«سي نيوز» الفرنسية... «زواج» بين الإعلام واليمين المتطرف

المروّج الأول لـ«نظريات المؤامرة» و«حصان طروادة» الانتخابي

إريك زيمّور
إريك زيمّور
TT

«سي نيوز» الفرنسية... «زواج» بين الإعلام واليمين المتطرف

إريك زيمّور
إريك زيمّور

قد تكون الطريقة الفضلى للتعريف عن القناة التلفزيونية الإخبارية الفرنسية «سي نيوز» (CNews) التي يملكها الملياردير الفرنسي فانسان بولوريه المرور سريعاً من خلال تسليط الضوء على «نجم» القناة الإعلامي والمفكر اليميني المتطرف إريك زيمّور (زمّور)، الذي يحثّ الخطى للترشح إلى الانتخابات الرئاسية المقبلة في أبريل (نيسان) 2022. زيمّور الذي يجول بين المدن الفرنسية في الوقت الراهن من أجل الترويج لكتابه الأخير المعنوَن «فرنسا لم تقل آخر كلماتها» أجبِر على التخلي عن مشاركته اليومية في برنامج إخباري على «سي نيوز» تحت ضغط «المجلس الأعلى للسمعيات والبصريات»، بسبب ما اعتبر كلاماً انتخابياً وليس تحليلات سياسية.
الرجل البالغ من العمر حالياً 63 سنة، لا يخفي مواقفه. إنه يميني متطرف... بل إنه أكثر يمينية من زعيمة حزب «التجمع الوطني» الذي ترأسه مارين لو بن المرشحة للانتخابات الرئاسية المقبلة، حتى إنه يتهمها بالميوعة والضعف. واليوم، تفيد استطلاعات الرأي بأن زيمّور يمكن أن يحصل على 11 في المائة من الأصوات في الدورة الأولى... قبل أن يعلن ترشيحه.
سبب شعبية زيمّور، المتحدر من عائلة يهودية جزائرية، والملاحَق أمام المحاكم والذي أدين مرتين (2011 و2017) بسبب الحض على التمييز العنصري والتعبير عن الحقد إزاء المسلمين، أنه صاحب طروحات بالغة التطرف. إذ إنه يتبنى نظرية «الإبدال الكبير»، أي إبدال الشعب الفرنسي كما الشعوب الأوروبية الأخرى بشعوب مهاجرة غير أوروبية قادمة من بلدان المغرب وأفريقيا وغالبيتها مسلمة. وهنا يقول زيمّور: «هناك شعب فرنسي، ينتمي إلى العرق الأبيض وإلى الحضارة الهللينية - الرومانية وإلى الديانة المسيحية، وها هو يُبدل بشعوب إما مغاربية أو أفريقية وغالبيتها مسلمة... وهي - بنظره - لا تتبنى القيم والمبادئ السائدة في الغرب». وغالباً ما يضيف: «خلال سنوات قليلة، إذا استمرت الأمور سائرة في هذا المنحى، سيتغير وجه فرنسا (وأوروبا) وسوف نصبح أقلية في بلادنا».

