تمام سلام: العونيون تصرفوا كميليشيا سياسية ولولا تغطية «حزب الله» لما استطاعوا التعطيل

من مذكرات يتحدث فيها عن الصعوبات في رئاسة الحكومة والإساءات إلى علاقات لبنان مع العرب

جانب من جلسة مجلس الوزراء اللبناني التي انعقدت برئاسة رئيس الحكومة تمام سلام سنة 2015 (دالاتي ونهرا)
جانب من جلسة مجلس الوزراء اللبناني التي انعقدت برئاسة رئيس الحكومة تمام سلام سنة 2015 (دالاتي ونهرا)
TT

تمام سلام: العونيون تصرفوا كميليشيا سياسية ولولا تغطية «حزب الله» لما استطاعوا التعطيل

جانب من جلسة مجلس الوزراء اللبناني التي انعقدت برئاسة رئيس الحكومة تمام سلام سنة 2015 (دالاتي ونهرا)
جانب من جلسة مجلس الوزراء اللبناني التي انعقدت برئاسة رئيس الحكومة تمام سلام سنة 2015 (دالاتي ونهرا)

يصدر قريباً عن «دار رياض الريس للكتب والنشر» كتاب «الدولة المستضعفة» للزميل عبد الستار اللاز. يروي تفاصيل عن الفترة الصعبة التي تولى خلالها الرئيس تمام سلام رئاسة الحكومة اللبنانية التي كانت الأخيرة في عهد الرئيس ميشال سليمان، ثم خلال الفراغ الرئاسي الذي امتد عامين ونصف قبل انتخاب الرئيس ميشال عون. ويروي الكتاب محطات أساسية واجهت سلام في هذه المسيرة التي أمضى منها عشرة أشهر وعشرة أيام وهو يسعى لتأليف حكومة «المصلحة الوطنية»، وسنتين وعشرة أشهر وهو يقود الحكومة التي تولت مسؤوليات رئاسة الجمهورية حسب الدستور في غياب رئيس الجمهورية.
وتنشر «الشرق الأوسط» مقتطفات من أحد فصول الكتاب بعنوان «الأشقاء حين نجعلهم خصوماً»، يتناول الصعوبات التي واجهت حكومة الرئيس تمام سلام في العلاقات مع الدول العربية، بسبب دور «حزب الله» وتدخلاته في الشؤون الداخلية لدول الخليج. فضلاً عن مواقف وزير الخارجية جبران باسيل التي كانت منحازة لإيران ولم تكن مرضية لمعظم الدول العربية.
ويتحدث الرئيس تمام سلام إلى الزميل اللاز عن الصعوبات التي واجهته بسبب تلك التدخلات، والدور السلبي الذي لعبه «حزب الله» و«التيار الوطني الحر». ويقول:
أنا من مدرسة تعتبر السياسة عملاً نبيلاً له شروطه الأخلاقية كالنزاهة والشفافية والترفع ونظافة الكفّ التي تأتي قبل الموجبات الأخرى المتعلقة بالمعرفة والخبرة والكفاءة الإدارية. وأؤمن بأنّ ما يحتمله العمل السياسي من مناورات وتحالفات وخدع أحياناً يجب أن يتوقف عند حدود الإضرار بالمصلحة الوطنية العليا.
وعلى رغم معرفتي بدهاليز السياسة اللبنانية، التي راكمتها عبر السنوات بحكم تجربتي الشخصية في العمل العام، فقد صدمت بأداء هذه القوى التي تجاوزت كل السقوف والمحرّمات الوطنية خدمة لمصالح فئوية.
> تقصد بذلك التيار الوطني الحرّ؟
- هم وغيرهم. لكن العونيين بالذات تفوقوا على الجميع في تخطّي كلّ الحدود والتجرؤ على استخدام كل الوسائل للوصول إلى هدفهم السياسي في ترئيس العماد ميشال عون، ولو أدّى ذلك إلى عرقلة عجلة الدولة وصولاً إلى تعطيلها وتجميد مصالح المواطنين وإفقاد الوطن آخر مقوّماته.
كانوا يتصرفون كميليشيا سياسية، تقطع طريق الحكومة متى شاءت، وتجمّد عملها بذرائع شتى غير آبهة لصرخات الناس وتراكم الملفات الحيوية. تخطف مجلس النواب وتشلّ عمله لتطويع الاستحقاقات الدستورية وفق إرادتها، ولا يرفّ لها جفن مهما طال أمد الشغور في الرئاسة الأولى، ما دام قائدها لم يضمن تحقّيق حلمه التاريخي. استعملوا في معركتهم خطاباً فتنوياً وكلّ وسائل التحريض الطائفي، فبدوا كأنهم يستلحقون دوراً لم يلعبوه في الحرب الأهلية، مرتدين لباساً مستعملاً خلعه غيرهم منذ زمن بعيد.
وعن دور «حزب الله» يقول سلام:
- الحزب كان يتمايز عنهم أحياناً في التفاصيل، لكن في الأساسيات كان يقف دوماً إلى جانبهم. ولولا التغطية التي أمّنها لهم لما استطاعوا التمادي في سياسة التعطيل والعرقلة. طبعاً «حزب الله» يتحمل مسؤولية كبرى في هذه التجربة التي نحن في صددها. وأنا هنا لا أتحدث عن وزرائه الذين كانوا يتحلون على المستوى الشخصي باللباقة والأداء الجيد، بل عن السياسة العامة التي اتبعها مع حليفه من أجل إيصال ميشال عون إلى الرئاسة والأثمان التي تكبدتها البلاد في هذا السبيل.
علينا ألا ننسى أن من بين هذه الأثمان، القطيعة مع العالم العربي التي أدت إليها مواقف الحزب من دول الخليج، وتلك التي تفرّد بها وزير الخارجية جبران باسيل في المحافل العربية.
وهنا مقتطفات من فصل: «الأشقاء حين نجعلهم خصوماً»
حين ألّف تمّام سلام حكومته في شباط من عام 2014، لم يكن أحدٌ يؤمن بأنّ أعضاءها الآتين من مشارب مختلفة ومن قوى تتناحر منذ سنوات على الكبيرة والصغيرة، سيكونون فريق عمل ذا رؤية موحّدة، يعمل بتجانس كامل لإخراج البلاد من مشاكلها المتراكمة.
كان يدرك أنّ الأضداد الذين ضيّعوا قرابة أحد عشر شهراً في مماحكات التأليف، إنّما يجمعهم بعضهم إلى بعض داخل الحكومة، خيطٌ واهن قابل للانقطاع في أي ظرف أو قشرة هشّة معرّضة للكسر عند أول منعطف. وكان يعرف، كما جميع اللبنانيين، أنّ الهوّة بينهم أكبر من أن تردمها تفاهمات لفظية صيغت في البيان الوزاري بعد جهد ومشقّة.
بتنا أمام مأساة وطن، يواجه محاولات لا تتوقف من قوة إقليمية ذات امتدادات محليّة لسلخه عن عمقه الاستراتيجي وإبعاده عن حضنه العربي. نجحت هذه المحاولات في خلق إشكالات كبيرة بين لبنان وأشقائه العرب، وبخاصة المملكة العربية السعودية ودول الخليج. لكن النجاح التام تحقق لاحقاً، وصار البلد في عزلة تامة عن محيطه العربي. خسر المساعدات والاستثمارات ومداخيل السياحة، وفقد الدعم السياسي، وتُرك لمصيره.
حال العزلة التي وصل إليها لبنان هي بلا شك نتاج السياسات التي اتّبعها على مدى سنوات فريق سياسي محلي، هو «حزب الله»، وتدخلاته في الشؤون الداخلية لدول الخليج على إيقاع العداوة المستحكمة بينها وبين إيران.
