تمام سلام: العونيون تصرفوا كميليشيا سياسية ولولا تغطية «حزب الله» لما استطاعوا التعطيل

من مذكرات يتحدث فيها عن الصعوبات في رئاسة الحكومة والإساءات إلى علاقات لبنان مع العرب

جانب من جلسة مجلس الوزراء اللبناني التي انعقدت برئاسة رئيس الحكومة تمام سلام سنة 2015 (دالاتي ونهرا)
جانب من جلسة مجلس الوزراء اللبناني التي انعقدت برئاسة رئيس الحكومة تمام سلام سنة 2015 (دالاتي ونهرا)
TT

تمام سلام: العونيون تصرفوا كميليشيا سياسية ولولا تغطية «حزب الله» لما استطاعوا التعطيل

جانب من جلسة مجلس الوزراء اللبناني التي انعقدت برئاسة رئيس الحكومة تمام سلام سنة 2015 (دالاتي ونهرا)
جانب من جلسة مجلس الوزراء اللبناني التي انعقدت برئاسة رئيس الحكومة تمام سلام سنة 2015 (دالاتي ونهرا)

يصدر قريباً عن «دار رياض الريس للكتب والنشر» كتاب «الدولة المستضعفة» للزميل عبد الستار اللاز. يروي تفاصيل عن الفترة الصعبة التي تولى خلالها الرئيس تمام سلام رئاسة الحكومة اللبنانية التي كانت الأخيرة في عهد الرئيس ميشال سليمان، ثم خلال الفراغ الرئاسي الذي امتد عامين ونصف قبل انتخاب الرئيس ميشال عون. ويروي الكتاب محطات أساسية واجهت سلام في هذه المسيرة التي أمضى منها عشرة أشهر وعشرة أيام وهو يسعى لتأليف حكومة «المصلحة الوطنية»، وسنتين وعشرة أشهر وهو يقود الحكومة التي تولت مسؤوليات رئاسة الجمهورية حسب الدستور في غياب رئيس الجمهورية.
وتنشر «الشرق الأوسط» مقتطفات من أحد فصول الكتاب بعنوان «الأشقاء حين نجعلهم خصوماً»، يتناول الصعوبات التي واجهت حكومة الرئيس تمام سلام في العلاقات مع الدول العربية، بسبب دور «حزب الله» وتدخلاته في الشؤون الداخلية لدول الخليج. فضلاً عن مواقف وزير الخارجية جبران باسيل التي كانت منحازة لإيران ولم تكن مرضية لمعظم الدول العربية.
ويتحدث الرئيس تمام سلام إلى الزميل اللاز عن الصعوبات التي واجهته بسبب تلك التدخلات، والدور السلبي الذي لعبه «حزب الله» و«التيار الوطني الحر». ويقول:
أنا من مدرسة تعتبر السياسة عملاً نبيلاً له شروطه الأخلاقية كالنزاهة والشفافية والترفع ونظافة الكفّ التي تأتي قبل الموجبات الأخرى المتعلقة بالمعرفة والخبرة والكفاءة الإدارية. وأؤمن بأنّ ما يحتمله العمل السياسي من مناورات وتحالفات وخدع أحياناً يجب أن يتوقف عند حدود الإضرار بالمصلحة الوطنية العليا.
وعلى رغم معرفتي بدهاليز السياسة اللبنانية، التي راكمتها عبر السنوات بحكم تجربتي الشخصية في العمل العام، فقد صدمت بأداء هذه القوى التي تجاوزت كل السقوف والمحرّمات الوطنية خدمة لمصالح فئوية.
> تقصد بذلك التيار الوطني الحرّ؟
- هم وغيرهم. لكن العونيين بالذات تفوقوا على الجميع في تخطّي كلّ الحدود والتجرؤ على استخدام كل الوسائل للوصول إلى هدفهم السياسي في ترئيس العماد ميشال عون، ولو أدّى ذلك إلى عرقلة عجلة الدولة وصولاً إلى تعطيلها وتجميد مصالح المواطنين وإفقاد الوطن آخر مقوّماته.
كانوا يتصرفون كميليشيا سياسية، تقطع طريق الحكومة متى شاءت، وتجمّد عملها بذرائع شتى غير آبهة لصرخات الناس وتراكم الملفات الحيوية. تخطف مجلس النواب وتشلّ عمله لتطويع الاستحقاقات الدستورية وفق إرادتها، ولا يرفّ لها جفن مهما طال أمد الشغور في الرئاسة الأولى، ما دام قائدها لم يضمن تحقّيق حلمه التاريخي. استعملوا في معركتهم خطاباً فتنوياً وكلّ وسائل التحريض الطائفي، فبدوا كأنهم يستلحقون دوراً لم يلعبوه في الحرب الأهلية، مرتدين لباساً مستعملاً خلعه غيرهم منذ زمن بعيد.
وعن دور «حزب الله» يقول سلام:
- الحزب كان يتمايز عنهم أحياناً في التفاصيل، لكن في الأساسيات كان يقف دوماً إلى جانبهم. ولولا التغطية التي أمّنها لهم لما استطاعوا التمادي في سياسة التعطيل والعرقلة. طبعاً «حزب الله» يتحمل مسؤولية كبرى في هذه التجربة التي نحن في صددها. وأنا هنا لا أتحدث عن وزرائه الذين كانوا يتحلون على المستوى الشخصي باللباقة والأداء الجيد، بل عن السياسة العامة التي اتبعها مع حليفه من أجل إيصال ميشال عون إلى الرئاسة والأثمان التي تكبدتها البلاد في هذا السبيل.
علينا ألا ننسى أن من بين هذه الأثمان، القطيعة مع العالم العربي التي أدت إليها مواقف الحزب من دول الخليج، وتلك التي تفرّد بها وزير الخارجية جبران باسيل في المحافل العربية.
وهنا مقتطفات من فصل: «الأشقاء حين نجعلهم خصوماً»
حين ألّف تمّام سلام حكومته في شباط من عام 2014، لم يكن أحدٌ يؤمن بأنّ أعضاءها الآتين من مشارب مختلفة ومن قوى تتناحر منذ سنوات على الكبيرة والصغيرة، سيكونون فريق عمل ذا رؤية موحّدة، يعمل بتجانس كامل لإخراج البلاد من مشاكلها المتراكمة.
كان يدرك أنّ الأضداد الذين ضيّعوا قرابة أحد عشر شهراً في مماحكات التأليف، إنّما يجمعهم بعضهم إلى بعض داخل الحكومة، خيطٌ واهن قابل للانقطاع في أي ظرف أو قشرة هشّة معرّضة للكسر عند أول منعطف. وكان يعرف، كما جميع اللبنانيين، أنّ الهوّة بينهم أكبر من أن تردمها تفاهمات لفظية صيغت في البيان الوزاري بعد جهد ومشقّة.
بتنا أمام مأساة وطن، يواجه محاولات لا تتوقف من قوة إقليمية ذات امتدادات محليّة لسلخه عن عمقه الاستراتيجي وإبعاده عن حضنه العربي. نجحت هذه المحاولات في خلق إشكالات كبيرة بين لبنان وأشقائه العرب، وبخاصة المملكة العربية السعودية ودول الخليج. لكن النجاح التام تحقق لاحقاً، وصار البلد في عزلة تامة عن محيطه العربي. خسر المساعدات والاستثمارات ومداخيل السياحة، وفقد الدعم السياسي، وتُرك لمصيره.
حال العزلة التي وصل إليها لبنان هي بلا شك نتاج السياسات التي اتّبعها على مدى سنوات فريق سياسي محلي، هو «حزب الله»، وتدخلاته في الشؤون الداخلية لدول الخليج على إيقاع العداوة المستحكمة بينها وبين إيران.
