التحقيق في انفجار المرفأ يهدد بتفجير الوضع السياسي بلبنان

عدم فتح دورة استثنائية للبرلمان يطلق يد القاضي البيطار في ملاحقة النواب

نصب تذكاري يمثل العدالة التي يطالب بتحقيقها ذوو ضحايا انفجار مرفأ بيروت في أغسطس 2020 (أ.ب)
نصب تذكاري يمثل العدالة التي يطالب بتحقيقها ذوو ضحايا انفجار مرفأ بيروت في أغسطس 2020 (أ.ب)
TT

التحقيق في انفجار المرفأ يهدد بتفجير الوضع السياسي بلبنان

نصب تذكاري يمثل العدالة التي يطالب بتحقيقها ذوو ضحايا انفجار مرفأ بيروت في أغسطس 2020 (أ.ب)
نصب تذكاري يمثل العدالة التي يطالب بتحقيقها ذوو ضحايا انفجار مرفأ بيروت في أغسطس 2020 (أ.ب)

يخشى مصدر سياسي لبناني بارز من أن يحاصر الغموض المرحلة السياسية التي تلي مثول حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، غداً (الاثنين)، أمام المجلس النيابي طلباً لمنحها الثقة على أساس البيان الوزاري الذي أعدته لمناقشته في الهيئة العامة، في حال امتنع رئيس الجمهورية ميشال عون عن فتح دورة استثنائية للمجلس النيابي، ما يتيح للمحقق العدلي في جريمة انفجار مرفأ بيروت، القاضي طارق البيطار، ملاحقة رئيس الحكومة السابق حسان دياب، والنواب علي حسن خليل ونهاد المشنوق وغازي زعيتر، والوزير السابق يوسف فنيانوس، بعد أن ادعى عليهم في ملف المرفأ.
ويقول المصدر السياسي لـ«الشرق الأوسط» إن القاضي البيطار يتذرع بأنه لا مشكلة تعيق ملاحقة هؤلاء لانتفاء الحاجة إلى رفع الحصانة عن النواب، طالما أن البرلمان لا يكون في حال انعقاد فور نيل حكومة ميقاتي ثقته، إلا إذا وافق الرئيس عون على طلب فتح دورة استثنائية تنتهي مدتها فور بدء العقد الثاني للبرلمان في أول ثلاثاء بعد الخامس عشر من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.
فامتناع عون عن فتح دورة استثنائية، بحسب المصدر نفسه، سيطلق العنان أمام إقحام البلد في اشتباك سياسي لا حدود له لأن مواصلة التحقيق في انفجار المرفأ من شأنه أن يؤدي إلى تفجير الوضع السياسي، وبالتالي استحضار العراقيل التي تعيق المهمة الإنقاذية للرئيس ميقاتي لأن الثقة التي منحها البرلمان لحكومته سرعان ما ستتلاشى إذا ما تصاعدت وتيرة الاشتباك، ودفعت باتجاه انقسام البرلمان بين داعم لموقف القاضي البيطار ومؤيد لوجهة نظر رئيس المجلس النيابي نبيه بري الذي يرفض مسعى القاضي.
ويؤكد المصدر أن بري «لن يكون وحيداً» في موقفه الذي يشدد على التزام المحقق العدلي بالدستور والقوانين في طلبه رفع الحصانة عن النواب، وصولاً إلى محاكمتهم أمام «المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء» (وليس أمام جهة قضائية أخرى)، ويلفت إلى أن «الارتياب المشروع حيال الملاحقات التي يصر عليها القاضي البيطار لا يأتي من فراغ، وإنما يقوم على تسييس التحقيق وتطييفه، باستهدافه فريقاً سياسياً معيناً دون الآخر، في محاولة لتوظيف المزايدات الشعبوية لتصفية حسابات رئيس التيار الوطني الحر، النائب جبران باسيل، مع خصومه من السياسيين، وأولهم الرئيس بري، وزعيم تيار (المستقبل) الرئيس سعد الحريري».
ويؤكد أن الاعتراض على المسار العام للتحقيق الذي يتبعه القاضي البيطار «لا يعني أبداً أنه يقف ضد جلاء الحقيقة، وتحديد الجهات -أكانت أمنية أم سياسية أم عسكرية- المسؤولة عن الانفجار غير المسبوق الذي دمر أجزاء واسعة من بيروت، وذهب ضحيته أكثر من 200 شخص، وآلاف الجرحى والمتضررين مادياً ومعنوياً من الزلزال الذي ضرب العاصمة، وإنما يدعو البيطار لاتباع الأصول الدستورية والقانونية، وعدم القفز فوقها بتغليفه التحقيق القضائي بأهداف سياسية لا تمت إليه بصلة»، حسب وصف المصدر.
ويقول المصدر السياسي نفسه إنه «لا اعتراض على رفع الحصانة عن المدعى عليهم من الوزراء السابقين الذين هم نواب الآن، ومعهم رئيس الحكومة السابق حسان دياب، شرط أن يصار إلى تعديل الدستور والقوانين أو تعليق العمل بها، على أن تبدأ بأكبر مسؤول في الدولة إلى أصغر موظف»، في إشارة إلى الرئيس عون الذي كان قد أُعلم بوجود «نيترات الأمونيوم» في مرفأ بيروت، ولم يطلب التدخل للتخلص منها.
