أفلام «الهيبيز».. ولدت على دراجات وحلقت في أجواء ضبابية

فيلم جديد يفتح الباب على زمن الضياع

واكيم فينكس في «عيب موروث»  -  دنيس هوبر وبيتر فوندا وجاك نيكولسون في «إيزي رايدر»
واكيم فينكس في «عيب موروث» - دنيس هوبر وبيتر فوندا وجاك نيكولسون في «إيزي رايدر»
TT

أفلام «الهيبيز».. ولدت على دراجات وحلقت في أجواء ضبابية

واكيم فينكس في «عيب موروث»  -  دنيس هوبر وبيتر فوندا وجاك نيكولسون في «إيزي رايدر»
واكيم فينكس في «عيب موروث» - دنيس هوبر وبيتر فوندا وجاك نيكولسون في «إيزي رايدر»

لم يكن سهلا على أحد تحقيق فيلم عن أي من روايات توماس بينشون السابقة. كانت كتابته عصية على الترجمة إلى صور كونها لا تكتفي بخلق حبكة بل تغمرها بالحبكات الجانبية وبالأفكار الاجتماعية والسياسية بحيث يصبح من المتعذر، أو هكذا اعتقد كثيرون، تحقيق فيلم عنها، لأنه إذا ما تم الاكتفاء بالحبكة الرئيسية باتت المادة خفيفة وغير مغرية لعمل سينمائي، وإذا تم الحفاظ على الخيوط الشخصية والجانبية الكثيرة، أصبح العمل صعب التحقيق بسبب هذا الأسلوب تحديدا.
الرواية الوحيدة التي تحولت إلى فيلم تجرأ صاحبه على نقله إلى السينما هو «بروفستاند الخامس» الذي حققه الألماني روبرت برامكامب عن رواية بينشون الجديرة بالاهتمام «قوس قزح الجاذبية» Gravity‪›‬s Rainbow المنشورة عام 1973 وسط اهتمام أدبي ونقدي حافلين. الفيلم لم يجد أي احتفاء مواز لذلك.
هذا إلى أن قام بول توماس أندرسن بتحويل «عيب موروث» إلى فيلم ضمه إلى سيرته السينمائية المميزة بأفلام رائعة مثل «سيكون هناك دم» و«مانغوليا» و«السيد». أميركيا استقبل الفيلم جيدا مع وجود أصوات وصفته بأنه «أسوأ فيلم حققه أندرسن إلى اليوم». لكن معظم المرحبين بالفيلم اعتبروا المخرج جريئا في اختياره والفيلم ملهما من حيث عودته إلى الستينات حيث كمنت الحكاية: تحرٍ خاص (واكيم فينكس) يحقق في اختفاء شخصيات وجرائم قتل كما هي عادة كل تحر خاص آخر، لكن الجديد هنا هو تلك الركائز المهمة في عناصر الرواية والفيلم: التحري «هيبي» يواجه اليمين المتحفظ (ممثلا بشخصية تحر آخر إنما من الشرطة ذاتها يؤديه جوش برولين) والبيئة الاجتماعية الحاضنة هي بيئة نهاية الستينات (كما في الرواية) حيث كانت الموجة «الهيبية» في طريقها إلى زوال أبدي بعدما كانت احتلت رقعتها طوال ذلك العقد معبرة عن رفضها للحرب الفيتنامية (كما المؤلف نفسه في عريضة وقعها لجانب نحو 600 مثقف ونشرت في «ذا نيويورك تايمز») ودعوتها للحرية الشخصية إلى أكثر مدى. دعوة كان لا بد أن تثير معارضة غالبية الأميركيين وبينهم ليبراليين سابقين.

