إيران وحلم الإمبراطورية الفارسية.. من الصفوية إلى روحاني

منهج السياسة الخارجية لطهران يقوم على إحياء النزعة الفارسية المعادية للعرب

إيران وحلم الإمبراطورية الفارسية.. من الصفوية إلى روحاني
TT

إيران وحلم الإمبراطورية الفارسية.. من الصفوية إلى روحاني

إيران وحلم الإمبراطورية الفارسية.. من الصفوية إلى روحاني

في أول تصريح للرئيس الإيراني حسن روحاني حينما تولى رئاسة حكومة بلاده، أكد أن طهران ستعمل على تحسين العلاقات مع دول الجوار، وبخاصة السعودية، وقوبل تصريحه بالترحيب من دول المنطقة، خصوصا السعودية، كبادرة على حسن النيات وفتح آفاق جديدة من التعاون في ظل التفاؤل الضئيل بحدوث تغيير في السياسية الإيرانية، كون السعودية تعرف أن تلك التصريحات لم تكن إلا ذرا للرماد في العيون، وأن الحكومات الإيرانية منذ أيام حكم الدولة الصفوية عام 1501م وحتى حكم الملالي الخمينيين، لا تزال تمارس عملياتها التي تتمثل في بث القلاقل بدول المنطقة، خصوصا دول الخليج، كونها تعمل لأجل تحقيق الإمبراطورية المزعومة التي أعاد رسم خريطتها الخميني عبر خطته الخمسينية، بعد ثورته التي أطاحت بشاه إيران عام 1979.
الادعاءات الإيرانية التي تطلقها بين الفينة والأخرى ومطالباتها الباطلة بحفظ حقوق الشعب اليمني، أو حقها في بغداد، أو حماية حزب الله في لبنان، أو ما أعلن عنه بضم مملكة البحرين كمحافظة رابعة عشرة، ضمن الخطط الاستراتيجية الممنهجة ذات الصبغة الطائفية التوسعية، بإخضاع دول المنطقة لتدور ضمن فلك الجمهورية الإسلامية الإيرانية من أجل أوهام النخب والقيادات وصناع القرار في إيران لإحياء ما يسمي «الإمبراطورية الفارسية»، وهي التي أفصح عنها علي يونسي، مستشار الرئيس الإيراني حسن روحاني، بداية مارس (آذار) الحالي، حينما قال: «إيران اليوم أصبحت إمبراطورية كما كانت عبر التاريخ، وعاصمتها بغداد حاليا، وهي مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا اليوم كما في الماضي».
وترى إيران أن لها دورا محوريا في «ملء فراغ» الساحة الخليجية سياسيا وعسكريا، حسب زعمها، وأنها تملك مشروعا عقائديا عالميا، يحمل تفويضا أخلاقيا يسمح لها بالتمدد الجغرافي أكثر من أي وقت مضى، لإقامة إمبراطوريتهم التي يزعمون، وهو ما أشار إليه يونسي في حديثه قبل أسبوعين لوكالة أنباء «إيسنا» حينما قال: «جغرافية إيران والعراق غير قابلة للتجزئة، وثقافتنا غير قابلة للتفكيك، لذا إما أن نقاتل معا أو نتحد».
وهنا يشير الباحث الكويتي الدكتور عبد الله المرزوق في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، أصبح إحياء النزعة الفارسية القديمة المعادية للعرب منهجا للسياسة الخارجية الإيرانية تجاه دول المنطقة بشكل عام ودول مجلس التعاون الخليجي بشكل خاص، الذي تمثل بمنهج تصدير الفكر الثوري والتغلغل في الشؤون الداخلية عن طريق تأجيج الصراع الطائفي بقصد زعزعة الاستقرار الداخلي لدول الخليج، واليمن جزء منها، وذلك بتعزيز نفوذ حلفائها من التنظيمات الطائفية المتشددة والجماعات ذات النهج الآيديولوجي المتطرف الموجودة ضمن النسيج الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في دول المنطقة من أجل فرض الهيمنة الإيرانية ذات التوجه العنصري عن طريق التحكم في المعادلة الأمنية ضمن نظرية ولاية الفقيه بقيادة علي خامنئي قائد الثورة الإيرانية.
ويضيف المرزوق بقوله: «كان للدور العقائدي ذي النهج الثوري في السياسة الخارجية الإيرانية، سواء عن طريق الخطاب المتشدد؛ الديني، أو السياسي، للنخب الإيرانية، إضافة للمحاولات المتكررة لضرب استقرار دول المنطقة، وكذلك تحدي إرادة المجتمع الدولي، الأثر الأبرز في دخول المعضلة الأمنية لمنطقة الخليج في نفق مظلم».