ويسأل المصدر: «هل يكفي أن يبرر الرئيس عون عدم تدخله للتخلص منها بأنه لا صلاحية تسمح له بالتدخل؟ لقد كان قد شغل سابقاً منصب قيادة الجيش، وهو يتمتع بخبرات أمنية وعسكرية، كما أنه يتدخل بكل شاردة وواردة قافزاً فوق الصلاحيات المناطة بالوزراء والمديرين العامين، إضافة إلى أنه أحجم عن طرح هذه القضية على جدول أعمال المجلس الأعلى للدفاع الذي يرأسه مباشرة، وليس هناك من يمنعه عن الطلب من القادة الأمنيين والعسكريين من التخلص فوراً من نيترات الأمونيوم القابلة للانفجار». ويسأل المصدر نفسه كذلك عن الموانع التي أملت على القاضي البيطار الاكتفاء بالاستماع إلى أقوال عون بصفته شاهداً، بدلاً من أن يتعمق في التحقيق، خصوصاً أنه كان أول من أُعلم بوجود هذه المواد المتفجرة في المرفأ، مشيراً إلى أن التحقيق لم يتوصل إلى الإمساك بالتفاصيل كافة الخاصة بتحديد الجهة التي أحضرتها أو كانت وراء شحنها، ودور القضاء في هذا المجال، بدءاً بهيئة التشريع والقضايا في وزارة العدل، مروراً بقاضي الأمور المستعجلة، انتهاءً بعدد من الوزراء السابقين أسوة بزملائهم المدعى عليهم، وصولاً إلى تحديد المسؤول الذي أعطى أوامره بتخزينها في المرفأ.
ويعد المصدر «أن الانتقائية والاستنسابية هي التي ما زالت تعيق التعمُّق في التحقيقات العدلية، وكانت وراء تسييسها، ما أتاح لفريق سياسي التدخل للثأر من خصومه، وتحديداً بري والحريري، فيما أحجم عن استهداف (حزب الله) الذي كان أول من شن هجوماً، بلسان أمينه العام حسن نصر الله، ليس على تسييس التحقيق فحسب، وإنما على المحقق العدلي».
ويسأل عما إذا كان باسيل قد قرر «أن يفتح النار على الحريري وبري انطلاقاً من تقديره أن عون سيلاقيه في منتصف الطريق بامتناعه عن فتح دورة استثنائية، وماذا سيكون موقف ميقاتي في حال أدى التحقيق إلى تفجير الوضع السياسي؟ وهذا ما ينسحب أيضاً على (حزب الله) الذي كان أول من شكل رأس حربة في هجومه المباشر على التحقيق العدلي لافتقاده إلى الحيادية».
وليس واضحاً هل سيستجيب عون لرغبة باسيل أم يقرر التناغم مع «حزب الله»، بالموافقة على فتح دورة استثنائية للبرلمان، علماً بأن الاشتباك السياسي سيطل برأسه بالتزامن مع مثول الحكومة غداً أمام البرلمان، واستعداد عدد من المدعى عليهم للتقدُّم بدعوى «الارتياب المشروع» لقطع الطريق على ملاحقتهم.
وفي هذا السياق، علمت «الشرق الأوسط» أن دياب الموجود حالياً في الولايات المتحدة بعث برسالة بواسطة السفارة اللبنانية في واشنطن، يوكل فيها إلى أحد نقباء المحامين السابقين الدفاع عنه أمام القاضي البيطار، استباقاً لموعد استجوابه غداً، بناء على مذكرة الإحضار التي صدرت بحقه من دون أن يتبلغ بها شخصياً لوجوده خارج البلاد. وبحسب المعلومات المتوافرة، لن تبقى المواجهة بين البيطار والمدعى عليهم محصورة فيهم، وإنما ستنسحب على مواجهة ستكون على أشدها بين بري والمحقق العدلي، من دون تجاهل التوقيت الذي اختاره مفتي الجمهورية اللبنانية، الشيخ عبد اللطيف دريان، في اتصاله برئيس البرلمان تحت عنوان ضرورة تطبيق الدستور والقوانين، في إشارة مباشرة إلى موقفه المعارض لملاحقة دياب.
وعليه، فإن باسيل، بعد أن ضمن إعفاءه من العقوبات الأوروبية مستفيداً من استقباله سفيرة فرنسا لدى لبنان آن غريو، عاد إلى إطلاق النار على الحريري وبري، بذريعة أنهما كانا وراء إفشال «العهد القوي»، ومنعه من العمل، وترجمة ما تعهد به بالأفعال، بدلاً من الأقوال. لكن على باسيل أن يدرك منذ الآن -كما يقول المصدر السياسي- أنه «سيصطدم بحائط مسدود»، مضيفاً أن رئيس المجلس كان على حق عندما برر عدم انتخابه عون رئيساً للجمهورية بأنه لا يريد أن ينتخب رئيسين في آن معاً، في إشارة إلى باسيل الذي يتصرف -بموافقة عون- على أنه «رئيس الظل».



