غينيا... بين اختبار الانتقال السياسي و«الأطماع الدولية»

بعد الإطاحة بالرئيس ألفا كوندي

غينيا... بين اختبار الانتقال السياسي و«الأطماع الدولية»
TT

غينيا... بين اختبار الانتقال السياسي و«الأطماع الدولية»

غينيا... بين اختبار الانتقال السياسي و«الأطماع الدولية»

كانت انتخابات عام 2010 علامة مميزة في تاريخ غينيا، إذ علّق كثيرون آمالهم عليها باعتبارها نهاية لفترة الحكم السلطوي والانقلابات العسكرية في البلاد، وبداية لحكم ديمقراطي مدني. ويومذاك، فاز بالمعركة الانتخابية المرشح المعارض ألفا كوندي، وحمله انتصاره إلى سدة الحكم ليغدو أول رئيس منتخب ديمقراطياً في تاريخ المستعمرة الفرنسية السابقة. إلا أن كوندي خيّب الآمال بعدما قرر البقاء في السلطة، وعدّل الدستور كي يتاح له تولي الرئاسة لفترة أخرى، وهذا الأمر أثار موجة من العنف والمظاهرات في شوارع العاصمة كوناكري ومهّد – وفق مراقبين - لمصير كوندي «المحتوم»، الذي أطيح به قبل أيام، في انقلاب عسكري أعلنته مجموعة من الجنود خلال بيان تلفزيوني، أكدوا فيه أن «كوندي ما كان ليتخلى عن السلطة بطريقة أخرى».

صباح 5 سبتمبر (أيلول) الجاري، استيقظت جمهورية غينيا، في غرب أفريقيا، على مشهد لمجموعة من الجنود المسلحين وهم يجلسون حول طاولة، معلنين الإطاحة بالرئيس ألفا كوندي وحل الدستور. وقال قائد القوات الخاصة اللفتنانت كولونيل مامادي دومبويا: «لقد قررنا بعد القبض على الرئيس، الذي بات حالياً في أيدينا، حل الدستور الساري المفعول، ومعه حل المؤسسات الحكومة، وإغلاق الحدود البرية والجوية». وأشار دومبويا إلى أن «عملية الإطاحة بكوندي جاءت نتيجة لسوء الإدارة المالية والفقر والفساد المستشري وانتهاك حقوق المواطنين»، معلناً سعي المجموعة الانقلابية إلى «إعادة السياسة للشعب».
وبعدها ظهر كوندي في شريط فيديو بثّه قادة الانقلاب لتأكيد القبض عليه، وبدا الرئيس المطاح به في الشريط جالساً على أريكة ومرتدياً سروالاً جينز وقميصاً، ولوحظ أنه رفض الإجابة عن سؤال حول ما إذا كان قد تعرض لسوء المعاملة أم لا.
مع هذا الانقلاب تدخل غينيا، وفقاً لمراقبين، في حالة من الاضطراب السياسي والاقتصادي، قد تسرع من وتيرة الصراعات الاقتصادية الخفية بين القوى الغربية على ثروات دول القارة السمراء، وتلقي بظلالها على الغرب الأفريقي الذي يبدو أن «عدوى الانقلابات» بدأت تجتاحه، في أعقاب ما حدث في كل من مالي وتشاد.