حاول تمّام سلام مرات عديدة نزع فتيل التوترات التي كانت تثيرها هذه السياسة المستفزّة للعرب، والمحرجة للحكومة. واجه صعوبات عديدة. راهن دائماً على محبة الأشقاء الخليجيين لبلدنا، وعلى دفء مشاعرهم تجاهنا، وهي مشاعر صادقة عبّروا عنها في كل المحطات ولم يخذلوا لبنان ولو مرة واحدة.
كان من الصعوبة إقناعهم بصدق نيات الحكومة اللبنانية فيما أنّ فريقاً مشاركاً فيها لا يكفّ عن شتمهم، بل وعن القيام ببعض الأعمال الأمنية في بلادهم ومنطقتهم، كما يقولون.
لم يكن «حزب الله» وحده من أثار غضب الخليجيين، فوزير الخارجية جبران باسيل تبنّى في بعض المنتديات العربية مواقف لم ترضهم.
جبران باسيل كان ينسّق مع سلام في معظم الأوقات في شؤون السياسة الخارجية، ولكنّه في بعض المحطّات كان يجتهد ويتخذ مواقف لا تتناسب مع السياسة العامة للحكومة، ولم تجرِ مناقشتها في مجلس الوزراء، ما كان يسبب مشاكل مع بعض الدول العربية. نتيجة لذلك بدا لبنان، في سياسته الخارجية أحياناً، كمنزل ذي واجهة خارجية بشرفتين تتقاسمهما جماعتان، تحكي كلّ منهما لغتها الخاصة. أما رئيس الوزراء، فكان دوره نزع الألغام ومحاولة إيجاد لغة مشتركة.
أزمة مع البحرين والإمارات
تبنى وزراء الخارجية العرب في اجتماع لهم عُقد في القاهرة في 16 كانون الثاني 2015 بياناً تقدمت به البحرين، يعتبر تصريحات حسن نصر الله «تحريضاً واضحاً على العنف والإرهاب بهدف زعزعة الأمن والاستقرار في مملكة البحرين ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية»، ويطالب الحكومة اللبنانية بأن «تتخذ الإجراءات اللازمة والرادعة لضمان عدم تكرار مثل هذه التصريحات البغيضة».
كان لبنان محرجاً في الاجتماع. سجّل وزير الخارجية جبران باسيل اعتراضه على البيان، معلناً في الوقت نفسه أنّ الموقف اللبناني الرسمي هو عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، وعدم التعرّض لها. وقال باسيل: «إذا خُيّرنا ما بين الوحدة الوطنية اللبنانية وما بين علاقات لبنان العربية التي نحرص عليها ونتمسك بها، نختار حتماً الأولى ولا نفرط بالثانية».
هذه الصياغة للموقف اللبناني لم تُرضِ دول الخليج، لا بل زادت غضبهم. وقال وزير خارجية البحرين خالد بن محمد آل خليفة، إنّ الوفد اللبناني في الاجتماع «فضّل التمسك بوحدة وطنية زائفة على التضامن العربي الذي أنقذه من الاحتراب»، مضيفاً أنّ لبنان «بلد عظيم حكمه رجال وشيوخ كرام مثل بشارة الخوري وكميل شمعون وصائب سلام ورفيق الحريري، أما اليوم فيا للأسف يتحكم فيه إرهابي عميل».
خشي رئيس الوزراء أن تسبب هذه الأزمة إجراءات سلبية تطاول الرعايا اللبنانيين في بعض الدول الخليجية، فسارع إلى إصدار بيان متوازن لتهدئة الخواطر، أكّد فيه أنّ الموقف الرسمي للبنان من القضايا العربية والدولية تعبّر عنه الحكومة التي ينطق باسمها رئيس مجلس الوزراء «وليس أي جهة سياسية منفردة، حتى ولو كانت مشاركة في الحكومة الائتلافية».
لم تتخذ مملكة البحرين أي إجراء في حقّ اللبنانيين، على رغم الاستياء من كلام نصر الله، لا بل إنّ وزير خارجيتها أكد للرئيس سلام الذي التقاه على هامش مؤتمر الأمن في ميونيخ مطلع شباط، أنّ اللبنانيين في البحرين «يعيشون في بلدهم وبين أهلهم ولن يضيمهم شيء».
كان الشيخ خالد بن محمد آل خليفة في ذلك اللقاء بالغ الودّ، على عادة أهل البحرين جميعاً، وقد نفى أي نية لاتخاذ إجراءات بحق اللبنانيين المقيمين في بلاده، ردّاً على مواقف «حزب الله». لكنّه عبّر عن عميق ألمه للكلام القاسي الذي قاله نصر الله بحق البحرين وقيادتها، وقال إنّه يتفهم الواقع السياسي اللبناني، لكنه يتمنّى لو أنّ الحكومة اللبنانية تستطيع ضبط هذا النوع من التصريحات، خصوصاً إذا كان صادراً عن فريق سياسي مشارك في الائتلاف الحكومي.
طُويت المشكلة مع البحرين، لكنها انفجرت في مكان آخر، وتحديداً مع دولة الإمارات العربية المتحدة. بدأت تصل إلى بيروت معلومات عن نية سلطات أبوظبي إبعاد عدد من اللبنانيين العاملين لديها. اغتنم تمّام سلام فرصة وجوده ووزير خارجية الإمارات الشيخ عبد الله بن زايد في ميونيخ ليفاتحه بهذا الموضوع، وكانت نتيجة اللقاء قاسية بالنسبة إلى لبنان.
كان الشيخ عبد الله غاية في الدماثة، لكنّه في الوقت نفسه تحدث بلهجة حاسمة عكست مقدار الغضب الذي يتفاعل لدى القيادات الخليجية من تمادي «حزب الله» المتكرر في الاعتداء اللفظي على بلدانها والتدخل في شؤونها. قدّم أمام سلام، بكثير من التهذيب، عرضاً تاريخياً للعلاقة مع لبنان. قال: عندما كان بلدكم في أوج ازدهاره، كنّا لا نزال في بداية الطريق نحو بناء الدولة. كنا نعتبركم قدوة لنا وننظر إليكم وإلى المكانة التي وصلتم إليها بكثير من الإعجاب، ونغبطكم على ما حقّقتموه من تقدّم جعلكم في نظرنا كأي دولة أوروبية. كنا نحلم بأن يكون لدينا ما لديكم من بنى تحتية ومستشفيات ومدارس. أخي محمد بن زايد كان في السبعينيات من بين أول عشرة طلاب في الإمارات نالوا الثانوية العامة، بينما كانت جامعاتكم في لبنان تخرّج الآلاف من اللبنانيين والعرب في اختصاصات مختلفة.
قال الشيخ عبد الله أيضاً: لقد اختلف الوضع الآن. بذلنا جهداً هائلاً حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه من نهضة اقتصادية وتقدّم وبحبوحة. واليوم تستقبل الإمارات كادرات وعمالاً من أكثر من مائة وسبعين دولة، يعيشون جميعاً في أمان واستقرار. اعذرني يا دولة الرئيس إذا قلت لك إنّنا غير مستعدين للسماح باللعب بهذا الاستقرار من أجل لبنان أو فريق سياسي لبناني يناصبنا العداء ويشتمنا ليل نهار ويتدخل في شؤوننا الداخلية.
أكّد المسؤول الإماراتي أن بلاده تتفهم دقائق الوضع اللبناني، لكنها تعتبر أن «حزب الله» يمثّل حالة شاذّة لا بدّ أن تنعكس ضرراً على علاقات لبنان مع أشقائه. وعندما سأله الرئيس سلام عن مدى صحة النيّة بترحيل أعداد من اللبنانيين لم ينفِ ذلك، وقال إنّ سلطات الإمارات لا تفتري على أحد، لكنّها لن تتهاون مع أي مقيم يمكن أن يشكل خطراً على أمنها القومي.