الحوثيون يخنقون «التربة»... وتعز تُقاوم حصارهم بالحياة

حي سكني في وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)
حي سكني في وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)
TT

الحوثيون يخنقون «التربة»... وتعز تُقاوم حصارهم بالحياة

حي سكني في وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)
حي سكني في وسط مدينة تعز التي يفرض عليها الحوثيون حصاراً مطبقاً (رويترز)

بين مدينتين تفصل بينهما خطوط النار جنوب غربي اليمن، تتجلى مفارقة معاكسة للمنطق التقليدي للحروب؛ حيث تحولت «التربة»، المدينة الخاضعة للسيطرة العسكرية الكاملة للحوثيين، إلى مساحة من الجمود والمقاطعة غير المعلنة، في حين تعيش تعز، المدينة الأخرى المحاصرة، حياة تقاوم كل الصعوبات.

ويعكس التباين بين مدينتي تعز التي يحاصرها الحوثيون من كل الاتجاهات، والتربة التي خضعت لسيطرة الجماعة منذ نحو شهر، مشهداً معقداً يلخص طبيعة الحرب والمقاومة المجتمعية؛ حيث يتجلى واقع اقتصادي واجتماعي متناقض تماماً بين المدينتين.

ففي مدينة التربة، يسود مشهد من الجمود الاقتصادي والرفض المجتمعي الحاد؛ ويرفض السكان المحليون تطبيع الأوضاع مع سلطة الجماعة، ما أدى إلى حالة مقاطعة شبه كاملة تجلّت في ركود غير مسبوق بالأسواق، وتراجع كبير في الحركة خلال ساعات النهار، والتي تتوقف تماماً خلال الليل، ليسود مكانها صمت مطبق.