- ردود الفعل الخارجية
لم يحظَ الانقلاب حتى الآن بقبول دولي معلن، إذ أدانت الولايات المتحدة الأميركية، الأحداث في كوناكري. وقالت وزارة الخارجية الأميركية، في بيان صحافي، عقب الانقلاب، إن «العنف وأي إجراءات خارجة عن الدستور لن تؤدي إلا إلى تراجع فرص غينيا في السلام والاستقرار والازدهار، وأن هذه الإجراءات يمكن أن تحدّ من قدرة الولايات المتحدة وشركاء غينيا الدوليين الآخرين على دعم البلاد، وهي تتجه نحو الوحدة الوطنية ومستقبل أكثر إشراقاً للشعب الغيني».
بدوره، علّق الاتحاد الأفريقي، في بيان صحافي، جاء فيه أن «الرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي فيليكس تشيسيكيدي ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي موسى فقي محمد يدينان أي استيلاء على السلطة بالقوة ويدعوان إلى الإفراج الفوري عن الرئيس كوندي». وطالبت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا «إيكواس»، في بيان صحافي، بـ«عودة النظام الدستوري في غينيا، وإطلاق سراح كوندي»، مهددة بـ«فرض عقوبات على البلاد». كذلك دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى الإفراج عن الرئيس الغيني المعزول، وقال، في تغريدة عبر حسابه الرسمي على «تويتر»، إنه «يدين بشدة أي استيلاء على الحكومة بقوة السلاح».
غير أن الوضع داخل غينيا كان مختلفاً، خاصة بعد شهور من التوتر السياسي والاقتصادي في البلاد، على خلفية الانتخابات الأخيرة وتأثيرات جائحة «كوفيد – 19»، فقد تناقل الإعلام مشاهد لمواطنين في العاصمة الغينية كوناكري وهم يحتفلون بالإطاحة بكوندي، هاتفين «حرية... حرية». وأعلن سيلو دالين ديالو، رئيس الوزراء الغيني السابق، ومنافس كوندي في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، عن دعم «الاتحاد الوطني للتناوب الديمقراطي»، وهو ائتلاف معارض يقوده ديالو، لما وصفه بـ«محاولة بناء ديمقراطية جديدة في غينيا». كما أعلن حزب ديالو، «اتحاد القوى الديمقراطية في غينيا»، استعادة مقره ومكاتبه في ضواحي كوناكري، التي كانت قد أغلقت عقب فوز كوندي بولاية ثالثة نهاية العام الماضي.

