كلاركسون مذيع من طراز نادر رغم إقالته من «بي بي سي»

برنامجه يدر دخلاً سنويًا يتجاوز 80 مليون دولار من بيعه لشبكات التلفزيون حول العالم

كلاركسون مذيع من طراز نادر رغم إقالته من «بي بي سي»
TT

كلاركسون مذيع من طراز نادر رغم إقالته من «بي بي سي»

كلاركسون مذيع من طراز نادر رغم إقالته من «بي بي سي»

تذكرت القول: «المغني قبل الأغنية».. أثناء انشغال الصحافة البريطانية والصحافة المتخصصة في السيارات عالميا بقضية جيريمي كلاركسون الذي اكتسب شهرة عالمية بتقديمه برنامج «توب غير» (TOP GEAR) ترس سباق السرعة العالية وتحدي الطرق الوعرة.
البرنامج يدر على «بي بي سي» دخلا سنويا يتجاوز 80 مليون دولار من بيعه لشبكات التلفزيون حول العالم.
نمت شهرة كلاركسون على طريقين متوازيين لا يلتقيان إلا في عالم يخاف قوانين الطبيعية. شخصيته التي تمتزج بالسيارة ورعونة السائقين الشبان وعبث لا تصادفه إلا بين صبيان ورش السيارات؛ وشخصية نمت وراء الكاميرات لم تظهر في البداية على الشاشة الصغيرة يلتف حولها الصغار قبل الكبار، وهي شخصية الشاب غير الناضج الأرعن (رغم أنه تجاوز منتصف الخمسينات) تنطلق الكلمات من عواطفه إلى فمه متجاوزة فلتر العقل بألفاظ شطبت من القواميس العامة قبل جيلين يعتبرها المجتمع إهانة وعنصرية. السلوك والكلمات التي غالبا ما يعاقب الكبار والمعلمون الصغار (أكثرية مشاهدي برنامج السيارات) إذا تفوهوا بها، والتي نشرت الصحافة لسنوات أن العديد من الناس اشتكوا من هذه الإهانات (ومعظمها خارج البرنامج، لكن كلاركسون كشخصية عامة تتابعه الصحافة والمعجبون)، ومنهم رئيس الوزراء الأسبق غوردون براون الذي وصفه كلاركسون مرة «بالاسكوتلندي الأعور العقل» (براون فقد البصر في إحدى عينيه). بمرور السنين بدأت الشخصية الرعناء تندمج بشخصيته على الشاشة الصغيرة، وازدادت حدة التصرفات عند مشاركة متفرجين في تصويره وكأنهم يعرفونه بشخصية الفتوة أو البلطجي قليل الذوق، فسيطرت على تصرفاته. وكان كلاركسون تلقى عشرات التحذيرات من المسؤولين في الـ«بي بي سي». فرغم أن برنامجه يدر أرباحا معتبرة، فإن الهيئة خدمة عامة ممولة مباشرة من المتفرجين (يدفع كل بيت رخصة إجبارية للبث). قبل أسبوعين أثناء التصوير في فندق في الريف الإنجليزي احتج كلاركسون، الذي وصل الفندق بعد انتهاء موعد تقديم الغداء، لعدم وجود وجبة ساخنة رغم أن منتج البرنامج المتنقل (وهو موظف في «بي بي سي») جهز بعض الساندويتشات، وبعد توجيه السباب لثلث ساعة للمنتج لكمه كلاركسون فجرح فمه.
عقب نشر الفضيحة جمع معجبو كلاركسون مليون توقيع (أوصلوا عرائضه لمبنى «بي بي سي» على ظهر دبابة قديمة اشتروها من مخزن لخردة الحرب العالمية الثانية) يطالبون بمسامحته.
التحقيق أثبت اعتداء كلاركسون بلا سبب على أحد العاملين في الهيئة (وكان اتحاد الصحافيين يلوح بضرورة أخذ الإدارة حق المعتدى عليه). وفصلت الهيئة كلاركسون فانقسم الرأي العام والمعلقون.
انقسم المعلقون ليس على خطوط اليمين المحافظ الدائم الانتقاد للـ«بي بي سي»، واليسار الذي يرى الهيئة تقود أسطوله المنشغل في معركة دائمة لتقويض الإرث الإمبراطوري والقيم الراسخة، كالأسرة التقليدية، ودور الكنيسة، والمؤسسة الملكية، ويعمل على إخضاع بريطانيا لسيادة الاتحاد الأوروبي. معلقو اليمين وجدوا في كلاركسون تحديا للرقابة الثقافية التي فرضها اليسار على روح الدعابة، وعلى قيادة الرجل للأسرة وإخضاع الحياة اليومية لأجندة الخضر، وتعليمات الاتحاد الأوروبي.
