أفلام «الهيبيز».. ولدت على دراجات وحلقت في أجواء ضبابية

فيلم جديد يفتح الباب على زمن الضياع

واكيم فينكس في «عيب موروث»  -  دنيس هوبر وبيتر فوندا وجاك نيكولسون في «إيزي رايدر»
واكيم فينكس في «عيب موروث» - دنيس هوبر وبيتر فوندا وجاك نيكولسون في «إيزي رايدر»
TT

أفلام «الهيبيز».. ولدت على دراجات وحلقت في أجواء ضبابية

واكيم فينكس في «عيب موروث»  -  دنيس هوبر وبيتر فوندا وجاك نيكولسون في «إيزي رايدر»
واكيم فينكس في «عيب موروث» - دنيس هوبر وبيتر فوندا وجاك نيكولسون في «إيزي رايدر»

لم يكن سهلا على أحد تحقيق فيلم عن أي من روايات توماس بينشون السابقة. كانت كتابته عصية على الترجمة إلى صور كونها لا تكتفي بخلق حبكة بل تغمرها بالحبكات الجانبية وبالأفكار الاجتماعية والسياسية بحيث يصبح من المتعذر، أو هكذا اعتقد كثيرون، تحقيق فيلم عنها، لأنه إذا ما تم الاكتفاء بالحبكة الرئيسية باتت المادة خفيفة وغير مغرية لعمل سينمائي، وإذا تم الحفاظ على الخيوط الشخصية والجانبية الكثيرة، أصبح العمل صعب التحقيق بسبب هذا الأسلوب تحديدا.
الرواية الوحيدة التي تحولت إلى فيلم تجرأ صاحبه على نقله إلى السينما هو «بروفستاند الخامس» الذي حققه الألماني روبرت برامكامب عن رواية بينشون الجديرة بالاهتمام «قوس قزح الجاذبية» Gravity‪›‬s Rainbow المنشورة عام 1973 وسط اهتمام أدبي ونقدي حافلين. الفيلم لم يجد أي احتفاء مواز لذلك.
هذا إلى أن قام بول توماس أندرسن بتحويل «عيب موروث» إلى فيلم ضمه إلى سيرته السينمائية المميزة بأفلام رائعة مثل «سيكون هناك دم» و«مانغوليا» و«السيد». أميركيا استقبل الفيلم جيدا مع وجود أصوات وصفته بأنه «أسوأ فيلم حققه أندرسن إلى اليوم». لكن معظم المرحبين بالفيلم اعتبروا المخرج جريئا في اختياره والفيلم ملهما من حيث عودته إلى الستينات حيث كمنت الحكاية: تحرٍ خاص (واكيم فينكس) يحقق في اختفاء شخصيات وجرائم قتل كما هي عادة كل تحر خاص آخر، لكن الجديد هنا هو تلك الركائز المهمة في عناصر الرواية والفيلم: التحري «هيبي» يواجه اليمين المتحفظ (ممثلا بشخصية تحر آخر إنما من الشرطة ذاتها يؤديه جوش برولين) والبيئة الاجتماعية الحاضنة هي بيئة نهاية الستينات (كما في الرواية) حيث كانت الموجة «الهيبية» في طريقها إلى زوال أبدي بعدما كانت احتلت رقعتها طوال ذلك العقد معبرة عن رفضها للحرب الفيتنامية (كما المؤلف نفسه في عريضة وقعها لجانب نحو 600 مثقف ونشرت في «ذا نيويورك تايمز») ودعوتها للحرية الشخصية إلى أكثر مدى. دعوة كان لا بد أن تثير معارضة غالبية الأميركيين وبينهم ليبراليين سابقين.