فجر الخميس الخامس والعشرين من آذار 2015 أصدرت السعودية والإمارات والبحرين وقطر والكويت بياناً حول الأوضاع في اليمن، ونشرت نص رسالة تلقاها قادة دول مجلس التعاون الخليجي من الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي تناشدهم «تقديم المساندة الفورية بالوسائل والتدابير اللازمة كافة، بما في ذلك التدخل العسكري لحماية اليمن وشعبه من العدوان الحوثي المستمر، وردع الهجوم المتوقع حدوثه في أي ساعة على مدينة عدن وبقية مناطق الجنوب، ومساعدة اليمن في مواجهة القاعدة وداعش».
وقال البيان إنّ الدول الخليجية الخمس قررت «استجابة طلب الرئيس اليمني لحماية اليمن وشعبه من عدوان الميليشيات الحوثيّة التي كانت ولا تزال أداة في يد قوى خارجية».
هكذا بدأ تحالف من عشر دول بقيادة السعودية عمليات «عاصفة الحزم» ضد الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن، وفُتح فصل جديد دامٍ من فصول الصراع الخليجي - الإيراني في هذه المنطقة من العالم.
تردّدت أصداء هذا الحدث الكبير في بيروت حيث الانقسام الحادّ بين القوى السياسية. توالت ردود الفعل بين مؤيد للعملية العسكرية، مثل الرئيس سعد الحريري ووليد جنبلاط، ومعارض مثل «حزب الله» وحلفائه. بدت البلاد أمام اختبار آخر لاستقرارها السياسي الهشّ، وامتحان جديد للحكومة. وأولى محطات هذا الاختبار كانت تنتظر رئيس الوزراء في اليوم التالي في شرم الشيخ حيث ينعقد مؤتمر القمة العربي السادس والعشرون، الذي سيلقي فيه سلام كلمة لبنان.
رسمت الساعات الثماني والأربعون التالية صورة قاتمة للبنان، ولو أنّها صورة غير جديدة. فبين كلمة بالغة الحدّة لأمين عام «حزب الله» حسن نصر الله تضمنت هجوماً غير مسبوق بعنفه على المملكة العربية السعودية ودول الخليج، وخطاب رصين ومدروس بدقّة، حمله معه تمّام سلام إلى قمة شرم الشيخ لنزع فتيل أزمة جديدة مع الحاضنة العربية للبلد وأهله، بدا لبنان مرة أخرى كأنّه لبنانان يتحدثان لغتين مختلفتين ويسيران في خطين متعارضين لا أمل في تلاقيهما.
اتجهت الأنظار إلى شرم الشيخ ترقباً لكلمة رئيس الوزراء. قال الرئيس تمّام سلام في كلمته:
«إنّ لبنان، وانطلاقاً من حِرصِه على دعم الشرعية الدستورية في اليمن، وعلى الإجماع العربي ووحدة جميع البلدان العربية واستقرارِها، يعلنُ تأييده أي موقفٍ عربي يحفظُ سيادة اليمن ووحدة أراضيه وتماسكَ نسيجِه الاجتماعيّ.
إنّنا، إذ نؤكدُ إيمانَنا بأهمية اعتمادِ الحلول السياسيّة للأزماتِ الداخليّة بعيداً عن أي تدخل خارجي في شؤون الدول العربية، نأملُ أن يعودَ الأمنُ سريعاً إلى ربوع اليمن حِفظاً لأرواح أشقائنا اليمنيين وصَوْناً لمقدَّرات بلدِهم، تمهيداً لاستئناف الحوار في إطارِ عملية سياسيّة تَستوعبُ الخلافات، وتُرمم العلاقات بين مختلف الأطراف، وتُضع خريطة طريق للمستقبل»...
خلّف هذا الموقف ارتياحاً لدى دول الخليج، وعبر لبنان بنجاح الاختبار الإقليمي الصعب، خصوصاً أن الرئيس سلام تلقى في أثناء وجوده في شرم الشيخ معلومات، مفادها أنّ الجاليات اللبنانية في الخليج بعثت برسائل إلى السلطات الرسمية في بيروت تبدي تخوفاً من انعكاسات الكلام الأخير للسيد نصر الله على اللبنانيين هناك، وتدعو إلى التحرك لحماية مصالحهم.
بعد شرم الشيخ، زار الرئيس سلام الكويت في مؤتمر للنازحين، لكن فور عودته إلى لبنان ووجه بموقف لحزب الله رافض لما أُعلن في القمة العربية.
أعلن الحزب اعتراضه فور انتهاء القمة، واعتبر أنّ ما قاله سلام في شرم الشيخ لم يناقش في مجلس الوزراء، وبالتالي فإنه يعبّر عن وجهة نظر قسم من اللبنانيين، وليس عن وجهة نظر لبنان الرسمي. عاد الرئيس سلام وسمع الكلام نفسه من الوزير حسين الحاج حسن في أول جلسة لمجلس الوزراء عُقدت بعد عودته من الكويت.
قال في بداية الجلسة إنّ كلمته في القمة العربية لم تأخذ في الاعتبار إلّا مصلحة لبنان واللبنانيين، وشدّد على علاقات لبنان الوثيقة مع المملكة العربية السعودية وأفضالها الكثيرة عليه وكذلك على علاقات لبنان مع سائر دول الخليج. بعد ذلك شهدت الجلسة نقاشاً مستفيضاً بين الوزراء تميّز بالحدّة أحياناً.
حظي موقف سلام بتأييد الغالبية العظمى من الوزراء. وأعلن في النهاية تمسكه بموقفه الذي اعتبر أنّه يخدم المصلحة العليا للبنان، وقال إنه ليس في حاجة لأن يأخذ إذناً من أحد عندما يريد إعلان ما يؤمن به. وقابلت الغالبية العظمى من الوزراء كلامه هذا بالتصفيق.
بدا حزب الله وحيداً في موقفه. سجل تحفّظه في المحضر، وانتهت الجلسة بهدوء. عبرت الحكومة هذه الأزمة الجديدة بأقل الأضرار الممكنة، وأظهر المتخاصمون مرة أخرى، ولا سيما تيار المستقبل و«حزب الله»، أنّهم ليسوا في صدد تفجيرها من الداخل.
النأي بلبنان عن عروبته
لم يطل الأمر كثيراً حتى انفجرت القنبلة الكبرى. الفتيل هذه المرّة أشعله وزير الخارجية جبران باسيل عندما أعطى تعليمات لسفير لبنان في المملكة العربية السعودية عبد الستار عيسى، بالامتناع عن التصويت على قرار في مؤتمر منظمة التعاون الإسلامي في جدة، يندّد بإيران بسبب اعتداءات تعرضت لها سفارة السعودية في طهران وقنصليتها في مشهد.
أغضب هذا الموقف اللبناني السعودية والدول الخليجية وأثار ردود فعل داخلية كثيرة اعتبرته نأياً بلبنان عن عروبته وارتماء في أحضان إيران وسياستها التوسعيّة في المنطقة. وكالعادة، سارع رئيس الوزراء الذي كان يشارك في منتدى دافوس الاقتصادي إلى الحؤول دون اندلاع الحريق، وأصدر موقفاً لتصويب البوصلة قال فيه «إنّ السعودية محقّة بمواقفها، ولها دور قيادي في العالم العربي لتعزيز الاستقرار وتحسين الأوضاع الإقليمية، أما إيران فتتدخل في العالم العربي منذ سنوات عديدة، وهذا هو أصل النزاع بينها وبين المملكة».
ردّ باسيل من بيروت ببيان قال فيه إنّ وزارة الخارجية عملت «بموجب التوافق الذي ظهر جلياً على طاولة الحوار الوطني في جلسته الأخيرة»، مشدّداً على «انسجام السياسة الخارجية مع البيان الوزاري ومع سياسة حكومة الوحدة الوطنية ومنطقية مواقف الخارجية، بما يؤمن الإجماع العربي من دون المساس بالوحدة الوطنية».
