تمام سلام: العونيون تصرفوا كميليشيا سياسية ولولا تغطية «حزب الله» لما استطاعوا التعطيل

من مذكرات يتحدث فيها عن الصعوبات في رئاسة الحكومة والإساءات إلى علاقات لبنان مع العرب

جانب من جلسة مجلس الوزراء اللبناني التي انعقدت برئاسة رئيس الحكومة تمام سلام سنة 2015 (دالاتي ونهرا)
جانب من جلسة مجلس الوزراء اللبناني التي انعقدت برئاسة رئيس الحكومة تمام سلام سنة 2015 (دالاتي ونهرا)
TT

تمام سلام: العونيون تصرفوا كميليشيا سياسية ولولا تغطية «حزب الله» لما استطاعوا التعطيل

جانب من جلسة مجلس الوزراء اللبناني التي انعقدت برئاسة رئيس الحكومة تمام سلام سنة 2015 (دالاتي ونهرا)
جانب من جلسة مجلس الوزراء اللبناني التي انعقدت برئاسة رئيس الحكومة تمام سلام سنة 2015 (دالاتي ونهرا)

يصدر قريباً عن «دار رياض الريس للكتب والنشر» كتاب «الدولة المستضعفة» للزميل عبد الستار اللاز. يروي تفاصيل عن الفترة الصعبة التي تولى خلالها الرئيس تمام سلام رئاسة الحكومة اللبنانية التي كانت الأخيرة في عهد الرئيس ميشال سليمان، ثم خلال الفراغ الرئاسي الذي امتد عامين ونصف قبل انتخاب الرئيس ميشال عون. ويروي الكتاب محطات أساسية واجهت سلام في هذه المسيرة التي أمضى منها عشرة أشهر وعشرة أيام وهو يسعى لتأليف حكومة «المصلحة الوطنية»، وسنتين وعشرة أشهر وهو يقود الحكومة التي تولت مسؤوليات رئاسة الجمهورية حسب الدستور في غياب رئيس الجمهورية.
وتنشر «الشرق الأوسط» مقتطفات من أحد فصول الكتاب بعنوان «الأشقاء حين نجعلهم خصوماً»، يتناول الصعوبات التي واجهت حكومة الرئيس تمام سلام في العلاقات مع الدول العربية، بسبب دور «حزب الله» وتدخلاته في الشؤون الداخلية لدول الخليج. فضلاً عن مواقف وزير الخارجية جبران باسيل التي كانت منحازة لإيران ولم تكن مرضية لمعظم الدول العربية.
ويتحدث الرئيس تمام سلام إلى الزميل اللاز عن الصعوبات التي واجهته بسبب تلك التدخلات، والدور السلبي الذي لعبه «حزب الله» و«التيار الوطني الحر». ويقول:
أنا من مدرسة تعتبر السياسة عملاً نبيلاً له شروطه الأخلاقية كالنزاهة والشفافية والترفع ونظافة الكفّ التي تأتي قبل الموجبات الأخرى المتعلقة بالمعرفة والخبرة والكفاءة الإدارية. وأؤمن بأنّ ما يحتمله العمل السياسي من مناورات وتحالفات وخدع أحياناً يجب أن يتوقف عند حدود الإضرار بالمصلحة الوطنية العليا.
وعلى رغم معرفتي بدهاليز السياسة اللبنانية، التي راكمتها عبر السنوات بحكم تجربتي الشخصية في العمل العام، فقد صدمت بأداء هذه القوى التي تجاوزت كل السقوف والمحرّمات الوطنية خدمة لمصالح فئوية.
> تقصد بذلك التيار الوطني الحرّ؟
- هم وغيرهم. لكن العونيين بالذات تفوقوا على الجميع في تخطّي كلّ الحدود والتجرؤ على استخدام كل الوسائل للوصول إلى هدفهم السياسي في ترئيس العماد ميشال عون، ولو أدّى ذلك إلى عرقلة عجلة الدولة وصولاً إلى تعطيلها وتجميد مصالح المواطنين وإفقاد الوطن آخر مقوّماته.
كانوا يتصرفون كميليشيا سياسية، تقطع طريق الحكومة متى شاءت، وتجمّد عملها بذرائع شتى غير آبهة لصرخات الناس وتراكم الملفات الحيوية. تخطف مجلس النواب وتشلّ عمله لتطويع الاستحقاقات الدستورية وفق إرادتها، ولا يرفّ لها جفن مهما طال أمد الشغور في الرئاسة الأولى، ما دام قائدها لم يضمن تحقّيق حلمه التاريخي. استعملوا في معركتهم خطاباً فتنوياً وكلّ وسائل التحريض الطائفي، فبدوا كأنهم يستلحقون دوراً لم يلعبوه في الحرب الأهلية، مرتدين لباساً مستعملاً خلعه غيرهم منذ زمن بعيد.
وعن دور «حزب الله» يقول سلام:
- الحزب كان يتمايز عنهم أحياناً في التفاصيل، لكن في الأساسيات كان يقف دوماً إلى جانبهم. ولولا التغطية التي أمّنها لهم لما استطاعوا التمادي في سياسة التعطيل والعرقلة. طبعاً «حزب الله» يتحمل مسؤولية كبرى في هذه التجربة التي نحن في صددها. وأنا هنا لا أتحدث عن وزرائه الذين كانوا يتحلون على المستوى الشخصي باللباقة والأداء الجيد، بل عن السياسة العامة التي اتبعها مع حليفه من أجل إيصال ميشال عون إلى الرئاسة والأثمان التي تكبدتها البلاد في هذا السبيل.
علينا ألا ننسى أن من بين هذه الأثمان، القطيعة مع العالم العربي التي أدت إليها مواقف الحزب من دول الخليج، وتلك التي تفرّد بها وزير الخارجية جبران باسيل في المحافل العربية.
وهنا مقتطفات من فصل: «الأشقاء حين نجعلهم خصوماً»
حين ألّف تمّام سلام حكومته في شباط من عام 2014، لم يكن أحدٌ يؤمن بأنّ أعضاءها الآتين من مشارب مختلفة ومن قوى تتناحر منذ سنوات على الكبيرة والصغيرة، سيكونون فريق عمل ذا رؤية موحّدة، يعمل بتجانس كامل لإخراج البلاد من مشاكلها المتراكمة.
كان يدرك أنّ الأضداد الذين ضيّعوا قرابة أحد عشر شهراً في مماحكات التأليف، إنّما يجمعهم بعضهم إلى بعض داخل الحكومة، خيطٌ واهن قابل للانقطاع في أي ظرف أو قشرة هشّة معرّضة للكسر عند أول منعطف. وكان يعرف، كما جميع اللبنانيين، أنّ الهوّة بينهم أكبر من أن تردمها تفاهمات لفظية صيغت في البيان الوزاري بعد جهد ومشقّة.
بتنا أمام مأساة وطن، يواجه محاولات لا تتوقف من قوة إقليمية ذات امتدادات محليّة لسلخه عن عمقه الاستراتيجي وإبعاده عن حضنه العربي. نجحت هذه المحاولات في خلق إشكالات كبيرة بين لبنان وأشقائه العرب، وبخاصة المملكة العربية السعودية ودول الخليج. لكن النجاح التام تحقق لاحقاً، وصار البلد في عزلة تامة عن محيطه العربي. خسر المساعدات والاستثمارات ومداخيل السياحة، وفقد الدعم السياسي، وتُرك لمصيره.
حال العزلة التي وصل إليها لبنان هي بلا شك نتاج السياسات التي اتّبعها على مدى سنوات فريق سياسي محلي، هو «حزب الله»، وتدخلاته في الشؤون الداخلية لدول الخليج على إيقاع العداوة المستحكمة بينها وبين إيران.