* جيل الوردة
لكن هذه المعارضة لم توقف سيلا من أفلام الهيبيز التي خرجت في ذلك الحين سواء قدمت شخصيات منمطة على هذه الصورة (رجال ونساء يرفعون أصابعهن في رمز للحرف V علامة النصر، ويرتدون الثياب المزينة بالورود ويتركون شعورهم تسترسل فوق أكتافهم راسمين ابتسامة نافذة بين ضبابيات الفترة ودخان لفائف الماريغوانا.
عدة أفلام انطلقت سنة 1968 لتقدم ملاحظاتها الأولى عن حياة «الهيبيز». المخرج الراحل باري شير قدم فيلما منسيا اليوم، لكن جريئا في ذلك الحين، عنوانه «فلتان في الشوارع» (الترجمة الأقرب لـWild in the Streets) حول ما يمكن أن يحدث لو وصل الشباب (دون الثلاثين) إلى البيت الأبيض وأصبح أحدهم رئيس جمهورية.
المخرج بلاك إدواردز صاغ السؤال على نحو أحداث كوميدية تقع في حفلة عادية تتحول، بوصول فوضوي يؤديه بيتر سلرز إلى كارثة بعنوان «الحفلة». والممثل جاك نيكولسون كان عمدة هذا النوع من الأفلام حتى قبل ذلك التاريخ إذ ظهر في عدة أفلام تعبر عن تلك الفترة خير تعبير مثل «ملائكة الجحيم على دراجات» (1967) و«سايك - أوت» (1958) وكلاهما من إخراج رتشارد رش. وفي عام 1969 ظهر في أهم هذه الأفلام وهو «إيزي رايدر» إلى جانب بيتر فوندا ودنيس هوبر الذي قام بتحقيق الفيلم عن كتابة له ولفوندا.
«إيزي رايدر» لم يكن كأفلام الدراجات السابقة. تلك كانت تقحم المشاهد في مقاربات إعجاب وبغض متبادلة للموجة الشبابية. لكن فيلم فوندا أراد تمجيدها عبر تقديمها كمفهوم اجتماعي لا يقصد أن يؤذي أحدا. نيكولسون هو المحامي الشاب الذي كان يمكن له أن يصعد درجات المهنة بعيدا عن هذه المتاهات. في يوم يلتقي بوايات وبيلي وهما يركبان دراجتيهما في رحلة عبر البلاد. يقلدهما نيكولسون ببراءة ويصبح ثالث الفريق الذي يتعرض على الطريق لهجوم المواطنين الشرسين. يسأل نيكولسون صديقيه الجديدين: «لماذا يكرهوننا؟»، يجيبه بيتر فوندا: «بسبب ما نمثله من حرية».
لكن المفهوم على صحته في هذا المجال ساذج لأن الموقف الأكثر شيوعا ليس مثاليا على النحو الذي تطوع به الفيلم. الهيبيون كانوا مع حرية الحب والعلاقات المفتوحة ومع التدخين الممنوع والمجتمع الخالي من القيود، يمينية أو يسارية. ربما موقفهم الأقوى الوحيد هو معارضة الحرب الفيتنامية، لكن تلك لم تنته بسببهم بل بسبب معارضة معظم الأميركيين لها وقد بدأوا باستقبال المزيد من القتلى والمعوقين عاما بعد عام من دون تحقيق نصر فعلي.

