دليل النجاة من الإجهاد المزمن: كيف تتعايش مع القلق والحزن؟

العديد من التحديات اليومية التي نواجهها تفاقمت بسبب الوباء وعواقبه على الاقتصاد والمجتمع (أرشيفية - رويترز)
العديد من التحديات اليومية التي نواجهها تفاقمت بسبب الوباء وعواقبه على الاقتصاد والمجتمع (أرشيفية - رويترز)
TT

دليل النجاة من الإجهاد المزمن: كيف تتعايش مع القلق والحزن؟

العديد من التحديات اليومية التي نواجهها تفاقمت بسبب الوباء وعواقبه على الاقتصاد والمجتمع (أرشيفية - رويترز)
العديد من التحديات اليومية التي نواجهها تفاقمت بسبب الوباء وعواقبه على الاقتصاد والمجتمع (أرشيفية - رويترز)

في الوقت الذي تضخمت فيه جميع تحديات الحياة بسبب وباء «كورونا»، يبدو التوتر طاغياً على غالبية الناس. بالنسبة لمعظمنا، تمر فترات الضغط هذه بسرعة نسبية. وتقول راشيل بويد، من منظمة «مايند» الخيرية للصحة العقلية، إن «المرونة العاطفية لن تحل كل شيء... بعض أسباب التوتر صعب التعامل معها للغاية، حتى عندما نشعر بأننا بخير»، وفقاً لصحيفة «الغارديان» البريطانية.
وتفاقمت العديد من التحديات اليومية التي نواجهها بسبب الوباء وعواقبه على الاقتصاد والمجتمع. وقد يشعر أولئك الذين يعيشون في ضائقة مالية أو يعانون من ظروف صحية، على وجه الخصوص، بأنه لا توجد نهاية لما يشعرون به في الأفق. ولكن حتى إذا بدا التوتر ضرورياً لظروفك ولم يكن لديك الخيار أو الموارد لتغيير واقعك، فهناك طرق يمكنك من خلالها دعم نفسك.
* تعامل مع القلق بجدية
تقول فيكتوريا زامبروني، كبيرة مسؤولي الأبحاث في مؤسسة الصحة العقلية، إن اندفاعات الإجهاد قصيرة المدى يمكن التغلب عليها دون تأثير سلبي وقد تكون منتجة.
وقالت «ولكن إذا كان التوتر شديداً حقاً، أو متكرراً، أو مزمناً، فعندئذٍ ترى أن له آثاراً غير مباشرة... وستكون العواقب مختلفة من شخص إلى آخر».
وعندما يكون وضعك صعباً للغاية، قد تبدو حماية صحتك مستحيلة أحياناً. لكن من المهم أن تتخذ أي خطوات ممكنة. يمكن أن يتسبب الإجهاد المستمر أو يؤدي إلى تفاقم العديد من المشكلات الصحية الخطيرة بما في ذلك أمراض القلب والأوعية الدموية وارتفاع ضغط الدم والنوبات القلبية والسكتة الدماغية. ويضعف القلق ذاكرتك وتفكيرك، وقد تم ربطه بتطور الاكتئاب وربما حتى مرض ألزهايمر.
وتقول زامبروني «الإجهاد هو تأثير جسدي مهم حقاً ويستحق أن يؤخذ على محمل الجد... إذا كان شخص ما يعاني، فعليه طلب المساعدة».