«سي نيوز»... وبولوريه

هذه الطروحات تبيّن الاتجاه العام الذي تسلكه قناة «سي نيوز» التي توصف فرنسياً بأنها قناة «فوكس نيوز» الناطقة بالفرنسية بالإشارة إلى القناة الإخبارية الأميركية اليمينية الشهيرة التي كانت المصدر الأول لقناعات وتحليلات الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب والمدافع الأول عنه والمروّج الأقوى لسياساته.
«سي نيوز» باتت المروّج الأول لـ«نظريات المؤامرة» في فرنسا و«حصان طروادة» لليمين الفرنسي الأكثر تطرفاً. ولعل من سخرية المشهد الإعلامي التلفزيوني الفرنسي أن «سي نيوز» وصلت في شهر مايو (أيار) الماضي، إلى احتلال المرتبة الأولى بين القنوات الإخبارية الرئيسية الأربع؛ وهي، إضافة إليها: «إل سي آي»، و«بي إف إم تي في» و«فرنس إنفو». الأولى تمتلكها مجموعة بويغ للاتصالات، قطب الاتصالات والإنشاءات. والثانية يمتلكها رجل الأعمال الفرنسي - الإسرائيلي باتريك دراهي الناشط في الحقل الإعلامي المرئي والمسموع والمكتوب، والثالثة تابعة للقطاع العام.
القنوات الثلاث المنتمية للقطاع الخاص يملك كل منها إمبراطورية إعلامية متعددة الوسائل والاختصاصات. وليست «إمبراطورية» فانسان بولوريه أقلها قوة وتوسّعاً، إذ إنها، بدايةً، تشمل الأنشطة التلفزيونية متعددة الاختصاصات.
يمتلك بولوريه، أو يدير، إضافة إلى قناة «سي نيوز» المتخصصة بالأخبار التي كانت تسمى سابقاً «أي تيلي»، قنوات تلفزيونية عديدة؛ أولاها تلفزيون «سي ستار» المتنوع والقناة المشفّرة «كنال +» والقنوات المتفرعة عنها في الرياضة، و«سي 8» العامة. وتجدر الإشارة إلى أن تحكّم بولوريه، تعزز عبر تحوّله في عام 2015 إلى المساهم الأكبر في شركة «فيفاندي» المالكة السابقة للقناة المشفّرة، التي تعد الأولى في المشهد التلفزيوني الفرنسي ولها امتدادات أوروبية. وهو ما سمح له بأن يحتل موقعاً استثنائياً في فرنسا، ومكّنه من أن يصبح قطباً إعلامياً رئيسياً في فرنسا.
وخلال الصيف الجاري، نجح بولوريه في التسلّل إلى العالم الإذاعي من خلال تمكّنه من وضع اليد على إذاعة «أوروبا رقم واحد» التاريخية بعد معركة حامية الوطيس، الأمر الذي حمل بعض أركان هذه الإذاعة، عقب إضراب واسع، إلى الرحيل عنها تخوّفاً من توجهّاتها المستقبلية ومن أن تكون نسخة سمعية لـ«سي نيوز».
ثم إن بولوريه، الذي بنى في الأساس، إمبراطورية في قطاع النقل البحري وإدارة المرافئ، خصوصاً في أفريقيا، ينشط في قطاعات السينما والنشر والموسيقى وألعاب الفيديو. وبكلام آخر، فإن هذا الرجل الذي يُعدّ أحد أركان الرأسمالية الفرنسية يملك نفوذاً متعدد الأشكال. وبعدما كان السياسيون «المعتدلون» يميناً ويساراً يتحاشون قناته الإخبارية، فإن الأمور تغيّرت كثيراً خلال الأشهر الأخيرة، ويتوقع أن تتغير أكثر فأكثر مع ضم «أوروبا رقم واحد» إلى إمبراطوريته وتعيين مسؤولين مكسوبي الولاء للخط التحريري لقناته الإخبارية.