- تطورات الأحداث
ثمة إجماع بين المتابعين على أن الانقلاب العسكري في غينيا ما كان مفاجئاً، بل هو نتيجة طبيعية لتطورات الأحداث في هذه البلاد الغنية بثرواتها المعدنية والمنجمية، التي شهدت حالة من التوتر السياسي منذ استقلالها عن فرنسا عام 1958. فقد توالت عليها أنظمة حكم تسلطية، وشهدت صراعات دموية وقمعاً للمعارضة، بحسب تقارير المنظمات غير الحكومية، التي اتهمت نظام حكم كوندي بـ«ممارسة سياسة قمعية ضد معارضيه».
البعض فسّر الانقلاب في البداية بأنه «رد فعل على محاولة إقصاء دومبويا قائد القوات الخاصة، في أعقاب حالة من التنافس داخل القوات المسلحة الغينية». غير أن آخرين حمّلوا كوندي مسؤولية حالتي الاضطراب والتوتر في البلاد، بسبب «ممارساته القمعية ضد المعارضين وقادة المجتمع المدني، التي تكللت بافتعاله أزمة دستورية في مارس (آذار) 2020». وكذلك لـ«دعوته للاستفتاء على تعديل الدستور بحجة العمل على تحديث المؤسسات وتعزيز مكانة النساء والشباب». وهذا التعديل وصفته قوى المعارضة بـ«الانقلاب الدستوري»، بعدما سمحت بنوده - التي أقرت في استفتاء شعبي خلال مايو (أيار) 2020 - لكوندي بالترشح لفترة ولاية ثالثة. وهو ما حدث بالفعل، وتلى ذلك إعلان فوزه بالانتخابات الرئاسية في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، متغلباً على منافسه ديالو وسط اتهامات بـ«قمع المعارضة وتزوير الانتخابات».
ويعتقد المراقبون أن هذه الانتخابات الأخيرة هي السبب الموضوعي للانقلاب على حكم كوندي، لكونها فاقمت «حالة الاحتقان السياسي والتوتر الشديد بين كوندي والمعارضة»، التي نتج عنها اشتباكات عنيفة على مدار الشهور الماضية، ما خلّف عشرات القتلى، وأدى إلى اعتقال المعارضين. وهنا تقول الدكتورة أماني الطويل، مديرة البرنامج الأفريقي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية في مصر، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الانقلاب نتيجة متوقعة لحالة الاضطراب السياسي في غينيا في أعقاب انقلاب كوندي على الدستور».
الشيء نفسه يؤكده وليد وفيق، الكاتب السياسي المصري المهتم بشؤون المنطقة العربية والشرق الأوسط وأفريقيا، في مقال نشره موقع «قراءات أفريقية». إذ قال وفيق: «كوندي عدّل الدستور من أجل الترشح لولاية ثالثة، وبالتالي فإن الرأي العام في البلاد يعتبره رئيساً غير شرعي، بما يهدد مبادئ الديمقراطية في تداول السلطة».
من ناحية ثانية، ترى الطويل أن الانقلاب يفتح الأفق السياسي في البلاد، منتجاً «حالة من الانفراج السياسي، بعد فترة حكم شهدت ممارسات قمعية ضد المجتمع المدني والمعارضة، هدفها تمكين كوندي من تمرير التعديلات الدستورية التي تسمح له بالبقاء في السلطة، إلا أن أفق هذه الانفراجة السياسية ما زالت غير واضحة». وفي هذا السياق، تعهّد قادة الانقلاب بإطلاق سراح المعارضين الذين اعتقلهم نظام كوندي. وقال دومبويا، الذي نصب نفسه رئيساً لـ«اللجنة الوطنية للتجمع والتنمية»، إنه «سيشكل حكومة وحدة وطنية لقيادة عملية الانتقال السياسي في البلاد»، كما تعهّد بعقد «مشاورات مع القوى الوطنية لوضع الخطوط العريضة للانتقال السياسي».
وهنا تجدر الإشارة إلى أن غينيا تصنف بين الدول الأكثر فقراً في العالم، رغم ثرواتها المعدنية واحتياطاتها المنجمية الهائلة التي تتنافس عليها دول العالم. وبجانب كونها من الدول التي تشهد مستويات عالية من الفساد، عانت غينيا في الفترة الأخيرة من تدهور اقتصادي جراء جائحة «كوفيد – 19». ويرى المراقبون أن «حالة التردي الاقتصادي كانت أحد الأسباب الدافعة للانقلاب على كوندي، وربما كانت مبرراً لفرحة الشعب ودعمه لقادة الانقلاب». وهنا يؤكد وفيق أن «غينيا شهدت حالة من التردي الاقتصادي كان لها أثر كبير في حالة السخط العام في البلاد، وتدخل السلطة في القضاء، ومحاولة السيطرة على مناحي الحياة العامة والاجتماعية، وهو ما دفع قائد الانقلاب للسيطرة على السلطة، مع وعود بتنظيم الحياة السياسية الغينية».