اعتبر بعض رموز اليمين إبعاد كلاركسون نجاحا للنخبة اليسارية المسيطرة على الـ«بي بي سي» (معظمهم من أبناء الأثرياء الذين اعتنقوا فلسفات اشتراكية ويسارية كنوع من الترف الفكري) في التخلص من ابن البلد الإنجليزي الذي يحمل روح الطبقات الفقيرة. أما حملة الصفح عن كلاركسون فاشتملت على يساريين ويمينيين. ورأى كثير من المحافظين في اعتداء كلاركسون على زميل باللفظ واليد تصرفا لا جنتلمانيا لا يمكن التسامح معه.
«المغني قبل الأغنية» يعني أن أداء المغني وتنويعه للنغم وتوظيف طبقات صوته كآلة موسيقية قد يجعل الأغنية العادية أوبرا عالمية أو يسقط أعظم أوبرا إلى ضوضاء سوق الماشية.. وكم من مرة تسمع مطربي الشرق اليوم ما يستطيعون مجتمعين أداء أغنية واحدة بعبقرية وموهبة كوكب الشرق السيدة أم كلثوم التي كانت تطرب الملايين بأغنيات تستمر كل منها أطول من مباراة كرة القدم في زمن كان الجمال فيه هو القاعدة والقبح هو الاستثناء. لكننا لم نجرب أن تغني كوكب الشرق هجاء قبيحا أو هراء لا يفهمه أحد لنقرر أن «المغني قبل الأغنية» قول مطلق وليس نسبيا لا ينفصل فيه الشكل عن المضمون.
فمثلا لا يعرف كثيرون من المدافعين عن كلاركسون بحجة حرية التعبير أنه قبل سنوات لجأ للقضاء (واختار محاميه تقديم الطلب لقاض معروف بكراهيته للصحافيين) ودفع آلاف الجنيهات لاستصدار حكم قضائي مسبق injunction يمنع الصحافيين من نشر أي أنباء عن فضيحة تورط فيها وشملت زوجته الحالية وزوجته السابقة، أي أنه لجأ للرقابة وتلجيم حريتها.
كاتب السطور يقف مع «بي بي سي» في القضية التي قالت الإدارة فيها إن البرنامج أهم وأبقى من مقدمه. وكم من برامج مستمرة لسبعة عقود يسكن نجومها ومقدموها الثرى ولا تزال ناجحة بالجيل الثالث والرابع من المقدمين.
البعض يقول فلنفصل بين شخصية المقدم على الشاشة وتصرفاته في الأيام العادية خارج البرنامج، لكن كلاركسون دمج الشخصيتين والتصرفين في واحدة. كان مزاجه وتصرفاته ونكاته وألفاظه تكاد تماثل ما يعرف بـ«football - hooligans» أسوأ أنواع «الألتراس» أو مشجعي كرة القدم الذين لا تكتمل متعة المباراة لديهم إلا بالشراب حتى الثمالة والدخول في معركة دامية مع مشجعي الفريق المنافس.
برنامج «توب غير» ممتع ومثير للضحك، لكن في مناقشة عامة حول البرنامج الأسبوع الماضي سألت المذيعة الحاضرين: مقدم البرنامج يعجب الناس بأدائه، لكن كم أبا هنا يرضى به زوجا لابنته؟
طرحت السؤال لأن شركات السيارات التي تمول البرنامج بسخاء للترويج لمنتجاتها هددت بسحب التمويل بسبب تصرفات وألفاظ مقدم البرنامج (واشتكى الهنود والأرجنتينيون والمكسيكيون وغيرهم من تصرفاته التي اعتبروها عنصرية عند تصوير البرنامج في بلدانهم).
وكان لي تجارب سابقة مع مقدمي برامج اعتبروا أنفسهم وأنفسهن أهم من البرنامج نفسه، بعضها أصرت على التخلص من المقدم المثير للمشكلات فازداد نجاح البرنامج وعدد المشاهدين، وفي حادثة أخرى قبل 17 عاما (كان للمدير المباشر علاقة شخصية بمقدمة تلفزيونية فاشلة أصر على فرضها على البرنامج) وفقدت المحطة مشاهديه. وعندما يعود برنامج السيارات «الترس الأعلى» بفريق آخر ستثبت التجربة ما إذا كان مقدم برنامج، رغم شهرته، قادرا على أخذ البرنامج رهينة أبدية وابتزاز مشاهديه والإدارة، أم أن البرنامج نفسه أهم؟
من تجربتي فإن المعد المحرر «executive producer» وقدرته على صياغة نص محكم خفيف الظل وقوة شخصيته في إصراره على التزام مقدمي البرنامج بالنص ستكون الفيصل في الإجابة عن السؤال.