عندما سُئل سلام عن سبب اتخاذ لبنان هذا الموقف خارج الإجماع العربي، أجاب بأن وزير الخارجية ارتأى ذلك من دون أن يشاوره في الأمر.
لم يكن بإمكان تمّام سلام أن يعالج هذه المسألة مهما حاول تلطيف الموقف بالبيانات والتصريحات لاسترضاء العرب. هناك واقع لا يمكن التعمية عليه كمن يحاول إخفاء نور الشمس بالغربال، وهو أنّ هناك قوة لبنانية مشاركة في الحكومة تلتزم لفظياً مبدأ النأي بالنفس وتمارس عكسه في السياسة والأمن، ولا تتوقف عن التعرض لدول الخليج العربي، وتُغلّب ارتباطها السياسي بإيران على مصلحة لبنان وأبنائه المنتشرين في دول الخليج. وهناك قوة ثانية مشاركة في الحكومة أيضاً متحالفة معها وتقدم التغطية الكاملة لها لتحقيق أهداف سياسية داخلية، أولها إيصال مرشحها إلى رئاسة الجمهورية. هذا هو واقع الحال، وهذا ما دفع لبنان ثمنه غالياً عزلة خانقة عن محيطنا العربي.
يوم التاسع عشر من شباط 2016 كانت الصدمة الكبرى. أعلنت المملكة العربية السعودية أنها أجرت مراجعة شاملة لعلاقاتها مع الجمهورية اللبنانية، وقررت إيقاف المساعدات المقررة لتسليح الجيش اللبناني بقيمة ثلاثة مليارات دولار، وكذلك ما بقي من مساعدة المليار دولار أميركي المخصصة لقوى الأمن الداخلي اللبناني. وعزت هذا الموقف إلى «المواقف اللبنانية المناهضة للمملكة على المنابر العربية والإقليمية في ظل مصادرة ما يسمى حزب الله لإرادة الدولة»، فضلاً عن «المواقف السياسية والإعلامية التي يقودها ما يسمى حزب الله في لبنان ضد المملكة العربية السعودية وما يمارسه من إرهاب بحق الأمة العربية والإسلامية».
شعر تمّام سلام بالمرارة لهذا القرار الذي اعتبره ضربة كبيرة للبنان، ويعبّر عن مستوى الغضب لدى الرياض التي لم تتراجع في تاريخها عن أي هبة قدّمتها لأي جهة. أدرك على الفور أن السعودية أرادت القول بقرارها هذا إنّ الكيل قد طفح وإنّ فترة التسامح والصبر قد انتهت، وعلى لبنان إذا أراد الحفاظ على علاقاته معها ومع دول الخليج العربي وعلى مصالحه أن يعالج مسألة «حزب الله».
دعا الرئيس سلام إلى جلسة استثنائية لمجلس الوزراء لمناقشة القرار السعودي والسياسة الخارجية للبنان.
دام النقاش سبع ساعات، وانتهى ببيان حظي بالإجماع وتلاه رئيس الوزراء شخصياً. وقد أُريدَ منه تصويب الموقف اللبناني واحتواء غضب المملكة العربية السعودية ودول الخليج.
لكن قبل أن يجفّ حبر البيان، عقد جبران باسيل مؤتمراً صحافياً قال فيه إنّ «هناك مشكلة حقيقية مع الدول العربية إذا كانت لا تتفهم الموقف اللبناني، لأنّ الحكومة وحماية لبنان واستقراره قامت على أنّ وحدته الداخلية وصونها يتطلّبان احترام النأي بالنفس». وأضاف: «إذا خُيِّرنا بين الإجماعِ العربي وبين الوَحدة الوطنية، فسننحازُ إلى الوَحدة وعدمِ تفجيرِ البلد والمَسِّ باستقراره».
استدعى هذا الكلام ردّاً من المكتب الإعلامي لسلام أوضَح فيه «أنّ بيان مجلس الوزراء صدر بإجماع الوزراء المشاركين في الاجتماع، بمن فيهم الوزير باسيل نفسه، وأي خروج عن هذا النص هو من قبِيل الاجتهاد الشخصي ولا يعبّر عن موقف لبنان الرسمي».
وبالفعل، فإن رئيس الوزراء والوزراء كانوا قد بذلوا جهوداً مضنية للوصول إلى إجماع على هذا البيان. شمل النقاش كلّ نقطة وفاصلة فيه، إلى أن جرى التوصل إلى الصيغة التي اعتقدوا أنها ستخفّف الاحتقان. لكن جبران باسيل هو جبران باسيل. زايد على «حزب الله» واتخذ هذا الموقف الذي زاد الأمور تدهوراً.
الضيف الدائم
مسؤولون إيرانيون تعاقبوا على زيارة لبنان في الفترة التي أمضاها تمّام سلام رئيساً للحكومة. منهم من تكررت زيارته مرتين أو ثلاثاً مثل عبد اللهيان، ومنهم من زار أربع مرات أو خمساً مثل بروجردي، ومنهم من اجتمع به سلام في لبنان وخارجه مثل ظريف.
وإذا أضيف إلى هذه القائمة الطويلة الرئيس حسن روحاني الذي التقاه سلام في نيويورك، عدا اللاعب الأبرز في السياسات الإيرانية الإقليمية رئيس فيلق القدس في الحرس الثوري الجنرال قاسم سليماني، وغيره من المسؤولين الأمنيين الذين كانوا يأتون لبنان سرّاً ودون استئذان، تكتمل صورة الحضور الإيراني الدائم في المشهد السياسي في بيروت، التي تفاخر مسؤولون عديدون في طهران بأنها صارت واحدة من أربع عواصم عربية تحت السيطرة الإيرانية.
لم يملّ الرئيس سلام من تكرار الدعوة إلى الإيرانيين للضغط على حلفائهم من أجل المساعدة على انتخاب رئيس.
هكذا فعل مع نائب وزير الخارجية مرتضى سرمدي ثم مع مستشار مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية الدكتور علي أكبر ولايتي. لا بل إنّه استعمل مع الأخير لهجة أكثر حزماً من المعتاد حين قال له: «أنا أريد أن تقترن هذه الزيارة بعمل يترجم على الأرض لأنه لا يمكن إيران أن ترسل المبعوث تلو الآخر بدون أن تقرن هذه الزيارات بأفعال».
الجواب؟ لغة دبلوماسية راقية لا تُسمن ولا تغني من جوع. وعلى غرار باقي الزوار الدائمين من الجمهورية الإيرانية كانت تصريحات ولايتي خارج الأبواب المغلقة تشيد بـ«الإنجازات الكبرى والانتصارات التي استطاعت المقاومة اللبنانية الباسلة أن تحققها جنباً إلى جنب مع الجيش السوري في مجال دحر القوى المسلحة التكفيرية في منطقة القلمون، والتي تؤدي إلى تقوية محور المقاومة والممانعة في المنطقة برمتها».
استمرت الزيارات الإيرانية واستمر دفق الكلام المنمّق عن الوحدة الوطنية اللبنانية وحكمة المسؤولين اللبنانيين، وعن العلاقات الأخوية بين لبنان وإيران واستعداد الجمهورية الإسلامية لتقديم كل عون ممكن، إلى أن جاء العون أخيراً، لكن بالاتجاه المعاكس، أي من لبنان إلى إيران.
فقد انتخب مرشح «المقاومة والممانعة» رئيساً للجمهورية. فازت إيران وحلفاؤها بالجائزة الكبرى، ولم تعد هناك حاجة إلى الكثير من الزيارات.



كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

روي بلانت جونيور
روي بلانت جونيور
TT

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

روي بلانت جونيور
روي بلانت جونيور

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load»، الذي أرّخ فيه لمسيرة فريق «بيتسبرغ ستيلرز» عام 1973. كتب بلانت حينها واصفاً الصخب العارم: «يا له من أمر عظيم ذلك الذي تمنحنا إياه كرة القدم؛ إنها تتيح لنا في لحظات نادرة أن نتحرر من كل قيد وننغمس في فوضى صاخبة ومبهجة».

غير أن تشاك كلوسترمان يجادل في كتابه الجديد الذي يحمل عنوان «كرة القدم»، بأن هذا الصخب والهرج سيبلغان المنتهى في وقت أقرب مما نتصور، ربما في غضون أربعة أو خمسة عقود؛ فكرة القدم، في نظره، محكوم عليها بالفناء.

يرى المؤلف أن هذه الرياضة دخلت بالفعل في «دوار الموت» (وهو تعبير قد يشبه في قوته تمريرة لـ«جوش ألين» بسرعة 62 ميلاً في الساعة). ويشبه كلوسترمان كرة القدم بسباقات الخيول؛ تلك الرياضة التي هيمنت يوماً على الخيال الجمعي للأمة قبل أن تتحول إلى نشاط هامشي غريب ومهجور.

إنني أستمتع بالقراءة لكلوسترمان؛ فهو يمتلك روح الفيلسوف الذي يحلل الأمور بعمق، وهو في القضايا الشعبية «المفكر الذي يبارز كبار المفكرين» تأملاً. وثمة ملحوظتان سريعتان لا بد من ذكرهما بشأن كتابه «كرة القدم»؛ وهو الكتاب الذي استمتعت به رغم إسهابه في التفاصيل الدقيقة، على الأقل بالنسبة لمشجع عابر ومشتت الذهن مثلي.

الملحوظة الأولى هي أن إطلاق تنبؤات جنونية بعيدة المدى ليس بالأمر الشجاع تماماً، فكما قال جون ماينارد كينز ذات مرة: «على المدى الطويل، سنكون جميعاً في عداد الموتى». وكلوسترمان يدرك ذلك جيداً، إذ يكتب: «الأحياء ليسوا جمهوري المستهدف»، وكأنه يتقمص روح الروائية آن رايس (بنزعتها الجنائزية) بدلاً من روح غرانتلاند رايس (المحلل الرياضي الشهير).