واستشهد الدكتور المرزوق بتصريح رئيس الوزراء الإيراني السابق حلنجي ميرزا، عام 1822م، في هذا الإطار عندما قال: «إن الشعور السائد لدى جميع الحكومات الفارسية المتعاقبة، أن الخليج العربي الفارسي من بداية شط العرب إلى مسقط، بجميع جزائره وموانئه بدون استثناء، ينتهي إلى فارس، بدليل أنه خليج فارسي وليس عربيا».
الأطماع الإيرانية لا تكمن في اليمن فقط؛ بل للحوثيين دور مهم تنتظره إيران يتمثل في تهديدهم أمن الخليج، والسعودية تحديدا، كون إيران تسعى لإيجاد أصوات معادية للدول العربية والإسلامية، في الدول التي نجحت فيها مثل لبنان واليمن والعراق وسوريا، فيما وقفت السعودية بحزم أمام محاولتها الفاشلة في مملكة البحرين بعد التدخل السعودي.
ويشير الباحث البحريني الدكتور عادل علي عبد الله في بحثه له عن إيران، إلى أن طهران تملك مشروعا عالميا تبشيريا، إلا أن أهدافها تنصب على قلب الجغرافية الإسلامية؛ الجزيرة العربية، التي تحتضن دول الخليج، مشيرا إلى أن إيران وظفت فكرة «ولاية الفقيه» في بناء سلطتين متوازيتين في حكم البلاد؛ هما سلطة «الثورة» وسلطة «الدولة»، واستنسخت إرث الدولة الصفوية فكريا ومؤسسيا.
وفي السياق ذاته، يشير الباحث والمتخصص في الشأن الإيراني عبد الرحمن المهلكي، في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن طموح إيران بالإمبراطورية المزعومة التي تسعي لها، وإعلان أحد مسؤوليها بوضوح أن بغداد أصبحت عاصمة للإمبراطورية الفارسية، يتكشف من خلاله تغلغلها في الشأن الداخلي اليمني قبل سنوات، وأيضا من قبل في لبنان وسوريا والعراق والبحرين، في خطه طويلة المدى لحكومة إيران لبث منهجها التبشيري الذي يقوم في ظاهره على منهج عقائدي، إلا أنه يخفي خلفه الوجه القبيح لأحلام الإيرانيين بإمبراطورية الفرس، مضيفا أن القادم من اﻷيام سيشهد ارتفاع وتيرة المواجهة، وأن إيران ستخسرها. إلا أن المهلكي أبدى تحفظه حيال ما يدور بين واشنطن وطهران ضمن المفاوضات التي تجري في سويسرا، التي من الممكن أن يكون ملف الحوثيين ضمنها، وذلك لإنقاذ ماء وجه إيران لتتكشف بعدها بوضوح معالم الصفقة الأميركية – الإيرانية التي ما زالت طي الكتمان.
إلا أن الملهكي شدد على أن التحرك السعودي لمواجهة التمدد اﻹيراني ممثلا في ميليشيا الحوثي، جاء في وقت حاسم جدا، وأن أهمية هذا التحرك تتمثل في عدة أوجه؛ أولها أن السعودية ﻻ يمكن أن تسمح لقوة معادية أن تبني رأس جسر عسكري في حديقتها الخلفية، والتحرك الحوثي للاستيلاء على اليمن يمكن اعتباره إعلان حرب ﻻ جدال فيه. والوجه الثاني أن الحوثي أعلن بوضوح خياره اﻹيراني استراتيجيا، وهذا الخيار مبني على توجهات آيديولوجية وليست براغماتية مصلحية يمكن التفاهم معها، وهذا ما تأكدت منه السعودية أخيرا. وأضاف المهلكي أن هذا الخيار ﻻ يعني أنه ﻻ بد من عودة صنعاء، كون صنعاء سقطت في سبتمبر (أيلول) الماضي، في ظل توقع المراقبين أن تتحرك الرياض فورا، إﻻ أن ذلك لم يحدث، والسبب الصمت الأميركي الذي طال حيال ما يدور في اليمن وكأنها كانت مؤيدة له.
وذكر المهلكي أن الوجه الثالث هو أن الوﻻيات المتحدة تفاوض إيران وعلى طاولة المفاوضات سوريا والعراق واليمن. كل هذا حزمة واحدة في مقابل «النووي»، والسماح لقائد «فيلق القدس» سليماني بأن يشكل وجه العراق الفارسي لبقية القرن الحادي والعشرين، مضيفا أن أميركا لها حساباتها، إلا أن دعمها لقوة التحالف العشري أمر إيجابي وكذلك تقديمها للخدمات الاستخباراتية واللوجيستية بعد أن قررت الرياض خوض المواجهة وحسمها بعد أن فشلت كل الحلول السياسية التي قدمتها، يدل على قوة السياسية السعودية الخارجية.