حاول تمّام سلام مرات عديدة نزع فتيل التوترات التي كانت تثيرها هذه السياسة المستفزّة للعرب، والمحرجة للحكومة. واجه صعوبات عديدة. راهن دائماً على محبة الأشقاء الخليجيين لبلدنا، وعلى دفء مشاعرهم تجاهنا، وهي مشاعر صادقة عبّروا عنها في كل المحطات ولم يخذلوا لبنان ولو مرة واحدة.
كان من الصعوبة إقناعهم بصدق نيات الحكومة اللبنانية فيما أنّ فريقاً مشاركاً فيها لا يكفّ عن شتمهم، بل وعن القيام ببعض الأعمال الأمنية في بلادهم ومنطقتهم، كما يقولون.
لم يكن «حزب الله» وحده من أثار غضب الخليجيين، فوزير الخارجية جبران باسيل تبنّى في بعض المنتديات العربية مواقف لم ترضهم.
جبران باسيل كان ينسّق مع سلام في معظم الأوقات في شؤون السياسة الخارجية، ولكنّه في بعض المحطّات كان يجتهد ويتخذ مواقف لا تتناسب مع السياسة العامة للحكومة، ولم تجرِ مناقشتها في مجلس الوزراء، ما كان يسبب مشاكل مع بعض الدول العربية. نتيجة لذلك بدا لبنان، في سياسته الخارجية أحياناً، كمنزل ذي واجهة خارجية بشرفتين تتقاسمهما جماعتان، تحكي كلّ منهما لغتها الخاصة. أما رئيس الوزراء، فكان دوره نزع الألغام ومحاولة إيجاد لغة مشتركة.
أزمة مع البحرين والإمارات
تبنى وزراء الخارجية العرب في اجتماع لهم عُقد في القاهرة في 16 كانون الثاني 2015 بياناً تقدمت به البحرين، يعتبر تصريحات حسن نصر الله «تحريضاً واضحاً على العنف والإرهاب بهدف زعزعة الأمن والاستقرار في مملكة البحرين ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية»، ويطالب الحكومة اللبنانية بأن «تتخذ الإجراءات اللازمة والرادعة لضمان عدم تكرار مثل هذه التصريحات البغيضة».
كان لبنان محرجاً في الاجتماع. سجّل وزير الخارجية جبران باسيل اعتراضه على البيان، معلناً في الوقت نفسه أنّ الموقف اللبناني الرسمي هو عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، وعدم التعرّض لها. وقال باسيل: «إذا خُيّرنا ما بين الوحدة الوطنية اللبنانية وما بين علاقات لبنان العربية التي نحرص عليها ونتمسك بها، نختار حتماً الأولى ولا نفرط بالثانية».
هذه الصياغة للموقف اللبناني لم تُرضِ دول الخليج، لا بل زادت غضبهم. وقال وزير خارجية البحرين خالد بن محمد آل خليفة، إنّ الوفد اللبناني في الاجتماع «فضّل التمسك بوحدة وطنية زائفة على التضامن العربي الذي أنقذه من الاحتراب»، مضيفاً أنّ لبنان «بلد عظيم حكمه رجال وشيوخ كرام مثل بشارة الخوري وكميل شمعون وصائب سلام ورفيق الحريري، أما اليوم فيا للأسف يتحكم فيه إرهابي عميل».
خشي رئيس الوزراء أن تسبب هذه الأزمة إجراءات سلبية تطاول الرعايا اللبنانيين في بعض الدول الخليجية، فسارع إلى إصدار بيان متوازن لتهدئة الخواطر، أكّد فيه أنّ الموقف الرسمي للبنان من القضايا العربية والدولية تعبّر عنه الحكومة التي ينطق باسمها رئيس مجلس الوزراء «وليس أي جهة سياسية منفردة، حتى ولو كانت مشاركة في الحكومة الائتلافية».
لم تتخذ مملكة البحرين أي إجراء في حقّ اللبنانيين، على رغم الاستياء من كلام نصر الله، لا بل إنّ وزير خارجيتها أكد للرئيس سلام الذي التقاه على هامش مؤتمر الأمن في ميونيخ مطلع شباط، أنّ اللبنانيين في البحرين «يعيشون في بلدهم وبين أهلهم ولن يضيمهم شيء».
كان الشيخ خالد بن محمد آل خليفة في ذلك اللقاء بالغ الودّ، على عادة أهل البحرين جميعاً، وقد نفى أي نية لاتخاذ إجراءات بحق اللبنانيين المقيمين في بلاده، ردّاً على مواقف «حزب الله». لكنّه عبّر عن عميق ألمه للكلام القاسي الذي قاله نصر الله بحق البحرين وقيادتها، وقال إنّه يتفهم الواقع السياسي اللبناني، لكنه يتمنّى لو أنّ الحكومة اللبنانية تستطيع ضبط هذا النوع من التصريحات، خصوصاً إذا كان صادراً عن فريق سياسي مشارك في الائتلاف الحكومي.
طُويت المشكلة مع البحرين، لكنها انفجرت في مكان آخر، وتحديداً مع دولة الإمارات العربية المتحدة. بدأت تصل إلى بيروت معلومات عن نية سلطات أبوظبي إبعاد عدد من اللبنانيين العاملين لديها. اغتنم تمّام سلام فرصة وجوده ووزير خارجية الإمارات الشيخ عبد الله بن زايد في ميونيخ ليفاتحه بهذا الموضوع، وكانت نتيجة اللقاء قاسية بالنسبة إلى لبنان.
كان الشيخ عبد الله غاية في الدماثة، لكنّه في الوقت نفسه تحدث بلهجة حاسمة عكست مقدار الغضب الذي يتفاعل لدى القيادات الخليجية من تمادي «حزب الله» المتكرر في الاعتداء اللفظي على بلدانها والتدخل في شؤونها. قدّم أمام سلام، بكثير من التهذيب، عرضاً تاريخياً للعلاقة مع لبنان. قال: عندما كان بلدكم في أوج ازدهاره، كنّا لا نزال في بداية الطريق نحو بناء الدولة. كنا نعتبركم قدوة لنا وننظر إليكم وإلى المكانة التي وصلتم إليها بكثير من الإعجاب، ونغبطكم على ما حقّقتموه من تقدّم جعلكم في نظرنا كأي دولة أوروبية. كنا نحلم بأن يكون لدينا ما لديكم من بنى تحتية ومستشفيات ومدارس. أخي محمد بن زايد كان في السبعينيات من بين أول عشرة طلاب في الإمارات نالوا الثانوية العامة، بينما كانت جامعاتكم في لبنان تخرّج الآلاف من اللبنانيين والعرب في اختصاصات مختلفة.
قال الشيخ عبد الله أيضاً: لقد اختلف الوضع الآن. بذلنا جهداً هائلاً حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه من نهضة اقتصادية وتقدّم وبحبوحة. واليوم تستقبل الإمارات كادرات وعمالاً من أكثر من مائة وسبعين دولة، يعيشون جميعاً في أمان واستقرار. اعذرني يا دولة الرئيس إذا قلت لك إنّنا غير مستعدين للسماح باللعب بهذا الاستقرار من أجل لبنان أو فريق سياسي لبناني يناصبنا العداء ويشتمنا ليل نهار ويتدخل في شؤوننا الداخلية.
أكّد المسؤول الإماراتي أن بلاده تتفهم دقائق الوضع اللبناني، لكنها تعتبر أن «حزب الله» يمثّل حالة شاذّة لا بدّ أن تنعكس ضرراً على علاقات لبنان مع أشقائه. وعندما سأله الرئيس سلام عن مدى صحة النيّة بترحيل أعداد من اللبنانيين لم ينفِ ذلك، وقال إنّ سلطات الإمارات لا تفتري على أحد، لكنّها لن تتهاون مع أي مقيم يمكن أن يشكل خطراً على أمنها القومي.