* نهاية مفتوحة
إذ حمل «إيزي رايدر» لواء الدفاع عن فكر هذه الجماعة جاء فيلم «وودستوك» التسجيلي (لمايكل وادلي، 1970) احتفاء كبيرا آخر، ولو أنه اكتفى بنقل وقائع الحفل الغنائي الكبير الذي أقيم حينها وشمل مئات ألوف الشبان الذين افترشوا أرضا قدمت إليهم لاحتوائهم، واعدين بعدم الفوضى وتنظيف المكان بعد مغادرتهم لـ3 أيام وليالٍ من العزف والغناء.
في الوقت ذاته، كان «بيلي جاك» يدافع عن الهنود الحمر الحاليين، وقد اشترك في فيلم دراجات نارية من قبل عندما لعب «ولدوا ليخسروا» Born Losers من إخراجه سنة 1976.
ما أسهم في كسر نجاح هذه الموجة فيلم خرج من لا مكان، حققه مخرج لم يحقق سواه ثم غاب هو جيمس ويليام غويريكو. الفيلم هو «إلكترا غلايد إن بلو» مع روبرت بلاك الذي يتقدم الفيلم مصنفا وضعه إذ نراه يرتدي بزته الرسمية كشرطي سير على دراجة في تلك الطرق الريفية والجبلية البعيدة. إنه يقوم بدوره كمواطن عادي، بل ربما كمواطن بسيط. في النهاية يطلق عليه أحد الهيبيين رصاصة بندقيته فيرديه على الفور.
هذه الرسالة التي تنتمي إلى اليمين بلا شك أنهت الجنوح في تصوير الهيبيين كحركة سلام وحب، ولو أن السينما لم تكف عن تصوير الفترة وما حملته من مواجهة بين تيارات الحياة السياسية في الولايات المتحدة المفتوحة منذ مطلع الستينات على كل آيديولوجيا وفكر بصرف النظر عن حجم شعبيته.
في السبعينات لاحظنا أن بطلة «قصة حب»، إلى ماكغرو، تنتمي إلى المفهوم ذاته عندما تلتقي بالمليونير رايان أونيل. آرثر بن قدم «مطعم أليس»، وهال أشبي «هارولد ومود»، وميلوش فورمان «هير» و«الإقلاع»، ودنيس هوبر عاد في دراما أخرى توعز بإثارة الموضوع ذاته في «الفيلم الأخير»، بينما حاول الرسام رالف باكشي الإحاطة بالأجواء ذاتها في «فريتز القط».
في الثمانينات، خفت الظاهرة كثيرا ثم خفت أكثر في التسعينات إلا إذا اعتبرنا «ذا دورز» لأوليفر ستون و«خوف وازدراء في لاس فيغاس» لتيري جيليام من تلك البارزة في مجال استعادة تلك الحقبة. لكن الأفلام التي تعود إلى تلك الحقبة المهمة، بما لها وبما عليها، لم تتوقف. قد يلخص عنوان فيلم حققه بروس بيرسفورد قبل 3 أعوام، وهو «سلام وحب وسوء فهم»، الكثير مما يمكن قوله في هذا التيار.

* عندما ندمت هوليوود
* في عام 1969 تشجعت شركة مترو - غولدوين - ماير وطلبت من المخرج الإيطالي مايكل أنجلو أنطونيوني تحقيق فيلم «نقطة زابريسكي» وهو وافق، وكان فيلمه الأميركي الأول والوحيد. ما كان في بال هوليوود لم يخطر على بال أنطونيوني إذ ذهب إلى حد تأييد نسف المؤسسات الكبرى على أيدي الشبان المتمردين.



لماذا لا تزال ثلاثية «حرب النجوم» الأولى هي الأفضل؟

«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)
«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)
TT

لماذا لا تزال ثلاثية «حرب النجوم» الأولى هي الأفضل؟

«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)
«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)

انطلقت عروض فيلم «ستار وورز: الماندالوريان وغروغو» (Star Wars: The Mandalorian and Grogu) في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي بنجاح جيد، لكنه ليس مميّزاً. أما الاستقبال النقدي فتوزّع على 3 فئات شبه متعادلة: معجبة، ومعجبة بحدود، وغير معجبة على الإطلاق (نقدنا في زاوية «شاشة الناقد» أدناه).

رغبة معاكسة

بصرف النظر عن مستوى الفيلم، يستدعي العمل، الذي أنجزه جون فافرو (من أفلامه Avengers: Endgame وIron Man)، نظرة قريبة إلى هذا المسلسل الذي انطلق للمرة الأولى على هيئة حلم صغير عند مخرجه جورج لوكاس. رفضت هوليوود تمويله إلى أن وافقت شركة «توينتيث سنتشري فوكس» على صرف 11 مليون دولار عليه. وكان الناتج مذهلاً، إذ سجَّل خلال أسابيع قليلة من صيف 1977 نحو 775 مليون دولار، أي ما يتجاوز 8 مليارات دولار بسعر الصرف اليوم، وحين كانت التذكرة لا تزيد على 5 دولارات في صالات العرض الأول.