- تنافس دولي محموم
تاريخياً، خضعت غينيا، الواقعة في غرب أفريقيا، للاستعمار الفرنسي منذ عام 1891، وهو العام الذي أعلنت فيها فرنسا غينيا «مستعمرة مستقلة» منفصلة عن السنغال. ولكن، رغم استقلال البلاد عن فرنسا عام 1958 ما زال النفوذ الفرنسي حاضراً فيها بقوة، وفق المتابعين الذين يعتقدون أن «الانقلاب الأخير قد يكون من صنع فرنسا». وتوضح الدكتورة الطويل إن «قائد الانقلاب عسكري موالٍ لفرنسا، وهو ما يعطي انطباعاً بأن الانقلاب أُعد بهندسة فرنسية. ويبدو أن كوندي، الذي كان مدعوماً من فرنسا في السابق، استنزف دوره أخيراً وتسبب في حالة من الاحتقان السياسي في بلد مهم بالنسبة لفرنسا». ثم تشير إلى أنه «على ما يبدو، جاءت التعديلات الدستورية الأخيرة في غينيا ضد الرغبة الفرنسية، وربما لذلك حركت باريس الانقلاب لضمان وجود نخب سياسية موالية لها في الحكم».
وفي هذا السياق، يذكر وليد وفيق أنه معروف تاريخياً أن «الغرب، وتحديداً فرنسا، كان وراء العديد من الانقلابات العسكرية في أفريقيا، إذ من المستحيل حدوث انقلاب عسكري في أفريقيا من دون أن تكون هناك مساندة غربية له». وبالمناسبة، سبق لقائد الانقلاب الجديد مامادي دومبويا أن خدم في «الفيلق الأجنبي» الفرنسي لعدة سنوات، وشارك في مهمات في أفغانستان وساحل العاج وجيبوتي وجمهورية أفريقيا الوسطى، وغيرها. ثم إنه حصل على تدريب النخبة العسكرية في السنغال والغابون وفرنسا. وبعد سنوات من خدمته في «الفيلق الأجنبي» الفرنسي طلب كوندي منه العودة إلى غينيا، حيث أسس «القوات الخاصة» عام 2018.
في المقابل، يعتبر الدكتور صالح أبو بكر، أستاذ العلوم السياسية ورئيس مركز البحوث والدراسات الإقليمية في تشاد، خلال حوار مع «الشرق الأوسط»، أن «الأمر لا يقتصر على النفوذ الفرنسي في البلاد، ومحاولة باريس السيطرة على موارد غينيا الاقتصادية، إذ إن الصورة الأعم هي صورة صراع دولي على غينيا بين القوى التقليدية المهيمنة منذ زمن بعيد على القارة الأفريقية، ومنافساتها القوى العالمية الجديدة الصاعدة». ويضيف أبو بكر أن «الانقلاب الأخير هو نتاج لتنافس اقتصادي في منطقة الغرب الأفريقي بين القوى الجديدة مثل روسيا والصين، والفاعلين القدامى كفرنسا».
وبالفعل يرى كثيرون في الانقلاب العسكري – سواءً في غينيا أو غيرها من دول غرب أفريقيا - صورة من صور الصراع والمنافسة الدولية، ومحاولة لحماية المصالح الغربية في أفريقيا بوجه تزايد النفوذين الصيني والروسي. وحول هذه النقطة يوافق وليد وفيق قائلاً إن «الدول التقليدية التي تعتمد في اقتصادها على أفريقيا، حريصة على أن تضع كل ثقلها خلف ضباط يعملون لمصلحتها بين مَن تكونهم ومن ثم تعتمد عليهم... وما حدث أخيراً هو صورة من صور الصراع بين القوى التقليدية الغربية في أفريقيا، والقوى الجديدة الممثلة في روسيا والصين». وفي سياق ذي صلة، نقل موقع «روسيا اليوم» مقالة كتبتها ايكاتيرينا بوستنيكوفا في صحيفة «إزفيستيا» الروسية تحت عنوان «لماذا تشعر روسيا بالقلق من الانقلاب في غينيا؟». وفي المقالة تقول الكاتبة إن «روسيا تأمل ألا يؤثر الانقلاب العسكري في غينيا على علاقاتها معها».
في أي حال، يعتقد بعض المتابعين أن المجتمع الدولي قد يقبل بنتائج الانقلاب العسكري في غينيا، على غرار ما حدث في مالي وتشاد، خاصة مع تغيير اسم مجموعة الانقلاب ليصبح «التجمع الوطني للتنمية»، ومغازلة قادة الانقلاب للقوى المدنية في غينيا، التي سارعت بدعمه، وعلى رأسها ديالو - المنافس السابق لكوندي - إضافة إلى مغازلة الرأي العام الداخلي بالحديث عن مكافحة الفساد، واحتواء القوى الوطنية، والإفراج عن المعارضة.
ولكن في الحصيلة النهائية، لا بد من وعي حقيقة أن الصراع الاقتصادي الدولي على غينيا يتركز في ثرواتها المعدنية. إذ تمتلك غينيا ثروة تعدينية منجمية مهمة. وهي راهناً ثالث أكبر منتج للبوكسايت (خام الألومنيوم) في العالم بعد أستراليا والصين، لكنها تتصدر قائمة أكبر احتياطيات العالم منه على الإطلاق. ولقد ظهرت أهميتها الاستثنائية في أعقاب الانقلاب الأخير، حين ارتفعت أسعار الألومنيوم في الأسواق العالمية إلى أعلى مستوياتها منذ أكثر من 10 سنوات، وهو ما أثار مخاوف المستثمرين بشأن استقرار إمداداته عالمياً.