حاول تمّام سلام مرات عديدة نزع فتيل التوترات التي كانت تثيرها هذه السياسة المستفزّة للعرب، والمحرجة للحكومة. واجه صعوبات عديدة. راهن دائماً على محبة الأشقاء الخليجيين لبلدنا، وعلى دفء مشاعرهم تجاهنا، وهي مشاعر صادقة عبّروا عنها في كل المحطات ولم يخذلوا لبنان ولو مرة واحدة.
كان من الصعوبة إقناعهم بصدق نيات الحكومة اللبنانية فيما أنّ فريقاً مشاركاً فيها لا يكفّ عن شتمهم، بل وعن القيام ببعض الأعمال الأمنية في بلادهم ومنطقتهم، كما يقولون.
لم يكن «حزب الله» وحده من أثار غضب الخليجيين، فوزير الخارجية جبران باسيل تبنّى في بعض المنتديات العربية مواقف لم ترضهم.
جبران باسيل كان ينسّق مع سلام في معظم الأوقات في شؤون السياسة الخارجية، ولكنّه في بعض المحطّات كان يجتهد ويتخذ مواقف لا تتناسب مع السياسة العامة للحكومة، ولم تجرِ مناقشتها في مجلس الوزراء، ما كان يسبب مشاكل مع بعض الدول العربية. نتيجة لذلك بدا لبنان، في سياسته الخارجية أحياناً، كمنزل ذي واجهة خارجية بشرفتين تتقاسمهما جماعتان، تحكي كلّ منهما لغتها الخاصة. أما رئيس الوزراء، فكان دوره نزع الألغام ومحاولة إيجاد لغة مشتركة.
أزمة مع البحرين والإمارات
تبنى وزراء الخارجية العرب في اجتماع لهم عُقد في القاهرة في 16 كانون الثاني 2015 بياناً تقدمت به البحرين، يعتبر تصريحات حسن نصر الله «تحريضاً واضحاً على العنف والإرهاب بهدف زعزعة الأمن والاستقرار في مملكة البحرين ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية»، ويطالب الحكومة اللبنانية بأن «تتخذ الإجراءات اللازمة والرادعة لضمان عدم تكرار مثل هذه التصريحات البغيضة».
كان لبنان محرجاً في الاجتماع. سجّل وزير الخارجية جبران باسيل اعتراضه على البيان، معلناً في الوقت نفسه أنّ الموقف اللبناني الرسمي هو عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، وعدم التعرّض لها. وقال باسيل: «إذا خُيّرنا ما بين الوحدة الوطنية اللبنانية وما بين علاقات لبنان العربية التي نحرص عليها ونتمسك بها، نختار حتماً الأولى ولا نفرط بالثانية».
هذه الصياغة للموقف اللبناني لم تُرضِ دول الخليج، لا بل زادت غضبهم. وقال وزير خارجية البحرين خالد بن محمد آل خليفة، إنّ الوفد اللبناني في الاجتماع «فضّل التمسك بوحدة وطنية زائفة على التضامن العربي الذي أنقذه من الاحتراب»، مضيفاً أنّ لبنان «بلد عظيم حكمه رجال وشيوخ كرام مثل بشارة الخوري وكميل شمعون وصائب سلام ورفيق الحريري، أما اليوم فيا للأسف يتحكم فيه إرهابي عميل».
خشي رئيس الوزراء أن تسبب هذه الأزمة إجراءات سلبية تطاول الرعايا اللبنانيين في بعض الدول الخليجية، فسارع إلى إصدار بيان متوازن لتهدئة الخواطر، أكّد فيه أنّ الموقف الرسمي للبنان من القضايا العربية والدولية تعبّر عنه الحكومة التي ينطق باسمها رئيس مجلس الوزراء «وليس أي جهة سياسية منفردة، حتى ولو كانت مشاركة في الحكومة الائتلافية».
لم تتخذ مملكة البحرين أي إجراء في حقّ اللبنانيين، على رغم الاستياء من كلام نصر الله، لا بل إنّ وزير خارجيتها أكد للرئيس سلام الذي التقاه على هامش مؤتمر الأمن في ميونيخ مطلع شباط، أنّ اللبنانيين في البحرين «يعيشون في بلدهم وبين أهلهم ولن يضيمهم شيء».
كان الشيخ خالد بن محمد آل خليفة في ذلك اللقاء بالغ الودّ، على عادة أهل البحرين جميعاً، وقد نفى أي نية لاتخاذ إجراءات بحق اللبنانيين المقيمين في بلاده، ردّاً على مواقف «حزب الله». لكنّه عبّر عن عميق ألمه للكلام القاسي الذي قاله نصر الله بحق البحرين وقيادتها، وقال إنّه يتفهم الواقع السياسي اللبناني، لكنه يتمنّى لو أنّ الحكومة اللبنانية تستطيع ضبط هذا النوع من التصريحات، خصوصاً إذا كان صادراً عن فريق سياسي مشارك في الائتلاف الحكومي.
طُويت المشكلة مع البحرين، لكنها انفجرت في مكان آخر، وتحديداً مع دولة الإمارات العربية المتحدة. بدأت تصل إلى بيروت معلومات عن نية سلطات أبوظبي إبعاد عدد من اللبنانيين العاملين لديها. اغتنم تمّام سلام فرصة وجوده ووزير خارجية الإمارات الشيخ عبد الله بن زايد في ميونيخ ليفاتحه بهذا الموضوع، وكانت نتيجة اللقاء قاسية بالنسبة إلى لبنان.
كان الشيخ عبد الله غاية في الدماثة، لكنّه في الوقت نفسه تحدث بلهجة حاسمة عكست مقدار الغضب الذي يتفاعل لدى القيادات الخليجية من تمادي «حزب الله» المتكرر في الاعتداء اللفظي على بلدانها والتدخل في شؤونها. قدّم أمام سلام، بكثير من التهذيب، عرضاً تاريخياً للعلاقة مع لبنان. قال: عندما كان بلدكم في أوج ازدهاره، كنّا لا نزال في بداية الطريق نحو بناء الدولة. كنا نعتبركم قدوة لنا وننظر إليكم وإلى المكانة التي وصلتم إليها بكثير من الإعجاب، ونغبطكم على ما حقّقتموه من تقدّم جعلكم في نظرنا كأي دولة أوروبية. كنا نحلم بأن يكون لدينا ما لديكم من بنى تحتية ومستشفيات ومدارس. أخي محمد بن زايد كان في السبعينيات من بين أول عشرة طلاب في الإمارات نالوا الثانوية العامة، بينما كانت جامعاتكم في لبنان تخرّج الآلاف من اللبنانيين والعرب في اختصاصات مختلفة.
قال الشيخ عبد الله أيضاً: لقد اختلف الوضع الآن. بذلنا جهداً هائلاً حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه من نهضة اقتصادية وتقدّم وبحبوحة. واليوم تستقبل الإمارات كادرات وعمالاً من أكثر من مائة وسبعين دولة، يعيشون جميعاً في أمان واستقرار. اعذرني يا دولة الرئيس إذا قلت لك إنّنا غير مستعدين للسماح باللعب بهذا الاستقرار من أجل لبنان أو فريق سياسي لبناني يناصبنا العداء ويشتمنا ليل نهار ويتدخل في شؤوننا الداخلية.
أكّد المسؤول الإماراتي أن بلاده تتفهم دقائق الوضع اللبناني، لكنها تعتبر أن «حزب الله» يمثّل حالة شاذّة لا بدّ أن تنعكس ضرراً على علاقات لبنان مع أشقائه. وعندما سأله الرئيس سلام عن مدى صحة النيّة بترحيل أعداد من اللبنانيين لم ينفِ ذلك، وقال إنّ سلطات الإمارات لا تفتري على أحد، لكنّها لن تتهاون مع أي مقيم يمكن أن يشكل خطراً على أمنها القومي.