«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
TT

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)

قالت كِندة إبراهيم، المديرة العامة الإقليمية لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، إن استراتيجية المنصة في المنطقة خلال عامي 2026 و2027 ترتكز على بناء «اقتصاد إبداعي مستدام» يحوّل المحتوى من نشاط رقمي إلى مسار مهني حقيقي، ويمنح المواهب المحلية أدوات النمو والوصول إلى الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأوضحت إبراهيم، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» على هامش حفل جوائز «تيك توك» الذي نُظم أخيراً، أن المنصة «لا تنظر إلى نفسها بوصفها منصة ترفيه فحسب، بل منظومة متكاملة تتحول فيها الإبداعات إلى مهن، والاهتمامات إلى مجتمعات رقمية، والقصص المحلية إلى محتوى قادر على الانتشار عالمياً مع الحفاظ على هويته الثقافية».

وأضافت أن هذه الاستراتيجية «تقوم على الاستثمار في أدوات صناعة المحتوى، وتوسيع فرص تحقيق الدخل المستدام، وتعزيز أنظمة الأمان، وبناء شراكات تمكّن المواهب المحلية من النمو داخل المنطقة وخارجها بثقة». وأردفت أن تركيز المنصة سيظل منصبّاً على أسواق رئيسية مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ومصر، إلى جانب أسواق واعدة أخرى تشهد زخماً متزايداً في ريادة الأعمال والإبداع الرقمي.

مؤشرات نضج المنظومة

في هذا السياق، رأت كندة إبراهيم أن نتائج حفل جوائز «تيك توك» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2025 «شكّلت مؤشراً واضحاً على نضج منظومة صناع المحتوى في المنطقة، بعدما شارك أكثر من 5.7 مليون مستخدم في التصويت، مما يعكس تحول الجمهور من مجرد متلقٍّ إلى شريك فاعل في صناعة المشهد الإبداعي».

وأوضحت أن تكريم 33 صانع محتوى ضمن 11 فئة شملت الترفيه والتعليم والتأثير الاجتماعي والرياضة والطعام والأزياء والابتكار، «يعكس اتّساع نطاق الإبداع وعمقه».

وتابعت قائلةً إن صناعة المحتوى في المنطقة «لم تعد مرتبطة بلحظة انتشار عابرة أو بنوع واحد من المحتوى، بل أصبحت منظومة حقيقية تبني مجتمعات رقمية وتسهم في تشكيل الثقافة».