* توضيح الصورة الأكبر
تقول بويد «الإجهاد غالباً ما يكون استجابة مشروعة للظروف الصعبة، والتي لا يمكن التغلب عليها ببعض المرونة أو الرعاية الذاتية».
والكثير من الضغوط التي طال أمدها هي نتاج الفقر والصراع المالي والظروف الصحية وتتفاقم بسبب التخفيضات في المزايا وخدمات الدعم. لذا؛ فإن أي نقاش حول طرق المواجهة يجب أن يعترف بأن الحل يكمن في التغيير المجتمعي الهيكلي، مثل إصلاح الرعاية الاجتماعية، والمزيد من قوانين العمل الوقائية والمزيد من الدعم والموارد لمقدمي الرعاية.
* البحث عن الحلول التي تناسبك
أوضحت زامبيروني، أن تجربة الإجهاد تختلف من شخص إلى آخر، وأضافت «يمكن أن تختلف الضغوطات حسب بيئتك، وماضيك وحاضرك، والوضع الاجتماعي أو الاقتصادي الذي تجد نفسك فيه».
وحتى علم الوراثة هو الذي يخبرنا عن استجابتنا للضغط؛ مما يعني أن استراتيجيات الآخرين لن تساعدك بالضرورة؛ المفتاح هو ابتكار الحل الذي يناسبك. وتساعد أداة «أفري مايند ماترز» عبر الإنترنت الأشخاص على التوصل إلى «خطة ذهنية» مخصصة لهم.
* لا تستهِن بالأساسيات
نعلم جميعاً أهمية الحركة والتغذية والنوم، ولكن ليس من السهل دائماً القيام بشيء حيال ذلك. في الظروف اليائسة، قد تبدو هذه حلولاً مبسطة. لكن في الحقيقة يمكنها إما أن تفاقم تجربتك مع ظروفك أو مساعدتك على التأقلم. وتقول زامبروني «النوم الجيد ليلاً يصنع عالماً من الاختلاف، والذي يبدو وكأنه شيء عادي عندما نتحدث عنه - لكنه فعل أمر أساسي».
وتقترح بويد القيام بما يشعرك بالراحة فقط، واتخاذ خطوات صغيرة في كل مرة «اختر شيئاً أو شيئين يمكن تحقيقهما في البداية، قبل الانتقال لتجربة أفكار أخرى. يمكن أن تساهم خطوات بسيطة، مثل رعاية نبتة معينة أو عد الطيور التي تراها من نافذتك، في ذلك». كما يضيف إنشاء روتين يومي إلى الشعور بالسيطرة.

* إحاطة نفسك بالدعم
لا تقتصر عملية طلب المساعدة على تخفيف العبء فحسب، بل ستجعل وضعك أقل تعقيداً. يتم تعديل استجابة الأفراد البيولوجية للتوتر عن طريق الجينات، التي لا نسيطر عليها، لكن أيضاً عبر توافر العلاقات الداعمة، وهو ما يمكننا التحكم به.
ويقول بول غجيلبرت، وهو طبيب نفسيّ، إن الشعور بأن الآخرين يهتمون بنا ينشّط «نظام التهدئة» في الدماغ لإدارة الإجهاد. حتى لو لم يكن من الممكن أن نخرج أنفسنا من الضغوط، فلا يزال بإمكاننا الوصول إلى إحساس «بالأمان الاجتماعي» من خلال اللجوء إلى الأشخاص للحصول على المساعدة: «بدلاً من مجرد محاولة التعامل مع التهديد وحدنا».
* إدارة أفكارنا
قد لا تكون قادراً على الهرب أو تغيير وضعك، لكن يمكنك إدارة أفكارك بأنك محاصر بواقعك هذا. وقال غيلبرت، إن «الوقوع في فخ داخلي» يأتي من التفكير السلبي المتكرر والنقد الذاتي، وتشويه الإدراك وتفاقم تجربتنا مع التوتر. وتابع «ما يبدو أحياناً أنه عامل ضغط قد لا يكون كذلك».
* التحكم بالمشاعر
يمكن لمشاعر الإحباط المفهومة، مثل ارتكاب خطأ أو عدم الحصول على وظيفة، أن تتصاعد في كثير من الأحيان إلى شعور «أنا عديم الفائدة»، «لن يرغب أحد في تعييني». يقول غيلبرت «تعامل مع المشاعر دون التعرض للضربة الثانية من النقد الذاتي».
والمشاعر الثلاثة المألوفة هي الغضب والقلق والحزن. يقول جيلبرت، إن بعض التوتر قد ينتج من التغيّرات الدائمة في الحياة «إذا تعلمت التعامل مع (الثلاثة الكبار) فهذا يساعدك على التصالح مع ذاتك».
ووجدت دراسة حديثة أجريت على مستوى المملكة المتحدة حول العاملين في مجال الرعاية الصحية والاجتماعية، واستكشفت عبء العمل خلال الوباء، أن أولئك الذين لديهم استراتيجيات تأقلم إيجابية لديهم مستويات أعلى من الصحة العقلية، ونوعية حياة عمل أفضل، ومعدلات أقل من الإرهاق.
* استكشف خياراتك في العمل
إذا كانت ضغوطك غير مرتبطة بالعمل - وحتى لو كانت كذلك - فقد يكون صاحب العمل قادراً على فعل المزيد للمساعدة. أكدت دراسة جامعة أولستر للعاملين في مجال الرعاية الصحية والاجتماعية على الدور المهم لأصحاب العمل في دعم الموظفين خلال ضغوط الوباء ومساعدتهم على التعافي.
وإذا كان من الممكن تخفيف الضغوط في حياتك الأسرية من خلال التغييرات في أنماط عملك، فإن الأمر يستحق مناقشة ذلك مع مديرك، كما هو الحال مع توفير أي تقنية أو معدات تجعل من السهل العمل من المنزل.
في هذه الأثناء، يحتاج أصحاب العمل إلى أخذ زمام المبادرة من خلال إجراء تغييرات منهجية لدعم الموظفين لأخذ فترات راحة وعطلات، وإنشاء مسارات للمساعدة النفسية المتخصصة، وإتاحة الفرص لوقت إضافي للتعافي، إذا لزم الأمر.