فجر الخميس الخامس والعشرين من آذار 2015 أصدرت السعودية والإمارات والبحرين وقطر والكويت بياناً حول الأوضاع في اليمن، ونشرت نص رسالة تلقاها قادة دول مجلس التعاون الخليجي من الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي تناشدهم «تقديم المساندة الفورية بالوسائل والتدابير اللازمة كافة، بما في ذلك التدخل العسكري لحماية اليمن وشعبه من العدوان الحوثي المستمر، وردع الهجوم المتوقع حدوثه في أي ساعة على مدينة عدن وبقية مناطق الجنوب، ومساعدة اليمن في مواجهة القاعدة وداعش».
وقال البيان إنّ الدول الخليجية الخمس قررت «استجابة طلب الرئيس اليمني لحماية اليمن وشعبه من عدوان الميليشيات الحوثيّة التي كانت ولا تزال أداة في يد قوى خارجية».
هكذا بدأ تحالف من عشر دول بقيادة السعودية عمليات «عاصفة الحزم» ضد الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن، وفُتح فصل جديد دامٍ من فصول الصراع الخليجي - الإيراني في هذه المنطقة من العالم.
تردّدت أصداء هذا الحدث الكبير في بيروت حيث الانقسام الحادّ بين القوى السياسية. توالت ردود الفعل بين مؤيد للعملية العسكرية، مثل الرئيس سعد الحريري ووليد جنبلاط، ومعارض مثل «حزب الله» وحلفائه. بدت البلاد أمام اختبار آخر لاستقرارها السياسي الهشّ، وامتحان جديد للحكومة. وأولى محطات هذا الاختبار كانت تنتظر رئيس الوزراء في اليوم التالي في شرم الشيخ حيث ينعقد مؤتمر القمة العربي السادس والعشرون، الذي سيلقي فيه سلام كلمة لبنان.
رسمت الساعات الثماني والأربعون التالية صورة قاتمة للبنان، ولو أنّها صورة غير جديدة. فبين كلمة بالغة الحدّة لأمين عام «حزب الله» حسن نصر الله تضمنت هجوماً غير مسبوق بعنفه على المملكة العربية السعودية ودول الخليج، وخطاب رصين ومدروس بدقّة، حمله معه تمّام سلام إلى قمة شرم الشيخ لنزع فتيل أزمة جديدة مع الحاضنة العربية للبلد وأهله، بدا لبنان مرة أخرى كأنّه لبنانان يتحدثان لغتين مختلفتين ويسيران في خطين متعارضين لا أمل في تلاقيهما.
اتجهت الأنظار إلى شرم الشيخ ترقباً لكلمة رئيس الوزراء. قال الرئيس تمّام سلام في كلمته:
«إنّ لبنان، وانطلاقاً من حِرصِه على دعم الشرعية الدستورية في اليمن، وعلى الإجماع العربي ووحدة جميع البلدان العربية واستقرارِها، يعلنُ تأييده أي موقفٍ عربي يحفظُ سيادة اليمن ووحدة أراضيه وتماسكَ نسيجِه الاجتماعيّ.
إنّنا، إذ نؤكدُ إيمانَنا بأهمية اعتمادِ الحلول السياسيّة للأزماتِ الداخليّة بعيداً عن أي تدخل خارجي في شؤون الدول العربية، نأملُ أن يعودَ الأمنُ سريعاً إلى ربوع اليمن حِفظاً لأرواح أشقائنا اليمنيين وصَوْناً لمقدَّرات بلدِهم، تمهيداً لاستئناف الحوار في إطارِ عملية سياسيّة تَستوعبُ الخلافات، وتُرمم العلاقات بين مختلف الأطراف، وتُضع خريطة طريق للمستقبل»...
خلّف هذا الموقف ارتياحاً لدى دول الخليج، وعبر لبنان بنجاح الاختبار الإقليمي الصعب، خصوصاً أن الرئيس سلام تلقى في أثناء وجوده في شرم الشيخ معلومات، مفادها أنّ الجاليات اللبنانية في الخليج بعثت برسائل إلى السلطات الرسمية في بيروت تبدي تخوفاً من انعكاسات الكلام الأخير للسيد نصر الله على اللبنانيين هناك، وتدعو إلى التحرك لحماية مصالحهم.
بعد شرم الشيخ، زار الرئيس سلام الكويت في مؤتمر للنازحين، لكن فور عودته إلى لبنان ووجه بموقف لحزب الله رافض لما أُعلن في القمة العربية.
أعلن الحزب اعتراضه فور انتهاء القمة، واعتبر أنّ ما قاله سلام في شرم الشيخ لم يناقش في مجلس الوزراء، وبالتالي فإنه يعبّر عن وجهة نظر قسم من اللبنانيين، وليس عن وجهة نظر لبنان الرسمي. عاد الرئيس سلام وسمع الكلام نفسه من الوزير حسين الحاج حسن في أول جلسة لمجلس الوزراء عُقدت بعد عودته من الكويت.
قال في بداية الجلسة إنّ كلمته في القمة العربية لم تأخذ في الاعتبار إلّا مصلحة لبنان واللبنانيين، وشدّد على علاقات لبنان الوثيقة مع المملكة العربية السعودية وأفضالها الكثيرة عليه وكذلك على علاقات لبنان مع سائر دول الخليج. بعد ذلك شهدت الجلسة نقاشاً مستفيضاً بين الوزراء تميّز بالحدّة أحياناً.
حظي موقف سلام بتأييد الغالبية العظمى من الوزراء. وأعلن في النهاية تمسكه بموقفه الذي اعتبر أنّه يخدم المصلحة العليا للبنان، وقال إنه ليس في حاجة لأن يأخذ إذناً من أحد عندما يريد إعلان ما يؤمن به. وقابلت الغالبية العظمى من الوزراء كلامه هذا بالتصفيق.
بدا حزب الله وحيداً في موقفه. سجل تحفّظه في المحضر، وانتهت الجلسة بهدوء. عبرت الحكومة هذه الأزمة الجديدة بأقل الأضرار الممكنة، وأظهر المتخاصمون مرة أخرى، ولا سيما تيار المستقبل و«حزب الله»، أنّهم ليسوا في صدد تفجيرها من الداخل.
النأي بلبنان عن عروبته
لم يطل الأمر كثيراً حتى انفجرت القنبلة الكبرى. الفتيل هذه المرّة أشعله وزير الخارجية جبران باسيل عندما أعطى تعليمات لسفير لبنان في المملكة العربية السعودية عبد الستار عيسى، بالامتناع عن التصويت على قرار في مؤتمر منظمة التعاون الإسلامي في جدة، يندّد بإيران بسبب اعتداءات تعرضت لها سفارة السعودية في طهران وقنصليتها في مشهد.
أغضب هذا الموقف اللبناني السعودية والدول الخليجية وأثار ردود فعل داخلية كثيرة اعتبرته نأياً بلبنان عن عروبته وارتماء في أحضان إيران وسياستها التوسعيّة في المنطقة. وكالعادة، سارع رئيس الوزراء الذي كان يشارك في منتدى دافوس الاقتصادي إلى الحؤول دون اندلاع الحريق، وأصدر موقفاً لتصويب البوصلة قال فيه «إنّ السعودية محقّة بمواقفها، ولها دور قيادي في العالم العربي لتعزيز الاستقرار وتحسين الأوضاع الإقليمية، أما إيران فتتدخل في العالم العربي منذ سنوات عديدة، وهذا هو أصل النزاع بينها وبين المملكة».
ردّ باسيل من بيروت ببيان قال فيه إنّ وزارة الخارجية عملت «بموجب التوافق الذي ظهر جلياً على طاولة الحوار الوطني في جلسته الأخيرة»، مشدّداً على «انسجام السياسة الخارجية مع البيان الوزاري ومع سياسة حكومة الوحدة الوطنية ومنطقية مواقف الخارجية، بما يؤمن الإجماع العربي من دون المساس بالوحدة الوطنية».