رافعة انتخابية قوية

ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الفرنسية، فإن «سي نيوز» تجدّد برامجها وتكثف العاملين في صفوفها. وبعدما شكّلت «الرافعة» التي دفعت إريك زيمّور إلى الواجهة بفضل برنامج سياسي يومي مسائي كان يسرح فيه ويمرح ويكرّر نظرياته وتوهّماته المتطرفة، فلا شك أنها ستكون عوناً له، ولكن أيضاً لمارين لو بن في الجدل السياسي والانتخابي الذي انطلق قبل ثمانية أشهر من الاستحقاق الكبير المرتقب في ربيع العام المقبل.
في شهر مارس (آذار) الماضي، فرض شرطي المشهد الإعلامي في فرنسا غرامة على «سي نيوز» قيمتها 200 ألف يورو، لكونها تبث برامج وتعليقات تحضّ على التفرقة والحقد وتستهدف المهاجرين والمسلمين، ناهيك بالإسلاميين، وتركز بشكل خاص على الأحداث الأمنية. وكان للقناة المذكورة دورٌ كبير أيضاً في تهييج متمردي «السترات الصفراء» منذ خريف عام 2018. ومنذ يونيو (حزيران) الماضي، وجّهت الهيئة المشرفة على الإعلام تحذيرين للقناة لكونها لا تحترم مبدأ التعدّدية، ولأن مسؤولي «التجمع الوطني» (حزب لو بن) واليمين المتطرف - بشكل عام - دائمو الحضور على شاشاتها.
وليس من المغالاة القول إن هذه القناة قد تحوّلت بالفعل الى ناطقة باسم اليمين المتطرف والمنصة المروّجة لنظرياته من خلال التركيز على المواضيع التي تشكل أساس آيديولوجيته، وهي «ثلاثية»: الأمن والهجرة والإسلام. وكما هو مستبطن في هذه «الثلاثية»، فإن المسائل الثلاث مترابطة فيما بينها. والثابت اليوم، استناداً لما يطرح من جدل سياسي تمهيدي للحملة الرئاسية المقبلة، أن الثلاثية المشار إليها ستكون حاضرة بقوة، ما يعني أن «سي نيوز» ستلعب دوراً مهماً وداعماً للجهات التي تتبنى مقاربتها وستكون المنبر الجاهز لزيمّور ولو بن، وربما لغيرهما من متطرفي اليمين.
من نافل القول أن «سي نيوز» ترفض هذا التعريف، ويدعي مسؤولوها أن جُلَّ ما تقوم به قناتهم هو نقل صورة عمّا يحصل في المجتمع الفرنسي بلا قيود. ويجادلون بأن العنف ينخر المجتمع من الداخل و«حروب العصابات» للهيمنة على سوق المخدرات ليس اختلاقاً، وغياب الأمن في عدد من الأحياء حقيقة واقعة، وعليه فنقل ما يجري إلى الشاشة لا يعني، وفق طروحاتهم، استغلالاً له.
كذلك، يزعمون أن التركيز على المهاجرين والمشاكل المرتبطة بهم أو الناتجة عنهم ونشوء مناطق يغلب عليها الطابع «الإسلاموي» في عدد من المدن والضواحي «ليس من باب العنصرية بل توصيف للواقع»، ومحاولة لفهمه وإيجاد السبل لوقف التدهور وهو ما يقوم به المحللون والاختصاصيون الذين تدعوهم القناة يوماً بعد يوم. ويقول سيرج نجّار، أحد مسؤولي القناة، إن «سي نيوز»، التي نجحت أحياناً في التفوق على منافستها المباشرة «بي إف إم تي في»، «تعالج المواضيع بصراحة لم تعتد عليها القنوات الأخرى العامة أو الإخبارية، لأنه لا ممنوعات تلتزم باحترامها». ويضيف «أن تحولاً حصل في المشهد التلفزيوني الفرنسي حيث أخذ الآخرون يقتدون بـ(سي نيوز) بما في ذلك الإعلام الرسمي». ويريد المسؤول المشار إليه القول إن «سي نيوز» تحوّلت إلى «مدرسة» إعلامية لا يستبعد أن يكون لها، في المقبل من الأيام أتباع جُدد، بينما يواصل المجتمع الفرنسي التحوّل إلى اليمين.


مقالات ذات صلة

مصر تودع «شيخ الإذاعيين» فهمي عمر

يوميات الشرق مصر تودع الإذاعي الكبير فهمي عمر (الهيئة الوطنية للإعلام بمصر)

مصر تودع «شيخ الإذاعيين» فهمي عمر

فقد الإعلام المصري قامة إذاعية كبيرة برحيل «شيخ الإذاعيين» فهمي عمر الذي وافته المنية الأربعاء عن  98 عاماً والذي يُعد أحد الأصوات الذهبية.

انتصار دردير (القاهرة)
العالم سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)

مقتل 129 صحافياً في 2025 معظمهم بنيران إسرائيلية

قالت لجنة حماية الصحافيين، الأربعاء، إن 129 من الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام قُتلوا خلال أداء عملهم العام الماضي، وإن ثلثي القتلى سقطوا بنيران إسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الاتفاق على تعزيز التعاون الإعلامي والثقافي والفني بين السعودية ومصر (فيسبوك المستشار تركي آل الشيخ)

السعودية ومصر لتعزيز التعاون في الإعلام والثقافة والفنون

تسعى السعودية ومصر لتعزيز التعاون بينهما في مجالات الإعلام والثقافة والفنون وفق ما تناوله لقاء جمع ضياء رشوان والمستشار تركي آل الشيخ.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
إعلام زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي.