مقالات ذات صلة

ليست اللحوم وحدها... 8 فواكه تمنحك جرعة إضافية من البروتين

صحتك الأفوكادو يتميز بمحتواه من البروتين والدهون الصحية والألياف أيضاً (بيكسلز)

ليست اللحوم وحدها... 8 فواكه تمنحك جرعة إضافية من البروتين

عندما نتحدث عن مصادر البروتين، غالباً ما تتجه الأنظار إلى اللحوم والبيض ومنتجات الألبان والبقوليات، بينما قد لا تكون الفواكه أول ما يتبادر إلى الذهن.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك الذرة النيئة قد تحتوي على نسبة أعلى من الألياف والنشا المقاوم مقارنة بالذرة المطبوخة (بيكسلز)

هل تناولت الذرة نيئة من قبل؟ إليك ما يحدث لجسمك

تُعدّ الذرة من الأطعمة الشائعة التي غالباً ما تُطهى قبل تناولها، سواء بسلقها أو شيِّها أو إضافتها إلى مختلف الأطباق.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك خسارة الوزن قد تؤدي إلى فقدان جزء من كتلة العظام (بيكسلز)

ماذا يحدث لجسمك عند فقدان الوزن؟ 8 تغييرات قد تفاجئك

قد يكون فقدان الوزن خطوة مهمة نحو تحسين الصحة والعافية، خصوصاً إذا كان الوزن الزائد يؤثر في صحة الجسم وجودة الحياة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك قضاء الوقت في الهواء الطلق يرتبط بفوائد للصحة الجسدية والنفسية (بيكسلز)

كيف تقضي وقتاً أطول خارج المنزل وتستفيد صحياً؟

يساعد قضاء وقت أطول خارج المنزل في تخفيف التوتر وتحسين المزاج والنوم واللياقة، ويمكن تحقيق ذلك بأنشطة بسيطة ضمن الروتين اليومي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
صحتك يحتاج معظم البالغين إلى 7 ساعات من النوم على الأقل يومياً للحفاظ على صحتهم ونشاطهم الذهني (بيكسلز)

هل يمكن النوم لساعات أقل والاستيقاظ بنشاط؟

قد يحسّن النوم الجيّد الشعور بالراحة، لكنه لا يعوّض نقص ساعاته، إذ يحتاج معظم البالغين إلى 7 ساعات على الأقل يومياً.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

الأمير هاري يقفز بالمظلة وفاءً لوعد لمحارب في الـ102

الأمير هاري يسير برفقة زوجته ميغان ماركل (رويترز)
الأمير هاري يسير برفقة زوجته ميغان ماركل (رويترز)
TT

الأمير هاري يقفز بالمظلة وفاءً لوعد لمحارب في الـ102

الأمير هاري يسير برفقة زوجته ميغان ماركل (رويترز)
الأمير هاري يسير برفقة زوجته ميغان ماركل (رويترز)

يستعد دوق ساسكس للقفز بالمظلة في سبتمبر (أيلول) لجمع تبرعات لجمعيات خيرية تعنى بالمحاربين القدامى في كندا، والوفاء بوعد قطعه لمحارب سابق في الحرب العالمية الثانية يبلغ 102 عام.