* جيل الوردة
لكن هذه المعارضة لم توقف سيلا من أفلام الهيبيز التي خرجت في ذلك الحين سواء قدمت شخصيات منمطة على هذه الصورة (رجال ونساء يرفعون أصابعهن في رمز للحرف V علامة النصر، ويرتدون الثياب المزينة بالورود ويتركون شعورهم تسترسل فوق أكتافهم راسمين ابتسامة نافذة بين ضبابيات الفترة ودخان لفائف الماريغوانا.
عدة أفلام انطلقت سنة 1968 لتقدم ملاحظاتها الأولى عن حياة «الهيبيز». المخرج الراحل باري شير قدم فيلما منسيا اليوم، لكن جريئا في ذلك الحين، عنوانه «فلتان في الشوارع» (الترجمة الأقرب لـWild in the Streets) حول ما يمكن أن يحدث لو وصل الشباب (دون الثلاثين) إلى البيت الأبيض وأصبح أحدهم رئيس جمهورية.
المخرج بلاك إدواردز صاغ السؤال على نحو أحداث كوميدية تقع في حفلة عادية تتحول، بوصول فوضوي يؤديه بيتر سلرز إلى كارثة بعنوان «الحفلة». والممثل جاك نيكولسون كان عمدة هذا النوع من الأفلام حتى قبل ذلك التاريخ إذ ظهر في عدة أفلام تعبر عن تلك الفترة خير تعبير مثل «ملائكة الجحيم على دراجات» (1967) و«سايك - أوت» (1958) وكلاهما من إخراج رتشارد رش. وفي عام 1969 ظهر في أهم هذه الأفلام وهو «إيزي رايدر» إلى جانب بيتر فوندا ودنيس هوبر الذي قام بتحقيق الفيلم عن كتابة له ولفوندا.
«إيزي رايدر» لم يكن كأفلام الدراجات السابقة. تلك كانت تقحم المشاهد في مقاربات إعجاب وبغض متبادلة للموجة الشبابية. لكن فيلم فوندا أراد تمجيدها عبر تقديمها كمفهوم اجتماعي لا يقصد أن يؤذي أحدا. نيكولسون هو المحامي الشاب الذي كان يمكن له أن يصعد درجات المهنة بعيدا عن هذه المتاهات. في يوم يلتقي بوايات وبيلي وهما يركبان دراجتيهما في رحلة عبر البلاد. يقلدهما نيكولسون ببراءة ويصبح ثالث الفريق الذي يتعرض على الطريق لهجوم المواطنين الشرسين. يسأل نيكولسون صديقيه الجديدين: «لماذا يكرهوننا؟»، يجيبه بيتر فوندا: «بسبب ما نمثله من حرية».
لكن المفهوم على صحته في هذا المجال ساذج لأن الموقف الأكثر شيوعا ليس مثاليا على النحو الذي تطوع به الفيلم. الهيبيون كانوا مع حرية الحب والعلاقات المفتوحة ومع التدخين الممنوع والمجتمع الخالي من القيود، يمينية أو يسارية. ربما موقفهم الأقوى الوحيد هو معارضة الحرب الفيتنامية، لكن تلك لم تنته بسببهم بل بسبب معارضة معظم الأميركيين لها وقد بدأوا باستقبال المزيد من القتلى والمعوقين عاما بعد عام من دون تحقيق نصر فعلي.