إيمان مبروك (القاهرة)
إعلام جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

جاء إطلاق «مدونة السلوك» المهني في ظل حالة من الفوضى، وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، وعدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد.

سعاد جرَوس (دمشق)

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
TT

قطاع الإعلام العربي يواجه ضغوطاً جديدة

عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)
عبدالحفيظ الهرقام، مؤلف الكتاب (الشرق الأوسط)

نظَّم «اتحاد إذاعات الدول العربية»، في تونس أخيراً، وبحضور عشرات من كوادره ومن الإعلاميين والخبراء العرب، تظاهرة غير تقليدية للاحتفاء بإصدار كتاب جديد عن التحديات الجديدة التي تواجه «الميديا العربية» في عصر هيمنة الرقمنة والمواقع الاجتماعية والذكاء الاصطناعي.

وصرّح المهندس عبد الرحيم سليمان، مدير عام الاتحاد، بالمناسبة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بأن الكتاب الذي ألفه وأصدره عبد الحفيظ الهرقام، المدير العام السابق لـ«اتحاد إذاعات الدول العربية»، والمدير العام الأسبق لمؤسسة الإذاعة والتلفزيون التونسي، «جاء ليؤكد أهمية التحوّلات الرقمية وانعكاساتها على المتغيرات في ملامح المشهد الإعلامي العالمي والعربي».

وفي السياق نفسه، رأى عدد من الخبراء والإعلاميين العرب أن الكتاب، وعنوانه «الميديا العربية: بين الهيمنة الرقمية وسؤال المعنى» بمثابة «الشهادة الفكرية والمهنية على مرحلة مفصلية يعيشها الإعلام العربي اليوم». وصرح المؤلف لـ«الشرق الأوسط»، في لقاء معه، بأن كتابه «لا يندرج ضمن الكتب الأكاديمية البحتة، ولا يكتفي بسرد التجارب المهنية، بل يمثّل محاولة جادّة لفهم التحوّلات الكبرى التي أعادت رسم علاقة الإنسان بالإعلام، وغيّرت طبيعة السلطة الرمزية التي كانت تمارسها المؤسسات الإعلامية لعقود طويلة».

المهندس عبد الرحيم سليمان (الشرق الأوسط)

خبرة ميدانية

وحقاً، رأى عدد من الخبراء في تظاهرة «اتحاد إذاعات الدول العربية» أن كتاب الهرقام يأتي محمّلاًً بخبرة ميدانية ممتدة لسنوات طويلة داخل مؤسسات عربية كبرى... إذ واكب المؤلف عن قرب تحوّلات القطاع السمعي البصري، وتقلّباته المهنية والتنظيمية، والتحديات التي واجهت الإعلام التقليدي في زمن الانتقال الرقمي.

غير أنّ أهمية هذا العمل، وفق كثيرين، لا تكمن فقط في كونه شهادة من داخل المهنة، بل أيضاً في كونه قراءة نقدية معمّقة لواقع الإعلام العربي لدى وقوفه عند مفترق طرق حاسم: بين إرث ثقيل من التجارب التقليدية، وضغوط متزايدة تفرضها الثورة الرقمية، وبين دور قديم قائم على نقل الخبر، ودور جديد يتعلّق بصناعة المعنى وتشكيل الوعي.

من سؤال مهني إلى مشروع فكري

كتاب عبد الحفيظ الهرقام، يجسّد في الحقيقة تجربة مهنية ثرية امتدت لما يقارب من 15 سنة في قلب مؤسسات الإعلام العربي، حيث احتكّ المؤلف يومياً بإشكاليات الإدارة والإنتاج والبث. وشهد عن قرب تحوّلات البنية الإعلامية في المنطقة. وكانت فكرة هذا العمل قد انطلقت من سؤال مهني يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالاته: هل من الأفضل الإبقاء على الإذاعة والتلفزيون ضمن مؤسسة واحدة أم الفصل بينهما؟

هذا التساؤل، الذي طُرح في سياق نقاش مهني، فتح أمام المؤلف أفقاً أوسع للتفكير في قضايا بنيوية تتجاوز التنظيم الإداري لتُلامس جوهر التحوّل الذي يعيشه الإعلام العربي. ومع مرور الوقت، تحوّل السؤال مشروعاً فكرياً متكاملاً يسعى إلى فهم موقع الإعلام العربي في عالم يتغيّر بسرعة، وإلى تحليل طبيعة التحديات التي تهدد مكانتها ودورها.