كاري فيشر في أحد أشهر أدوارها السينمائية (توينتيث سنتشري فوكس)

ذلك الفيلم الأول من المسلسل لم يكن بداية عهد من الأفلام المتتالية التي استفادت من إقبال الجمهور عليها فحسب، وإنما أيضاً معالجة فكرية ترتدي ملابس الترفيه وتقدّم بين أحداثها المشوّقة نتفاً من المجازات الميتافيزيقية والميثولوجية. يتبدّى ذلك في الأفلام الثلاثة الأولى من بين الأفلام العشرة التي أُنجزت منذ ذلك التاريخ (وهي الأساسية، كون الإنتاج تمدَّد ليشمل شرائط فيديو وأفلاماً تلفزيونية ورسوماً). بعد ذلك، تداولت الأفلام اللاحقة المغامرة وبعض الإيحاءات الدرامية، مثل اللعب على علاقة الأب بالابن التي عكست علاقة المخرج بالسينما، كون لوكاس ابتعد عن وصية ورغبة والده (جورج واتسون لوكاس) ليشقَّ طريقه بنفسه.

لا بدَّ أنّ الضغط الذي واجهه برفضه الاقتداء برغبة والده قد ولّد فيه الحاجة إلى التعبير عنها. لم يعبّر عنها في أفلامه التي سبقت «ستار وورز» الأول، لا القصيرة منها (9 أفلام ما بين 1965 و1968)، ولا فيلميه الطويلين THX 1138 سنة 1971 و«أميركان غرافيتي» (1973).

جورج لوكاس... مهندس المجرة السينمائية التي انطلقت عام 1977 (ديزني ستوديوز)

تعدُّد أفكار

أخرج لوكاس أول هذه الأفلام («ستار وورز» الذي تغيَّر لاحقاً عنوانه إلى Star Wars: A New Hope تبعاً لتسلسل روائي لاحق). ثم اكتفى بإنتاج الفيلمين التاليين «الإمبراطورية تضرب مجدداً» (The Empire Strikes Back) لإرفين كيرشنر (1980) و«عودة الجيداي» (Return of the Jedi) لريتشارد ماركواند (1983).

غابت السلسلة سنة 1983 وعادت سنة 1999 بـ3 أفلام تسبق حكاياتها الثلاثية الأولى، ممّا جعلها تحمل الأرقام 4 و5 و6 عوضاً عن 1 و2 و3. ومنذ عام 2015، أُطلق عهد جديد من هذه الأفلام أقل قيمة فنية وفكرية من تلك الأولى.

في الأفلام الثلاثة الأولى المذكورة، منحى واضح لتجسيد بعض الشخصيات على نحو متّصل بالتاريخ هنا وبالواقع هناك. جيداي يمثل فيلسوفاً يونانياً تشبه تعاليمه تلك التي لدى أرسطو. والصراع بين الابن المتمرّد ضدّ الإمبراطور دارث فيدر يماثل تمرّد لوكاس الابن ضدّ أبيه، لكنه في الوقت عينه على علاقة بنظرية فرويد التي تقول إنّ الابن يميل إلى الأم أكثر من الأب، والابنة تميل إلى الأب أكثر من الأم. كذلك الحروب ذاتها تحمل سمات صراع الشعوب ضدّ مستبديها، ولو أنّ لوكاس هنا لا يحدّد ما بعد تلك الإشارة.

في «الإمبراطورية تضرب مجدداً» محاكاة للأجواء السياسية المعادية للعرب في ذلك الحين، ترتدي شكلاً عنصرياً واضحاً.

أبعد من ذلك، هناك حضور ديني قوي في الأفلام الأولى من السلسلة. هناك إيعاز بتجسيد الفيلم للمعنى الديني في الصراع بين الخير (مؤمنون) والشر (ملحدون). بل إنّ الأميرة ليا قُصد بها أن تكون رمزاً للسيدة مريم. وهذه بعض الأبعاد التي تتراءى في حال مشاهدة هذه الأفلام اليوم كما في الأمس.