أما الملحوظة الثانية، فهي أن حجته هذه لا تشغل سوى حيز متواضع من الكتاب، وتحديداً في بدايته ونهايته؛ فمادة «فناء كرة القدم» تشبه طبق «البانكيك» الذي يُقدم كطبق جانبي لطبق «بط بكين» الرئيسي؛ إذ إن المحتوى الأكثر دسامة يكمن في التفاصيل المطوية بالداخل.

يجادل كلوسترمان مثلاً بكلمات قد تمزق قلوب البعض بأن كرة القدم هي «النموذج الأكثر نجاحاً ووضوحاً للاشتراكية الأميركية»، وذلك بسبب الطريقة التي تُوزع بها عائدات البث التلفزيوني بالتساوي بين الفرق الاثنين والثلاثين (بينما قد يصفها آخرون بأنها مجرد تكتل احتكاري تجاري آخر).

كما يستفيض كلوسترمان في شرح الأسباب التي تجعل جيم ثورب يتربع على عرش أعظم لاعبي هذه الرياضة، ولماذا تبدو كرة القدم الكندية مثيرة للسخرية، ولماذا لم يقتنع الكثيرون بصورة حاكم ولاية داكوتا الشمالية، تيم والز، كمدرب لكرة القدم، رغم أنه كان كذلك بالفعل، ورغم إصرار كامالا هاريس على مناداته بلقب «المدرب». ويكتب كلوسترمان، الذي نشأ في ولاية «حمراء» (محافظة) هي داكوتا الشمالية:

«لم يبدُ والز مدرباً لكرة القدم إلا في عيون الناخبين الذين لا تربطهم صلة مسبقة بهذه الرياضة؛ فقد جسدت صورته المفهوم الليبرالي لـ(الرجولة غير السامة)، فكان بمثابة نسخة عكسية من مارغريت ثاتشر».

يتناول كلوسترمان وضع فريق «دالاس كاوبويز» بوصفه «فريق أميركا» قائلاً: «الكل يقبل هذه التسمية، لكن لا أحد يؤمن بها حقاً»، ويحلل سر براعة نيك نولتي في فيلم «نورث دالاس فورتي»، مشيراً إلى أن «كل ما كان عليه فعله هو تجسيد دور الشخص الضجر الذي يعاني من آثار الثمالة، وهما أقوى نقاط قوته كأداء تمثيلي».

ثم يغوص بعمق في عوالم «دوري الفانتازيا»، وألعاب الفيديو مثل «مادن إن إف إل»، لا سيما المراهنات، مسلطاً الضوء على ذلك «الشر الانتشائي» الكامن في تمني الفوز ببعض الرهانات ضد «فارق النقاط». ويكتب أن مباريات كرة القدم الحقيقية قد تكون مملة، لكن النسخة التي تدور في رؤوس المراهنين نادراً ما تكون كذلك: «ركلة ميدانية محجوبة واحدة كفيلة بنقل ملايين الدولارات غير المرئية، وربما تكون سبباً في انهيار زواج أحدهم». ويرى أن واضعي خطوط المراهنات في لاس فيغاس هم من بين أكثر الأشخاص كفاءة في العالم.

ويساور كلوسترمان الشك في أن فضيحة مراهنات كبرى، قد تصل لدرجة التسبب في «زوال» هذه الرياضة، ستلوح في الأفق يوماً ما، لكنه يعتقد أن المراهنة تُثري اللعبة، «على الأقل من الناحية الحوارية»؛ إذ يكتب: «الاستماع لشخص يتحدث عن فريقه في (الفانتازيا) يشبه الاستماع لشخص يتحدث عن حديقة منزله، أما الاستماع للشخص نفسه وهو يروي إخفاقاته في المراهنات، فهو أمر مثير للاهتمام إلى أبعد الحدود».

كما يخوض في نقاش حول العلاقة بين كرة القدم والعِرق، وهو نقاش لافت للنظر، جزئياً، لأنه يتناول الموضوع من زوايا غير معتادة، واضعاً تساؤلات من شاكلة:

ماذا يعني غياب اللاعبين السود تقريباً عن مركز «الهداف»؟ هل هذا دليل على التحيز، أم هو تقليل من شأن هذا المركز؟ وهل حقيقة ندرة اللاعبين البيض في مركز «الظهير الركني» تشير إلى أن هذا المركز هو الأكثر تطلباً من الناحية البدنية في خط الدفاع الخلفي، بما أن اللاعبين البيض غالباً ما يتألقون في مركزي «الظهير القوي» و«الظهير الحر»؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا يتجاوز متوسط راتب لاعب «الظهير» متوسط راتب «الظهير الركني»؟

ينثر كلوسترمان في طريقه الحِكَم والعبارات الموجزة وكأنها زجاجات مشروبات فارغة يلقيها وهو يركض؛ فيقول: «لا شيء أكثر زيفاً من التواضع الزائف»، و«عالم الرياضة علماني بقدر علمانية إيران»، و«لا يمكنك هزيمة جدار من الطوب في التنس»، وأخيراً «الحياة غير عادلة، لكنها أحياناً تكون غير منصفة لصالحك».

يذكرني كلوسترمان بنسخة عصرية من أولئك الشباب الثرثارين في فيلم باري ليفينسون الرائع «داينر»، وهم يتساجلون حول الأسطوانات الموسيقية وفريق «بالتيمور كولتس» بحماس محموم وكأن سمعة أمهاتهم تتوقف على نتيجة الجدال. كما يذكرني بالصحافي والمعلق الساخر «درو ماغاري»، مع فارق أن كلوسترمان يتسم بالبرود بينما يتوقد ماغاري حماساً؛ وكم وددت رؤيتهما - كجهاز ترطيب وجهاز تجفيف - وهما يتصارعان في قبو رطب واحد.

يجادل كلوسترمان بأن كرة القدم هي «عضو» لا يتجزأ من جسد المجتمع، سيُبتر في نهاية المطاف. ويكتب: «اللعبة لن تختفي تماماً، تماماً كما لا يزال بإمكانك سماع موسيقى الجاز على إذاعة (إن بي آر)، أو تدخين سجائر (لاكي سترايك) القديمة داخل الكازينوهات»؛ لكن المقدر لها هو الخروج من تلك المكانة المركزية التي تحتلها في الحياة الأميركية.

الأسباب وراء ذلك عديدة، لكنني سوف أوجزها في سببين؛ الأول مباشر وبسيط: يرى كلوسترمان أن المعلنين سيعودون إلى رشدهم ويدركون أن إنفاق مبالغ طائلة «مقابل 30 ثانية من العرض (الذي يتم تجاهله غالباً) هو استثمار سيئ».