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

الإعلام تحت ضغط الهيمنة الرقمية

أبرز ما يطرحه الكتاب، حسب مقدمته «تشخيص لحالة الإعلام العربي في ظل هيمنة المنصّات الرقمية العالمية، التي لم تعُد مجرّد وسائط لنشر المحتوى، بل تحوّلت قوى اقتصادية وثقافية كبرى تتحكّم في طرق الإنتاج والتوزيع وأنماط الاستهلاك».

وفعلاً، غيّرت هذه المنصّات قواعد اللعبة بالكامل. إذ تراجعت مكانة الوسائل التقليدية مثل الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، وتحوّلت المنافسة سباقاً غير متكافئ بين مؤسسات إعلامية وطنية محدودة الموارد وشركات تكنولوجية عملاقة تمتلك الخوارزميات والبيانات ورؤوس الأموال الضخمة.

بيد أن التحدّي، كما يلفت المؤلف الانتباه، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو التكنولوجي، بل بات يمتدّ إلى عمق المسألة الثقافية والمعرفية. وحين تنتقل السيطرة من غُرف التحرير إلى الخوارزميات، ومن الصحافي إلى المنصّة، يغدو السؤال الأهم: مَن يملك اليوم سلطة تعريف الواقع؟ ومَن يقرّر ما يُرى وما يُهمَل؟ ومَن يصوغ الروايات التي تشكّل وعي الجمهور؟

«سوق المعنى»... المعركة الجديدة

من أبرز المفاهيم التي يقدّمها الكتاب مفهوم «سوق المعنى»، حيث لم يعُد الصراع الإعلامي مقتصراً على نقل الخبر أو تحقيق السبق الصحافي، بل بات صراعاً حول تفسير الواقع وصياغة السرديات الكبرى. ففي الفضاء الاتصالي المعَولم، تتداخل السياسة بالإعلام، وتتقاطع المصالح الاقتصادية مع الخطابات الآيديولوجية، وتتنافس الروايات على كسب ثقة الجمهور. وفي هذا السياق، ما عادت قيمة المحتوى تُقاس بعمقه أو دقته، بل بعدد المشاهدات والتفاعلات؛ ما أدى إلى صعود أنماط جديدة من الخطاب السريع والسطحي في كثير من الأحيان، مقابل تراجع التحليل الرصين والمعالجة المهنية المتأنية.

وهذا التحوّل، الذي يبدو تقنياً في ظاهره، يخفي في جوهره أزمة معنى حقيقية. إذ يصبح الإعلام مهدّداً بفقدان دوره الثقافي والتنويري، ويتحوّل مجرّد وسيط في سوق ضخمة تحكمها قوانين الانتشار والربح والتأثير اللحظي.

تحوّل جذري

في صناعة الخبر

من جهة أخرى، يلفت الكتاب الانتباه إلى تحوّل عميق في بنية الإعلام، يتمثّل في انتقال مركز إنتاج المعنى من المؤسسات إلى الأفراد. فمع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعُد الجمهور متلقياً سلبياً، بل صار فاعلاً مشاركاً في صناعة المحتوى وتداوله. وفتح هذا التحوّل مساحات جديدة للتعبير وكشف الحقائق، وبرزت ظاهرة «المواطن الصحافي» بوصفها عنصراً مؤثراً في المشهد الإعلامي. لكن هذا التحوّل حمل، في المقابل، مخاطر كبيرة، من بينها انتشار الأخبار الزائفة، وتضخّم الخطاب الانفعالي، وتراجع المعايير المهنية.