انطلقت عروض فيلم «ستار وورز: الماندالوريان وغروغو» في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي بنجاح جيد، لكنه ليس مميّزاً

استيحاءات

الفيلم الأول من السلسلة وما تلاه من أجزاء ليست الأولى في السينما لناحية تقديم مغامرات فضائية. الصورة الكليّة لذلك العالم البعيد مثل مسافة، والقريب مثل أجواء سياسية أو اجتماعية حاضرة، نجدها في سلسلة أفلام «فلاش غوردون» في الثلاثينات والأربعينات، حيث الصراع بين عالم متمدّن وآخر معاد.

في الواقع، خطَّط لوكاس في الأساس لإعادة إخراج فيلم «فلاش غوردون» الذي حقّقه فريدريك ستيفاني سنة 1936 قبل أن يُنجز «ستار وورز».

إلى جانب «فلاش غوردون»، هناك استيحاء من حكاية «الباحثون» (The Searchers) لجون فورد (1956)، ومن فيلم أكيرا كوروساوا «القلعة المخفية» (The Hidden Fortress) سنة 1958. هذا الفيلم الياباني هو الأقرب بوصفه حكاية، إذ يدور حول رجلين يسعيان إلى مساعدة أميرة على استعادة عرشها... كما الحال في «ستار وورز».

الأفلام السبعة اللاحقة (آخرها «ستار وورز: الماندالوريان وغروغو»، 2026) اعتنت بتطوير العمود الفقري للحكاية على نحو أفقي ينهل من الفرص المتاحة للالتزام بالمغامرات والصراعات أكثر من منحها معانيَ ورموزاً. والهم كذلك كان تطوير المؤثرات البصرية وكل ما له علاقة بالخدع البصرية وفنون التحريك، لإبقاء حوافز المُشاهدة والحفاظ على هواة السلسلة أعلى في كل جزء جديد من سابقه.


شاشة الناقد: خيال علمي وتشويق و«وسترن»

«ستار وورز- ماندالوريان وغروغو» (ديزني ستديوز)
«ستار وورز- ماندالوريان وغروغو» (ديزني ستديوز)
TT

شاشة الناقد: خيال علمي وتشويق و«وسترن»

«ستار وورز- ماندالوريان وغروغو» (ديزني ستديوز)
«ستار وورز- ماندالوريان وغروغو» (ديزني ستديوز)

STAR WARS‪:‬ ★★

THE MANDALORIAN

AND GROGU

إخراج: ‪جون فافريو‬

الولايات المتحدة | خيال علمي

الجزء العاشر من السلسلة

منذ شراء شركة «ديزني ستوديوز» حقوق صنع سلسلة «ستار وورز» سنة 2017، ارتفعت الرغبة في التواصل مع الجمهور السائد من زاوية الترفيه وحدها. طبعاً لا تزال بعض الأفلام الأخيرة، مثل «The Last Jedi» لريان جونسون (2017) و«Rogue One: A Star Wars Story» لغاريث إدواردز خصوصاً، تؤمّن بعض الأفكار الجديدة المنفّذة جيداً.

«ستار وورز: الماندالوريان وغروغو» ليس من بينها. نعم، يوفر شخصية محارب جديد (الماندالوري أو ماندو في الفيلم) الذي يهب حياته لمعاقبة الأشرار. الحكاية تطول منتقّلة من مهمّة جديدة مسندة إليه (إنقاذ ابن المخلوق جابا الذي اختُطِف إلى كوكب شكاري تمهيداً لاحتلال مملكة أبيه ومنعه من الوراثة).

إذ تنطلق الحكاية على هذا النحو، تتعرّض لمغامرات ماندو المتواصلة مع مخلوق صغير اسمه غروغو، موجود لتسلية الصغار بكلّ السذاجة الممكنة. في الواقع، أمكن غروغو أن يكون كلباً أو قرد شمبانزي، فكلاهما يعجب الأولاد من الجنسين. شخصية ماندو بدورها كان يمكن لها أن تأتي في فيلم مستقلّ تماماً عن السلسلة الشهيرة. كما هي الآن، هي «تفليم» لمسلسل تلفزيوني نال نجاحاً كبيراً. خطوة آمنة أخرى بالنسبة إلى «ديزني» لاستثمار لا «حرب النجوم» وحدها، بل المسلسل التلفزيوني أيضاً.