أما السبب الثاني فيتطلب توضيحاً أعمق، وخلاصته هي أن سباقات الخيول انحسرت من المخيلة الأميركية لأن الناس فقدوا صلتهم اليومية الوثيقة بالخيول. وشيء مماثل سيحدث لكرة القدم؛ فنحن نفقد بالفعل صلتنا الفطرية بها.

يعود هذا التراجع جزئياً إلى أن أعداداً أقل من الأمهات - حتى في الولايات المهووسة بهذه الرياضة - سيرغبن في ممارسة أبنائهن للعبة، وذلك بدافع الخوف من إصابات الرأس (الارتجاجات). وعليه، فإن معظم الشباب لن يعرفوا هذه الرياضة إلا من خلال شاشات التلفاز وألعاب الفيديو، لتصبح بذلك منفصلة تماماً عن التجربة الحياتية المُعاشة.

كما يلقي المؤلف باللوم على «الرابطة الوطنية للرياضة الجامعية» (NCAA) بسبب سلسلة من القرارات الخاطئة؛ من بينها إنهاء الاتحادات التقليدية، وإتاحة «بوابة الانتقالات» التي تسمح للاعبين بجني أموال طائلة، مما جعل اللعبة الجامعية تشبه إلى حد بعيد نظيرتها الاحترافية. إن كرة القدم الجامعية - كحال الكثير من تفاصيل الحياة الأميركية - تفقد ذلك الطابع المحلّي الشعبي الغريب الذي كان يمنحها نكهتها الخاصة؛ ومن ثمّ، فإن الارتباط الوجداني بها محكوم عليه بالانحسار لا محالة.

للمفكر إتش إل مينكين فكرة طريفة لإنقاذ الموقف: إذ يرى أن المباريات الجامعية ستكون أكثر إثارة إذا لعب أعضاء هيئة التدريس بدلاً من الطلاب، وستكون أفضل بكثير لو لعب أعضاء مجلس الأمناء بأنفسهم!

يمتاز كلوسترمان بقدرة فائقة على صياغة أفكاره بنبرة تنبؤية واثقة، إلا أن أجمل ما في كتاباته هو مراقبته لنفسه وهو يضع أفكاره تلك في قفص الاتهام؛ فهو القاضي وهيئة المحلفين، وهو الشهود والحاجب، وهو المدعي العام ومحامي الدفاع، كلٌ في آن واحد.

وكما كتب في مؤلف آخر له: «إن أفضل فرضية هي تلك التي تقبل بشكل تلقائي احتمالية كونها خاطئة منذ البداية».

*خدمة: «نيويورك تايمز»


النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن
TT

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

النيل في الفكر الأوروبي عبر الزمن

عن دار «العربي» بالقاهرة، صدر كتاب «النيل – نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت الذي يرصد فيه حضور النهر في الفكر الأوروبي عبر حقب زمنية مختلفة وبأسلوب يجمع بين التحليل الدقيق أكاديمياً والأسلوب الأدبي. يقع الكتاب في 544 صفحة من القطع الكبير وقامت بترجمته المترجمة منة الخازندار.

في البداية، يشير المؤلف إلى أن دار النشر المسؤولة عن إصدار النسخة العربية من الكتاب سألته كيف يمكن لمؤرخ نرويجي لا تربطه أي صلات سابقة بالقارة الأفريقية أن يقضي جل سنوات حياته في البحث والكتابة عن نهر النيل، فأجاب بأن السبب الأساسي وراء ذلك هو ما أصابه من «الولع المائي» في مدينة بيرجن النرويجية، عاصمة الساحل الإسكندنافي المطير.

وذكر كيف أنه منذ عقود انتقل من الجانب الشرقي من النرويج حيث تهطل الأمطار بمعدل طبيعي إلى المدينة التي يزيد فيها معدل الهطول لدراسة تاريخ العالم. ونظراً لكونه ينتمي إلى طبقة الطلاب المعدمين، فقد كانت أرضية السيارة القديمة التي يستقلها مهترئة بفعل الصدأ. كان يتعيّن عليه انتعال حذاء مطر مطاطي في الأيام المطيرة حتى لا يبتل بنطاله.

وفي صباح يوم ملبد بالغيوم حيث كان المطر ينهمر بلا هوادة، قاد سيارته بحذر من مسكن الطلاب إلى الجامعة ووجد نفسه دون قصد ينظر إلى أسفل حيث قدمه، وفجأة خطر له أنه ينتعل حذاء المطر المطاطي، أخضر اللون ذا الرقبة الطويلة ذاته يومياً منذ وصوله إلى هنا طوال فصل الخريف، متسائلاً: ما الذي كان يحدث حولي؟

أدرك حينها أن الأمطار الخريفية تتحكم في حياته بشكل كامل، وحيث إن جميع المجتمعات تحتاج إلى المياه للنمو، وحيث إن مصادر المياه وخريطتها في الوقت ذاته تختلف من مكان إلى آخر وتكون دائماً في حالة تغير مستمرة، فقد رأى أن مثل هذا التركيز على علاقة المجتمع بالمياه يمكن أن يكون مفيداً لفهم الأنماط المختلفة للتنمية على مستوى العالم وقام بتحويل أبحاثه التي كانت تستهدف تاريخ العالم إلى برنامج بحثي شخصي يستمر على مدار عدة أعوام ويستهدف المياه والمجتمع في جميع أنحاء العالم.

منذ ذلك الحين أنتج أكثر من 20 كتاباً عن الدور الذي لعبته المياه في التاريخ وسافر متتبعاً مسارات العديد من أكبر وأهم الأنهار في العالم، من الصين والهند واليابان شرقاً، إلى فرنسا وألمانيا وإسبانيا غرباً، ومن فنلندا والسويد شمالاً، إلى جنوب أفريقيا والأرجنتين جنوباً، لكن كان أكثر ما أثار خياله وشغفه حبّاً، نهر النيل.

وفي عام 2023 ترأس مؤتمر الرابطة نصف السنوي الذي ينعقد في مكتبة الإسكندرية في مصر، كما تمكن بدعم من وزير الموارد المائية المصري الدكتور محمود أبو زيد، والسفير المصري في النرويج الدكتور مجدي حفني، من إطلاق برنامج أبحاث حوض النيل مع باحثين مشاركين من عشر دول من حوض النيل، كما أنهى فيلمه الوثائقي الثالث والأخير عن المياه بعنوان «تحقيق بشأن النيل» الذي أعاده مرة أخرى إلى التجول في منطقة حوض النيل.