* نهاية مفتوحة
إذ حمل «إيزي رايدر» لواء الدفاع عن فكر هذه الجماعة جاء فيلم «وودستوك» التسجيلي (لمايكل وادلي، 1970) احتفاء كبيرا آخر، ولو أنه اكتفى بنقل وقائع الحفل الغنائي الكبير الذي أقيم حينها وشمل مئات ألوف الشبان الذين افترشوا أرضا قدمت إليهم لاحتوائهم، واعدين بعدم الفوضى وتنظيف المكان بعد مغادرتهم لـ3 أيام وليالٍ من العزف والغناء.
في الوقت ذاته، كان «بيلي جاك» يدافع عن الهنود الحمر الحاليين، وقد اشترك في فيلم دراجات نارية من قبل عندما لعب «ولدوا ليخسروا» Born Losers من إخراجه سنة 1976.
ما أسهم في كسر نجاح هذه الموجة فيلم خرج من لا مكان، حققه مخرج لم يحقق سواه ثم غاب هو جيمس ويليام غويريكو. الفيلم هو «إلكترا غلايد إن بلو» مع روبرت بلاك الذي يتقدم الفيلم مصنفا وضعه إذ نراه يرتدي بزته الرسمية كشرطي سير على دراجة في تلك الطرق الريفية والجبلية البعيدة. إنه يقوم بدوره كمواطن عادي، بل ربما كمواطن بسيط. في النهاية يطلق عليه أحد الهيبيين رصاصة بندقيته فيرديه على الفور.
هذه الرسالة التي تنتمي إلى اليمين بلا شك أنهت الجنوح في تصوير الهيبيين كحركة سلام وحب، ولو أن السينما لم تكف عن تصوير الفترة وما حملته من مواجهة بين تيارات الحياة السياسية في الولايات المتحدة المفتوحة منذ مطلع الستينات على كل آيديولوجيا وفكر بصرف النظر عن حجم شعبيته.
في السبعينات لاحظنا أن بطلة «قصة حب»، إلى ماكغرو، تنتمي إلى المفهوم ذاته عندما تلتقي بالمليونير رايان أونيل. آرثر بن قدم «مطعم أليس»، وهال أشبي «هارولد ومود»، وميلوش فورمان «هير» و«الإقلاع»، ودنيس هوبر عاد في دراما أخرى توعز بإثارة الموضوع ذاته في «الفيلم الأخير»، بينما حاول الرسام رالف باكشي الإحاطة بالأجواء ذاتها في «فريتز القط».
في الثمانينات، خفت الظاهرة كثيرا ثم خفت أكثر في التسعينات إلا إذا اعتبرنا «ذا دورز» لأوليفر ستون و«خوف وازدراء في لاس فيغاس» لتيري جيليام من تلك البارزة في مجال استعادة تلك الحقبة. لكن الأفلام التي تعود إلى تلك الحقبة المهمة، بما لها وبما عليها، لم تتوقف. قد يلخص عنوان فيلم حققه بروس بيرسفورد قبل 3 أعوام، وهو «سلام وحب وسوء فهم»، الكثير مما يمكن قوله في هذا التيار.

* عندما ندمت هوليوود
* في عام 1969 تشجعت شركة مترو - غولدوين - ماير وطلبت من المخرج الإيطالي مايكل أنجلو أنطونيوني تحقيق فيلم «نقطة زابريسكي» وهو وافق، وكان فيلمه الأميركي الأول والوحيد. ما كان في بال هوليوود لم يخطر على بال أنطونيوني إذ ذهب إلى حد تأييد نسف المؤسسات الكبرى على أيدي الشبان المتمردين.



مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
TT

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية» التي شهدت الحملة المعادية للشيوعية في الولايات المتحدة، والتي بدأت تحقيقاتها في هوليوود عام 1947، وتضمنت محاكمة فنانين وكتّاب سينمائيين بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي أو تبنّي ميول يسارية.

وتبنّت هذه المحاكمات لجنة قادها السيناتور جوزيف مكارثي، واشتهرت باسمه.

كان للمحاكمات «المكارثية» تأثيرٌ كبير على صناعة السينما وروافدها، وعلى الحياة الفنية والثقافية عموماً، وكذلك على قطاعات أخرى مختلفة. وحسب كتاب لإيلين شريكر صدر عام 2002 بعنوان «عصر المكارثية» (وهو واحد من عشرات الكتب التي تناولت هذه الحقبة)، جُرِّد نحو 12 ألف موظف في قطاعات متعددة، من بينها القطاع الحكومي، من وظائفهم بسبب شكوك المحققين في مدى ولائهم للولايات المتحدة. وتراوح عدد عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) المشاركين في التحقيق بين 3500 و7000 فرد.كانت تلك فترة عصيبة لهوليوود، نتج عنها منع كثير من العاملين في مختلف المهن من العمل، إما بسبب الريبة في انتماءاتهم السياسية أو بسبب التأكد منها. وضمن هذه الأجواء، وُضع 10 سينمائيين على «القائمة السوداء» بسبب رفضهم الإجابة عن أسئلة المحققين خلال جلسات الاستماع، وتمسكهم بالبند الخامس من الدستور الذي يتيح للمتهم عدم الإدلاء بشهادة قد تضر به. ومن أبرز هؤلاء المخرج إدوارد دميتريك، والمنتج أدريان سكوت، والسيناريست دالتون ترمبو.