فجر الخميس الخامس والعشرين من آذار 2015 أصدرت السعودية والإمارات والبحرين وقطر والكويت بياناً حول الأوضاع في اليمن، ونشرت نص رسالة تلقاها قادة دول مجلس التعاون الخليجي من الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي تناشدهم «تقديم المساندة الفورية بالوسائل والتدابير اللازمة كافة، بما في ذلك التدخل العسكري لحماية اليمن وشعبه من العدوان الحوثي المستمر، وردع الهجوم المتوقع حدوثه في أي ساعة على مدينة عدن وبقية مناطق الجنوب، ومساعدة اليمن في مواجهة القاعدة وداعش».
وقال البيان إنّ الدول الخليجية الخمس قررت «استجابة طلب الرئيس اليمني لحماية اليمن وشعبه من عدوان الميليشيات الحوثيّة التي كانت ولا تزال أداة في يد قوى خارجية».
هكذا بدأ تحالف من عشر دول بقيادة السعودية عمليات «عاصفة الحزم» ضد الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن، وفُتح فصل جديد دامٍ من فصول الصراع الخليجي - الإيراني في هذه المنطقة من العالم.
تردّدت أصداء هذا الحدث الكبير في بيروت حيث الانقسام الحادّ بين القوى السياسية. توالت ردود الفعل بين مؤيد للعملية العسكرية، مثل الرئيس سعد الحريري ووليد جنبلاط، ومعارض مثل «حزب الله» وحلفائه. بدت البلاد أمام اختبار آخر لاستقرارها السياسي الهشّ، وامتحان جديد للحكومة. وأولى محطات هذا الاختبار كانت تنتظر رئيس الوزراء في اليوم التالي في شرم الشيخ حيث ينعقد مؤتمر القمة العربي السادس والعشرون، الذي سيلقي فيه سلام كلمة لبنان.
رسمت الساعات الثماني والأربعون التالية صورة قاتمة للبنان، ولو أنّها صورة غير جديدة. فبين كلمة بالغة الحدّة لأمين عام «حزب الله» حسن نصر الله تضمنت هجوماً غير مسبوق بعنفه على المملكة العربية السعودية ودول الخليج، وخطاب رصين ومدروس بدقّة، حمله معه تمّام سلام إلى قمة شرم الشيخ لنزع فتيل أزمة جديدة مع الحاضنة العربية للبلد وأهله، بدا لبنان مرة أخرى كأنّه لبنانان يتحدثان لغتين مختلفتين ويسيران في خطين متعارضين لا أمل في تلاقيهما.
اتجهت الأنظار إلى شرم الشيخ ترقباً لكلمة رئيس الوزراء. قال الرئيس تمّام سلام في كلمته:
«إنّ لبنان، وانطلاقاً من حِرصِه على دعم الشرعية الدستورية في اليمن، وعلى الإجماع العربي ووحدة جميع البلدان العربية واستقرارِها، يعلنُ تأييده أي موقفٍ عربي يحفظُ سيادة اليمن ووحدة أراضيه وتماسكَ نسيجِه الاجتماعيّ.
إنّنا، إذ نؤكدُ إيمانَنا بأهمية اعتمادِ الحلول السياسيّة للأزماتِ الداخليّة بعيداً عن أي تدخل خارجي في شؤون الدول العربية، نأملُ أن يعودَ الأمنُ سريعاً إلى ربوع اليمن حِفظاً لأرواح أشقائنا اليمنيين وصَوْناً لمقدَّرات بلدِهم، تمهيداً لاستئناف الحوار في إطارِ عملية سياسيّة تَستوعبُ الخلافات، وتُرمم العلاقات بين مختلف الأطراف، وتُضع خريطة طريق للمستقبل»...
خلّف هذا الموقف ارتياحاً لدى دول الخليج، وعبر لبنان بنجاح الاختبار الإقليمي الصعب، خصوصاً أن الرئيس سلام تلقى في أثناء وجوده في شرم الشيخ معلومات، مفادها أنّ الجاليات اللبنانية في الخليج بعثت برسائل إلى السلطات الرسمية في بيروت تبدي تخوفاً من انعكاسات الكلام الأخير للسيد نصر الله على اللبنانيين هناك، وتدعو إلى التحرك لحماية مصالحهم.
بعد شرم الشيخ، زار الرئيس سلام الكويت في مؤتمر للنازحين، لكن فور عودته إلى لبنان ووجه بموقف لحزب الله رافض لما أُعلن في القمة العربية.
أعلن الحزب اعتراضه فور انتهاء القمة، واعتبر أنّ ما قاله سلام في شرم الشيخ لم يناقش في مجلس الوزراء، وبالتالي فإنه يعبّر عن وجهة نظر قسم من اللبنانيين، وليس عن وجهة نظر لبنان الرسمي. عاد الرئيس سلام وسمع الكلام نفسه من الوزير حسين الحاج حسن في أول جلسة لمجلس الوزراء عُقدت بعد عودته من الكويت.
قال في بداية الجلسة إنّ كلمته في القمة العربية لم تأخذ في الاعتبار إلّا مصلحة لبنان واللبنانيين، وشدّد على علاقات لبنان الوثيقة مع المملكة العربية السعودية وأفضالها الكثيرة عليه وكذلك على علاقات لبنان مع سائر دول الخليج. بعد ذلك شهدت الجلسة نقاشاً مستفيضاً بين الوزراء تميّز بالحدّة أحياناً.
حظي موقف سلام بتأييد الغالبية العظمى من الوزراء. وأعلن في النهاية تمسكه بموقفه الذي اعتبر أنّه يخدم المصلحة العليا للبنان، وقال إنه ليس في حاجة لأن يأخذ إذناً من أحد عندما يريد إعلان ما يؤمن به. وقابلت الغالبية العظمى من الوزراء كلامه هذا بالتصفيق.
بدا حزب الله وحيداً في موقفه. سجل تحفّظه في المحضر، وانتهت الجلسة بهدوء. عبرت الحكومة هذه الأزمة الجديدة بأقل الأضرار الممكنة، وأظهر المتخاصمون مرة أخرى، ولا سيما تيار المستقبل و«حزب الله»، أنّهم ليسوا في صدد تفجيرها من الداخل.
النأي بلبنان عن عروبته
لم يطل الأمر كثيراً حتى انفجرت القنبلة الكبرى. الفتيل هذه المرّة أشعله وزير الخارجية جبران باسيل عندما أعطى تعليمات لسفير لبنان في المملكة العربية السعودية عبد الستار عيسى، بالامتناع عن التصويت على قرار في مؤتمر منظمة التعاون الإسلامي في جدة، يندّد بإيران بسبب اعتداءات تعرضت لها سفارة السعودية في طهران وقنصليتها في مشهد.
أغضب هذا الموقف اللبناني السعودية والدول الخليجية وأثار ردود فعل داخلية كثيرة اعتبرته نأياً بلبنان عن عروبته وارتماء في أحضان إيران وسياستها التوسعيّة في المنطقة. وكالعادة، سارع رئيس الوزراء الذي كان يشارك في منتدى دافوس الاقتصادي إلى الحؤول دون اندلاع الحريق، وأصدر موقفاً لتصويب البوصلة قال فيه «إنّ السعودية محقّة بمواقفها، ولها دور قيادي في العالم العربي لتعزيز الاستقرار وتحسين الأوضاع الإقليمية، أما إيران فتتدخل في العالم العربي منذ سنوات عديدة، وهذا هو أصل النزاع بينها وبين المملكة».
ردّ باسيل من بيروت ببيان قال فيه إنّ وزارة الخارجية عملت «بموجب التوافق الذي ظهر جلياً على طاولة الحوار الوطني في جلسته الأخيرة»، مشدّداً على «انسجام السياسة الخارجية مع البيان الوزاري ومع سياسة حكومة الوحدة الوطنية ومنطقية مواقف الخارجية، بما يؤمن الإجماع العربي من دون المساس بالوحدة الوطنية».