كتاب جديد لاتحاد إذاعات الدول العربية يدعو إلى مراجعة الأولويات

وهنا يطرح المؤلف سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للمؤسّسات الإعلامية أن تحافظ على دورها ومصداقيتها في عالم لم تعد فيه المصدر الوحيد للمعلومة؟

دعوة إلى إعلام منتج للمعنى

في قلب هذا العمل يدعو عبد الحفيظ الهرقام إلى «ضرورة إعادة تعريف دور الميديا العربية، بحيث لا تظلّ فاعلاً تابعاً في النظام الإعلامي العالمي، بل تتحوّل فاعلاً منتجاً للمعنى، قادراً على الدفاع عن خصوصيته الثقافية وصياغة خطابه الخاص». ويتطلّب ذلك، في نظره، جملة من الشروط الأساسية، من بينها تعزيز الاستقلالية التحريرية، وتطوير الكفاءات المهنية، والاستثمار في التربية الإعلامية، ومدّ جسور التعاون بين الجامعات ومؤسّسات الإعلام كي لا تبقى المعرفة النظرية منفصلة عن الواقع العملي.

أسئلة وأجوبةً

ختاماً، لا يدّعي هذا الكتاب تقديم حلول جاهزة بقدر ما يسعى إلى إثارة الأسئلة الكبرى التي تفرضها المرحلة الراهنة. فهو محاولة جادة لقراءة واقع الإعلام العربي في «زمن ما بعد الحقيقة»، حيث تتراجع الثقة في المصادر التقليدية، وتتضخّم سلطة الصورة، وتتزاحم الروايات على تشكيل الإدراك العام.

ومن خلال هذا الجهد الفكري، يطرح الهرقام سؤالاً مركزياً يظلّ مفتوحاً أمام المهنيين والباحثين وصنّاع القرار: كيف يمكن للإعلام العربي أن يستعيد دوره الثقافي والتنويري في عالم تهيمن عليه السرعة والربح والتأثير اللحظي؟ وكيف يستطيع أن يظلّ وفياً لمهمته الأساسية في البحث عن الحقيقة وبناء الوعي؟


زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)
TT

زيادة اشتراكات «سناب تشات» تُعزز فرص «الدفع مقابل الخدمات»

شعار "سناب تشات" (رويترز)
شعار "سناب تشات" (رويترز)

أعلن تطبيق «سناب تشات» تصاعد خدمة الاشتراكات المدفوعة، بعد تجاوز عدد مشتركيه 25 مليوناً حتى فبراير (شباط) الحالي، ما يشير إلى أن جزءاً معتبراً من جمهور المنصة «بات أكثر تقبلاً لفكرة الدفع مقابل الخدمات». ويرى مراقبون أن «هذا التحول قد يمثل فرصة لصُناع الأخبار، إذ نجحوا في تقديم محتوى يُغازل أسلوب المنصة واحتياجات جمهورها، بما يفتح المجال أمام نماذج إيراد تتجاوز الاعتماد التقليدي على الإعلانات».

كانت شركة «سناب» الأميركية، المالكة لتطبيق «سناب تشات» قد أشارت إلى أن أعمالها في مجال الإيرادات المباشرة حققت معدل إيراد سنوي قدره مليار دولار، حسب ما ورد في تقرير نشرته «رويترز» أخيراً. وأرجعت السبب إلى النمو المتسارع لخدمة الاشتراك المدفوع، وذلك في إطار مساعي الشركة لتنويع مصادر دخلها بعيداً عن الإعلانات. وتصنّف خدمة «الاشتراكات المدفوعة» من تطبيق «سناب تشات» أنها من أسرع خدمات الاشتراك الاستهلاكي نمواً عالمياً منذ إطلاقها أواخر 2022، مع نمو في عدد المشتركين كل ربع سنة، وفقاً لإفادة صدرت من الشركة.

خبراء التقتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن الفرصة سانحة الآن لخدمات إخبارية «مستحدثة» تلبي احتياجات جمهور التطبيق الذي لا يمانع الدفع مقابل الحصول على خدمات معتبرة.

إذ قال محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي، إن ما نشهده لا يعكس استعداداً للدفع مقابل الأخبار بصورتها التقليدية، بقدر ما يعكس استعداداً للدفع مقابل «تجربة رقمية مبتكرة». وأوضح أن «نجاح الاشتراكات في سناب تشات قائم على تقديم ميزات لها طابع شخصي وحصري، يعزّز شعور المستخدم بالانتماء والتميز، بالإضافة إلى تسعير منخفض يشجع على الدفع كعادة يومية».