وتلخص رحلة أحمد، وهو اسم مستعار لموظف عمومي يتنقل أسبوعياً بين تعز والتربة، هذا التناقض الحاد في المعيشة؛ حيث بات يعيش هاجس الخوف على أمنه الشخصي بمجرد مغادرته تعز، في حين ينهشه القلق الدائم على عائلته المستقرة تحت سلطة الحوثيين في التربة.

مدينة التربة تعيش حالة من الركود بعد نحو شهر من سيطرة الحوثيين عليها (فيسبوك)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن هذا الوضع يدفعه بجدية للتفكير في خيار نقل عائلته إلى تعز المحاصرة إذا ما طال أمد السيطرة الحوثية، مفضلاً قسوة الحصار المعيشي على العيش تحت وطأة القبضة الأمنية والجدار المجتمعي العازل هناك.

وفي حديثه عن تفاصيل هذا التحول، يروي كيف تبدلت ملامح إجازته الأسبوعية التي كان يقضيها برفقة عائلته وأصدقائه، «فالمنزل يغرق في توتر مستمر، وأطفاله الثلاثة باتوا محرومين من ارتياد مدارسهم، ويواجهون مستقبلاً تعليمياً مجهولاً»، في حين تلاشت الأجواء التي كان يقضيها ليلاً مع أصدقائه، سواء في المنازل أو المقاهي، بتوقف الحركة تماماً مع ساعات المغيب.

حياة لا تتوقف

في ظل هذه التطورات، جدد مكتب التربية والتعليم في محافظة تعز قراراً سابقاً بتعليق الدراسة في المدارس الحكومية والأهلية بالمديريات التي سيطرت عليها الجماعة الحوثية، محمّلاً مديري إدارات التربية والتعليم ومديري المدارس مسؤولية مخالفة التعليمات، بالتزامن مع دعوة اللجنة التربوية المجتمعية في مديريات الريف أولياء الأمور والإدارات المدرسية إلى الالتزام بالقرار حفاظاً على سلامة الطلاب.

لم تتراجع مظاهر الحياة في مدينة تعز رغم الحصار الحوثي واستهداف الأحياء السكنية (أ.ف.ب)

وحذّرت اللجنة من مخاطر استخدام المنشآت التعليمية لأغراض عسكرية كمخازن للأسلحة ومقار لتجمع ومبيت عناصر الجماعة، إلى جانب استقطاب الطلاب وتجنيدهم.

وعلى العكس تماماً، تبدي مدينة تعز المحاصرة مرونة استثنائية، واستمراراً لمظاهر الحياة اليومية، على الرغم من الحصار الخانق وأزمات السلع والخدمات، وضربات المدفعية والقنص اليومي التي تستهدف المدنيين، وتتحول إلى مركز جاذب يتحدى المخاطر الأمنية.

ويستغل كثير من سكان الأرياف توقف المعارك في بعض المنافذ للدخول إلى المدينة، على الرغم من المخاطر الشديدة التي تحيط بهم، في ظل سعي حوثي لخنق الحركة ودفع السكان لمغادرتها.

يقول صلاح أحمد غالب، مدير مكتب شؤون الحصار في تعز (هيئة حكومية) لـ«الشرق الأوسط»، إن سكان مدينة التربة وغيرها من المناطق التي وقعت مؤخراً تحت سيطرة الجماعة الحوثية يمارسون الاحتجاج المدني بالوسيلة التي يمتلكونها، وقد لجأوا إلى العصيان المدني غير المعلن.