واستطردت بأن «وصول 66 صانع محتوى إلى القوائم النهائية قبل بدء التصويت يؤكد وجود قاعدة واسعة ومتنوعة من المواهب في مختلف أنحاء المنطقة، وهو ما دفع (تيك توك) إلى تطوير برامج دعم جديدة لعام 2026، تشمل استثمارات أكبر في أدوات مثل (تيك توك استديو) و(تيك توك ون)، إلى جانب برامج متخصصة للمعلمين والفنانين وصناع المحتوى الرياضيين ورواة القصص».

كِندة إبراهيم، المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى "تيك توك" في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا.(الشرق الأوسط)

محركات النمو

من جهة ثانية، ذكرت كندة إبراهيم أن نمو «تيك توك» في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تقوده ثلاثة عوامل رئيسة تتمثل في: الاكتشاف، والمجتمع، وفرص الدخل المستدام.

ولفتت إلى أن «نظام التوصية القائم على الاهتمامات، وليس على عدد المتابعين، يتيح للأصوات الجديدة الظهور بسرعة، ويسمح للاهتمامات المتخصصة من التعليم والرياضة إلى الطعام والجمال، بأن تتحول إلى حركات ثقافية واسعة تقودها المجتمعات نفسها... وأدوات مثل (تيك توك ون)، والتعاون بين صناع المحتوى، أمور تسهم في تحويل التفاعل إلى علاقات أعمق وفرص دخل حقيقية، مما يدعم بناء منظومة إبداعية أكثر استدامة في المنطقة». ومن ثم، فإن المنصة -وفق كندة ابراهيم- «تقيس هذا النمو عبر مجموعة من المؤشرات، تشمل عدد المستخدمين النشطين، ووقت المشاهدة، والتفاعل المتكرر، ونشاط صناع المحتوى، وتبني أدوات تحقيق الدخل، إضافة إلى عدد الصنّاع الذين ينشرون محتوى بشكل منتظم، وسرعة وصول المواهب الجديدة إلى مجتمعاتها».

التعليم والترفيه

ورداً على سؤال عن طبيعة المحتوى، أكدت أن الترفيه لا يزال عنصراً أساسياً في تجربة «تيك توك»، لكنه لم يعد النوع الوحيد الذي يبحث عنه الجمهور... ذلك أن المحتويين التعليمي والمعرفي، إلى جانب محتوى ريادة الأعمال والتأثير الاجتماعي، قطاعات تشهد نمواً متزايداً، خصوصاً عبر مبادرات مثل «تعلم في تيك توك».

وأوضحت أن التعليم على المنصة لا يأتي بصيغة تقليدية، بل في قالب بسيط وسريع وممتع، يمزج بين الفائدة والترفيه، وهو ما يجعل المحتوى أكثر قرباً من الناس وأكثر قابلية للمشاركة والاستمرار.

منصة متعددة الأجيال

وفيما يتعلق بالفئات العُمرية، شددت المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، على أن «تيك توك» باتت «منصة متعددة الأجيال بطبيعتها». إذ تعتمد تجربة المستخدم على الاهتمامات لا على العمر، وبالتالي، «فإن كل مستخدم يجد محتوىً يناسبه، سواءً للترفيه أو التعلّم أو التعبير عن الذات، مما يجعل التجربة أكثر شمولاً وإنسانية».

السلامة والذكاء الاصطناعي

أما عن التحديات، فقالت إن «تيك توك» تولي أولوية قصوى لبناء بيئة رقمية آمنة وشفافة، خصوصاً مع الانتشار المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي. وشرحت كيف أن المنصة كانت أول جهة تطبّق تقنية «بيانات اعتماد المحتوى Content Credentials بالتعاون مع تحالف C2PA لتمييز المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي».

وأضافت أن أكثر من 37 مليون صانع محتوى استخدموا أداة وسم المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي منذ العام الماضي، كما جرى وسم أكثر من 1.3 مليار فيديو بعلامات مائية غير مرئية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية.