عندما سُئل سلام عن سبب اتخاذ لبنان هذا الموقف خارج الإجماع العربي، أجاب بأن وزير الخارجية ارتأى ذلك من دون أن يشاوره في الأمر.
لم يكن بإمكان تمّام سلام أن يعالج هذه المسألة مهما حاول تلطيف الموقف بالبيانات والتصريحات لاسترضاء العرب. هناك واقع لا يمكن التعمية عليه كمن يحاول إخفاء نور الشمس بالغربال، وهو أنّ هناك قوة لبنانية مشاركة في الحكومة تلتزم لفظياً مبدأ النأي بالنفس وتمارس عكسه في السياسة والأمن، ولا تتوقف عن التعرض لدول الخليج العربي، وتُغلّب ارتباطها السياسي بإيران على مصلحة لبنان وأبنائه المنتشرين في دول الخليج. وهناك قوة ثانية مشاركة في الحكومة أيضاً متحالفة معها وتقدم التغطية الكاملة لها لتحقيق أهداف سياسية داخلية، أولها إيصال مرشحها إلى رئاسة الجمهورية. هذا هو واقع الحال، وهذا ما دفع لبنان ثمنه غالياً عزلة خانقة عن محيطنا العربي.
يوم التاسع عشر من شباط 2016 كانت الصدمة الكبرى. أعلنت المملكة العربية السعودية أنها أجرت مراجعة شاملة لعلاقاتها مع الجمهورية اللبنانية، وقررت إيقاف المساعدات المقررة لتسليح الجيش اللبناني بقيمة ثلاثة مليارات دولار، وكذلك ما بقي من مساعدة المليار دولار أميركي المخصصة لقوى الأمن الداخلي اللبناني. وعزت هذا الموقف إلى «المواقف اللبنانية المناهضة للمملكة على المنابر العربية والإقليمية في ظل مصادرة ما يسمى حزب الله لإرادة الدولة»، فضلاً عن «المواقف السياسية والإعلامية التي يقودها ما يسمى حزب الله في لبنان ضد المملكة العربية السعودية وما يمارسه من إرهاب بحق الأمة العربية والإسلامية».
شعر تمّام سلام بالمرارة لهذا القرار الذي اعتبره ضربة كبيرة للبنان، ويعبّر عن مستوى الغضب لدى الرياض التي لم تتراجع في تاريخها عن أي هبة قدّمتها لأي جهة. أدرك على الفور أن السعودية أرادت القول بقرارها هذا إنّ الكيل قد طفح وإنّ فترة التسامح والصبر قد انتهت، وعلى لبنان إذا أراد الحفاظ على علاقاته معها ومع دول الخليج العربي وعلى مصالحه أن يعالج مسألة «حزب الله».
دعا الرئيس سلام إلى جلسة استثنائية لمجلس الوزراء لمناقشة القرار السعودي والسياسة الخارجية للبنان.
دام النقاش سبع ساعات، وانتهى ببيان حظي بالإجماع وتلاه رئيس الوزراء شخصياً. وقد أُريدَ منه تصويب الموقف اللبناني واحتواء غضب المملكة العربية السعودية ودول الخليج.
لكن قبل أن يجفّ حبر البيان، عقد جبران باسيل مؤتمراً صحافياً قال فيه إنّ «هناك مشكلة حقيقية مع الدول العربية إذا كانت لا تتفهم الموقف اللبناني، لأنّ الحكومة وحماية لبنان واستقراره قامت على أنّ وحدته الداخلية وصونها يتطلّبان احترام النأي بالنفس». وأضاف: «إذا خُيِّرنا بين الإجماعِ العربي وبين الوَحدة الوطنية، فسننحازُ إلى الوَحدة وعدمِ تفجيرِ البلد والمَسِّ باستقراره».
استدعى هذا الكلام ردّاً من المكتب الإعلامي لسلام أوضَح فيه «أنّ بيان مجلس الوزراء صدر بإجماع الوزراء المشاركين في الاجتماع، بمن فيهم الوزير باسيل نفسه، وأي خروج عن هذا النص هو من قبِيل الاجتهاد الشخصي ولا يعبّر عن موقف لبنان الرسمي».
وبالفعل، فإن رئيس الوزراء والوزراء كانوا قد بذلوا جهوداً مضنية للوصول إلى إجماع على هذا البيان. شمل النقاش كلّ نقطة وفاصلة فيه، إلى أن جرى التوصل إلى الصيغة التي اعتقدوا أنها ستخفّف الاحتقان. لكن جبران باسيل هو جبران باسيل. زايد على «حزب الله» واتخذ هذا الموقف الذي زاد الأمور تدهوراً.
الضيف الدائم
مسؤولون إيرانيون تعاقبوا على زيارة لبنان في الفترة التي أمضاها تمّام سلام رئيساً للحكومة. منهم من تكررت زيارته مرتين أو ثلاثاً مثل عبد اللهيان، ومنهم من زار أربع مرات أو خمساً مثل بروجردي، ومنهم من اجتمع به سلام في لبنان وخارجه مثل ظريف.
وإذا أضيف إلى هذه القائمة الطويلة الرئيس حسن روحاني الذي التقاه سلام في نيويورك، عدا اللاعب الأبرز في السياسات الإيرانية الإقليمية رئيس فيلق القدس في الحرس الثوري الجنرال قاسم سليماني، وغيره من المسؤولين الأمنيين الذين كانوا يأتون لبنان سرّاً ودون استئذان، تكتمل صورة الحضور الإيراني الدائم في المشهد السياسي في بيروت، التي تفاخر مسؤولون عديدون في طهران بأنها صارت واحدة من أربع عواصم عربية تحت السيطرة الإيرانية.
لم يملّ الرئيس سلام من تكرار الدعوة إلى الإيرانيين للضغط على حلفائهم من أجل المساعدة على انتخاب رئيس.
هكذا فعل مع نائب وزير الخارجية مرتضى سرمدي ثم مع مستشار مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية الدكتور علي أكبر ولايتي. لا بل إنّه استعمل مع الأخير لهجة أكثر حزماً من المعتاد حين قال له: «أنا أريد أن تقترن هذه الزيارة بعمل يترجم على الأرض لأنه لا يمكن إيران أن ترسل المبعوث تلو الآخر بدون أن تقرن هذه الزيارات بأفعال».
الجواب؟ لغة دبلوماسية راقية لا تُسمن ولا تغني من جوع. وعلى غرار باقي الزوار الدائمين من الجمهورية الإيرانية كانت تصريحات ولايتي خارج الأبواب المغلقة تشيد بـ«الإنجازات الكبرى والانتصارات التي استطاعت المقاومة اللبنانية الباسلة أن تحققها جنباً إلى جنب مع الجيش السوري في مجال دحر القوى المسلحة التكفيرية في منطقة القلمون، والتي تؤدي إلى تقوية محور المقاومة والممانعة في المنطقة برمتها».
استمرت الزيارات الإيرانية واستمر دفق الكلام المنمّق عن الوحدة الوطنية اللبنانية وحكمة المسؤولين اللبنانيين، وعن العلاقات الأخوية بين لبنان وإيران واستعداد الجمهورية الإسلامية لتقديم كل عون ممكن، إلى أن جاء العون أخيراً، لكن بالاتجاه المعاكس، أي من لبنان إلى إيران.
فقد انتخب مرشح «المقاومة والممانعة» رئيساً للجمهورية. فازت إيران وحلفاؤها بالجائزة الكبرى، ولم تعد هناك حاجة إلى الكثير من الزيارات.