عندما سُئل سلام عن سبب اتخاذ لبنان هذا الموقف خارج الإجماع العربي، أجاب بأن وزير الخارجية ارتأى ذلك من دون أن يشاوره في الأمر.
لم يكن بإمكان تمّام سلام أن يعالج هذه المسألة مهما حاول تلطيف الموقف بالبيانات والتصريحات لاسترضاء العرب. هناك واقع لا يمكن التعمية عليه كمن يحاول إخفاء نور الشمس بالغربال، وهو أنّ هناك قوة لبنانية مشاركة في الحكومة تلتزم لفظياً مبدأ النأي بالنفس وتمارس عكسه في السياسة والأمن، ولا تتوقف عن التعرض لدول الخليج العربي، وتُغلّب ارتباطها السياسي بإيران على مصلحة لبنان وأبنائه المنتشرين في دول الخليج. وهناك قوة ثانية مشاركة في الحكومة أيضاً متحالفة معها وتقدم التغطية الكاملة لها لتحقيق أهداف سياسية داخلية، أولها إيصال مرشحها إلى رئاسة الجمهورية. هذا هو واقع الحال، وهذا ما دفع لبنان ثمنه غالياً عزلة خانقة عن محيطنا العربي.
يوم التاسع عشر من شباط 2016 كانت الصدمة الكبرى. أعلنت المملكة العربية السعودية أنها أجرت مراجعة شاملة لعلاقاتها مع الجمهورية اللبنانية، وقررت إيقاف المساعدات المقررة لتسليح الجيش اللبناني بقيمة ثلاثة مليارات دولار، وكذلك ما بقي من مساعدة المليار دولار أميركي المخصصة لقوى الأمن الداخلي اللبناني. وعزت هذا الموقف إلى «المواقف اللبنانية المناهضة للمملكة على المنابر العربية والإقليمية في ظل مصادرة ما يسمى حزب الله لإرادة الدولة»، فضلاً عن «المواقف السياسية والإعلامية التي يقودها ما يسمى حزب الله في لبنان ضد المملكة العربية السعودية وما يمارسه من إرهاب بحق الأمة العربية والإسلامية».
شعر تمّام سلام بالمرارة لهذا القرار الذي اعتبره ضربة كبيرة للبنان، ويعبّر عن مستوى الغضب لدى الرياض التي لم تتراجع في تاريخها عن أي هبة قدّمتها لأي جهة. أدرك على الفور أن السعودية أرادت القول بقرارها هذا إنّ الكيل قد طفح وإنّ فترة التسامح والصبر قد انتهت، وعلى لبنان إذا أراد الحفاظ على علاقاته معها ومع دول الخليج العربي وعلى مصالحه أن يعالج مسألة «حزب الله».
دعا الرئيس سلام إلى جلسة استثنائية لمجلس الوزراء لمناقشة القرار السعودي والسياسة الخارجية للبنان.
دام النقاش سبع ساعات، وانتهى ببيان حظي بالإجماع وتلاه رئيس الوزراء شخصياً. وقد أُريدَ منه تصويب الموقف اللبناني واحتواء غضب المملكة العربية السعودية ودول الخليج.
لكن قبل أن يجفّ حبر البيان، عقد جبران باسيل مؤتمراً صحافياً قال فيه إنّ «هناك مشكلة حقيقية مع الدول العربية إذا كانت لا تتفهم الموقف اللبناني، لأنّ الحكومة وحماية لبنان واستقراره قامت على أنّ وحدته الداخلية وصونها يتطلّبان احترام النأي بالنفس». وأضاف: «إذا خُيِّرنا بين الإجماعِ العربي وبين الوَحدة الوطنية، فسننحازُ إلى الوَحدة وعدمِ تفجيرِ البلد والمَسِّ باستقراره».
استدعى هذا الكلام ردّاً من المكتب الإعلامي لسلام أوضَح فيه «أنّ بيان مجلس الوزراء صدر بإجماع الوزراء المشاركين في الاجتماع، بمن فيهم الوزير باسيل نفسه، وأي خروج عن هذا النص هو من قبِيل الاجتهاد الشخصي ولا يعبّر عن موقف لبنان الرسمي».
وبالفعل، فإن رئيس الوزراء والوزراء كانوا قد بذلوا جهوداً مضنية للوصول إلى إجماع على هذا البيان. شمل النقاش كلّ نقطة وفاصلة فيه، إلى أن جرى التوصل إلى الصيغة التي اعتقدوا أنها ستخفّف الاحتقان. لكن جبران باسيل هو جبران باسيل. زايد على «حزب الله» واتخذ هذا الموقف الذي زاد الأمور تدهوراً.
الضيف الدائم
مسؤولون إيرانيون تعاقبوا على زيارة لبنان في الفترة التي أمضاها تمّام سلام رئيساً للحكومة. منهم من تكررت زيارته مرتين أو ثلاثاً مثل عبد اللهيان، ومنهم من زار أربع مرات أو خمساً مثل بروجردي، ومنهم من اجتمع به سلام في لبنان وخارجه مثل ظريف.
وإذا أضيف إلى هذه القائمة الطويلة الرئيس حسن روحاني الذي التقاه سلام في نيويورك، عدا اللاعب الأبرز في السياسات الإيرانية الإقليمية رئيس فيلق القدس في الحرس الثوري الجنرال قاسم سليماني، وغيره من المسؤولين الأمنيين الذين كانوا يأتون لبنان سرّاً ودون استئذان، تكتمل صورة الحضور الإيراني الدائم في المشهد السياسي في بيروت، التي تفاخر مسؤولون عديدون في طهران بأنها صارت واحدة من أربع عواصم عربية تحت السيطرة الإيرانية.
لم يملّ الرئيس سلام من تكرار الدعوة إلى الإيرانيين للضغط على حلفائهم من أجل المساعدة على انتخاب رئيس.
هكذا فعل مع نائب وزير الخارجية مرتضى سرمدي ثم مع مستشار مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية الدكتور علي أكبر ولايتي. لا بل إنّه استعمل مع الأخير لهجة أكثر حزماً من المعتاد حين قال له: «أنا أريد أن تقترن هذه الزيارة بعمل يترجم على الأرض لأنه لا يمكن إيران أن ترسل المبعوث تلو الآخر بدون أن تقرن هذه الزيارات بأفعال».
الجواب؟ لغة دبلوماسية راقية لا تُسمن ولا تغني من جوع. وعلى غرار باقي الزوار الدائمين من الجمهورية الإيرانية كانت تصريحات ولايتي خارج الأبواب المغلقة تشيد بـ«الإنجازات الكبرى والانتصارات التي استطاعت المقاومة اللبنانية الباسلة أن تحققها جنباً إلى جنب مع الجيش السوري في مجال دحر القوى المسلحة التكفيرية في منطقة القلمون، والتي تؤدي إلى تقوية محور المقاومة والممانعة في المنطقة برمتها».
استمرت الزيارات الإيرانية واستمر دفق الكلام المنمّق عن الوحدة الوطنية اللبنانية وحكمة المسؤولين اللبنانيين، وعن العلاقات الأخوية بين لبنان وإيران واستعداد الجمهورية الإسلامية لتقديم كل عون ممكن، إلى أن جاء العون أخيراً، لكن بالاتجاه المعاكس، أي من لبنان إلى إيران.
فقد انتخب مرشح «المقاومة والممانعة» رئيساً للجمهورية. فازت إيران وحلفاؤها بالجائزة الكبرى، ولم تعد هناك حاجة إلى الكثير من الزيارات.