وحسب موقع «بيبول» تبدو عودة الأمير هاري إلى بريطانيا مختلفة هذه المرة، فواحدة من أولى مشاركاته العامة منذ عودته للإقامة في بلاده ستأخذه إلى السماء، في قفزة بالمظلة تجمع بين المغامرة والعمل الخيري، وتحمل في الوقت نفسه معنى شخصياً بالنسبة إلى دوق ساسكس.

ويستعد هاري، 41 عاماً، لتنفيذ القفزة في وقت لاحق من سبتمبر، إلى جانب عدد من المحاربين القدامى، بهدف جمع الأموال لمؤسسات خيرية عسكرية كندية، والوفاء بوعد قطعه لمحارب سابق في الحرب العالمية الثانية.

وتعود القصة إلى نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، عندما زار هاري مركز المحاربين القدامى في مستشفى «صنيبروك» بمدينة تورونتو، والتقى إد مارشال، الذي يبلغ 102 عام. وسرعان ما نشأت علاقة ودية بين الرجلين، جمعتهما تجربة الخدمة العسكرية، إلى جانب اهتمامهما بمواصلة خدمة المجتمع بعد انتهاء حياتهما العسكرية.

وكان مارشال، الذي تلقى تدريباً كجندي مظلات خلال الحرب العالمية الثانية، قد تحدث أمام الأمير بفخر عن قفزة خيرية بالمظلة نفذها احتفالاً بعيد ميلاده المائة قبل عامين.

وبحسب مؤسسة «صنيبروك»، ظلت فكرة القفزة حاضرة في ذهن هاري ومارشال، قبل أن يضعا معاً خطة لتنفيذ قفزة جديدة.

لكن مارشال لن يتمكن من المشاركة هذه المرة، فيما سيمثل حفيده بيلي العائلة إلى جانب دوق ساسكس. ولم يُكشف بعد عن مكان القفزة أو موعدها الدقيق، سوى أنها ستجرى في وقت لاحق من سبتمبر.

وستخصص عائدات القفزة لمؤسسة «صنيبروك»، ومؤسسة «ترو باتريوت لاف» (True Patriot Love Foundation)، اللتين تدعمان المحاربين القدامى وأفراد القوات المسلحة في كندا.


كاميل بيلدسو: أردتُ أفغانستان خارج الصورة التي صنعها الغرب

سافرت المخرجة إلى أفغانستان مرات عدّة من أجل الفيلم (الشركة المنتجة)
سافرت المخرجة إلى أفغانستان مرات عدّة من أجل الفيلم (الشركة المنتجة)
TT

كاميل بيلدسو: أردتُ أفغانستان خارج الصورة التي صنعها الغرب

سافرت المخرجة إلى أفغانستان مرات عدّة من أجل الفيلم (الشركة المنتجة)
سافرت المخرجة إلى أفغانستان مرات عدّة من أجل الفيلم (الشركة المنتجة)

قالت المخرجة الدنماركية كاميل بيلدسو إنّ فكرة فيلمها الوثائقي «إذا جاء الحظ» بدأت من منظّمة «السيرك المتنقّل المصغَّر للأطفال»، التي أسّسها رجل إيراني وامرأة دنماركية اضطرا إلى مغادرة أفغانستان بعد عودة حركة «طالبان» إلى السلطة. وأشارت إلى أنّ مؤسّسَي المنظّمة تواصلا مع الشركة المنتجة للعمل، وأكدا أهمية أن يتولّى أحد رواية ما سيحدث في أفغانستان، فتواصلت الشركة معها، خصوصاً أنها سبق أن قدّمت فيلماً عن سيرك في فلسطين، ممّا جعل المشروع منطقياً في ضوء تجربتها السابقة.

وأضافت كاميل بيلدسو، في مقابلة عبر «زووم» مع «الشرق الأوسط»، أنها عندما ذهبت إلى أفغانستان للمرّة الأولى أدركت أهمية رواية هذه القصة، مشيرةً إلى أنها وقعت في حبّ البلد والأطفال الذين التقتهم، والذين كانت تنتظرهم، وفق تعبيرها، رحلة صعبة.