تعثر الإعمار يُبقي «شبح التهجير» قائماً بعد عام من «اتفاق غزة»

في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)
في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)
TT

تعثر الإعمار يُبقي «شبح التهجير» قائماً بعد عام من «اتفاق غزة»

في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)
في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)

بعد عام من توقيع «اتفاق السلام في قطاع غزة»، لا يزال «إعمار غزة» متعثراً في ظل تعنت إسرائيلي مستمر ألقى بظلاله على بنود الاتفاق الذي يعاني جموداً منذ اندلاع «الحرب الإيرانية» في فبراير (شباط) الماضي، ما يُبقي «شبح تهجير الفلسطينيين» قائماً.

وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن «إسرائيل تحقق أهدافها في غزة، تحت ستار خطة السلام المجمدة»، وأشاروا إلى أن «تل أبيب تسيطر على نحو 75 في المائة من القطاع، ودمرت مناطق أخرى ما بعد الحرب، ما يجعل فرص الحياة صعبة في القطاع».

وفي التاسع من أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، أعلن «الوسطاء» عن وقف إطلاق النار بين حركة «حماس» وإسرائيل، بعد مفاوضات جمعتهم في مدينة شرم الشيخ المصرية قبل أن يتم التوقيع على الاتفاق النهائي في الثالث عشر من الشهر نفسه، بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

ووقع على «وثيقة السلام»، قادة دول الوساطة «مصر وأميركا وقطر وتركيا»، وتضمنت وقف إطلاق للنار في غزة، عبر عدة مراحل، تبدأ بوقف العدائيات، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية، وتبادل المحتجزين والأسرى، على أن يلي ذلك مرحلة ثانية تتضمن جهود التعافي المبكر، وإعادة الإعمار، وتسليم إدارة قطاع غزة للجنة مدنية «تكنوقراط».