فسيفساء النيل

يشير تارييه تافيت إلى أنه في الطابق الرابع بمتحف أثري متواضع يبعد نحو 35 كيلومتراً عن روما ستجد العمل الفني البارز الذي لا يعلم به كثيرون وهو «فسيفساء النيل» والذي يعود تاريخه إلى 2000 عام. يبلغ عرضه ستة أمتار ويتخطى ارتفاعه الأربعة أمتار ويصور النيل ومظاهر الحياة على ضفتيه بشكل إبداعي ويتناوله من مناظير مختلفة ومتعددة.

يصور الجزء العلوي منه عناصر أفريقية ويحاكي الجزء السفلي مناظر خاصة بالحياة على شواطئ البحر المتوسط. ورغم ضرورة مشاهدة الأعمال الفنية المصنوعة من الفسيفساء من مسافة لتبين تفاصيلها، مع ضرورة الالتزام بالوقوف خلف الحواجز الموضوعة لحماية الأعمال الفنية من اقتراب المتفرجين الذي قد يلحق بها ضرراً، لكن الرسوم الكاملة والزاهية بشكل استثنائي التي تكونها الأحجار الملونة الملتصق بعضها ببعض بواسطة الملاط تظهر جلية من جميع المسافات.

ولكن الأمر الإبداعي حقاً في «فسيفساء النيل» الموجودة في بلدة «بالسترينا» هو تصوير النيل وتصوير الشعوب وهي تمارس حياتها بنظرة حديثة تماماً كما لو كان الفنان الذي أبدعها قد نظر إلى النيل وهو على متن طائرة. ويعد أيضاً هذا العمل الفني مصدراً تاريخياً تعبيرياً مثيراً للإعجاب، فهو يؤكد بقاء النيل كشريان حياة المجتمع ومحور اهتمامه إلى الأبد، كما رسم البحر المتوسط كمحتضن لتاريخ القارة الذي سطرته المياه.

وتصور «فسيفساء النيل» المكانة المحورية التي يشغلها النيل في حياة أولئك الذين يعيشون على ضفافه كما تنقل لنا كذلك كيفية تشكل النيل كجزء من تاريخ أوروبا الثقافي عبر الحضارات المختلفة، لا سيما اليونانية والرومانية. وتذكرنا اللوحة بماض كان يُعبد فيه النيل كنهر مقدس ولم تقتصر عبادته على الكهنة بالمعابد الضخمة المنتشرة على ضفافه في مصر بل امتدت أيضاً إلى أوروبا.

ويضم المتحف البريطاني في لندن واحداً من عدة تماثيل للإلهة إيزيس «حامية الطبيعة وإلهة الخصوبة»، حيث يصورها هذا التمثال وهي تحمل في يدها اليسرى جرة بها مياه النيل المقدسة كوسيلة للخلاص.

روائع إبداعية

ويلاحظ المؤلف أن النحاتين في العصور الرومانية والنهضة اعتادوا تصوير النيل ككيان مهيب مقدس، كما في تمثال «إله النيل» في الفاتيكان وهو واحد من أشهر التماثيل الرومانية في القرن الأول الميلادي الذي يصور النيل كرجل عجوز مستلقٍ يحيط به 16 طفلاً يرمزون لارتفاع منسوب النيل بـ16 ذراعاً لضمان الخصوبة.

وهناك أيضاً تمثال رخامي في «ساحة النيل» بمدينة نابولي الإيطالية، يعود للقرن الثاني الميلادي، ويظهر فيه «الإله النيل» متكئاً على أبو الهول، بينما تنافس الرسامون الأوروبيون في القرن التاسع عشر على توثيق حياة النيل اليومية، كما في تجربة ديفيد روبرتس الذي اشتهر بلوحاته الدقيقة للمعابد والقرى على ضفاف النيل، مثل لوحاته لجزيرة فيلة ومدينة الجيزة. ويشير كذلك إلى ليون بيليه في لوحته الشهيرة «فلاحات على ضفاف النيل» الموجودة في متحف أورسيه، التي تصور النساء وهن يملأن الجرار بوقار ودقة واقعية، فضلاً عن لوحة «على ضفاف النيل» للفنان شارل ثيودر فرير التي تصور هدوء النهر بلمسات رومانسية.


عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية
TT

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

عرفات من وجهة نظر إسرائيلية

«ياسر عرفات/ وجهات نظر إسرائيلية» كتاب جديد لماجد كيالي، من إصدار «دار كنعان»، دمشق (2026). يتحدث الكتاب عن مكانة الزعيم الفلسطيني الراحل، ودوره في استنهاض الشعب الفلسطيني، على صعيد الهوية والكيانية والكفاح الوطني. كما يقدم عرضاً للمواقف الإسرائيلية المختلفة من ياسر عرفات. ويركز الكتاب بشكل خاص على مرحلة مفاوضات «كامب ديفيد 2» (2000)، كلحظة فصلية مكثفة، تتعلق بمكانة هذا الرجل، ودوره في الكفاح السياسي، بوجهيه التفاوضي، والمسلح، ونظرته إلى ذاته كالممثل للوطنية الفلسطينية، بتناقضاتها، في الصراع، بين الحلم والواقع، والطموح والممكن، والقوة والحق، ويتضمن الكتاب فصلاً موسعاً كشهادات ومقالات لشخصيات سياسية وصحافية إسرائيلية.

يقع الكتاب في 206 صفحات، من القطع المتوسط.

من الكتاب: «عرفات انتصر بشكل قاطع... فعرفات وضع المشكلة الفلسطينية على الخريطة بشكل يستحيل تجاهله... لقد حدد للفلسطينيين هويتهم وعناصر تميزهم في العالم العربي وأشكال نضالهم، وقد وحدهم من الناحية التنظيمية، وبث فيهم الحوافز، وهناك أجيال كاملة من الفلسطينيين ترعرعت في ظلال أسطورة ورمزية عرفات...؟»، كما يقول البروفسور شاؤول مشعال، باحث في شؤون الحركة الوطنية الفلسطينية في جامعة تل أبيب، «يديعوت أحرونوت»، (29-10-2004).

لم يعرف الشعب الفلسطيني في تاريخه زعيماً، قاده أو شغله وملأ تاريخه، كما عرف ياسر عرفات، إذ كان هذا الرجل بحق ظاهرة استثنائية في تاريخ شعبه، وربما في تاريخ حركات التحرر الوطني، على الصعيدين العربي والدولي، بغض النظر عن الخلاف أو التوافق معه، أو الإعجاب به من عكس ذلك، إذ نهض بشعبه وبقضيته من نقطة الصفر، في ظروف دولية وعربية صعبة بل ومستحيلة، وفي ظل اختلال بيّن في موازين القوى لصالح إسرائيل».