جدل في نيجيريا بعد ضربة جوية استهدفت سوقاً شعبية

ضحايا الضربة الجوية للسوق المحلية في مدينة جيلي الواقعة بولاية بورنو السبت الماضي (أ.ب)
ضحايا الضربة الجوية للسوق المحلية في مدينة جيلي الواقعة بولاية بورنو السبت الماضي (أ.ب)
TT

جدل في نيجيريا بعد ضربة جوية استهدفت سوقاً شعبية

ضحايا الضربة الجوية للسوق المحلية في مدينة جيلي الواقعة بولاية بورنو السبت الماضي (أ.ب)
ضحايا الضربة الجوية للسوق المحلية في مدينة جيلي الواقعة بولاية بورنو السبت الماضي (أ.ب)

نفت حكومة نيجيريا استهداف المدنيين خلال قصف جوي لإحدى الأسواق شمال شرقي البلاد، مشيرة إلى أن السوق تحولت «قاعدة لوجيستية» للجماعات الإرهابية في المنطقة، وخاصة تنظيم «داعش في غرب أفريقيا» وجماعة «بوكو حرام».

ويحتدم الجدل في نيجيريا منذ استهداف السوق المحلية في مدينة جيلي، الواقعة بولاية بورنو، السبت الماضي، بضربة جوية أسفرت عن مقتل أكثر من 100 شخصٍ، بينهم مدنيون، حسب تقارير غير رسمية، في حين ارتفعت مطالب بفتح تحقيق في سقوط ضحايا أبرياء خلال العملية العسكرية.

مصابون يتلقون العلاج بعد تعرض السوق المحلية في مدينة جيلي الواقعة بولاية بورنو لضربة جوية أسفرت عن مقتل أكثر من 100 شخصٍ (أ.ب)

وفي أول بيان رسمي، قالت الحكومة، الأربعاء، إن الضربة الجوية على سوق جيلي كانت «متعمدة وليست عشوائية»، وأضافت أن الضربة «استهدفت مواقع إرهابية مؤكدة، بناءً على معلومات استخباراتية، وليست هجوماً عشوائياً»، مشيرة إلى أن السوق كانت «أحد أشهر الممرات الإرهابية في البلاد».

وجاء في البيان الموقّع من طرف وزير الإعلام محمد إدريس: «تم تصنيف جيلي منطقةً عالية الخطورة، مع وجود توجيهات أمنية واضحة تقيد وجود المدنيين»، ولكنه أضاف أن «كل حياة نيجيرية مقدسة، وأي خسارة في أرواح المدنيين مؤسفة للغاية».

رجال شرطة ومواطنون بمكان هجوم مسلح في جوس عاصمة ولاية بلاتو النيجيرية (رويترز)

وأوضحت الحكومة أن السوق المستهدفة كانت تعرف محلياً باسم «سوق الإرهابيين»، وظلت لفترة طويلة تحت سيطرة المجموعات الإرهابية، وكانت تخضع منذ فترة لمراقبة استخباراتية دقيقة وعمليات استطلاع مكثفة.