ولم يكن جميع الذين خضعوا للاستجواب قد امتنعوا عن الإدلاء بشهاداتهم أو تسمية زملاء لهم يُشتبه في ميولهم اليسارية؛ إذ تراجع بعضهم سريعاً وقرروا الإدلاء بشهادات ضد رفاقهم، ومن بينهم، وربما أشهرهم، إيليا كازان.

لقطة من «مرمى النيران» لإدوارد ديمتريك» (آر كي أ راديو)

مع كازان

في مقابلة أُجريت معه خلال زيارته لمهرجان «القاهرة السينمائي» في تسعينات القرن الماضي، سألته عن هذا الموضوع. بدا عليه الانزعاج؛ أشاح بوجهه لبعض الوقت، ثم قال بعد صمت: «كنت أتمنى لو لم تسألني هذا السؤال. الجميع يريد أن يعرف لماذا فعلت ذلك. يطاردونني دوماً بهذا السؤال... والآن أنت».

كنت على وشك التعقيب، لكنه أكمل فجأة: «فعلت ذلك لأن أميركا أفضل من أن تنتشر فيها أفكار مناوئة لها، وكان دافعي وطنياً». ثم أضاف مبتسماً ابتسامة خفيفة: «هل لديك أسئلة أخرى لا تتعلق بهذا الموضوع؟».

غيّرت مجرى الحديث، وسألته عن بعض أفلامه الشهيرة مثل «عند الميناء» (On the Waterfront)، الذي هاجم فيه النقابات العمالية، و«عربة اسمها الرغبة» (A Streetcar Named Desire)، و«اتفاق جنتلماني» (A Gentleman’s Agreement)، الذي نال عنه جائزة «أوسكار» أفضل إخراج عام 1948.

وفي عام 1999، نال كازان جائزة «أوسكار» شرفية، ما دفع بعضهم إلى انتقاد الأكاديمية، ومن بينهم المخرج إدوارد دميتريك (الذي توفي لاحقاً في العام نفسه)، والذي كان قد هاجم كازان سابقاً بسبب وشايته، علماً بأن دميتريك نفسه اضطر لاحقاً إلى الكشف عن أسماء زملاء آخرين عندما قرر، في مثل هذا الشهر من عام 1951، التعاون مع اللجنة. ومن بين الذين تضرروا من شهادته المخرج فرانك تاتل، وهربرت بييبرمان، وزميلهما جول داسن.

«عند الميناء»لإيليا كازان (كولمبيا)

اختيارات لوكارنو

أدَّت تلك الحملة وما تبعها من تداعيات إلى لجوء عدد من مخرجي تلك الفترة إلى أوروبا لتجنُّب المنع من العمل أو السجن. ومن بينهم تشارلي تشابلن، وجول داسن، وجوزيف لوزي، الذين واصلوا نشاطهم السينمائي بعيداً عن هوليوود.

ويأتي تخصيص مهرجان «لوكارنو» برنامجاً لاستعادة تلك المرحلة، تحت عنوان: «أحمر وأسود: اليسار الهوليوودي والقائمة السوداء»، ليشمل عرض 50 فيلماً من أعمال (إخراجاً أو كتابة) سينمائيين اتُّهموا خلال تلك الحقبة، مثل دوروثي باركر، وريتشارد راي، وتشارلي تشابلن، ودالتون ترمبو، وجوزيف لوزي.