فضل الاستشراق على العرب

جاك بيرك
جاك بيرك
TT

فضل الاستشراق على العرب

جاك بيرك
جاك بيرك

يمكن القول إنه بعد الحرب العالمية الثانية ظهرت عدة شخصيات استشراقية كبرى. وهي التي ألقت أضواء ساطعة على تراثنا العربي الإسلامي فجددته ونورته بشكل لم يسبق له مثيل من قبل. نذكر من بينها لويس ماسينيون، ومونتغمري واط، وريجيس بلاشير، وهنري كوربان، وهنري لاوست، وجاك بيرك، وكلود كاهين، وروجيه أرنالديز، وجورج مقدسي، ومكسيم رودنسون، وبرنارد لويس، وتيلمان ناجيل، وجوزيف فان آيس، وأندريه ميكل، وجاكلين شابي، وعشرات غيرهم. ويمكن القول إن إضاءات الاستشراق نفذت إلى عمق أعمق التراث. ولكن من يتجرأ على ترجمة كتبه الأمهات؟ لم تخلقه أمه بعد. هنا يوجد كشف الكشوف، فتح الفتوح. إضاءات تتلوها إضاءات عن تراث العرب والإسلام. حفر أركيولوجي في الأعماق، أعماق تراثنا العربي الإسلامي. نزول إلى الطبقات السفلية التحتية، إلى أسفل طبقة، إلى أعمق طبقة... هذا هو العلم الذي ينير الأبصار. هذا هو العلم الذي يشق دياجير الظلام. ثم يشتمون الاستشراق بعد كل ذلك؟ منذ أربعين سنة وأنا أحلم بتأليف كتاب جديد بعنوان: «الحفر الأركيولوجي في الأعماق وتحرير التراث من التراث أو تحرير الروح من الروح». وعجزت عنه. ولكن عبقرية الاستشراق توصلت إليه. شكراً لهم وألف شكر. ماذا أريد أكثر من ذلك؟ لأول مرة أشعر بأني أولد من جديد. لأول مرة أشعر بأني أتحرر من حالي وتراكماتي وانسدادات آفاقي. لأول مرة أشعر بأن روحي أصبحت حرة طليقة في عالم عربي مقيد بالأصفاد. ولكن إلى حين...