وأكدت الحكومة أن «عناصر من (داعش) و(بوكو حرام) كانوا يستخدمون المنطقة لفرض الإتاوات، وشراء الإمدادات، وتنسيق الهجمات»، وأضافت: «تعزز هذا التقييم في 12 أبريل (نيسان) 2026، عندما ألقت القوات القبض على شخص يبلغ من العمر 15 عاماً تابع لتنظيم (داعش) يُدعى تيجاني في نغامدو، حيث اعترف بنقل الأموال والإمدادات بين جيلي ومواقع أخرى؛ ما يبرز عمق النشاط الإرهابي في المنطقة واستغلال المدنيين، بمن فيهم القُصّر».

الرئيس النيجيري بولا أحمد تينوبو لدى حضوره مهرجاناً للصيد تزامناً مع تدهور الوضع الأمني (إ.ب.أ)

وأعلنت الحكومة فتح «تحقيق مستقل» في العملية العسكرية، مشيرة إلى أنه «سيشمل مراجعة المعلومات الاستخباراتية، وآليات تحديد الأهداف، وتنفيذ العملية، وسنعالج أي ثغرات ونضمن المساءلة عند الحاجة». وخلصت الحكومة النيجيرية إلى التأكيد على أن «حماية أرواح المدنيين تظل التزاماً أساسياً للقوات المسلحة».

مواقف متباينة

أثارت الضربة جدلاً في نيجيريا، حيث تباينت منها المواقف، خاصة حين تحدثت تقارير إعلامية عن استهداف سوق مزدحمة بالمدنيين عن طريق الخطأ، وسط مطالب بحماية المدنيين من الإرهاب ولكن أيضاً خلال العمليات العسكرية.

القائد السابق للجيش، الفريق أول المتقاعد توكور بوراتاي، وصف الغارة الجوية على سوق جيلي بأنها ضربة ضرورية لمعقل إرهابي، ورفض أي اتهام للجيش باستهداف المدنيين، وأضاف: «أشيد هُنا بالقوات الجوية والاستخبارات على الشجاعة والاحترافية في هذه العملية».

أرشيفية لمركبة تابعة للصليب الأحمر النيجيري بموقع هجوم مسلح أسفر عن مقتل عدد من الأشخاص في ولاية بلاتو نهاية مارس الماضي (رويترز)

من جانبه، دعا الرئيس السابق لمجلس الشيوخ أحمد لاوان إلى فتح تحقيق فوري ومستقل في الغارة الجوية، وأضاف: «رغم تقديري للتضحيات الكبيرة التي تقدمها قواتنا المسلحة وتعقيدات التمييز بين المقاتلين والمدنيين في مناطق النزاع، فإن حجم هذه المأساة يفرض علينا طرح أسئلة صعبة، لكنها ضرورية». وحذّر من أن «الحرب على الإرهاب لا ينبغي أن تكون على حساب أرواح المدنيين»، داعياً إلى اعتماد استراتيجيات أكثر دقة واعتماداً على الاستخبارات. وقال: «يجب ألا نسمح أبداً للحرب على الإرهاب بأن تُفقدنا الإحساس بحرمة حياة الإنسان البريء».

الرئاسة تدافع

أمام تصاعد وتيرة الهجمات الإرهابية عقد الرئيس بولا أحمد تينوبو، اجتماعاً طارئاً مع وزير الدفاع وقادة الجيش والأمن والاستخبارات، الاثنين الماضي، في حين دافع تينوبو عن العملية، مشيراً إلى أن السوق كانت قد «تم اختراقها» من قِبل الإرهابيين.

ضباط من الشرطة والجيش النيجيريين يصلون لحضور فعالية في مدينة مينا النيجيرية 22 ديسمبر 2025 (أ.ب)

وقال المستشار الخاص لشؤون الإعلام في الرئاسة، توبي أجايي، إن السوق أصبحت «هدفاً عسكرياً مشروعاً» بعد أن حولها مقاتلو «بوكو حرام» و«داعش» مركزاً لوجيستياَ وتجارياً.