حركة التنقل بين مدينة تعز وأريافها لم تتوقف رغم الحصار الحوثي وخنق الطرقات (أ.ف.ب)

وينوه في حديثه إلى أن كثيراً منهم أغلقوا محالهم أو أوقفوا أنشطتهم التجارية، خوفاً من تعرضهم للنهب وفرض الإتاوات من طرف الحوثيين، في حين لم تتأثر حركة التجارة والأسواق في مدينة تعز بسبب ثقة السكان بالدولة، رغم تراجع المعروض من السلع، وتأثر الأسعار بسبب الحصار.

تدابير حكومية

وتشهد مدينة تعز أنشطة مجتمعية متنوعة لمواجهة الحصار، يتجلّى أبرزها في المبادرات لتبادل وتشارك الأغذية والمنافع بين العائلات لتغطية النقص فيما بينها، ومساعدة العائلات التي لا تستطيع الحصول على الطعام.

ويؤكد عبد الرحمن القليعة، مدير «مكتب الصناعة والتجارة في تعز»، لـ«الشرق الأوسط» أن الحرب والحصار تسببا في كارثة إنسانية حقيقية ونقص حاد في تدفق السلع والوقود نتيجة إغلاق طرق الإمداد، ما دفع قطاعاً واسعاً من التجار إلى خفض استثماراتهم واللجوء للادخار بدلاً من الاستيراد نتيجة المخاطر المرتفعة.

محطة خيرية لتوزيع المياه على سكان أحياء في تعز التي حرمها الحوثيون من الخدمات والسلع (أ.ف.ب)

وكشف عن أن المكتب استشعر خطورة الوضع منذ مايو (أيار) الماضي، بالتزامن مع التوترات الإقليمية وإغلاق مضيق هرمز؛ حيث نجح بالتنسيق مع الغرفة التجارية وكبار التجار في تأمين مخزون سلعي يكفي لثلاثة أشهر، إلا أن الهلع الشعبي وإغلاق الحوثيين المنفذ الوحيد للمدينة استنزف 50 في المائة من هذا المخزون في أسبوع واحد.

وفرض المكتب حالة طوارئ استدعت تشكيل لجانٍ رقابية وغرفة عمليات على مدار الساعة لترشيد توزيع السلع بالأسعار الرسمية، وفقاً للمسؤول الحكومي، إلى جانب تعاون البيوت التجارية بضخ كميات غذائية إضافية عبر وكلائها، ما أعاد الاستقرار التمويني نسبياً للمدينة المحاصرة.

إلا أنه حذّر من أن كل هذه التدابير تظل مؤقتة وعاجزة عن تقديم حل مستدام ما لم يتم كسر الحصار الحوثي.

ويبدي السكان مخاوفهم من تصعيد الجماعة الحوثية إجراءاتها ضد المدينة، وتحويل المنافذ إلى مصائد لاختطاف المتنقلين عبرها.


550 مدرسة أهلية في صنعاء تحت ضغط التجنيد الحوثي

الحوثيون يواصلون تجنيد الأطفال وتحويل المدارس إلى مراكز للتدريب (إعلام محلي)
الحوثيون يواصلون تجنيد الأطفال وتحويل المدارس إلى مراكز للتدريب (إعلام محلي)
TT

550 مدرسة أهلية في صنعاء تحت ضغط التجنيد الحوثي

الحوثيون يواصلون تجنيد الأطفال وتحويل المدارس إلى مراكز للتدريب (إعلام محلي)
الحوثيون يواصلون تجنيد الأطفال وتحويل المدارس إلى مراكز للتدريب (إعلام محلي)

صعّدت الميليشيات الحوثية حملات استقطاب وتجنيد طلاب المدارس الأهلية في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، مستغلة المؤسسات التعليمية لرفد جبهات القتال بمقاتلين جدد وتعويض خسائرها البشرية المتواصلة، عبر إجبار الطلبة على الالتحاق بالدورات العسكرية وتهديد إدارات المدارس بالإغلاق وفرض الغرامات والعقوبات.