«القاهرة للكتاب» يحتفي بأصوات جديدة في الإبداع والنقد والنشر

إقبال كبير على المعرض (رويترز)
إقبال كبير على المعرض (رويترز)
TT

«القاهرة للكتاب» يحتفي بأصوات جديدة في الإبداع والنقد والنشر

إقبال كبير على المعرض (رويترز)
إقبال كبير على المعرض (رويترز)

حقق معرض القاهرة الدولي للكتاب في ختام دورته الـ57 رقماً قياسياً جديداً في عدد الزوار الذين تخطوا حاجز الستة ملايين زائر على مدار 13 يوماً في الفترة من 21 يناير (كانون الثاني) حتى 3 فبراير (شباط) ليؤكد على مكانته بوصفه وجهة للثقافة العربية وعرساً للقراءة يختلط فيه الفكر بالإبداع بالأجواء الكرنفالية الاحتفالية التي يقبل عليها الجميع من الأعمار كافة.

واحتفت جوائز المعرض في دورته الأخيرة بأصوات جديدة تتسم بالموهبة والحيوية في مجالات مختلفة كالإبداع والنشر والنقد الأدبي، حيث فاز مدحت صفوت بجائزة «النقد الأدبي» عن كتابه «بلاغة الكود» مناصفة مع الدكتور صلاح السروي عن كتابه «مفهوم الرواية»، فيما ذهبت جائزة «العلوم الإنسانية - التراث والهوية» إلى الباحث حسن محمد الشافعي عن كتاب «الاغتراب والحداثة في النقد الثقافي العربي».

وفازت هناء متولي بجائزة «أفضل مجموعة قصصية» عن كتابها «ثلاث نساء في غرفة ضيقة»، كما ذهبت جائزة «أفضل ديوان شعر عامية» إلى الشاعر سعيد شحاتة عن ديوانه «فريدة... جدارية أمي اللي باعت عفشها»، بينما فازت الكتابة الشيماء رجب الشرقاوي بجائزة الرواية في فئة «الشباب» عن «ترنيمة عصفور أزرق»، فيما ذهبت جائزة «أفضل ناشر عربي» مناصفة بين مجموعة «بيت الحكمة للصناعة الثقافية» من مصر، ودار «أصالة» من لبنان.

التراث والترجمة

أما جائزة التراث، فجاءت مناصفة، حيث فاز بها كتاب «العنوان في ضبط مواليد ووفيات أهل الزمان» تحقيق الدكتور عاطف يمني، وكتاب «رسالتان في الاجتهاد والتجديد للشيخين حسن العطار ورفاعة الطهطاوي»، تحقيق الدكتور حسام عبد الظاهر، وهما صادران عن دار الكتب والوثائق القومية.

وفي مجال الفنون بالتعاون مع أكاديمية الفنون المصرية، فاز كتاب «رحلة العائلة المقدسة» للمؤلف صلاح أحمد عبد الحليم، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة.

وذهبت جائزة الترجمة لكتاب «التاريخ الإجرامي للجنس البشري» للمترجم الدكتور رفعت السيد علي، الصادر عن المركز القومي للترجمة، وفي فرع كتاب الطفل المترجم فازت موسوعة «التسلسل الزمني لكل شيء: من الحيوانات المنقرضة إلى الحروب العالمية» للمترجمة زينب عاطف سيد، الصادرة عن دار نهضة مصر.

جوائز التميز للمرة الأولى

واستحدثت إدارة المعرض هذه الدورة شكلاً جديداً من التكريم تحت اسم «جوائز التميز» بإجمالي مليوني جنيه وتم تقسيمها على عدة فئات شملت «أفضل جناح بيئي محلي» وذهبت إلى جناح حلايب وشلاتين، و«أفضل عرض فنون تشكيلية» وكانت من نصيب معرض الكاريكاتير «نجيب محفوظ بعيون العالم»، كما نالت الهيئة العامة لقصور الثقافة جائزة «أفضل جناح في تخفيض أسعار»، في حين فاز الكاتب والممثل خالد الصاوي بجائزة «أفضل حفل توقيع» لديواني «كلام مرسل» و«أجراس»، فضلاً عن رواية «أطلال»، أما الكاتب نبيل عبد الفتاح فحصد جائزة «أفضل ندوة لمحلل سياسي».

وقال الدكتور أحمد فؤاد هنو، وزير الثقافة، إن جوائز التميز بمعرض القاهرة الدولي للكتاب تأتي ترجمة عملية لتوجهات الدولة المصرية في الاستثمار في الإنسان، وتعزيز دور الثقافة بوصفها أداة رئيسية لبناء الوعي، وتنمية القدرات الإبداعية، وترسيخ قيم الانتماء والهوية الوطنية، مشيراً إلى أن المعرض أصبح منصة ثقافية شاملة تتجاوز عرض الكتب إلى دعم المبادرات النوعية والاحتفاء بالتجارب المتميزة في مختلف مجالات العمل الثقافي.

وذكر أن «هذا الحضور الكثيف الذي بلغ 6 ملايين و200 ألف زائر يعكس المكانة الراسخة لمعرض القاهرة الدولي للكتاب في وجدان المصريين والعرب والمقيمين على أرض مصر»، مشيراً إلى أن هذه الأرقام القياسية تترجم العلاقة العميقة بين الشعب المصري والكتاب، وتؤكد أن القراءة والمعرفة تظلان في صدارة اهتمامات المواطنين رغم كل التحديات.

أيام الفاطمي المقتول

وأعلن الناقد محمد بدوي فوز الكاتب التونسي نزار شقرون بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية في دورتها الأولى، عن روايته «أيام الفاطمي المقتول»، حيث أوضح بدوي، خلال الإعلان عن الجائزة، أن الرواية الفائزة تميزت بطرح سردي عميق ورؤية فنية ناضجة، استطاعت أن توظف التاريخ والخيال في بناء روائي محكم، بما يعكس روح الجائزة وأهدافها في دعم الرواية العربية المعاصرة.

ووصل عدد الروايات المتقدمة لجائزة نجيب محفوظ إلى 108 روايات، وتشكلت لجنة التحكيم من النقاد محمد بدوي وحسين حمودة وخيري دومة والروائي محمد بدوي طه. وتأتي الجائزة بقيمة 500 ألف جنيه مصري بالإضافة إلى ميدالية ذهبية تكريماً لإرث نجيب محفوظ الأدبي، وهي ممولة بالكامل من البنك الأهلي المصري.

ومن جانبه، علق نزار شكرون على فوزه قائلاً عبر صفحته بموقع «فيسبوك»: «فخور هذه الليلة بفوزي بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية، تتويج له مذاق خاص على أرض مصر العزيزة، سعيد باقتران اسمي وعملي الروائي باسم الروائي الكبير نجيب محفوظ، هذه لحظة فارقة في حياتي الأدبية، أهدي هذا الفوز لزوجتي الحبيبة هدى وابني إياد ورائي».

وسبق أن احتفى عدد من الأدباء والنقاد المصريين برواية «أيام الفاطمي القتيل» ومنهم الكاتب إبراهيم عبد المجيد الذي علق على العمل قائلاً: «بطل الرواية هو الميت الذي يخرج من تابوته ليحكي لنا ما حدث، حتى نعرف هل مات مقتولاً في مصر، التي منها حُملت الجثة إلى مدينته البيضاء في تونس، أم كان موته عادياً. الأمر يتوسع ليشمل ما شاهده قبل موته، أو بعد دفنه وإخراج جثته لفحصها مرة أخرى. أي أن الرواية يكتبها الميت نفسه». الشعر... موعد للفرح

وازدانت أروقة المعرض بالشعر والشعراء الذين صنعوا حالة من البهجة عبر الأمسيات التي ضمت عشرات الشعراء من جميع الأجيال، فضلاً عن الندوات الفكرية التي تحدث فيها أصحاب التجارب الكبرى عن تفاصيل رحلتهم مع القصيدة، كما في اللقاء الشعري الذي أجراه الشاعر محمد الكفراوي مع الشاعر جمال القصاص.

استحدثت إدارة المعرض هذه الدورة شكلاً جديداً من التكريم تحت اسم «جوائز التميز» بإجمالي مليوني جنيه

وأشار الكفراوي إلى أنه عبر مسيرته الشعرية التي تصل إلى 65 عاماً، أمتعنا فيها جمال القصاص بأشعاره وصوره وخياله الجامح الفوّاح، منذ بداياته في «خصام الوردة» عام 1984، ومن بعد ذلك «شمس الرخام» 1990، و«ما من غيمة تشعل البئر» عام 1995، وصولاً إلى مرحلة فارقة في «السحابة التي في المرأة» 1997، ثم «من أعلى بمحاذاة الموسيقى»، و«الإسكندرية... رباعية شعرية»، وحتى ديوانه الأخير «تجرحني بخفة وتعلو».