إدوارد سعيد

هذا، وقد حققت الدراسات الاستشراقية إنجازات ضخمة طيلة الثلاثين أو الأربعين سنة الماضية. ويعود الفضل في ذلك إلى تجدد مناهجها قياساً إلى أجيال المستشرقين السابقين في القرن التاسع عشر حتى منتصف العشرين. فالعلم تغير بطبيعة الحال، وكذلك المنهج والمصطلح. هذا لا يعني إنكار أهمية الإنجازات التي حققها المستشرقون الطليعيون الأوائل. فهي أكثر من ضرورية. ولها فضل السبق. ومن أهم المشاريع الجماعية الكبرى في هذه الفترة نذكر أولاً «الموسوعة الإسلامية» في طبعتها الثانية. وهي أفضل من الأولى وأكثر اتساعاً وشمولاً. إنها تمثل العلم الاستشراقي بالمعنى الرصين والدقيق للكلمة. وقد ساهم فيها باحثون عرب ومسلمون، وليس غربيون فقط. ولكن كلهم «مستشرقون» بالمعنى العلمي والإيجابي للكلمة: أي يحسنون تطبيق المنهج التاريخي الحديث على تراثنا العربي الإسلامي ويسيطرون على المنهج والمصطلح. والموسوعة الإسلامية كنز لا ينضب من المعلومات والتحليلات عن هذا التراث الضخم والعريق. ولا يمكن أن يستغني عنها أي طالب منخرط في الدراسات العليا عن الإسلام، لا في جامعة السوربون، ولا جامعة القاهرة، ولا جامعة الرياض، ولا جامعة أبوظبي، ولا كل جامعات العالم. ثم ظهرت بعدها في السنوات الأخيرة موسوعة جديدة مهمة، هي «الموسوعة القرآنية». وقد أشرفت عليها باحثة أميركية كبيرة. وشارك فيها أيضاً باحثون مسلمون وغير مسلمين من أمثال نصر حامد أبو زيد، ووداد القاضي، ومحمد أركون، وعشرات غيرهم. وصدرت في خمسة أجزاء، ثم أضيف إليها جزء سادس كفهرس شامل للمشروع. وهي تعكس النظرة التاريخية الحديثة للقرآن الكريم. وبالتالي يمكن للقارئ أن يقارنها بالنظرة التبجيلية التقليدية السائدة منذ قرون. فرق كبير وتحرير أكبر... ونحن نعتقد أن النظرة العلمية والتاريخية والفلسفية توسع الإيمان وتجعله مستنيراً ناضجاً ولا تنقضه إطلاقاً. إنها تنقض فقط الإيمان المتعصب الانغلاقي الكاره للآخرين والمكفر لهم بشكل مسبق. فهناك الإيمان الذي يحيي وينعش، وهناك الإيمان الذي يعمي ويقتل. وشتان ما بينهما. شتان ما بين عقلية القرون الوسطى وعقلية القرون الحديثة.

ولا ننسى «القاموس الموسوعي للقرآن الكريم» من تأليف الباحث الجزائري الراحل مالك شبل. وينبغي أن نضيف إلى كل ذلك «قاموس القرآن الكريم» الذي صدر في باريس وشارك في إنجازه ما لا يقل عن ثمانية وعشرين باحثاً أكاديمياً مسلماً وغير مسلم. هكذا نلاحظ أن الاستشراق بالمعنى العلمي الأكاديمي للكلمة لم يعد محصوراً بالباحثين الأجانب، وإنما أصبح يشمل أيضاً الباحثين العرب والمسلمين. وأقصد بهم أولئك الذين يشتغلون في جامعات الغرب ويتقنون مناهج البحث العلمي ويحسنون تطبيقها على تراثهم الإسلامي كما يحسن فلاسفة الغرب تطبيقها على تراثهم المسيحي. وهذا قد يخفف من حدة العداء للاستشراق والمستشرقين في الأوساط العربية والإسلامية المحافظة أو المؤدلجة أكثر من اللزوم. فالتعاون الفكري بين الباحثين العرب والباحثين الأجانب يساهم مساهمة فعّالة ليس في إنارة التراث وتخليصه من براثن الظلاميين فقط، وإنما يساهم أيضاً في تدشين حوار الثقافات والحضارات.

ينبغي العلم أن أقطاب الكنيسة الكاثوليكية هاجموا سابقاً تطبيق المناهج الحديثة على التراث المسيحي بذات العنف الذي يهاجم به الشيوخ التقليديون حالياً الاستشراق لأنه طبق ذات المنهجية على تراثنا العربي الإسلامي. العقلية الأصولية واحدة مهما اختلفت الأديان والمذاهب. التعصب هو التعصب والانغلاق هو الانغلاق. وهذا يعني أن المعركة ضد الأصولية الانغلاقية التكفيرية سوف تحصل في الجهة العربية الإسلامية كما كانت قد حصلت في الجهة المسيحية الأوروبية.