ورغم إعلان الوسطاء في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، عن تشكيل «لجنة تكنوقراط»، برئاسة علي عبد الحميد شعث لإدارة القطاع، لكن لم يتم تمكينها حتى الآن من ممارسة دورها، وسط انتهاكات مستمرة ورفض إسرائيلي لخريطة الطريق التي وافقت عليها الفصائل الفلسطينية في شهر يونيو (حزيران) الماضي، تمهيداً لاستكمال استحقاقات المرحلة الثانية.

وبموازاة ذلك، لم تتخل إسرائيل عن مخطط «تهجير الفلسطينيين» من غزة، حيث أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي، أن «حكومته تمتلك خططاً جاهزة لتهجير الفلسطينيين من غزة»، وقال إنها «تنتظر أن تحدد الولايات المتحدة المكان الذي يمكن نقلهم إليه».

وتحذر مصر والدول العربية من مساعي إسرائيل لتهجير الفلسطينيين، منذ بداية الحرب على غزة، في السابع من أكتوبر 2023.

وشدد الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، على «رفض بلاده الكامل لأي مخططات تستهدف تهجير الشعب الفلسطيني»، وأكد خلال مؤتمر صحافي مع نظيره الكوري لي چيه ميونغ، الخميس، «رفض بلاده التصعيد الإسرائيلي الخطير، للأوضاع في الضفة الغربية والقدس الشرقية».

ويرى عضو «المجلس المصري الشؤون الخارجية»، السفير رخا أحمد حسن، أن «إسرائيل تحقق أهدافها تحت ستار خطة السلام»، مضيفاً: «هناك حالة جمود في تنفيذ مراحل خطة ترمب في غزة، ورغم ذلك تواصل تل أبيب ممارساتها ضد الفلسطينيين بالقطاع».

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الجانب الإسرائيلي يحتل غالبية أراضي القطاع، كما يواصل تدمير البنية التحتية، ويضع العراقيل أمام دخول المساعدات الإنسانية»، مشيراً إلى أن «هذه الممارسات تجعل الحياة مستحيلة في القطاع»، ويدفع في نفس الوقت إلى «تنفيذ مخطط التهجير».

وأشار إلى أن «إسرائيل لا تريد الوصول لمرحلة إعادة الإعمار في غزة، وتريد تجميد الوضع حتى تنفذ مخططها الكامل»، موضحاً أن «هناك صعوبة في تشكيل قوة السلام الدولية التي ستتولى تنفيذ مراحل خطة ترمب، بما في ذلك انسحاب إسرائيل من المناطق التي تسيطر عليها في القطاع».

وتعد «قوات استقرار غزة» أحد أبرز البنود المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، الذي جرى التوقيع عليه في قمة السلام بشرم الشيخ المصرية، غير أنها لم تر النور، رغم تشكيل أجهزة تنفيذية عديدة مثل «مجلس السلام العالمي»، الذي يشرف على القطاع برئاسة ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

ولا تزال هناك خروقات لوقف إطلاق من الجانب الإسرائيلي، وفق رئيس «الهيئة الدولية لدعم فلسطين»، صلاح عبد العاطي، وقال إن «حرب الإبادة لم تتوقف رغم مرور عام على اتفاق السلام، وهناك مئات الضحايا يومياً، بجانب منازل يتم تدميرها»، مشيراً إلى أن «هذه الممارسات تُصعّب أي محاولات لعملية الإعمار».

ويرى عبد العاطي، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «الجانب الإسرائيلي لم يلتزم باستحقاقات خطة السلام، بما في ذلك دخول المساعدات لسكان القطاع، حيث يسمح بقدر بسيط يصل إلى 37 في المائة من نسبة المساعدات التي أقرتها خطة السلام».

ونوه إلى أن «الجانب الإسرائيلي لا يسمح بدخول المعدات والوقود، وهو ما يفاقم الأوضاع الإنسانية هناك»، وقال إن هناك «عدة خطط لإعادة الإعمار، من بينها الخطة المصرية، لكنها مرهونة بتنفيذ استحقاقات خطة ترمب».