ولكن الاجتماع الطارئ ناقش أيضاً، تطورات أمنية عدة، من أهمها تحذير سفر أصدرته وزارة الخارجية الأميركية، أجازت فيه المغادرة الطوعية للموظفين الحكوميين غير الأساسيين وعائلاتهم من سفارتها في أبوجا.

وتحدث التحذير عن «تدهور الوضع الأمني»، حيث وضع 23 ولاية من أصل 36 في نيجيريا ضمن التصنيف «المستوى الرابع: لا تسافر»، وهو أعلى مستوى للمخاطر، وبررت السلطات الأميركية تحذيرها بالتمرد في الشمال الشرقي وقطع الطرق في الشمال الغربي والوسط، إضافة إلى استمرار العنف في أجزاء من الجنوب والجنوب الشرقي، بما في ذلك المناطق النفطية.

وحدة من قوات الشرطة تجوب شوارع مينا في نيجيريا (أ.ب)

وفي ردها على التحذير الأميركي، وصفته الحكومة النيجيرية بأنه إجراء احترازي روتيني يستند إلى بروتوكولات داخلية أميركية، مؤكدة أنه لا يعكس الواقع الأمني العام في البلاد.

وقال وزير الإعلام والتوجيه الوطني محمد إدريس إنه رغم استمرار حوادث متفرقة، «لا يوجد انهيار عام في القانون والنظام، ومعظم أنحاء البلاد لا تزال مستقرة».


توغو تريد من الأمم المتحدة اعتماد خريطة تظهر حجم أفريقيا الحقيقي

خريطة للعالم تبرز الحجم الحقيقي لقارة أفريقيا بشكل أكثر دقة
خريطة للعالم تبرز الحجم الحقيقي لقارة أفريقيا بشكل أكثر دقة
TT

توغو تريد من الأمم المتحدة اعتماد خريطة تظهر حجم أفريقيا الحقيقي

خريطة للعالم تبرز الحجم الحقيقي لقارة أفريقيا بشكل أكثر دقة
خريطة للعالم تبرز الحجم الحقيقي لقارة أفريقيا بشكل أكثر دقة

قال وزير خارجية توغو إن بلاده ستطلب من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة اعتماد خريطة للعالم تبرز الحجم الحقيقي لقارة أفريقيا بشكل أكثر دقة، والتخلي عن «إسقاط مركاتور» الذي يعود إلى القرن السادس عشر.

ويقول المنتقدون إن «إسقاط مركاتور»، الذي يجعل غرينلاند تبدو في حجم أفريقيا في حين أن القارة في الواقع أكبر منها بنحو 14 مرة، يعزز التصورات السائدة حول هامشية أفريقيا رغم مساحتها الشاسعة وعدد سكانها الكبير، بما يؤثر في السرديات السائدة في الإعلام والتعليم والسياسات.

وكلف الاتحاد الأفريقي توغو بتعزيز حملة «صححوا الخريطة» لإنهاء استخدام خريطة مركاتور من قبل الحكومات والمنظمات الدولية. وتدعو الحملة، التي تقودها مجموعتا (أفريقيا بلا فلتر) و(تكلموا من أجل أفريقيا)، إلى اعتماد إسقاط «إيكوال إيرث» لعام 2018، الذي يهدف إلى إظهار الأحجام الحقيقية للبلدان.

ولا يظهر «إسقاط مركاتور»، الذي صممه رسام الخرائط جيراردوس مركاتور لأغراض الملاحة، الحجم الحقيقي للقارات، حيث يضخم المناطق القريبة من القطبين مثل أميركا الشمالية وغرينلاند بينما يقلص حجم أفريقيا وأميركا الجنوبية.