وقالت مصادر تربوية في صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تُسمى «الدائرة الجهادية» التابعة للجماعة، بالتنسيق مع وزارة التربية في حكومتها غير المعترف بها، أطلقت خلال الأيام الأخيرة حملة تستهدف أكثر من 550 مدرسة أهلية بصنعاء وضواحيها، في تصعيد جديد لاستغلال القطاع التعليمي لأجندتها العسكرية والتعبوية.

وأضافت المصادر أن مشرفين حوثيين نفّذوا، منذ أيام، نزولات ميدانية إلى مدارس في عشر مديريات بصنعاء، وألزموا إداراتها باختيار خمسة طلاب من كل مدرسة وإلحاقهم بدورات عسكرية، ملوّحين بإغلاق المؤسسات التعليمية وفرض إجراءات عقابية وغرامات بحق الرافضين الانصياع للتوجيهات.

طفل يمني يحمل سلاحه خلال تجمع لمقاتلين جدد للحوثيين في صنعاء (أ.ف.ب)

وأثار هذا الاستهداف الحوثي حالة من الغضب والقلق بين المعلمين والطلاب وأولياء الأمور، الذين يرون ذلك امتداداً لسياسات الجماعة الرامية إلى تفريغ العملية التعليمية من مضمونها، بعد سنوات من إخضاع المناهج والأنشطة المدرسية للتعبئة الأيديولوجية وتسخير المؤسسات التعليمية لخدمة مشروعها العسكري.

دورات بالإكراه

قال أولياء أمور، تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، إن أبناءهم اقتيدوا من داخل الفصول الدراسية، من دون علم أسرهم، إلى مواقع غير معلومة، حيث يُخضعون لدورات تعبئة فكرية وتدريبات عسكرية، الأمر الذي عزز مخاوفهم من أن تكون هذه الأنشطة مقدمة لتجنيد الطلاب والزج بهم في الجبهات.

ودفعت هذه المخاوف أسراً إلى منع أبنائها من الذهاب إلى المدارس المستهدفة، خشية تعرضهم للاستقطاب القسري، بينما شهدت مدارس أهلية تراجعاً في الحضور، وسط قلق متصاعد من استمرار الضغوط والمداهمات الحوثية وتحويل المؤسسات التعليمية إلى منافذ لتجنيد الطلاب بدلاً من تأهيلهم علمياً.

الحوثيون يدفعون العائلات للفخر بأبنائها بوصفهم مقاتلين أو ضحايا (غيتي)

ويقول عبد الله، وهو والد أربعة طلاب من منطقة معين وسط صنعاء، إنه اضطر إلى إبقاء اثنين من أبنائه، في المرحلتين الإعدادية والثانوية، في المنزل خشية إخضاعهما للتجنيد، بعد أن فقد الثقة بقدرة إدارة المدرسة على حمايتهما من الضغوط الحوثية، ليجد نفسه أمام خيار قاسٍ بين حرمانهما من مواصلة التعليم أو المخاطرة باستقطابهما عسكرياً، مُشيراً إلى أن غالبية الأسر باتت تخشى إرسال أبنائها إلى المدارس بعدما تحولت، بحسب وصفه، إلى منافذ لاستقطاب الطلاب وإخضاعهم للتعبئة العسكرية.

وأضاف: «أرسلنا أبناءنا إلى المدارس ليتعلموا ويبْنوا مستقبلهم، لا ليُدفعوا إلى الدورات العسكرية وجبهات القتال»، مُبيناً أن سلوك الجماعة لم يعد يقتصر على فرض توجهاتها على المناهج والأنشطة المدرسية، بل امتد إلى الضغط على الإدارات لاختيار الطلاب وتسليمهم للجهات المشرفة على الدورات القتالية.

ضغوط على المدارس

يقول أحد المعلمين في مدرسة أهلية بمنطقة السبعين جنوب صنعاء، طالباً إخفاء اسمه، إن إدارات المدارس الخاصة بصنعاء وضواحيها تواجه حالياً ضغوطاً متزايدة من مشرفي الجماعة الثقافيين لتنفيذ توجيهات تستقطب الطلاب وتُلحقهم في الدورات العسكرية، على حساب التحصيل العلمي.