إنها لمصيبة كبرى أننا ابتلينا بهذه الآيديولوجيا الديماغوجية الغوغائية التي تحارب تطبيق المناهج العلمية الحديثة على تراثنا بحجة حمايته من عدوان الاستشراق والمستشرقين! وقد سقط في هذا الفخ باحثون كبار مبدعون كإدوارد سعيد. ناهيك عن أنور عبد الملك وآخرين. وهكذا قدموا للأصوليين محاجات حداثية أو قل ضمانات حداثية كانت تنقصهم بشكل موجع. لقد قدموا لهم سلاحاً فعالاً لكي يجلدوننا به. شيء مؤسف جداً ولكن هذا ما حصل. أحياناً يلعب المثقف الحداثي دور «الأبله المفيد» لقضية غير قضيته، بل معاكسة لقضيته. ولله في خلقه شؤون. على أي حال، فقد تراجع إدوارد سعيد عن ذلك في الطبعة الثانية لكتابه الشهير، بعد أن أدرك حجم الحماقة التي ارتكبها. أقصد بعد أن أدرك كيف يستغل الأصوليون بكل لهفة أبحاثه لخدمة قضيتهم الظلامية المضادة لقضيته التنويرية. عندئذ أحسّ بهول ما ارتكب. فكيف يمكن أن نخرج من مستنقع التخلف الذي سقطنا فيه؟ إذ أقول: ذلك لا يعني أني أعتبر الأبحاث الاستشراقية بمثابة المعصومة. لا، أبداً. لا عصمة في العلم. ولكن على الأقل لنطلع على أبحاثهم قبل أن ننتقدها إذا كنا نستطيع أن نرتفع إلى مستواها طبعاً. كيف يمكن أن نهاجمهم وندينهم قبل أن نطلع على ما فعلوه وأنجزوه. ينبغي العلم أن الصورة التي نمتلكها عن تراثنا هي صورة تبجيلية أو أصولية تقليدية، عفى عليها الزمن. وبالتالي فالاستشراق هو وحده الذي كشف لنا عن الصورة التاريخية والواقعية الحقيقية. فهل نرفضه؟ إننا عندئذ نضرّ أنفسنا كثيراً. لماذا؟ لأننا نؤخر تحررنا الفكري بكل بساطة، ونظل مقطوعين عن ركب العلم والحضارة إلى ما لا نهاية. وعلى أي حال، فإن المثقفين العرب لا يستطيعون القيام بما فعله الاستشراق من عمل فكري تحريري لسببين: أولاً لأنهم غير مسيطرين على المنهج والمصطلح. وبالتالي غير قادرين على تطبيق المناهج الحديثة على التراث. وثانياً لأنهم على فرض أنهم يمتلكون ذلك فإنهم لا يتجرأون على الاقتحام الفكري إلا إذا غادروا بلدانهم العربية وأقاموا في بلدان الغرب لحماية أنفسهم من غضب الشارع وزمجرات الأصوليين. في كلتا الحالتين لم يبقَ لنا إلا الاستشراق الذي قدّم لنا أكبر خدمة مجاناً. لقد حرر تراثنا من خلفيات العصور الوسطى وظلماتها نيابة عنا. ولم يكن دافعه إلى ذلك السيطرة ولا الهيمنة، وإنما حبّ الفضول المعرفي ومتعة الكشف العلمي التي لا تعادلها متعة. ولو كنت صاحب قرار في العالم العربي لأمرت فوراً بفتح مركز كبير للترجمة في المشرق أو المغرب متخصص بنقل أمهات الكتب الاستشراقية فقط إلى لغتنا العربية. هذه هي الطريقة الوحيدة لكي نتحرر من رواسب الماضي والانغلاقات الطائفية والمذهبية التي تنغص عيشنا وتسمم وجودنا وتمزق شعوبنا ومكوناتنا الاجتماعية. ليس بالعقلية التكفيرية القديمة سوف نبني وحدتنا الوطنية ونهضتنا الإشعاعية والحضارية المقبلة.

ومؤخراً صدر في باريس كتابان موسوعيان أساسيان بعنوان «قرآن التاريخ»، و«محمد التاريخ». آلاف الصفحات لكل واحد. أي القرآن الكريم مدروساً من وجهة نظر تاريخية وفلسفية محضة. وكذلك النبي الأكرم مفهوماً على ضوء أحدث المناهج والكشوفات بصفته أحد أعظم الشخصيات التي أثرت على التاريخ البشري. والسؤال المطروح الآن: متى سينقل العرب كل هذه الكنوز المعرفية إلى لغة الضاد؟ متى سيدخل العرب التاريخ من جديد؟


الذكاء الاصطناعي يكشف عن نصوص مجهولة من ملحمة جلجامش

جلجامش وأنكيدو
جلجامش وأنكيدو
TT

الذكاء الاصطناعي يكشف عن نصوص مجهولة من ملحمة جلجامش

جلجامش وأنكيدو
جلجامش وأنكيدو

تحت أقبية المتحف البريطاني في لندن، حيث تتجاور العتمة مع الضوء، وحيث يتحوّل الصمت إلى مادة قابلة للإصغاء، ترقد آلاف الشظايا الطينية كأنها أرشيفٌ للإنسان قبل أن يتعلّم الأرشفة. قطعٌ صغيرة، متشققة الأطراف، تحمل في نقوشها المسمارية توتّر البدايات: خوف الكائن من انطفائه، وشغفه بأن يترك أثراً أثقل من جسده وأطول عمراً من أنفاسه. هنا، على طينٍ جفّ فوق ضفاف دجلة، والفرات، كُتبت «ملحمة جلجامش» بوصفها سيرةَ سؤالٍ أكثر منها حكايةَ بطل: سؤال الخلود حين يقترب الموت من القلب.

الطين في هذه الألواح ليس مجرد وسيط كتابة، بل فلسفةٌ كاملة: فكرةٌ تهبط من التجريد إلى الكتلة، تتحوّل إلى جسمٍ يمكن لمسه، وكأن الذاكرة تحتاج وزناً كي تقاوم الريح. الكتبة العراقيون القدماء ضغطوا بمساميرهم على طينٍ طري، فتركوا أثر اليد داخل أثر الحرف، وصنعوا جسراً بين الحضور، والغياب. ثم جاءت النار التي التهمت قصور نينوى، فشوَت الألواح وزادتها صلابة، فصار الخراب شريكاً في البقاء، والكارثة ختمَ حفظٍ غير مقصود على مخطوطات الأرض.

عند تأمل «اللوح الحادي عشر» (لوح الطوفان) الذي اكتشفه جورج سميث عام 1872، نرى الحروف المسمارية وقد برزت متحديةً عوامل التعرية. وقف سميث حينها مذهولاً أمام تطابق النص مع روايات الطوفان الأخرى في الأديان عبر العالم، مدركاً أنه يمسك بأقدم وثيقة أدبية مكتوبة.

تمتلك المكتبات، والمتاحف، والجامعات أكثر من نصف مليون لوح طيني عراقي منقوشة بخط مسماري مثل «اللوح الحادي عشر». لكن العدد الهائل من النصوص، والعدد القليل من قراء الأكادية -وهي لغة لم يتحدث بها أو يكتبها أحد منذ 2000 عام- يعني أن جزءاً صغيراً فقط من هذه الألواح قد ترجم.

على أن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً جذرياً في طريقة قراءة هذه النصوص. فبينما كان العلماء يعتمدون على العين المجردة، والذاكرة البصرية لمحاولة مطابقة آلاف الكسر المتناثرة من قبل عدد محدود من الخبراء الذين يتقنون قراءة اللغات المندثرة، دخل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه لاعب محوري في هذه العملية. مشروع «فراغمنتاريوم» بقيادة إنريكي خيمينيز يمثل ثورة حقيقية في هذا المجال. الخوارزميات الآن تمسح صور الكسور الطينية وتعالجها رياضياً لتجد الروابط بين قطعة موجودة في لندن، وأخرى في بغداد، أو ييل.