أضاءت المخرجة على حياة الأطفال (الشركة المنتجة)

وتدور قصة «إذا جاء الحظ»، الذي عُرض في عدد من المهرجانات، أحدثها مهرجان «لوكارنو السينمائي» في سويسرا، حول «زهراء» و«زلجاي»، اللذَيْن كانا يبلغان 12 عاماً، ويجمعهما حبّ المدرسة والصداقة والسيرك الذي ينتميان إليه في كابل، قبل أن يتباعدا مع دخولهما مرحلة المراهقة.

ومع بلوغ «زهراء» 14 عاماً، تواجه قيوداً مضاعفة على حرّيتها وتعليمها بكونها فتاة، في حين يواجه «زلجاي» ضغوطاً مختلفة عندما يمرض والده، إذ يصبح مطالباً بتحمّل مسؤولية الأسرة والعمل لإعالتها. ومن خلال الطفلَين، يتابع الفيلم كيف يفرض المجتمع أدواراً وضغوطاً مختلفة على الفتيات والفتيان، في حين يظلّ السيرك مساحة نادرة للعب والحرّية والأحلام.

وأوضحت المخرجة الدنماركية أنّ اختيارها تقديم أفغانستان من خلال عيون صغيرَيْن جاء لأنها رأت أنّ الحديث عن حياة النساء في البلاد ومعاناتهن تحت حكم «طالبان»، خصوصاً ارتداء البرقع والبقاء في المنزل، يحظى بحضور أكبر، في حين لا تُروى قصص الأطفال بالقدر نفسه. وأشارت إلى أنها أرادت أن تحكي القصة من منظور الطفل، فلا يصبح الفيلم عملاً عن الحرب أو نسخة أخرى من الصورة التي تظهر بها أفغانستان عادة في وسائل الإعلام، وإنما فيلم عن اللعب والضحك والأمل والألوان والصداقة، وهي أشياء تنتمي إلى حياة الأطفال أياً كان البلد الذي يعيشون فيه.

وأضافت أنها عندما وصلت إلى أفغانستان للمرة الأولى كانت تعتقد أنها ستقدّم فيلماً عن الفتيات، لكنها اكتشفت سريعاً أن الفتيان أيضاً يُوضعون في ظروف شديدة الصعوبة. وأوضحت أنها لم تكن تريد تقديم الأمر على أنه منافسة بين الجنسين لمعرفة مَن يعاني أكثر، وإنما إظهار صعوبة الطريق أمام الطرفَين، مشيرةً إلى أن «الفتيان، خصوصاً، يضطرون إلى العمل في سنّ مبكرة، ويتحمّلون مسؤولية إعالة أسرهم، ويواجهون ضغوطاً هائلة».

وأوضحت بيلدسو أنّ بناء الثقة مع الصغيرَيْن تطلب منها قضاء وقت طويل معهما بعيداً عن التصوير، إذ كانت تلعب معهما وتتشارك معهما الطعام، وتقضي الوقت في الحديث والتعارف من دون تشغيل الكاميرا. وأشارت إلى أن من أهم مبادئها في صناعة الأفلام «التأكد في كلّ مرة من أنّ المشاركين يشعرون بالراحة تجاه التصوير، ولذلك إذا لم يرغب الصغيران في التصوير في يوم معيّن، لم يكن الفريق يصور في ذلك اليوم»، وفق قولها.

وأضافت أنّ «مَنْحهما حقّ الاختيار والسيطرة على توقيت التصوير ساعد على بناء الثقة، لأنهما كانا يعرفان أنها لا تريد تجاوز حدودهما»، مؤكدة أن ذلك بالغ الأهمية في صناعة الأفلام الوثائقية.

وتابعت أنّ العلاقة معهما لم تتوقّف عندما كانت تغادر أفغانستان عائدة إلى الدنمارك، موضحةً أنها ظلّت على اتصال بهما عبر الهاتف خلال مراحل وجودها خارج البلاد، وكانت ترسل إليهما صوراً من حياتها وتحافظ على التواصل معهما، ليعرفا أنها تهتم بهما.