وسيتضمن البرنامج أفلاماً مثل «متطفل في الغبار» (Intruder in the Dust) لكليرنس براون (1949)، الذي كان من أوائل الأفلام التي نددت بالعنصرية، و«مرمى النيران» (Crossfire) للمخرج إدوارد دميترك (1947)، وهو عمل درامي بارز عن الكراهية، و«النجمة الشمالية» (The North Star) للويس مايلستون (1943)، الذي يتناول الغزو النازي لأوكرانيا عام 1941، إضافة إلى «أزمنة حديثة» (Modern Times) لتشارلي تشابلن.

هذا هو العام الثاني على التوالي الذي يختار فيه المهرجان السويسري برنامجاً يُسلط الضوء على مرحلة تاريخية ذات أبعاد سياسية في السينما؛ ففي العام الماضي، نظَّم «لوكارنو» تظاهرة بعنوان «توقعات عظيمة» خُصصت لأفلام فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية.

ومع انطلاق المهرجان بهذا الزخم، إلى جانب ما سيُعلن عنه من أفلام جديدة ضمن برنامجه الرسمي في يوليو (تموز)، تجدر الإشارة إلى أنه واحدٌ من أقدم 6 مهرجانات سينمائية في العالم، إلى جانب مهرجانات «ڤينيسيا» (82 سنة، إيطاليا)، و«كان» (78 سنة، فرنسا)، و«سان فرانسيسكو» (69 سنة، الولايات المتحدة)، و«سان سابستيان» (74 سنة، إسبانيا)، و«برلين» (63 سنة، ألمانيا).


شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)

FLIES

★★★1‪/‬2

إخراج: فرناندو أيمبك | المكسيك (2026)

دراما عن امرأة جميلة الصورة ومحدودة التأثير

«أولغا» (تريسيتا سانشيز)، بطلة «ذباب»، امرأة وحيدة تجاوزت سنوات الشباب، تعاني زيادة في الوزن وافتقاراً إلى الجمال. تستيقظ، في مطلع هذا الفيلم الذي عُرض عالمياً للمرة الأولى في مهرجان «برلين» الأخير، على طنين ذبابة. تفتح النافذة لتخرجها ثم تغلقها، لكن ذبابة أخرى تظهر في الغرفة. ترشها بالمبيد، فيتسبب لها بالسعال، فتعود إلى فتح النافذة طلباً للهواء.

يمكن قراءة هذه البداية بوصفها استعارة مجازية لحياة امرأة اعتادت أن تعزل نفسها عن العالم، تغلق عينيها وأذنيها عمَّا حولها. ومع اختيار المخرج التصوير بالأبيض والأسود، يغدو هذا العالم أقل بهجة.

لاحقاً، تضطر أولغا إلى تأجير غرفة إضافية في منزلها لتغطية نفقات المعيشة. المستأجر رجل يُدعى توليو (أوغو راميريز)، ترقد زوجته في المستشفى، فتوافق على استضافته بشروط صارمة (ألا يستخدم المطبخ، وألا يطيل البقاء في الحمّام). غير أنه يُخفي وجود ابنه الصغير كريستيان (بستيان إسكوبار)، إلى أن تكتشفه أولغا. تمنحهما أسبوعاً للمغادرة، لكن هذا الأسبوع يكفي لبدء تحوّل داخلي في نظرتها إلى الحياة، بفعل حضور ذلك الصبي.

التحولات العاطفية لا تأتي مقنعة تماماً، لكنها تخدم غاية الفيلم في استكشاف المشاعر المكبوتة التي تبدأ أولغا في استعادتها تدريجياً. الحوار مبتسر، والإخراج يعتمد على قوة الصورة ودلالاتها، ضمن معالجة هادئة وفعالة لموضوع بسيط.