وأقرت القمة العربية الطارئة بالقاهرة، في مارس (آذار) 2025، الخطة المصرية لإعادة إعمار قطاع غزة تتضمن مشاريع إسكان ومراكز مجتمعية وميناءً تجارياً ومراكز تكنولوجية وفنادق على الشواطئ، وكان مقرراً أن تنتهي من التنفيذ بعد ثلاث سنوات بتكلفة تصل إلى 53 مليار دولار.


«فجر اليمن» تطهر باب المندب وجزره من بقايا الحوثيين

عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)
عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)
TT

«فجر اليمن» تطهر باب المندب وجزره من بقايا الحوثيين

عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)
عناصر من القوات الحكومية اليمنية خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ب)

دخلت العملية العسكرية اليمنية «فجر اليمن» يومها الخامس، الجمعة، مع استكمال القوات الحكومية تطهير مضيق باب المندب وجزيرة ميون الاستراتيجية، وتثبيت مواقعها في المرتفعات المطلة على الممر الملاحي الدولي، في تطور يعزز مكاسبها على الساحل الغربي، بينما تتواصل المعارك في أرياف تعز الجنوبية والغربية، بالتزامن مع اتساع نطاق الضربات الجوية ضد مواقع الحوثيين وتحركاتهم في مناطق عدة من البلاد.

وقالت مصادر عسكرية إن ألوية العمالقة وقوات درع الوطن، بإسناد جوي من التحالف الداعم للشرعية، أحكمت السيطرة على باب المندب ومعسكر العرضي ونقاط المراقبة التابعة لخفر السواحل، إلى جانب جزيرة ميون والسلاسل الجبلية المحيطة بالمضيق، بما فيها المواقع التي تشرف على الممر البحري الحيوي.

وذكرت المصادر أن القوات نفذت عملية التفاف مباغتة تجاوزت خلالها خطوط الدفاع الأمامية للحوثيين، ووصلت إلى خنادقهم وأنفاقهم المستحدثة، حيث أسفرت المواجهات عن مقتل العشرات من عناصر الجماعة واستسلام آخرين.

ويمثل تأمين المضيق وجزيرة ميون، في حال تثبيت السيطرة المعلنة، تحولاً مهماً في مسار العمليات على الساحل الغربي، بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي للمنطقة عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وأهميتها في حماية الملاحة الدولية.

ويأتي ذلك بعد إعلان القوات الحكومية السيطرة على مرتفعات كهبوب، التي تشرف على مساحات واسعة من المنطقة المحيطة بباب المندب.

الضغط نحو الوازعية

مع تثبيت المواقع الجديدة، تواصل القوات الحكومية اليمنية عملياتها في جبهة الوازعية غرب تعز، مستهدفة تأمين المرتفعات الشرقية للمديرية وتضييق الخناق على المواقع الحوثية في محيط ذوباب ومعسكر العمري، تمهيداً لتوسيع التقدم باتجاه المخا، وفق المعطيات الميدانية الواردة من الجبهة.

القوات الحكومية اليمنية تتقدم في الوازعية وتضغط لاستكمال تطهير باب المندب (إ.ب.أ)

وترافق ذلك مع غارات جوية استهدفت مواقع وتحركات عسكرية للحوثيين في الوازعية والشمايتين وجبل حبشي، إلى جانب مواقع في شرجب والتربة وجبل قحام المطل على مديريتي المقاطرة والأحكوم على الحدود بين تعز ولحج.

وأفادت مصادر ميدانية باستهداف آليات وتعزيزات حوثية في منطقتي الحقل والقحاف بمديرية جبل حبشي، فيما ذكر المركز الإعلامي لمحور تعز العسكري الحكومي أن إحدى الغارات أسفرت عن تحييد وإصابة 23 عنصراً.

كما طالت الضربات مواقع في جبال نُمان والصيبارة ومنطقة الحرثة، وجرداد في مديرية الشمايتين.