وقال وزير خارجية توغو روبرت دوسي في مقابلة مع رويترز أمس الاثنين «الحجم الذي نراه للقارة الأفريقية على الكرة الأرضية... غير دقيق جغرافيا»، ودعا إلى اعتماد «الحقيقة العلمية». ولا يزال «إسقاط مركاتور» مستخدما على نطاق واسع، بما في ذلك في المدارس وشركات التكنولوجيا في جميع أنحاء العالم.

وقالت موكي ماكورا، المديرة التنفيذية لمنظمة (أفريقيا بلا فلتر) إن «التمثيل الدقيق لا يقتصر على الخرائط فحسب، بل يتعلق أيضا بالقدرة على الفعل، والتقدم، وضمان أن يرى العالم أفريقيا على حقيقتها».

إعداد مشروع قرار للأمم المتحدة

وفي وقت سابق من هذا العام، اعتمد الاتحاد الأفريقي مشروع قرار يحث على اعتماد إسقاط (إيكوال إيرث) ويشجع دوله الأعضاء البالغ عددها 55 دولة على التخلي عن إسقاط مركاتور.

وقال دوسي «يتمثل التحدي المؤسسي في استصدار قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة لاعتماد هذه الخريطة... ومن البديهي أن البلدان الأفريقية متجاوبة فعليا مع هذه المبادرة». وقال دوسي إن مشروع قرار يجري إعداده، ومن المرجح أن يُطرح للتصويت في الدورة المقبلة للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر أيلول. وأضاف أن طريقة تصويت الدول ستكشف عن «حقيقتها».

واعتمدت الأمم المتحدة الشهر الماضي قرارا قادته دول أفريقية يوصف الرق على أنه «أفظع جريمة ضد الإنسانية» ويدعو إلى دفع تعويضات. وامتنعت جميع دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا عن التصويت، بينما صوتت الولايات المتحدة وإسرائيل والأرجنتين ضد القرار.


الصومال: مقتل 27 من «الشباب» في عملية جرت بدعم دولي

عناصر أمن صوماليون خلال دورية في مقديشو (أرشيفية- رويترز)
عناصر أمن صوماليون خلال دورية في مقديشو (أرشيفية- رويترز)
TT

الصومال: مقتل 27 من «الشباب» في عملية جرت بدعم دولي

عناصر أمن صوماليون خلال دورية في مقديشو (أرشيفية- رويترز)
عناصر أمن صوماليون خلال دورية في مقديشو (أرشيفية- رويترز)

قالت وزارة الدفاع الصومالية، اليوم (الثلاثاء)، إن قواتها المسلحة وقوات الأمن الإقليمية قتلت 27 عنصراً من حركة «الشباب» في ولاية جوبالاند شبه المستقلة، خلال عملية نُفِّذت بدعم دولي، وفق ما أوردته وكالة «رويترز».

ولم تُسمِّ الوزارة الشركاء الدوليين الذين قدَّموا الدعم، ولكنها أوضحت أن العملية كانت مدعومة بضربات جوية.

وكان الجيش الأميركي قد نفَّذ ضربات جوية في إطار دعم الجهود ضد «الشباب» التي تخوض تمرداً منذ عقدين لإسقاط الحكومة المركزية في البلاد وفرض حكمها.

وأضافت الوزارة أن المسلحين قُتلوا في «عملية واسعة النطاق في مناطق جوبا السفلى وجوبا الوسطى»؛ مشيرة إلى مصادرة أسلحة وألغام أرضية، وأن بين القتلى عناصر بارزين في الحركة.

كما تواصل بعثة حفظ السلام التابعة للاتحاد الأفريقي دعم الحكومة الصومالية في مواجهة «الشباب»، رغم أن الجماعة لا تزال تسيطر على مساحات واسعة من الريف، وتحتفظ بقدرتها على تنفيذ هجمات متكررة على مراكز سكانية رئيسية.