كل ما سبق كان يمكن تقبّله لو أنّ جديداً فعلياً طرأ على القصة أو شخصياتها بمناسبة نقلها إلى الشاشة الكبيرة على الأقل. الأحداث متتابعة لكنها مُعالجة على هيئة حلقات منفصلة تبعاً لخيال، وليس على شكل إبداع وخَلْق. هو فيلم بلا روح، مليء بمعارك مصنوعة بواسطة الرسوم الحاسوبية شوهدت مراراً قبل ذلك، وباتت مثل مطاردات أفلام الوسترن القديمة حيث البطولة للحصان (على الأقل كان مخلوقاً حيّاً) في مطاردات لا تنتهي. التمثيل، وفق التقليد المتَّبع في أفلام ملؤها المؤثرات والموسيقى (للودفيغ غورانسون)، جيد في حال سماعها للمرة الأولى والثانية، قبل أن تُسبِّب الضجر لتكرارها.

THE HOUSEMAID★★

إخراج: ‫بول فيغ‬

الولايات المتحدة | دراما تشويقية

ثرية تستقبل عاملة منزل وتندم

«تستطيعين مناداتي نينا»، تقول الزوجة (أماندا سيفريد) للشابة ميلي (سيدني سويني) في الثواني الأولى من لقائهما. الأولى ربّة بيت كبير لزوجها الثري أندرو (براندون سكلينار)، والثانية وصلت للتو لتشغل وظيفة الإشراف على شؤون المنزل.

«عاملة المنزل» (ليونزغيت)

إذ تبدأ ميلي عملها سعيدة بالاستقبال الجيد والودود، يضع المخرج، الذي اقتبس فيلمه عن رواية ناجحة لفريدا ماكفادن، الخطّة للانتقال من التأسيس إلى الحبكة المراد بها أن تكون درامية نفسية. نينا ستندم على قبول ميلي بعدما لاحظت تقارباً بين زوجها والعاملة المنزلية، تمهيداً لنهاية تأتي بلا مفاجآت.

الواقع أنّ الفيلم بكامله يخلو من مفاجأة فعلية. المفارقات تتابع كما يتوقّعها المُشاهد. المخرج بول فيغ اعتمد خطاً قصصياً من دون إضافة ظلال مناسبة. بذلك يمضي الفيلم، بعد نحو ساعة من التمهيد وربع ساعة من الاسترجاع، صوب تطوّرات لا يشعر المشاهد حيالها بأي اهتمام، إلا إذا كان مدمناً على أفلام تفتقر إلى الحد الأدنى من الغموض والتشويق.

RUST★★★

إخراج: ‫جوِل سوزا

الولايات المتحدة (2025) | وسترن

الحكاية التي تشبه ما حدث وراء الكاميرا

‫ثمة تشابه مؤسف بين الحكاية التي يسردها الفيلم وما حدث في الواقع. هذا هو الفيلم الذي أطلق فيه الممثل أليك بالدوين النار على مديرة التصوير هالينا هاتشينز معتقداً أنّ المسدس يحتوي على رصاص فارغ. في الفيلم (كما كُتبت حكايته قبل الحادثة) صبي يقتل رجلاً بالخطأ أيضاً. في «رست» (اسم الشخصية التي يؤدّيها بالدوين) رغبة محقّة في توفير فيلم «وسترن» بجماليات المكان الطبيعي والعام. مشاهده مؤطرة بدراية، ولقطاته موحية وجميلة، ولو أنّ ألوانها تنتمي إلى نسق داكن واحد نصف ناجح.‬

أليك بولدوين وباتريك سكوت في «رست» (120DB فيلمز)