وأضاف أن أنشطة التعبئة باتت تزاحم العملية التعليمية، بينما يتردد المعلمون في الاعتراض على هذه الممارسات خشية التعرض للتهديد أو العقوبات، في ظل إحكام الميليشيات قبضتها على المؤسسات التعليمية وإخضاع إداراتها لتوجيهاتها.

الميليشيات الحوثية ألزمت مدارس في صنعاء ببرامج طائفية والحشد للقتال (إكس)

وأكد أن المدارس التي يُفترض أن توفر بيئة آمنة للتعلم وبناء المستقبل أصبحت تواجه تدخلاً متزايداً في شؤونها، مع تصاعد الضغوط الرامية إلى انتزاع الطلاب من مقاعد الدراسة وإشراكهم في أنشطة لا تمت إلى التعليم بصلة.

وتزامنت هذه التحركات الحوثية مع استمرار تدهور العملية التعليمية في مناطق سيطرة الجماعة، حيث يعاني عشرات الآلاف من المعلمين والتربويين من انقطاع الرواتب منذ سنوات، في ظل سياسات فاقمت الأوضاع المعيشية وأضعفت قدرة المدارس على أداء دورها التعليمي والتربوي.


الحوثيون يضغطون على جبهات القتال بقصف التجمعات السكانية

آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
TT

الحوثيون يضغطون على جبهات القتال بقصف التجمعات السكانية

آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)

اتسعت التداعيات الإنسانية للتصعيد الحوثي في اليمن مع تكثيف الجماعة استهداف التجمعات السكنية في ريف محافظة لحج ومحيط مدينة تعز، وفق مصادر حكومية، في وقت تزداد فيه أعداد الأسر الفارة من مناطق المواجهات، وتواجه فيه المنظمات الإغاثية احتياجات متنامية في بلد يعاني بالفعل من واحدة من أوسع الأزمات الإنسانية.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن الحوثيين كثفوا، بعد تعثر محاولاتهم تحقيق تقدم ميداني، استهداف القرى في مديرية المضاربة التابعة لمحافظة لحج بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بصورة شبه يومية، ما أجبر مئات الأسر على الفرار والانضمام إلى موجات نزوح آتية من الساحل الغربي وأطراف لحج.

وأضافت أن هذه الهجمات تستهدف، حسب تقديرها، الضغط على رجال القبائل ودفعهم إلى التوقف عن مساندة القوات الحكومية.

وفي محيط مدينة تعز، أفادت المصادر بأن الحوثيين استهدفوا قرى في جبل صبر بالطائرات المسيّرة وقذائف الهاون، في محاولة للحد من مقاومة وحدات القوات الحكومية والمتطوعين من السكان، الذين تصدوا خلال الأيام الماضية لهجمات متكررة سعت الجماعة من خلالها إلى اختراق الجبهة.

طفلة مصابة جراء قصف الحوثيين ترقد في مستشفى بمدينة تعز (رويترز)

وتأتي هذه التطورات بينما تواجه تعز، وفق المصادر، حصاراً مستمراً منذ 20 يوماً، في وقت يفاقم فيه القتال صعوبة وصول المدنيين إلى الخدمات والاحتياجات الأساسية، ويزيد الأعباء على السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية.

تحذيرات إنسانية

على وقع التداعيات الإنسانية للهجمات الحوثية، حذّر الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر من أن التصعيد الراهن فاقم أزمة إنسانية ممتدة، مشيراً إلى أن 22.3 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 5.2 مليون كانوا نازحين داخلياً قبل موجة التصعيد الأخيرة.

وأوضح الاتحاد، في تقرير حديث، أن القتال وانعدام الأمن أعاقا الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم والأسواق والإمدادات الأساسية، بينما تصل الأسر النازحة إلى مناطق الاستقبال بممتلكات محدودة، وتحتاج إلى المأوى والأدوات المنزلية والغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية.