THE GARDEN WE DREAMT

★★★

إخراج: خواكين دل باسو

المكسيك (2026)

عائلة مهاجرة تبحث عن ذلك الحلم الجميل

لفيلمه الثالث «الحديقة التي حلمنا بها»، اختار المخرج دل باسو مدير التصوير التركي غوخان تيرياكي لمنح فيلمه الجمال المستوحى من طبيعة المكان. ترياكي هو مدير التصوير الذي عمل أكثر من مرة مع مواطنه المخرج نوري بيلج جيلان، وإذا كان لا بد من المقارنة بين رسم الكاميرا لأماكن التصوير التركية وبين تلك التي تتبدى في هذا الفيلم، فإنه لزاماً الإشارة إلى أن البون شاسع، رغم أن القيمة الفنية لشغل مدير التصوير بديعة كالعادة. لكن المختلف بتميُّز مثير هو أن تصوير الغابات الداكنة والرغبة في متابعة الشخصيات من كثب (عوض تلك المشاهد البعيدة والمتوسطة في أفلام بيلج) مثيران للاهتمام والتقدير.

«الحديقة التي حلمنا بها» (مهرجان برلين)

يبدأ الفيلم بمشهد عند الفجر: غابة شاسعة ما زالت في الظلام، وأصوات الطيور تنتشر فوقها، قبل أن يعلو صوت شاحنتين تتقدمان صوب الكاميرا، مهاجمتين وداعة الغابة وجمالها وحتى وحشتها.

تتمحور الحكاية حول عائلة من 3 أفراد كانت قد نزحت من تاهيتي إلى المكسيك بحثاً عن حياة أفضل. المكان الذي وجد فيه رب العائلة عملاً، والكوخ الذي يأويهم، يؤكدان للعائلة صعوبة العيش في المحيط الاجتماعي الجديد لها، ليس فقط في ذلك الكوخ، بل أيضاً من حيث العيش مع عمال مكسيكيين يعانون من مشاق الحياة بدورهم. كون العائلة غريبة يفرض عليها عزلة أكبر.

إنه فيلم جيد آخر عن الهجرة، جديدةٌ تلك الغابة التي تعكس عالماً ضخماً وغامضاً، عصيّاً على الاستيطان.

FOREST UP IN THE MOUNTAIN

★★★

إخراج: صوفيا بوردناييڤ

الأرجنتين (2026)

تسجيلي عن العنف في الزمن الغابر واليوم

صوفيا بوردناييڤ ربما هي أول محامية تمارس مهنة الإخراج. أرجنتينية حققت فيلمها الأول سنة 2021، وذلك بعد نحو 30 عاماً من الاهتمام بحقوق الإنسان في مجال عملها الأول. ليست هناك طريقة متاحة لمشاهدة ذلك الفيلم، لكن فيلمها الجديد يبدو نابعاً من تلك الاهتمامات الإنسانية، وعرضه في مهرجان «برلين» هو خطوتها الأولى صوب حضور دولي كبير.

«غابة في أعلى الجبل» (ماليزا برودكشن).‬

يجمع الفيلم بين زمانين: حاضر قريب، وأمس بعيد، لكن ما يوحِّد بينهما هو العنف الممارس على البيئة الطبيعية المحيطة بقرية ڤيللا ماسكاردي، التي تنتمي إلى مقاطعة «ريو نيغرو» («النهر الأسود»)، والتي عاشت في جبالها وربوعها قبيلة مابوتشي. ينطلق الفيلم من حادثة ذهب ضحيتها شاب من القبيلة عندما فتح البوليس النار عليه. تهتم المخرجة بالقضية، لكنها تحفر في الزمن لتعرض أن هذه القبيلة كانت دوماً عرضة لأطماع الوافدين البيض. تمضي بعيداً صوب القرن الـ19 لتسرد أحداثاً أخرى مماثلة وتاريخاً مليئاً بالعنف والأطماع.