كذلك كشفت عن إطلاق صندوق بقيمة مليوني دولار لدعم محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى الانضمام إلى «Partnership on AI» لتعزيز التعاون على مستوى الصناعة. وشددت على أن هدف «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا هو مواكبة الابتكار، مع الحفاظ على بيئة آمنة ومسؤولة تحترم الخصوصية، وتعزز الثقة، وتدعم الإبداع الحقيقي الذي يعكس ثقافة وقيم مجتمعات المنطقة.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن المنصة كانت قد نظّمت اخيراً حفل جوائزها السنوي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا احتفاءً بأبرز صنّاع المحتوى في المنطقة الذين كان لهم تأثير متميز خلال عام 2025، وتم تكريم صنّاع المحتوى الذين ساهمت قصصهم وإبداعاتهم وتأثيرهم في رسم ملامح هذا العام على المنصة وخارجها.

تنامي المنصة

للعلم، تُعدّ «تيك توك» من المنصات الرقمية المتنامية العالم. وخلال السنوات الماضية عملت على طرح المحتوى بشكل مختلف من خلال الفيديوهات القصيرة. إذ تقوم فلسفة المنصة على نموذج اكتشاف قائم على الاهتمامات لا على عدد المتابعين، مما يمنح الأصوات الجديدة فرصة الظهور والانتشار السريع، ويتيح للمجتمعات الرقمية أن تتشكل حول متابعات مشتركة، سواءً في التعليم أو الرياضة أو الطعام أو ريادة الأعمال أو الفنون.

وفي منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، تتطلع «تيك توك» لأن تكون لاعباً رئيسياً في تشكيل الثقافة الرقمية، إذ تحوّلت إلى مساحة للتعبير عن الهوية المحلية، ومسرح للأفكار الجديدة، ومنصة لإطلاق المواهب الشابة.


«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة. وهذا الأمر يدفع الآن شركة «ميتا»، مالكة المنصة، إلى الرهان على الذكاء الاصطناعي بوصفه مساراً لاستعادة التفاعل عبر تحسين أنظمة التوصية وترتيب المحتوى، وتقديم تجربة أكثر تخصيصاً للمستخدمين.

لقد أشار تقرير أجرته «سوشيال إنسايدر» (وهي شركة متخصصة في تحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي وتقديم تقارير مؤشرات أداء)، خلال الشهر الحالي، إلى أن «متوسط معدلات التفاعل على (فيسبوك) بلغ 0.15 في المائة. وهي نسبة تعكس انخفاضاً تم تسجيله منذ مطلع عام 2025». وتبيّن المؤشرات التي استندت إلى تحليل بيانات نحو 70 مليون منشور عبر منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«فيسبوك» و«إكس» (تويتر سابقاً)، أنه لا يمكن فصل هذا التراجع عن التحولات الأوسع في سلوك المستخدمين، ولا عن المنافسة المحتدمة مع منصات تقدّم أنماطاً أكثر حيوية من المحتوى، وفي مقدمتها الفيديو القصير.

حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، أرجع انخفاض التفاعل على «فيسبوك» إلى عدة عوامل. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك) بات يعاني من هجرة جيلَي زد وألفا، وتحوّل المنصة إلى فئة عُمرية أكبر (في سن 35 سنة)، والسبب في ذلك أساساً وجود منافسين أكثر حيوية ومنصّات تقدّم أنماطاً جديدة من المحتوى مثل (تيك توك) و(إنستغرام)، حتى إن (فيسبوك) باتت منصة الآباء والأجداد».

