغير مشابهة لحالتها، كوّنتِ صداقاتٍ مع المرضى كثيري التردد للمتابعة، أحسستِ أنكِ قريبةٌ منهم وتفهمينهم جيِّداً كما تفهمين طبيعة شادية، تعرفين أمراضهم جيِّداً وقصصهم الخلفيَّة لها، كلها محزنة مشرّبة بالألم، كقصَّة أمك تماماً».