عُرض الفيلم في عدد من المهرجانات السينمائية (الشركة المنتجة)

وقالت بيلدسو إنّ العمل في أفغانستان معقّد جداً، خصوصاً وسط القيود التي كانت تتغيّر باستمرار، إذ كانت كل زيارة إلى البلاد تحمل قيوداً جديدة، ما فرض عليها وعلى فريقها التعامل بمرونة والعمل بما هو متاح.

وأوضحت أنهم كانوا يريدون التصوير مدّةً أطول، لكنهم لم يتمكنوا من ذلك، ممّا جعل الفيلم يأخذ شكلاً يُشبه العد التنازلي من عمر 12 عاماً إلى 14 عاماً. ورأت أنّ هذه الظروف أصبحت، بطريقة ما، إحدى نقاط قوة الفيلم، لأن جزءاً من بنيته جاء نتيجة القيود المفروضة على التصوير.

وشدَّدت على حرصها على الابتعاد عن الصور النمطية، موضحةً أن صناع الأفلام الغربيين، عندما يقدّمون أفلاماً عن دول في الشرق الأوسط أو آسيا، يميلون أحياناً إلى تصوير كثير من النساء بالحجاب أو استخدام موسيقى تبدو «غريبة» أو «شرقية» بالنسبة إلى المتلقّي الغربي. وأكدت أنها لم ترغب في إعادة إنتاج هذه الصور، كما لم تكن تريد الإكثار من مشاهد الصلاة، لأنها أيضاً من العناصر التي تتكرّر كثيراً في الأفلام التي تتناول الدول العربية.

وأوضحت أنها أرادت تقديم أفغانستان بطريقة مختلفة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على وعي دائم بأنها غربية وليست أفغانية، وأنها ترى الأشياء بطريقة مختلفة وتتمتّع بامتيازات لا يتمتع بها الأشخاص الذين تصور حياتهم، معتبرة أنّ هذا الوعي كان ضرورياً في صناعة الفيلم.

وقالت بيلدسو إنّ «تحقيق التوازن بين الأمل والواقع كان من أكثر الأمور التي شغلت الفريق خلال صناعة الفيلم»، موضحةً أن قدرة الأطفال على العثور على السعادة والذهاب إلى السيرك تعكس وجود الأمل في هذا البلد. لكنها كانت حريصة أيضاً على إظهار أنّ «زهراء» ستبقى في المنزل، لأن ذلك هو الواقع الذي تعيشه، مؤكدة أنها لم تكن تريد تقديم صورة غير واقعية عما يحدث، لأن ذلك سيكون، في رأيها، مسيئاً للنساء والفتيات والأطفال في أفغانستان.

ووصفت ردود الفعل على الفيلم بأنها «كانت رائعة»، وقالت إن إحدى الشهادات التي أسعدتها جاءت من امرأة أفغانية-دنماركية تعيش في الدنمارك، وشاهدته خلال عرضه في كوبنهاغن. وأشارت إلى أن المرأة أخبرتها بأن الفيلم كان بمثابة هدية لها، لأنه منحها فرصة لإظهار بلدها لأطفالها الذين لم يسبق لهم الذهاب إلى أفغانستان.


«بورتريهات الفيوم»... عيون من الماضي تلتقي روما

وجوه الفيوم تحمل تعبيرات قوية (المتحف المصري)
وجوه الفيوم تحمل تعبيرات قوية (المتحف المصري)
TT

«بورتريهات الفيوم»... عيون من الماضي تلتقي روما

وجوه الفيوم تحمل تعبيرات قوية (المتحف المصري)
وجوه الفيوم تحمل تعبيرات قوية (المتحف المصري)

تحت عنوان «قوة البورتريهات: من الفيوم إلى روما»، تقيم مصر معرضاً أثرياً مؤقتاً بمتحف آراباسيس في مدينة روما بإيطاليا، من 5 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026 حتى 2 مايو (أيار) 2027، لتعاود الوجوه المصرية القديمة، المعروفة ببورتريهات الفيوم، الظهور بإطلالة جديدة في العاصمة الإيطالية.

وأعلن مجلس الوزراء المصري، في بيان، موافقته على إقامة المعرض الدولي، المقرّر أن يضم 40 قطعة أثرية، بناءً على طلب الجهة المنظِّمة، تشمل 36 قطعة من مقتنيات المتحف المصري بالقاهرة، وقطعتَين من مقتنيات متحف الغردقة، وقطعة من مقتنيات متحف آثار مكتبة الإسكندرية، وأخرى من مقتنيات متحف كوم أوشيم بالفيوم.