بوصلة اهتمام المخرجة موجهة صوب نبش الحقائق التي دائماً ما تمحورت حول ارتكاب البيض جرائم قتل للمواطنين. ليس لديها فيلم تستعين به لتناول مقتل الشاب رفائيل في العام 2017، لكنها تنتج فيلماً ناقداً للموضوع، استنتجت حيثياته من المحكمة التي نظرت في تلك القضية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي
TT

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

بعد سنوات عدة من عودة السينما في السعودية، باتت تتضح ملامح السوق بشكل أكبر؛ حيث تتقدم أنماط معينة من الأفلام، وتترسخ اختيارات الجمهور، ويتحول بعضها إلى حضور متكرر داخل شباك التذاكر، وهو ما يبدو واضحاً في التقرير السنوي الذي أصدرته هيئة الأفلام مساء أمس (الاثنين) وحمل عنوان «تقرير شباك التذاكر السعودي- عام 2025» الذي سلَّط الضوء على إيقاع صالات السينما على مدار العام الماضي.

وحسب التقرير؛ بلغ إجمالي الإيرادات 920.8 مليون ريال، جراء بيع 18.8 مليون تذكرة، في حين وصل عدد الأفلام المعروضة إلى 538 فيلماً، بمتوسط سعر تذكرة يصل إلى 49 ريالاً، وهي أرقام تعكس سوقاً مستقرة عند مستوى مرتفع من النشاط، مع اتجاهات أكثر وضوحاً في سلوك المشاهدة.

سوق كبيرة... تقودها المدن الكبرى

وكما كان متوقعاً، تركزت القوة الشرائية في المدن الكبرى؛ حيث تصدَّرت الرياض المشهد بإيرادات بلغت 434.4 مليون ريال، مع بيع 8 ملايين تذكرة، تلتها مكة المكرمة بـ241.9 مليون ريال و5.1 مليون تذكرة، ثم المنطقة الشرقية بإيرادات 143.4 مليون ريال و3.2 مليون تذكرة.

ولا يعكس هذا التوزيع الكثافة السكانية فقط؛ بل يشير إلى أن تجربة السينما ما زالت مرتبطة بالمدن الرئيسية؛ سواء من حيث توفر الصالات أو طبيعة الجمهور. ففي هذه المدن، تتحوَّل السينما إلى نشاط متكرر، وتصبح جزءاً من نمط الحياة الأسبوعي، بينما تتحرك بقية المناطق ضمن وتيرة أبطأ؛ حيث سجلت المدينة المنورة 24 مليون ريال، وعسير 23.4 مليون ريال، والقصيم 22.5 مليون ريال، بينما تظهر جازان وتبوك وحائل بأرقام أقل، ولكنها مستقرة، ما يعزز فكرة أن السوق تتوسع جغرافياً، مع بقاء مركز الثقل واضحاً في المدن الكبرى.

في حين بلغ عدد دور العرض في السعودية 62 داراً، تضم 603 شاشات موزعة على 10 مناطق، ويعمل في السوق 8 مشغلين. ويُظهر هذا الاتساع في البنية التشغيلية قدرة السوق على استيعاب 538 فيلماً خلال عام واحد، ويمنح الجمهور خيارات متعددة على مدار العام.

المواسم... عامل حاسم في الحركة

وتُظهر البيانات الشهرية للتقرير السنوي، أن السوق لا تتحرك بوتيرة ثابتة طوال العام، فقد سجل شهر يوليو (تموز) أعلى الإيرادات بـ122.5 مليون ريال، تلاه يونيو (حزيران) بـ118.5 مليون ريال، ثم أغسطس (آب) بـ102.4 مليون ريال، وهي فترة ترتبط بالإجازات وارتفاع النشاط الترفيهي.

في المقابل، ينخفض النشاط خلال شهر رمضان، ويظهر مارس (آذار) أضعف الأشهر بإيرادات بلغت 14.9 مليون ريال، قبل أن تستعيد السوق جزءاً من نشاطها في نهاية العام، كما يعكس هذا التذبذب ارتباط السينما بالمواسم؛ حيث يلعب عامل الوقت دوراً لا يقل أهمية عن نوعية الفيلم. وكذلك تشير بيانات التذاكر إلى النمط نفسه؛ إذ ترتفع الأرقام في أشهر الصيف، وتتراجع في الفترات الأقل نشاطاً، ما يعزز فكرة أن الإقبال يرتبط بإيقاع الحياة اليومية أكثر من ارتباطه بعرض فيلم بعينه.