فارون من التصعيد الحوثي يعيشون في مواقع تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة (إعلام محلي)

وأشار إلى أن المجتمعات المضيفة تواجه بدورها ضغوطاً كبيرة على الخدمات والموارد، في حين يؤدي تكرر النزوح إلى تدهور سبل العيش وارتفاع مخاطر الحماية، ويزيد احتمالات اضطرار مزيد من الأسر إلى مغادرة مناطقها.

وشدد الاتحاد على ضرورة استمرار وصول المساعدات الإنسانية وتوفير استجابة مرنة تتناسب مع تغير الاحتياجات الميدانية، خصوصاً في المناطق التي تعيق فيها الظروف الأمنية حركة السكان والإمدادات.

ووفق التقرير، تواجه الأسر النازحة عوائق متداخلة في الحصول على المأوى والغذاء والمياه النظيفة والصرف الصحي والتعليم والرعاية الصحية. كما يؤدي انعدام الأمن وإغلاق الطرق إلى تعطيل الأسواق وخطوط الإمداد وعمليات إيصال المساعدات، بينما يحد فقدان مصادر الدخل واستنزاف الأصول وارتفاع الأسعار من قدرة الأسر على شراء احتياجاتها الأساسية.

ولفت الاتحاد إلى أن المجتمعات المعزولة تواجه قيوداً أشد، إذ يصبح الحفاظ على الإمدادات التجارية واستمرار الخدمات الأساسية أكثر صعوبة، في وقت يفاقم فيه انعدام الأمن الغذائي هشاشة الأسر التي تعاني أصلاً من نقص الغذاء.

مع استمرار التصعيد الحوثي يتواصل تدفق النازحين إلى مناطق سيطرة الحكومة (إعلام محلي)

وفي مؤشر على حجم الأزمة، ذكر التقرير أن نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد على مستوى البلاد، محذراً من أن استمرار الحصار وانقطاع المساعدات قد يزيدان تدهور الأوضاع، خصوصاً بين الأطفال الصغار والنساء الحوامل والمرضعات.

وأضاف أن النزوح المتكرر يستنزف قدرة الأسر على التكيف مع الأزمات. وأظهر تقييم سريع أُجري في ثلاثة مواقع للنزوح أن نحو 45 في المائة من الأسر التي شملها التقييم سبق أن تعرضت للنزوح.

وأكد التقرير أن هذه النسبة تعكس أوضاع الأسر التي شملها التقييم في المواقع الثلاثة، ولا ينبغي تعميمها على جميع النازحين في اليمن.

مخاطر إضافية

في سياق المخاوف الإنسانية، حذر الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر من أن خسارة الممتلكات وعدم استقرار سبل العيش يقوضان قدرة الأسر على مواجهة الأزمات، ويزيدان مخاطر لجوئها إلى وسائل تكيف ضارة، من بينها عمالة الأطفال.

وأشار إلى أن المعاناة تتجاوز نقص الغذاء والمأوى، لتشمل صعوبات إضافية تواجه الأسر التي تعيلها نساء، والأطفال المنفصلين عن ذويهم، وكبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة، والمرضى الذين يحتاجون إلى علاج منتظم.

الحوثيون يستهدفون القرى السكنية للضغط على القوات الحكومية (إعلام محلي)

كما تواجه النساء والفتيات مخاطر حماية إضافية في المناطق التي تفتقر إلى المأوى الملائم ومرافق الصرف الصحي، بينما قد يعجز الأشخاص ذوو القدرة المحدودة على الحركة أو الموارد عن مغادرة المناطق المعزولة أو الوصول إلى الخدمات الأساسية.

وتعكس هذه التحذيرات اتساع الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية والقدرة على تلبيتها، مع استمرار المواجهات وتكرر النزوح وتعطل الطرق والإمدادات، وهي عوامل تزيد هشاشة الأسر، وتضع المجتمعات المستقبلة للنازحين أمام أعباء إضافية.