الشولي يشير إلى «تحول (فيسبوك) لإحراق المحتوى؛ إذ تتعرّض الحسابات العادية لنحو 1500 منشور محتمل خلال أقل من 8 ساعات، ما أدى إلى مفهوم انهيار السياق والاتجاه نحو التلوث في الكم مع إغفال النوع». ويضيف: «هو بالأساس يدخل في إطار فلسفة الاقتصاد، بتحويل انتباه المستخدمين وجعلها عملية نادرة، تتنافس عليها الشركات المعلنة، الأمر الذي أدى لتحول المنصة لسوق من الإعلانات، مع انعدام المحتوى». ويلفت إلى أن «الكمية الهائلة من المنشورات ولّدت فقراً في الانتباه، كما يقول هربرت سايمون، الذي أسس لفكرة اقتصاد الانتباه».

جدير بالذكر أن مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ«ميتا»، كان قد ألمح إلى نية الشركة الدفع باتجاه مزيد من الأدوات والاستخدامات المعززة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما عدّه خبراء «رهاناً لتعويض تراجع التفاعل». وكشفت «ميتا» عقب إعلانها أحدث تحديثات الأداء عن دور أنظمتها المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحسين ترتيب المحتوى وزيادة الصلة داخل الخلاصات.

عودة إلى الشولي، فإنه يرى صعوبة في إيجاد تغيير ملموس بشكل كامل على «فيسبوك»؛ إذ يقول: «المنصة بحاجة لإعادة نظر في شكلها الحالي وطبيعة عملها... والأهم من ذلك استقطابها لجمهور الشباب؛ إذ لدى (فيسبوك) نحو 3 مليارات مستخدم نشط شهرياً، منهم 2 مليار ناشطون بشكل يومي، ولكن معدل الأعمار الأكثر نشاطاً هم الأكبر بالعمر، وهذه مشكلة عنق الزجاجة التي تعاني منه (فيسبوك) طوال السنوات العشر الماضية».

ويضيف أن «الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في استهلاك المحتوى من قبل المستخدمين؛ لكن داخل حيز الحسابات النشطة فقط». وهو لا يعتقد بارتفاع أعداد الحسابات النشطة أكثر مما عليه الآن.

من جهة ثانية، وفق البيانات الرسمية لـ«ميتا»، أسهمت تحسينات ترتيب الخلاصات والفيديو على «فيسبوك» خلال الربع الرابع من عام 2025 في زيادة مشاهدات منشورات الخلاصة والفيديو العضوية بنسبة 7 في المائة، مع تسجيل نمو في وقت مشاهدة الفيديو على أساس سنوي داخل الولايات المتحدة. كذلك زادت المنصة من عرض المقاطع القصيرة المنشورة في اليوم نفسه بنسبة تجاوزت 25 في المائة مقارنة بالربع الثالث من العام ذاته.

وهنا ذكرت دعاء عمار، الصحافية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «فيسبوك» لم تنجح في جذب الشرائح الأصغر سناً. ولفتت إلى التغيّر في تفضيلات الخوارزمية، قائلة: «في السابق كانت خوارزمية (فيسبوك) تعرض ما ينشره أصدقاؤك وأقاربك، أما الآن فتحاول (فيسبوك) استنساخ (تيك توك)». وأردفت دعاء عمار أن «الخوارزمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ما تشاهده على أساس اهتمامك الحالي، وليس بناء على مَن تتابعهم»، معتبرة أن هذا قلّل «الحميمية» التي كانت قبل ذلك دافعاً أساسياً للتفاعل بالتعليقات والمشاركة.

وبالنسبة لرهان «فيسبوك» على الذكاء الاصطناعي، رأت دعاء عمار أن «المشكلة تكمن في أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي مصممة لزيادة التفاعل بأي ثمن، ما قد يؤدي على سبيل المثال إلى انتشار الأخبار المضللة أو حبس المستخدم في فقاعة من المحتوى الذي يوافق مزاجه فقط؛ ما قد يخلق استقطاباً مجتمعياً حاداً». ومن ثم «التفاعل يجب أن يكون هدفاً مقيداً وليس الهدف الوحيد... والحد الفاصل هو عندما يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة لتحسين التفاعل، إلى محرّك غير خاضع للمساءلة لزيادة هذا التفاعل».


«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.