هذه التقنية وفرت تسريعاً هائلاً لعملية تجميع واستعادة النصوص ومطابقتها. لقد نجحت الأجهزة الذكية في ضم مئات القطع المتناثرة، مضيفة سطوراً جديدة بالكامل للملحمة. الآلة هنا تعمل عيناً ثالثة، ترى الأنماط التي تغيب عن العين البشرية، وتعيد بناء اللغز المعقد الذي تركه الزمن. وبفضلها، بتنا نقرأ تفاصيل دقيقة كانت غائبة لقرون، ونسمع أصواتاً ظلت صامتة تحت ركام التاريخ.

كشفت النصوص التي جُمعت حديثاً عن فصول مجهولة لم تقرأ من قبل في رحلة جلجامش وصديقه إنكيدو. فتخبرنا عن زيارة البطلين إلى مدينة نيبور، المركز الديني للعراق القديم، في محاولة لاسترضاء الإله «إنليل» بعد قتلهما للوحش «خمبابا». هذا التفصيل يضيف بعداً سياسياً ودينياً لرحلتهما؛ فهما لم يكونا مجرد مغامرين، بل كانا يدركان ثقل الخطيئة، وضرورة التكفير عنها أمام سادة المصير.

كذلك، ظهرت نصوص تصف صلاة «ننسون»، والدة جلجامش، وهي تتوجه إلى إله الشمس «شماش» طالبةً منه رعاية إنكيدو ليكون دليلاً لابنها في غابة الأرز. هذه السطور تعمق البعد العاطفي للأمومة، والقلق في الملحمة، وتظهر إنكيدو بوصفه شخصية محورية تستحق الحماية الإلهية بفضل دعوات الأم الملكية.

ومن أكثر الإضافات إثارةً للدهشة تلك المتعلقة بشخصية «أوتنابشتم» (الناجي من الطوفان العظيم). تُظهر الأجزاء الجديدة شعوره بالذنب تجاه العمال الذين بنوا له السفينة. يذكر النص أنه «أغدق» عليهم الشراب، والولائم، بينما كان يعلم في قرارة نفسه أن مصيرهم الغرق المحتوم. كلمة «أغدق» أو «سقى بإسراف» تكشف عن صراع نفسي عميق لدى الناجي، وتجعل منه شخصية تراجيدية تحمل عبء المعرفة وحدها.

تبقى العلاقة بين جلجامش وإنكيدو المحرك الأساسي للملحمة. النصوص الطينية تصف بدقة مشاعر الفقد، والألم. حين مات إنكيدو، رفض جلجامش تسليم جثته للقبر، وظل يراقب صديقه بانتظار عودته للحياة، حتى سقطت دودة من أنفه. هذا المشهد، الذي تصوره الألواح بواقعية فجة، يجسد «الصدمة» الأولى التي تدفع الإنسان للبحث عن الخلود.

صرخة جلجامش: «هل سأكون مثله وأرقد فلا أقوم أبد الآبدين؟» تتردد في أروقة المتحف. إنها صرخة الكائن البشري الذي يعي فناءه. الألواح الجديدة تزيد من وضوح حوارات إنكيدو وهو يحاول ثني جلجامش عن بعض المخاطر، ما يبرز دوره باعتبار أنه صوت للحكمة، والحذر، مقابل اندفاع جلجامش الجامح.

في رحلته اليائسة، يلتقي جلجامش بصاحبة الحانة «سيدوري». النص المسماري يقدم نصيحتها باعتبارها واحدة من أقدم الفلسفات الوجودية التي تدعو لاغتنام اللحظة. تقول له: «اجعل بطنك ممتلئة، افرح ليل نهار... انظر للطفل الذي يمسك بيدك، ولتسر زوجتك في أحضانك». هذه الدعوة للحياة البسيطة، والاستمتاع بالحاضر تقف نقيضاً لسعي جلجامش المستحيل وراء الخلود الجسدي.

تكتسب هذه الكلمات عمقاً أكبر عند قراءتها من على سطح لوح طيني متشقق. إنها تذكير بأن الانشغال بالغد قد يضيّع منا جمال اللحظة الآنية. ورغم تجاهل جلجامش لنصيحتها في البداية، وإصراره على المضي قدماً، فإن الملحمة تنتهي بعودته إلى «أوروك» وتأمله لأسوارها العظيمة، في إشارة لقبوله بأن الخلود يكمن في العمل، والإنجاز البشري الذي يبقى بعد رحيل الجسد.

تطرح الاكتشافات الحديثة ألغازاً جديدة تحفز العقل. أحد السطور التي كشفها الذكاء الاصطناعي يأتي على لسان «أوتنابشتم» موجهاً حديثه لجلجامش: «هل بنوا يوماً قصراً لأحمق؟». هذا التساؤل الغامض يفتح باب التأويلات. هل يقصد أن الخلود والمكانة الرفيعة يتطلبان حكمة لا يملكها المتهورون؟ أم يسخر من سعي جلجامش العبثي؟ يبقى هذا السطر دليلاً على أن النص لا يزال يخفي أسراراً تنتظر الفهم، وأن كل كشف جديد يولد أسئلة إضافية.

إن عملية تجميع الملحمة عملية مستمرة، وحيّة. الآلاف من الكسر الطينية في مخازن المتاحف العالمية تنتظر دورها لتدخل تحت ماسحات الذكاء الاصطناعي. ومع كل قطعة تضاف، تزداد الصورة وضوحاً، وتكتسب الشخصيات عمقاً إنسانياً جديداً. العلماء اليوم، مثل ناثان واسرمان، وأندرو جورج، يؤكدون أن التكنولوجيا تعزز القدرة البشرية، ولا تلغيها؛ فهي تقدم الاحتمالات، وتبقي للعقل البشري مهمة الفهم، والتأويل، واستشعار الجمال الأدبي.

إن إعادة قراءة ملحمة جلجامش عبر نقوش المتحف البريطاني وبمساعدة أحدث معطيات التكنولوجيا الحديثة تجربة فريدة للغاية تفتح الباب أمام حوار حضارات حقيقي، فنحن نستخدم أحدث ما أنتجه العقل البشري من خوارزميات لفهم أقدم ما كتبه العقل البشري من قصص. الطين والسيليكون يلتقيان ليخبرا قصة واحدة: قصة الإنسان الذي يبحث عن معنى، ويواجه الفناء بالبناء، والكتابة.

تظل الملحمة العراقية القديمة نصاً مفتوحاً على الاحتمالات، كتاباً يكتب نفسه باستمرار مع كل شظية تخرج من الظل لتأخذ مكانها في جدارية الخلود. جلجامش، الذي رأى كل شيء، ما زال لديه الكثير ليقوله لنا.


حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.