وقال الشاعر جمال القصاص رداً على سؤال العودة إلى البدايات وممارسته الشعر: «بداياتي مع الشعر جاءت عبر انشغالي في مرحلة مبكرة جداً بالكتابة، والرسم الذي كان موهبتي الأولى، بدأت أكتب الزجل وذلك دون اقتناع مني، كان ذلك انشغالاً بالسطح لا العمق، كانت بداياتي قراءاتي للشعر، وقد نسخت بخط يدي ديوان إيليا أبو ماضي، ومن بعده درست العَروض بنفسي، وفي سن السادسة عشرة نشرت أول قصيدة لي، ومن هنا جاءت محبتي للشعر».

وتابع القصاص: «كان الشعر بمثابة بحرٍ لي، وخاصة أن الوصول إلى الشاطئ هو وصول مراوغ، ولم يأتني الشعر مباشرة، أنا من بحثت عنه واكتشفت أن في داخلي شاعراً، فالشعر بالنسبة لي تمرين يومي على الفرح، هو لحظة فرح حقيقية لا تأتي من الخارج».

وأدار الناقد محمد سليم شوشة حواراً مفتوحاً مع الشاعر المغربي حسن نجمي الذي وصفه شوشة بأنه «من أبرز الأصوات الشعرية في العالم العربي»، مشيراً إلى امتداد تجربته بين الشعر كجوهر للتجربة الإنسانية، والبعد النقدي، بالإضافة إلى حضوره في الرواية. وأوضح أن «الندوة تهدف إلى الحوار والتفتيش في سيرة وتجربة الشاعر التي تستدعي التراث العربي عامة والمغربي خاصة، وتسعى إلى إعادة تشكيل القصيدة بأشكال متعددة، ما يجعله صوتاً أصيلاً ومتميزاً».

وقال نجمي إن الإنسان لا يختار أقداره بل يعيشها قدر استطاعته، مشيراً إلى أنه «لا يوجد شاعر يقرر أن يكون شاعراً»، كما أن الطريق إلى الشعر صعب ولا يمكن تعلمه بسهولة أو اختياره، فضلاً عن أن الشاعر الحقيقي لا يمنح نفسه صفة الشاعر بسهولة، مستشهداً بتجربة محمود درويش الذي لم يكن يعلن عن نفسه شاعراً، ورأى أن الانتساب لهذه الصفة صعب جداً.


الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

عمر مرزوق
عمر مرزوق
TT

الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

عمر مرزوق
عمر مرزوق

يعتبر الباحث الجزائري الدكتور عمر مرزوق أحد كبار المثقفين العرب المضيئين لعصرنا؛ عصر الظلمات الداعشية. وقد أصدر حتى الآن عدة كتب لافتة. نذكر من بينها: «هل توجد فلسفة إسلامية؟»، ثم كتابه الضخم والمهم جداً عن ابن سينا بعنوان: «ابن سينا أو إسلام الأنوار». وهذا يعني أن إسلام الأنوار كان موجوداً في تاريخنا سابقاً وليس حديث العهد، وأن ابن سينا هو أحد كبار ممثليه، بالإضافة إلى بقية العباقرة والعظماء. ومؤخراً أصدر الدكتور عمر مرزوق كتاباً جديداً بعنوان: «المعتزلة: العقل والإيمان والحرية في أرض الإسلام».

ويرى هذا المفكر الجزائري المرموق أن المؤلفات الفلسفية العربية كانت محط اهتمام بحّاثة الغرب ومستشرقيه أكثر بكثير من بحّاثة الإسلام وشيوخه. وهذا ليس تناقضياً إلا في الظاهر فقط. فالواقع أن الاستشراق العلمي الأكاديمي هو الذي نشر مخطوطاتنا وحققها وأنقذها. وأكبر دليل على الانحطاط الذي نعيشه اليوم هو أننا بدلاً من أن نشكر الاستشراق الأكاديمي الرصين على هذه الخدمات الجليلة التي قدمها لنا ولتراثنا، رحنا نشتمه ونصب جام غضبنا عليه. لماذا؟ يقول لنا عمر مرزوق في هذا الصدد ما فحواه: لا ريب في أنه يوجد غربيون كارهون لنا ولتراثنا، ولكنهم أقلية قليلة قياساً إلى كبار المستشرقين الأكاديميين المتبحرين في العلم. وبالتالي فلا ينبغي التعميم إطلاقاً. لا ينبغي أن ننكر أفضال علماء الاستشراق الكبار الذين لم يكتفوا بتحقيق مخطوطاتنا التراثية فقط، وإنما طبقوا عليها المنهج التاريخي - النقدي الحديث لأول مرة في التاريخ، فأضاءوها بشكل غير مسبوق. وإذا ما واصلنا الهجوم الغبي عليهم، فنحن سنكون الخاسر الأكبر وليس هم. هل يُعقل أن نكون أعداء للعلم فقط وأحباء للجهل؟

وفي هذا الصدد ينبغي الاعتراف بالحقيقة التالية: وهي أن الحضارة الغربية هي وحدها التي تحررت من ظلاميات العصور الوسطى وغياهبها وتكفيراتها. وهي الظلاميات والتكفيرات التي لا تزال تهيمن على جمهور المسلمين حتى الآن. ثم يردف الدكتور عمر مرزوق قائلاً: وحدها الحضارة الأوروبية الحديثة تؤمّن للمثقفين حرية البحث والنقد والتمحيص حتى في المجال العقائدي الديني الحساس جداً. وهذه الحرية تؤمّنها أيضاً للباحثين العرب والمسلمين الذين يشتغلون في جامعات الغرب. ومن دون هذه الحرية النقدية الأكاديمية لا إبداع فكري، ولا استكشافات خلّاقة. ولذلك فإن الباحثين العرب يبدعون في عواصم الغرب وليس في عواصم العرب. وهذا يعني أن الحقيقة ممنوعة الإقامة في العالم الإسلامي حتى إشعار آخر. ينبغي العلم أن المستشرقين الأكاديميين لا يرفضون الفلسفة ولا يكفّرونها، بل إنهم يحتفلون بها على عكس جهابذة الشيوخ في العالم العربي والإسلامي. وهنا يكمن الفرق الأساسي بين الساحة الثقافية العربية والساحة الثقافية الفرنسية أو الأوروبية بشكل عام. ولهذا السبب ازدهرت الفلسفة في الغرب واضمحلت حتى ماتت في الشرق؛ وذلك لأنه من دون حرية فكرية لا فلسفة ولا عقل ولا حضارة ولا من يحزنون!

ثم ينبهنا الدكتور عمر مرزوق إلى الحقيقة التالية: وهي أن ثقافتنا التراثية التقليدية لا تهتم بالعلوم الإنسانية ولا بالفلسفة، بل تحتقرهما احتقاراً شديداً. ولماذا تهتم بهما إذا كانت تعتقد في قرارة نفسها أنها تمتلك الحقيقة المطلقة التي لا حقيقة بعدها؟ ولذلك تطغى علينا الجهالات القروسطية. انظروا إلى مدارسنا وجامعاتنا إلا ما رحم ربك. انظروا إلى برامج تعليمنا، وبخاصة فيما يتعلق بمادة التربية الدينية. شيء مخيف. انظروا إلى فضائياتنا وظلامياتنا. شيء مرعب. انظروا كيف يتحدثون عن الأديان الأخرى ويزدرونها. حياتنا كلها مليئة بتصورات تراثية تكرارية واجترارية عقيمة لا تقدم ولا تؤخر، بل قل تؤخّر وتجمّد حركة التاريخ. إنها تعرقل تقدمنا وتطورنا؛ وذلك لأنها تصورات متكلسة ومتحنطة جداً. لقد أكل عليها الدهر وشرب. نحن في وادٍ والعالم المتقدم كله في وادٍ آخر. وعلى الرغم من وجود عباقرة عرب ومسلمين على مدار التاريخ، فإنهم كانوا منبوذين أو مشبوهين من قبل أساطين الأصوليين المهيمنين على عامة الشعب. الشارع دائماً لهم قديماً وحديثاً، بل كان عباقرتنا معتبرين بمثابة زنادقة خارجين على الملة والدين. لذلك لم تزدهر الفلسفة والعلوم العقلانية عندنا كما ازدهرت في أوروبا والغرب عموماً. فكبار الفلاسفة من أمثال الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد وسواهم كانوا مكفّرين من قبل الأصوليين. كل أساطين الأصولية كانوا يكرهون الفلسفة ويحذرون منها ومن مخاطرها على العقيدة والدين. كلهم هاجموا الفلسفة واعتبروها ذات طابع وثني. لقد اعتبروها كعلم دخيل لا يمكن أن تؤدي إلا إلى الكفر والإلحاد. كيف يمكن أن تزدهر حضارة عربية في مثل هذا الجو؟ وعندما نقول الفلسفة نقصد العقل لا النقل. النقل شبعنا منه. هل يمكن أن تزدهر حضارة ما من دون فكر عقلاني وعلم نوراني يشق غياهب الظلمات؟