‫اهتمام المخرج بتوفير جماليات كلّ لقطة وكيفية تأطيرها لا غبار عليه، سوى أنّ الحكاية تبقى بعيدة عن الاستفادة من هذا المنوال. هناك ثلاثة خطوط قصصية، أحدها عن رست وحفيده، والآخران عن مطارديه وخلفياتهم. تتابع هذه الخطوط بسهولة، لكن المخرج ومونتيره (ديفيد أندالمان) لا يملكان القدرة على تلاحمها على نحو يبعث على التشويق، بل حتى على الاهتمام أيضاً.‬

‫بعد عروض قصيرة وفاشلة في صالات السينما، يمكن الآن مشاهدته عبر المنصات، ولو على حساب الجماليات التي توفرها الشاشة الكبيرة في نطاق سينما الغرب الأميركي.‬

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


ستيفن سبيلبرغ يعود إلى عوالم الغزو والخيال العلمي

توم كروز في «تقرير أقلية» (تونتييث سنتشري فوكس)
توم كروز في «تقرير أقلية» (تونتييث سنتشري فوكس)
TT

ستيفن سبيلبرغ يعود إلى عوالم الغزو والخيال العلمي

توم كروز في «تقرير أقلية» (تونتييث سنتشري فوكس)
توم كروز في «تقرير أقلية» (تونتييث سنتشري فوكس)

في الـ11 من الشهر المقبل، يُطلق المخرج والمنتج ستيفن سبيلبرغ فيلمه الجديد «يوم الكشف» (Disclosure Day)، وهو الفيلم السينمائي الـ40 له، بكونه أنجز 13 فيلماً تلفزيونياً قبل دخوله عالم السينما، ولاحقاً أنجز فيلمَي فيديو وفيلمَيْن قصيرين ما بين 1999 و2022.

في الواقع، فإنَّ فيلمه الأول الذي عُرض في صالات السينما، وهو «مبارزة» (Duel) سنة 1971، كان تلفزيوني الإنتاج داخل الولايات المتحدة، لكنه انتُخب للعروض السينمائية عالمياً خارجها، مثل حال عدد كبير من الأفلام المُشابهة في وضعيّتها آنذاك. و«مبارزة» كان فيلم طريق مع تشويق حاسم حول رجل أعمال بسيط تطارده شاحنة على طريق جبلي في ولاية أريزونا بهدف قتله. ذلك الفيلم، بالتالي، كان تشويقياً، رغم أنّ الحكاية كان يمكن لها أن تضع المطاردة بين عربة فضائية وأخرى أرضية.

سبيلبرغ يعود إلى ثيمته المفضلة: غزو الأرض (يونيفرسال)

عشرة

«يوم الكشف» (أو «يوم الإفصاح») هو خيال علمي عن موضوع غزو الفضاء للأرض. وبذلك، فهو الفيلم العاشر من هذا النوع من توقيع المخرج. هذا بالطبع إلى جانب عدد آخر من الأفلام التي اكتفى بإنتاجها واختار من يخرجها سواه.

الأفلام الـ9 السابقة هي التي بدأت بفيلم «لقاءات قريبة من النوع الثالث» (Close Encounters of the Third Kind) سنة 1977. هذا مع العلم أن سبيلبرغ أخرج فيلم هواة من هذا النوع، وفَّر تكلفته من مصروف الجيب سنة 1964، عندما كان في الـ18 من عمره، لكنه لا يُعدُّ فيلماً حقيقياً.

كان «لقاءات قريبة...» ثالث فيلم سينمائي فعليّ له بعد «ذا شوغرلاند إكسبرس» في 1974 و«جوز» (Jaws). وكلاهما كان من النوع التشويقي، وأفضلهما «جوز»، الذي حطم أرقاماً قياسية في صيف عام 1975. أما الأول فكان حكاية كوميدية مع تشويق حول خطف زوجين ابنهما من منزل عائلة عُهد إليها برعايته، وشرطي أجلساه في المقعد الخلفي من السيارة. لكن «جوز» هو تعامل سبيلبرغ الأول مع فن التشويق.

والتشويق سمة «لقاءات قريبة...» الذي تعامل مع غزاة من ذلك الطابق العلوي للفضاء.