وأردف عاطف أن «الجمهور الشاب لا ينظر إلى الأخبار كمنتج مدفوع، بل كخدمة متاحة دائماً، لكنه مستعد للدفع عندما يشعر أن الخدمة تضيف قيمة لحياته أو تسهل تفاعله مع العالم الرقمي». ويشير إلى أن الشباب العربي تحديداً بات هاضماً لثقافة الدفع مقابل خدمات رقمية.

وتابع أنه لا يمانع حضور «سناب تشات» كجزء من منظومة الإيرادات الخاصة بمؤسسات الأخبار، لكنه استدرك فقال: «لا يمكن أن يلعب سناب تشات دور منصة نشر تقليدية، بل قد يكون قناة توزيع واستحواذ على جمهور جديد لا يصل إلى المواقع الإخبارية عادة». ومن ثم، اقترح نماذج لاستغلال أدوات «سناب تشات»، قائلاً: «لدى التطبيق أدوات مثل سناب ماب Snap Map وديسكفر Discover التي تعد فرصاً للأخبار عبر تقديم سرد بصري سريع ومبتكر يشرح الأحداث بلغة مبسطة تتناسب مع سلوك المستخدمين داخل المنصة».

وأضاف: «الجمهور هناك لا يبحث عن الخبر العاجل، بل يفضل محتوى يفسر ويحلل ما يحدث بشكل يسهل الاندماج في يومه، وهذا يفتح فرصة واسعة للمؤسسات الإعلامية لتقديم محتوى تفسيري وتفاعلي، يمزج بين المتعة والسرعة والمعرفة».

وكان الرئيس التنفيذي لشركة «سناب»، إيفان شبيغل، قد أعلن أن «سناب» ستطلق ميزة اشتراك جديدة تتيح لصناع المحتوى تحقيق دخل متكرّر مباشرة من أكثر متابعيهم ولاءً، على أن يبدأ اختبارها في 23 فبراير (شباط) الحالي عبر مجموعة محدودة من منشئي المحتوى في الولايات المتحدة، وفق ما أوردت «رويترز» أخيراً.

أما مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي، فيرى أن «الأخبار لا تزال غير حاضرة على سناب تشات... وهناك عدة أسباب لغيابها عن هذه المنصة الترفيهية، أبرزها أن الفئة العمرية الكبرى المستخدمة للتطبيق هي فئة عمرية صغيرة، إذ يشكل عمر ما بين 13 إلى 25 سنة نحو 60 في المائة من المستخدمين، وهذه الفئة إجمالاً ليس لديها اهتمام بمتابعة الأخبار العالمية أو حتى المحلية».

وأردف: «وسبب آخر هو أن غالبية المحتوى على المنصة على طريقة المؤثرين، أي يوميات مشاهير، وليست محتوى خبرياً حتى وإن كانت على طريقة صناع المحتوى، ومن ثم تغيير هذه الاهتمامات لدى جمهور سناب تشات يحتاج لأفكار شديدة الابتكار».

وأشار كيالي إلى أن «صُناع الأخبار يواجهون ميول المنصة نفسها، التي ليست لديها توجهات لدعم المحتوى الإخباري، وأظن أن المشكلة بشكل أساسي بسبب تعقيدات التعاون ومشاركة الأرباح مع الناشرين». وعدّ حضور منصات الأخبار مرهوناً بنوعية الأخبار الملاءمة لجمهور المنصة، وكذلك القوالب، و«يمكن للمؤسسات الإخبارية أن تكون موجودة من خلال الأخبار الخفيفة المتعلقة بالمشاهير أو الموضة والجمال، ومن خلال قوالب تناسب المنصة وجمهورها».


استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
TT

استجواب حاد لزوكربيرغ خلال شهادته في استخدام القُصّر لوسائل التواصل

مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)
مارك زوكربيرج خارج المحكمة حيث أدلى بشهادته في محاكمةٍ تاريخية (رويترز)

أعرب مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة ميتا، الأربعاء، عن أسفه لتأخر الشركة في تحديد المستخدمين القُصّر على إنستغرام، وذلك خلال جلسة محاكمة تاريخية تتعلق بالشبكات الاجتماعية واجه فيها الملياردير الأميركي انتقادات لاذعة.