وتراهن مصر على المعارض الأثرية المؤقتة في الخارج للترويج السياحي والتعريف بالحضارة المصرية القديمة. وشهدت هذه المعارض إقبالاً لافتاً خلال المدّة الماضية، من بينها معرض «رمسيس وذهب الفراعنة» في العاصمة البريطانية لندن، الذي استقبل نحو 68 ألف زائر منذ افتتاحه في فبراير (شباط) الماضي.

إحدى لوحات وجوه الفيوم الجنائزية (يوتيوب)

كما استقبل معرض «كنوز الفراعنة» في العاصمة الإيطالية روما نحو 322 ألف زائر منذ افتتاحه في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، فيما استقطب معرض «مصر القديمة تكشف عن أسرارها: كنوز من المتاحف المصرية»، المُقام في هونغ كونغ، نحو 345 ألف زائر منذ افتتاحه في نوفمبر الماضي.

ويرى عالم الآثار المصري، مدير متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية، الدكتور حسين عبد البصير، أنّ «بورتريهات الفيوم من أكثر الفنون المصرية القديمة قدرةً على مخاطبة الإنسان المعاصر، لأنها لا تقدم إلينا مجرّد آثار، وإنما وجوه لأشخاص عاشوا في مصر قبل نحو ألفَي عام، ولا تزال عيونهم تنظر إلينا حتى اليوم». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أنّ «هذه البورتريهات أعمال نشأت في مصر خلال العصر الروماني، عند نقطة التقاء التقاليد المصرية القديمة مع الفنون اليونانية والرومانية، ولذلك تحمل داخلها قصة مجتمع مصري متنوّع ومتعدّد الثقافة».

ويرى عبد البصير أنّ «إقامة معرض مؤقت في روما يضم نحو 40 قطعة تمثّل فرصة مهمّة لإعادة تقديم هذه الوجوه المصرية القديمة أمام الجمهور الإيطالي والعالمي من زاوية جديدة. والأهم أنّ مشاركة متحف الآثار بمكتبة الإسكندرية بقطعتين في هذا المعرض تؤكد قيمة مقتنيات المتحف ودوره في التعريف بالتراث المصري وإتاحته للحوار الثقافي الدولي»، وفق تعبيره.

وتُعدّ بورتريهات الفيوم «أحد أروع ما قدمه الفنّ المصري القديم في العصر الروماني. بدأت هذه اللوحات الجنائزية الفريدة في الظهور مع مطلع القرن الأول الميلادي، لتمثّل تحوّلاً ثورياً في الطقوس المصرية؛ إذ استُبدلت صور واقعية تُوضع فوق وجه المُتوفّى مباشرة بالأقنعة التقليدية، لتكون دليلاً للروح في رحلتها نحو العالم الآخر»، وفق منشور للمتحف المصري.

وجوه مصرية عمرها ألفا عام تطلّ في روما (المتحف المصري)

ويوضح عبد البصير أنّ «هذه البورتريهات تملك خصوصية شديدة؛ فهي ليست صوراً تذكارية بالمعنى الحديث، وإنما ارتبطت بالممارسات الجنائزية المصرية. ومع ذلك، فإنّ واقعيتها الشديدة تجعل المسافة بيننا وبين أصحابها تكاد تختفي. ننظر إلى امرأة أو رجل أو طفل عاش في مصر منذ قرون طويلة، فنشعر للحظة أننا أمام شخص يمكن أن نقابله اليوم».

ويتابع: «من هنا تأتي أهمية المعرض في روما. فهو لا يعيد عرض آثار مصرية قديمة فحسب، بل يطرح مجدداً سؤالاً إنسانياً دائماً: ماذا يبقى من الإنسان بعد رحيله؟ ربما كانت الإجابة التي تركها لنا أهل الفيوم بسيطة وعميقة في الوقت نفسه: يبقى الوجه، وتبقى الذاكرة، ويبقى الفنّ قادراً على أن يمنح الإنسان حياة أخرى».

Your Premium trial has ended