كرَّر ذلك عام 1982 عندما أخرج «خارج الأرض» (E.T. the Extra-Terrestrial)، بعد فيلم كوميدي فشل تجارياً هو «1941»، وآخر مغامراتي حقق نجاحاً كبيراً هو «غزاة الفلك المفقودة» (Raiders of the Lost Ark) في 1981.

من «إي تي- خارج الأرض» (يونيفرسال)

مخلوقات متوحّشة

هذان الفيلمان هما الوحيدان، في سلسلة سبيلبرغ من أفلام الخيال العلمي، اللذان عكس فيهما نظرة تعاطفية مع مخلوقات الفضاء. ففي الأول دعا إلى التفاهم معها، وفي الثاني حوَّل الفكرة إلى ملهاة سريعة الإيقاع حول مخلوق فضائي عادت سفينة الفضاء إلى كوكبها من دونه.

وقبل العودة إلى قصص الفضاء، عمد إلى نوع آخر من أفلام الخيال العلمي، هي أفلام وحوش ما قبل العصور المدنية. ففي 1993 أنجز «جوراسيك بارك»، وتبعاً لنجاحه حقَّق، بعد 4 سنوات، جزءاً ثانياً في 1997. وللإيضاح، يرى المؤرخون وهواة التصنيف أنّ أفلام الوحوش هي نوع من الخيال العلمي، لكنه في الواقع ليس كذلك، وإن كان بعض العلم مُستَخدماً فيه.

النقلة الفعلية لسينما الخيال العلمي، التي حملت في طياتها عودة مكمّلة لفيلميه السابقين «لقاءات قريبة» و«إي تي»، وردت سنة 2001 عبر «ذكاء اصطناعي» (A.I. Artificial Intelligence)، حكاية الصبي غير البشري ديفيد (هايلي جويل أوزمنت) والعائلة التي احتضنته لمدّة لأنّ ابنها الفعلي يرقد في المستشفى. والفارق بين ديفيد وأي منتج اصطناعي آخر أنه مزوَّد بإمكانية الحبّ. وعندما يعود ابن العائلة من المستشفى سليماً، تكتشف العائلة أنها لن تستطيع احتواء الولدين، فتقرّر التخلّي عن ديفيد، الذي سيعاني طوال حياته من حبه للأم التي رعته حيناً (فرانسيس أوكونور).

مشكلة الفيلم الأكبر هي أنه عاطفي إلى حد يكاد يوازي التباكي، لكن فكرته رائعة، وتنفيذ سبيلبرغ له يضع الفيلم في مصاف الأعمال المهمّة في سينما النوع.

«يوم الكشف» هو الفيلم العاشر من هذا النوع للمخرج وسوف يُطلق في الـ11 من الشهر المقبل

بعد ذلك، في 2002، نجد سبيلبرغ في نطاق أفضل شأناً مع «تقرير أقلية» (Minority Report)، حول مستقبل يجد فيه المرء نفسه مُداراً ومحاطاً بتكنولوجيا لا قدرة له على تفاديها، خصوصاً إذا ما كان أحدهم في مركز القيادة يريد الإجهاز عليه.

عاد سبيلبرغ إلى النوع في عام 2005 في «حرب العوالم» (War of the Worlds)، وهو عن غزو من مخلوقات وحشية، من بطولة توم كروز، الذي لعب كذلك بطولة «تقرير أقلية». وكلا الفيلمين ناجح على معظم الأصعدة، كونهما عملين تشويقيين ينتميان فعلياً إلى نوع الخيال العلمي، علماً بأن «حرب العوالم» هو إعادة صنع لفيلم حقّقه بايرون هاسكن عام 1953.

الفيلم التاسع هو ذلك الذي أنجزه سبيلبرغ بعنوان «ريدي بلاير وان» (Ready Player One)، الذي تقع أحداثه في المستقبل (2045)، والمأخوذ عن لعبة فيديو مقتبسة بدورها من رواية. ولم يستقبله النقّاد جيداً، وواقعياً كان فيلماً لا يحمل السبب الكافي ليُنجزه سبيلبرغ.