عنصر من قوات الحكومة اليمنية في جبهات جنوب تعز (أ.ف.ب)

وفي المقابل، لا تزال الجماعة الحوثية تضغط على المناطق الريفية جنوب تعز وغربها، في محاولة للحفاظ على مواقعها وفتح مسارات تقدم جديدة.

وأفادت مصادر محلية بسيطرتها على المحشاء والعدف والعرمة في مديرية جبل حبشي في الجبهة الغربية، وتقدمها باتجاه منطقة الشارق، وسط قصف طال قرى في المنطقة وأسفر، بحسب تلك المصادر، عن مقتل أحد المعلمين في المحشاء.

وتعكس هذه التطورات استمرار المواجهة على أكثر من محور في محافظة تعز، حيث تسعى القوات الحكومية إلى تثبيت مواقعها في المناطق الغربية وتأمين الطرق الحيوية، بينما يحاول الحوثيون الاحتفاظ بنقاط الضغط في الأرياف الجنوبية والغربية ومحيط المدينة.

1729 استهدافاً عسكرياً

في مؤشر على اتساع العمليات العسكرية، أعلن المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد الركن ماجد النزيلي، الخميس، تنفيذ 1729 عملية استهداف دقيقة ضد أهداف عسكرية حوثية في مختلف المحاور والجبهات، ضمن عملية «فجر اليمن».

وقال النزيلي إن العمليات أسفرت عن تحييد 1370 من عناصر الجماعة، وتدمير أو إعطاب 300 عربة ووسيلة ومعدة عسكرية، إلى جانب استهداف مواقع عسكرية ونقاط مراقبة ومراكز قيادة وسيطرة ومخازن أسلحة وخطوط إمداد وتعزيزات.

مقاتلون من ألوية العمالقة في جبهة باب المندب (أ.ب.أ)

بالتوازي، امتدت الغارات الجوية إلى ثماني محافظات، هي تعز وإب والبيضاء وأبين وصعدة وصنعاء وريمة والحديدة، وفق إفادات محلية.

وشملت الأهداف مواقع في العاصمة المختطفة صنعاء، ومعسكراً للحوثيين في يريم بإب، ومواقع في السياني بالمحافظة نفسها، وأخرى في بني مطر غرب صنعاء ومواقع في كسمة، حيث محافظة ريمة، ومواقع في جبال جميل وجرجرة والنسرين بالبيضاء، إضافة إلى عقبة ثرة ومواقع أخرى في الحديدة وصعدة.

وفي لحج، أعلنت القوات الحكومية صد هجوم حوثي استهدف مناطق الأغبرة والمحاولة والمشامرة شمال غربي مديرية المضاربة، واستعادة مواقع في جبل سيف، بمساندة تعزيزات قبلية.

كما استمرت المواجهات والقصف المتبادل وعمليات الطائرات المسيّرة في جبهات جنوب مأرب والجوف، مع غارات استهدفت معسكر ماس ومواقع في منطقة اللبنات.


الحوثيون يستنفرون بنوك الدم مع تصاعد خسائرهم البشرية

استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)
استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)
TT

الحوثيون يستنفرون بنوك الدم مع تصاعد خسائرهم البشرية

استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)
استنفار حوثي لتوفير الدم للمستشفيات التي تكتظ بجرحاهم (إكس)

دفعت الجماعة الحوثية خلال اليومين الماضيين بعربات وشاحنات تابعة لما يسمى «المركز الوطني لنقل الدم وأبحاثه» إلى شوارع وأحياء وميادين في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومحافظات ذمار وإبّ والمحويت والحديدة، في حملة مكثفة لحشد السكان للتبرع بالدم بصورة عاجلة، بالتزامن مع مؤشرات على تزايد أعداد الجرحى في صفوف الجماعة جراء التطورات العسكرية الأخيرة.