ثم يستدرك عمر مرزوق هنا قائلاً: ولكن من الظلم أن نتهم شيوخ الإسلام وحدهم بمعاداة الفلسفة. فالواقع أن الأصوليين المسيحيين في أوروبا كانوا يفعلون ذات الشيء. وكانوا يرعبون العلماء والفلاسفة من أمثال غاليليو وديكارت وسبينوزا وعشرات الآخرين. كانت سيوف محاكم التفتيش مسلطة على رؤوس الجميع. ولكن الفرق بين العالم العربي وأوروبا هو أن محاكم التفتيش انتهت عندهم منذ زمن طويل، في حين أنها لا تزال مسلطة على رقابنا حتى الآن. لا يزال قمع الفلسفة (أي الفكر العقلاني الحر) متواصلاً منذ ألف سنة؛ أي منذ تكفيرها على يد الإمام الغزالي. وكذلك منذ اضطهاد الفقهاء المتشددين لابن رشد في قرطبة. هذا ناهيك بعبقري العباقرة ابن سينا الذي عاش مشرداً مرعوباً ملاحقاً من قبل فقهاء عصره الناقمين عليه والمكفّرين له، بل تعرض للسجن والإهانات، وربما مات مسموماً في نهاية المطاف وهو في عز الشباب: 57 سنة. هل اغتالوه؟ شبه مؤكد. ولا ننسَ مقتل السهروردي على يد صلاح الدين الأيوبي بعد أن وشى به شيوخ حلب المتشددون... إلخ. ولا ننسَ ولا ننسَ... لهذا السبب ماتت الفلسفة وانقرضت في أرض الإسلام، في حين أنها انتعشت كل الانتعاش في أوروبا، بل صعدت بشكل صاروخي منذ القرن السادس عشر حتى اليوم. ثم بعد كل ذلك يسألونك: لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟ إذا عُرف السبب بطل العجب. ولكن الأنوار العربية قادمة لا ريب فيها، وإلا فعلى الدنيا السلام!


«برميل سارتر»... استعادة «متأخرة» لسرديات الوجودية

كامو
كامو
TT

«برميل سارتر»... استعادة «متأخرة» لسرديات الوجودية

كامو
كامو

في «برميل سارتر: مغامرات الوجودية من الإخوة كارامازوف إلى اللامنتمي» - دار الرافدين: بغداد، 2025 - للكاتب الصحافي العراقي علي حسين، نكون إزاء تأويلين أساسيين لأحد أهم التيارات الثقافية الفكرية العالمية، وهي الوجودية. الأول، تمثِّله صورة سارتر وبرميله المضخم، عربياً وعراقياً. والثاني، التأويل المعرفي - الفلسفي للوجودية في سياقها العالمي. هل ثمة فارق بين السياقين؟ لا شك؛ فهذا من نافلة القول، سوى أن «سارتر» كان في الطليعة في الحالتين! وهذا أحد كشوفات العنوان، المعلنة سلفاً، أو سواها. فـ«برميل سارتر» ذو قصدية فائقة؛ بانطوائها على دلالات مختلفة، وربما متعارضة. ففي لحظة تشييع «سارتر» تستعيد رفيقة دربه سيمون دي بوفوار أحد خطب رفيقها الراحل، وقد صعد على «برميل» ليتحدث أمام حشد من الطلبة والعمال عن الدور المفترض للمثقف، فهو «منحاز» للشعب. وعليه، من ثمَّ، أن يعرف أزمنة «البيانات»، و«الندوات» الصاخبة، ومثلها «المقالات» المنشورة بالصحف «الإصلاحية»، كل هذا «قد ولَّى». هذا محدد رئيس لدلالة «البرميل» وصاحبه «سارتر»، ولا ينبغي تركه يمضي في سبيله من دون «ضبط»؛ وهكذا فعل علي حسين ذاته بعنوان كتابه، ثم باستعادة مشهد صورة سارتر واقفاً على البرميل ذاته، فكانت الصورة عتبة أساسية توطئ للكتاب وتعيد توجيهه.

سارتر أم الوجودية؟

أفكر أن هناك «صورة» مسبقة أعدت باحترافية عن الفيلسوف الوجودي، وعن الوجودية كلها، كما أتصوَّر. وقد أفترض أن روافد كثيرة قد تضافرت معاً على تكوينها، في المقدمة منها المنطق الشعبي بأصوله الفولكلورية؛ حيث «البرميل» بديلاً عن «منصة» الجامعة أو القاعات الفخمة، حتى المقهى الشهير. ولقد أحسن الكاتب علي حسين اختيار عنوان كتابه، بل كان موفقاً في «استعادته» مشهد الوجودية في أصولها العالمية، وبظلالها العربية والعراقية المميزة.

لا أحد من فلاسفة القرن العشرين الكثيرين، وهو القرن الأشهر بأحداثه المتفجِّرة وكوارثه الكبرى، يمكن له أن يمثّل «الوجود» وفلسفته سوى سارتر ورفيقة دربه «سيمون دي بوفوار». وقد أجزم أن أي مؤرخ سينحاز، مجبراً، لمنطق سارتر وبرميله. وكأننا، هنا، إزاء قدرية لا مفرَّ منها ترغم الجميع على هذا التأويل والتاريخ المعدُّ سلفاً، بانتظام عجيب. ولكن لماذا «سارتر» وحده؛ «كامو»، أو «كيركغارد»، حتى نيتشه، وغيرهم ممن حقَّقوا شهرة عريضة، وأنجزوا منظومات فلسفية فكرية كبرى تتفوق كثيراً، ربما على «فلسفة» سارتر وبرميله، شأن الألماني هايدجر، لا تُذكر أسماؤهم في سياق التأسيس للفلسفة الأكثر تأثيراً في السياق العالمي بعيد الحرب العالمية الثانية! لا ينشغل كتاب «برميل سارتر»، ولا مؤلفه، بهذا الجدل، فهما معنيان بالدلالة الأولى للعنوان، مثلما أنهما، كما يظهر لنا من الكتاب نفسه، مشغولان بتتبُّع ورصد التحولات الكبرى التي أحدثتها الوجودية بصفتيها: الفلسفية - المعرفية والسياسية. وتبدو القيمة الفلسفية مترسِّخة وذات قيمة أساسية، وهي ما يهتم بها الكتاب، بينما تتوارى القيمة السياسية خلف مظاهر التفلسف.

في تقديم الكتاب ذي العنوان الاتهامي، ربما: «أنت المسؤول عن قراءة هذا الكتاب»، لا يشرح لنا علي حسين الكثير عن صاحبنا سارتر، ولا عن الوجودية. إنما يمضي في تلمُّس العذر له، أولاً؛ لأنه عاكف على قراءة كتب فلاسفة الوجودية، بقصد تأليف كتاب «متأخر»، ولا شك، عن الوجودية، الفلسفة الأكثر صخباً، بعد الماركسية وأحزابها السياسية، ويترك الأمر برمته، من ثمّ، للقارئ بأن يلقي على عاتقه مسؤولية القراءة والفهم، وربما تقدير إشكالية الكتابة، مجدداً، عن «فلسفة» صارت من الماضي «المجيد» في عصر الذكاء الصناعي. فهل هذا الأمر كافٍ لتسويغ الكتابة عن الوجودية وفلاسفتها بعيداً عن حاضرها التاريخي؟ هذا السؤال، في حقيقة الأمر، لا قيمة له في سياق الكتابة السيرية النقدية لشخصية فلسفية كبرى، أو لفلسفة أساسية كما هو شأن كتاب «برميل سارتر». وهذا مما نجد صداه في تقديم علي حسين لكتابه، لكنه يعرف أن المزاج الشخصي للمثقفين العراقيين، وهل يختلف العرب هنا! تتحكم به «الموضة» المنهجية والفكرية، وقد مضى زمن الوجودية وموضتها، فلا يحفل كثيراً باعتراضات بعض مثقفينا المشبعين بمنطق الموضة الثقافية.