وعندما طُلب منه التعليق على شكاوى من داخل الشركة تفيد بعدم بذل ما يكفي من الجهد للتحقق من عدم استخدام الأطفال دون سن 13 عاماً للمنصة، قال زوكربيرغ البالغ 41 عاما والذي يملك أيضا فيسبوك وواتساب، إن تحسينات قد أُدخلت.

وأضاف «لكنني أتمنى دائما لو كنا وصلنا إلى هذه المرحلة في وقت أقرب».

أولياء أمور أكدوا يوم المحاكمة أنهم فقدوا أطفالهم بسبب وسائل التواصل الاجتماعي (رويترز)

وكان زوكربيرغ الشاهد الأكثر ترقبا في محاكمة كاليفورنيا، وهي الأولى ضمن سلسلة دعاوى قضائية رفعتها عائلات أميركية ضد منصات التواصل الاجتماعي.

وهذه هي المرة الأولى التي يتحدث فيها الملياردير عن اجراءات الأمان على منصاته العالمية مباشرة وأمام هيئة محلفين وتحت القسم.

وكان زوكربيرغ، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية، متحفظا للغاية في البداية، لكن سرعان ما بدا عليه التوتر وأخذ يهز برأسه ويحرك يديه وهو يلتفت نحو هيئة المحلفين.

وضغط مارك لانيير، محامي المدعية، على زوكربيرغ بشأن اجراءات التحقق من العمر على التطبيقات.

لكن خلال استجوابه من قبل محاميه، بدا زوكربيرغ أكثر ارتياحا ووصف الوقت الذي يتم قضاؤه على التطبيق بأنه «عارض جانبي» لتجربة استخدام مميزة، وكثيرا ما خاطب المحلفين مباشرة لتأكيد وجهة نظره.

كما أكد على اعتقاده بأنه يجب على شركتي آبل وغوغل اللتين تقفان وراء أنظمة تشغيل الهواتف، تفعيل ميزة التحقق من العمر على مستوى الهاتف نفسه بدلا من تركه لكل تطبيق على حدة.

وأضاف «سيكون الأمر سهلا للغاية بالنسبة لهما».

أدلة تم تقديمها في دعوى مدنية ضد شركة ميتا خلال جلسة استماع في محكمة مقاطعة لوس أنجلوس العليا بوسط لوس أنجليس (إ.ب.أ)

وواجه زوكربيرغ سيلا من رسائل البريد الإلكتروني الداخلية، بما في ذلك تحذيرات من موظفيه بأن التحقق من العمر غير مناسب ورسائل أخرى يستشف منها أن قضاء المزيد من الوقت على انستغرام كان هدفا رئيسيا للشركة منذ فترة طويلة.

ومن المقرر أن تستمر المحاكمة حتى أواخر مارس (آذار)، حيث ستقرر هيئة المحلفين ما إذا كانت ميتا، بالإضافة إلى يوتيوب المملوكة لشركة غوغل، تتحملان مسؤولية المشاكل النفسية التي عانت منها كايلي جي. ام، وهي شابة تبلغ 20 عاما من سكان كاليفورنيا تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بكثرة منذ طفولتها.

وبدأت كايلي استخدام يوتيوب في سن السادسة وانستغرام في التاسعة ثم تيك توك وسناب شات.

ولا يُسمح لمن هم دون 13 عاما باستخدام انستغرام، وقد شدد لانيير في اسئلته لزوكربيرغ على سهولة فتح كايلي لحساب على المنصة.

وتمت مواجهة زوكربيرغ بوثيقة داخلية تقول إن انستغرام كان يملك أربعة ملايين مستخدم تحت سن 13 عاما في عام 2015، وهي الفترة التي استخدمت فيها المدعية التطبيق، وأن 30 في المائة من جميع الأطفال الذين تراوح أعمارهم بين 10 و 12 عاما أو «المراهقين» في الولايات المتحدة، كانوا مستخدمين.

وأكد زوكربيرغ «نحن في المكان المناسب الآن» عندما يتعلق الأمر بالتحقق من العمر.

ومن المتوقع أن تضع هذه القضية معيارا لحل آلاف الدعاوى القضائية التي تلقي باللوم على وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الاكتئاب والقلق واضطرابات الأكل والانتحار بين الشباب.

وتوصلت شركتا «تيك توك» و«سناب تشات» لتسوية مع المدعية قبل بدء المحاكمة.