وجابت المركبات الحوثية مناطق مكتظة بالسكان، مستخدمة مكبرات الصوت لحث المواطنين على التبرع، في حين أفادت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» بأن الجماعة وجهت العاملين في القطاع الطبي ومسؤولي الأحياء وعقالها في المحافظات المستهدفة إلى حشد السكان ودفعهم إلى مراكز التبرع، بالتزامن مع اتساع المواجهات على عدد من الجبهات.

وأوضحت المصادر أن هذه التحركات تأتي وسط حالة استنفار في المرافق الصحية الخاضعة للجماعة، مع تزايد الحاجة إلى فصائل دم مختلفة، في وقت تشهد فيه المستشفيات، وفقاً لشهادات محلية، وصول أعداد متزايدة من الجرحى الحوثيين.

مركز نقل الدم وأبحاثه الخاضع للحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

وقال سكان في صنعاء ومناطق أخرى إن الانتشار المكثف لعربات التبرع خلال اليومين الماضيين بدا لافتاً، خصوصاً مع تكرار النداءات عبر مكبرات الصوت وحث المواطنين على التوجه إلى نقاط التبرع. ويربط السكان بين هذه الحملات والتطورات الميدانية الأخيرة، وسط تساؤلات عن حجم الإصابات التي دفعت الجماعة إلى توسيع نطاقها جغرافياً.

استنفار وخسائر

يشير قاسم، وهو أحد سكان صنعاء، إلى أن «الدعوات الحوثية هذه المرة أكثر إلحاحاً من الحملات السابقة»، مضيفاً: «لا أحد يرفض التبرع لإنقاذ حياة إنسان، لكن السؤال: لماذا يستمرون في إرسال الناس إلى الجبهات، ثم يطلبون من المواطنين توفير الدم لعلاج نتائج تلك المعارك؟».

وفي إبّ (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، قال مجدي، وهو أحد سكان المحافظة، إن تكثيف الدعوات للتبرع بالدم «لا يأتي من فراغ»، مضيفاً أن الجماعة تستخدم وسائل مختلفة لحشد المواطنين، من دون توضيح حجم الخسائر التي رفعت الحاجة إلى الدم بهذا الشكل.

وقال: «الناس تعاني الفقر وارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات، والآن يُطلب منها أن تتحمل أيضاً نتائج الحرب وتوفير الدم للمصابين».

وفي ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء) أفادت مصادر وسكان بانتشار عربات تابعة لفرع مركز نقل الدم في عدد من أحياء مدينة ذمار، بالتزامن مع دعوات عاجلة للتبرع، وسط ما وصفوه باستمرار وصول أعداد متزايدة من الجرحى الحوثيين إلى المستشفيات، ولا سيما مستشفى ذمار العام، الأمر الذي يزيد الضغط على المرافق الصحية.

عربات حوثية استخدمت مكبرات الصوت لحث السكان على التبرع بالدم (فيسبوك)

وفي المحويت والحديدة غرباً، قالت مصادر محلية إن الإقبال على حملات التبرع الحوثية كان محدوداً جداً في بدايتها، ما دفع الجماعة إلى توسيع نطاقها داخل المؤسسات الحكومية والخاصة، وحث الموظفين والعاملين فيها على التبرع.

وأوضحت المصادر أن هذه الحملات تأتي في إطار حالة استنفار أوسع، مشيرة إلى أن تزامنها مع التطورات العسكرية عزز اعتقاد السكان بأن أعداداً كبيرة من الجرحى تحتاج إلى الدم بصورة عاجلة.

وفي المقابل، يواجه السكان في مناطق سيطرة الجماعة تدهوراً في الخدمات الصحية ونقصاً في الأدوية والمستلزمات الطبية، وسط مطالب بتوفير خدمات علاجية قادرة على تلبية احتياجات المدنيين، بدلاً من زيادة الأعباء على مرافق تعاني أصلاً من محدودية الإمكانات.