كيركغارد

الوجودية، هنا، ليست محض «فلسفة» أو «اتجاه» فكري وسياسي ساد ثم باد، إنما هي بعض ماضي المؤلف ذاته، فالكتاب ليس عرضاً ثقافياً لفلسفة معينة فحسب، إنما هو «سيرة» مضمرة للكاتب علي حسين نفسه. في الأقل تتحدَّث عن «قراءات» المؤلف لكتب الفلاسفة الوجوديين. ولعل هذا المنطق السيري، ربما سوَّغ للكاتب أن يخوض بالأسئلة الكبرى التي واجهتها الوجودية بنسختها العربية، وقد ظهرت بمناخ «ثقافي» تآمري يعتاش على أسئلة المؤامرة والشك. فمن هو الوجودي؟ سؤال بصيغة عالمية ولا شك، يندر أن تخلو منه ثقافة عالمية، لكنه يصطدم عندنا بإشكالات الوجود كله، وبالصدارة منها الإشكالية السياسية. وبرغم ذلك، يظل سؤال الوجود ذا منطق متفرد وإشكالي. فالوجودي يُفهم، كما يجادل الكاتب ذاته في مواضع مختلفة من كتابه، على أنه «العبثي»، وهو «الملحد»، وربما هو «المنحل» أخلاقياً، مثلما قد يكون رداً متأخراً على تقديم «الماهية» على الوجود، كما يُفهم من مقولة ديكارت الشهيرة: «أنا أفكر إذن أنا موجود»، بما جرى لها على يد الأب الروحي للوجودية الفيلسوف الدنماركي «كيركغارد» بتبريز الوجود على الماهية؛ بقوله: «أنا أفكر، فأنا إذن لست موجوداً». ولا أدري لماذا لا أستعيد، هنا، مقولة الكاتب ذاته، في ردِّه على المعترضين على راهنية الوجودية؛ لتسويغ الكتابة عنها؛ فهو يرى أن الرفض الحالي للوجودية بوصفها فلسفة هو بذاته موقف وجودي؛ لماذا؟ لأن الرفض يعبر عن الاختيار، وهذا واقع في «صميم» السؤال الفلسفي للوجودية.

الوجودية تستعيد آباءها

لكن البحث عن المسوغات اللازمة لتأمل الوجودية بوصفها فلسفة كبرى هو بذاته مسوغ كافٍ للبحث في الأصل الفلسفي للوجودية. ولا مسوِّغ لأمر ما أصلح من «اختراع» تاريخ له. هكذا سيجد علي حسين أن سؤال الوجود يفرض عليه بصفته مؤرخ الوجودية الحالي، أو الأخير، البحث في الأصول الأولى للوجودية؛ لماذا لا أقول إن التاريخ، هنا، ليس سوى محاولة أولى للبحث عن الأب المؤسس؟ والأب الأول هو بروتاغوراس اليوناني، المولود في أسرة فقيرة في جزيرة «أيديرا»، إحدى الجزر اليونانية، وقد كانت، وقتذاك، مقراً لديمقريطس، مؤسس المدرسة الذرية. وبروتاغوراس ذاته صاحب مقولة «الإنسان مقياس كل شيء»، وهي المقولة المنفتحة على إرث السفسطائيين، الذين يعدهم بعض المؤرخين الآباء الأوائل المؤسسيين للوجودية، ولا سيَّما بروتاغوراس وسقراط. وسيكتب كيركغارد لاحقاً أن بروتاغورس هو «أول من تفلسف حول الإنسان، وأن الفلسفة التي انبثقت عنه هي فلسفة للحياة». وسيغدو «التفلسف» حول الإنسان، أو ما سُمي لاحقاً بفلسفة الوجود وسؤالها المتفرِّد، هو النقيض الفلسفي لمنطق الفلسفة الأول وأسئلتها الخاصة بالميتافيزيقيا والظواهر المجاورة. وهو ما نهضت به الصياغات الأساسية الكبرى لفلاسفة الوجودية، كما عرض لها الكاتب علي حسين في كتابه.

لماذا نستعيد الوجودية في عصر مختلف جذرياً عن عصرها الذهبي؟

وقد يكون من المناسب حقاً، أن نقف عند قضيتين أساسيتين. تتعلَّق الأولى بالإحاطة الموسعة التي يجدها القارئ متجسِّدة في كتابة السير الموجزة للفلاسفة الكثيرين الذين عرض المؤلف لحياتهم ومساهمتهم في الفلسفة الوجودية. وهذا أمر يُحسب كثيراً لعلي حسين؛ فقد تضمن كتابه عرضاً لحياة ومساهمة أكثر من 25 فيلسوفاً وكاتباً أساسياً ممن أسهموا في صياغة الفلسفة الوجودية. ويدخل في صميم هذه الإجادة ما نجده من إفاضة وتوسع في ذكر المصادر بأصولها العالمية وترجماتها العربية المختلفة. وللكتاب سمة أو قضية ثانية لا ينبغي إغفالها، وهي أن الكتاب يقترح مساهمة عربية أساسية في الفلسفة الوجودية، وهذا مما لا نجده، ربما منفرداً بفصل أو فقرة خاصة لدى غيره ممن كتبوا عن الوجودية وفلاسفتها الأساسيين. نتحدث عما أورده المؤلف عن الفيلسوف المصري الدكتور عبد الرحمن بدوي ومساهمته الفاعلة في التأسيس للفلسفة الوجودية في العالم العربي. وقد يعنيني كثيراً، في هذا المقام، أن أطمح بأن أقرأ، قريباً، كتاباً مماثلاً من تأليف الكاتب نفسه، لنقل جزءاً متمماً ثانياً لبرميل سارتر، موضوعه الصياغة العربية للوجودية، لنسميها الأثر الوجودي في الثقافة العربية، ولا سيَّما العراق، البلاد التي شهدت تجذُّراً مختلفاً لليسار السياسي. وأزعم أن العرب قد قدموا فهماً مختلفاً عن الوجودية.

والآن؛ لماذا نستعيد الوجودية في عصر مختلف جذرياً عن عصرها الذهبي؟ أفكر أن هذا من نافلة القول، وكتاب برميل سارتر يفارق منطق «الموضة» في سياق الفكر العربي وما يسود فيه من اتجاهات ومقولات فكرية. الأصل، كما يقول لنا علي حسين، وكما نفترض معه، أن سؤال الوجود هو سؤال الإنسان في مخاضاته المختلفة. وهو سؤال تاريخي يكرره الإنسان كلما استجده لديه جديد. وأزعم أننا في هذه المنطقة من العالم بحاجة ماسة لأن نتخلص من سلطان «الموضة» وسردياتها المنهجية الثقافية المكرَّرة، وهي سلطة تجعل من المعرفة العلمية ومناهجها المختلفة سلعة تُستبدل كلما جدَّ فيها جديد. وهذا بعض ما يفعله كتاب برميل سارتر بتقديم قراءة جديدة لفلسفة شغلت العالم لعقود متعدِّدة. وحبذا لو سعى آخرون لإضاءة آليات اشتغال الفكر العربي وخطاباته في ضوء أنظمة الموضة المنهجية الأخرى، مثل البنيوية أو التفكيكية حتى خطاب ما بعد الاستعمار. حقاً؛ إنه عمل مفيد، بل متفرد، يكسر دورة الموضة ويبطئ من فاعلية سردياتها المدمِّرة.