جمهور واضح الذائقة

وبالنظر إلى نوعية الأفلام الأكثر تحقيقاً للإيرادات، يبدو أن الجمهور يميل إلى الأفلام السريعة والمباشرة. وتصدَّرت أفلام «الأكشن» القائمة بإيرادات بلغت 297.8 مليون ريال، تلتها «الكوميديا» بـ237.7 مليون ريال، ثم «الرعب» بـ111.4 مليون ريال، بينما جاءت «الدراما» في مرتبة لاحقة بإيرادات 96.3 مليون ريال. وتبدو هذه النتيجة امتداداً طبيعياً لطبيعة السوق؛ حيث تتكرر أنماط النجاح، وتتحول إلى معادلة شبه ثابتة بين نوع الفيلم وحجم الإقبال.

وتعزز التصنيفات العمرية هذه الصورة؛ حيث استحوذت أفلام «R18» على الحصة الأكبر من السوق بإيرادات بلغت 418.3 مليون ريال، أي ما يقارب نصف إجمالي الإيرادات، مع بيع 8.3 مليون تذكرة. وتأتي بعد ذلك أفلام: «R15»، و«PG15»، و«PG» بنسب أقل، ما يعكس حضوراً قوياً للفئات العمرية الأكبر داخل صالات السينما.

الأفلام السعودية... الثالثة جماهيرياً

وعلى مستوى الإنتاج المحلي؛ بلغ عدد الأفلام السعودية المعروضة خلال 2025 أحد عشر فيلماً، حققت مجتمعة 122.6 مليون ريال، مع بيع 2.8 مليون تذكرة. ورغم أن هذه الأرقام تعكس حضوراً واضحاً، فإنها تضع السينما السعودية في موقع ثالث من حيث الحصة السوقية بنسبة 13.3 في المائة، خلف الأفلام الأميركية التي استحوذت على 55.2 في المائة من السوق، والمصرية بنسبة 22.2 في المائة.

وضمن قائمة الأفلام السعودية، برزت مجموعة أعمال حققت نتائج قوية، في مقدمتها «الزرفة» بإيرادات بلغت 30.7 مليون ريال، يليه «شباب البومب 2» بـ27.2 مليون ريال، ثم «هوبال» بـ24.6 مليون ريال، إلى جانب أفلام مثل: «إسعاف»، و«سوار»، و«فخر السويدي».

في المقابل، تظهر فجوة واضحة مع بقية الأفلام التي تحقق أرقاماً أقل، ما يعكس تركز النجاح في عدد محدود من العناوين.

أفلام عالمية في الصدارة

على مستوى السوق كلها، تصدَّر فيلم «F1: The Movie» قائمة أعلى الأفلام إيراداً بـ39.1 مليون ريال، تلاه «Lilo & Stitch»، ثم «الزرفة» في المرتبة الثالثة، ما يعكس تنوعاً في الجنسيات والأنواع، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد استمرار الثقل الأميركي في قيادة السوق، سواء من حيث عدد الأفلام أو حجم الإيرادات.

وبالمقارنة مع السنوات السابقة، تبدو أرقام 2025 قريبة جداً من 2023، وأعلى من 2024، وهو ما يعزز صورة سوق استقرت عند مستوى مرتفع من النشاط، كما يعكس هذا الاستقرار مرحلة أكثر وضوحاً في ملامح السينما في السعودية؛ حيث تتحدد الاتجاهات، وتترسخ أنماط المشاهدة، وتصبح قراءة الأداء مرتبطة بطبيعة الاختيارات، بقدر ارتباطها بحجم الإيرادات.

اقرأ أيضاً