الأوروبيون يسعون لاستخلاص العبر من «الهزيمة الأفغانية»

أفغان في مخيم للاجئين يديره الصليب الأحمر بمدينة أفيزانو بوسط إيطاليا أمس (أ.ب)
أفغان في مخيم للاجئين يديره الصليب الأحمر بمدينة أفيزانو بوسط إيطاليا أمس (أ.ب)
TT

الأوروبيون يسعون لاستخلاص العبر من «الهزيمة الأفغانية»

أفغان في مخيم للاجئين يديره الصليب الأحمر بمدينة أفيزانو بوسط إيطاليا أمس (أ.ب)
أفغان في مخيم للاجئين يديره الصليب الأحمر بمدينة أفيزانو بوسط إيطاليا أمس (أ.ب)

ما بعد الانسحاب من أفغانستان لا يشبه ما قبله: هكذا يمكن تلخيص المواقف الأوروبية بعد الانسحاب المهين من أفغانستان. وحسب مصادر دبلوماسية أوروبية في باريس، فإن تطورات الأسبوعين الماضيين تدفع بالأوروبيين إلى استخلاص 4 نتائج رئيسية؛ أولاها: «ضرورة الحذر» من الإدارة الأميركية في عهد جو بايدن كما كانت حذرة منها؛ لا بل أكثر، في عهد سابقه في البيت الأبيض دونالد ترمب. ويسود في العواصم الأوروبية المعنية بشكل مباشر بالملف الأفغاني، من باريس إلى لندن وبرلين، شعور بـ«الإحباط» بسبب الأداء الأميركي الذي وضعهم «أمام الأمر الواقع» من جهة؛ وبسبب الفشل الذريع الذي أصاب أجهزتهم الاستخباراتية والبنتاغون وسوء تقديرهم الأوضاع في أفغانستان ومدى قدرة النظام السابق على الصمود في وجه تقدم «طالبان». والنتيجة الثانية، وفق المصادر نفسها، التخوف من أن تستنسخ واشنطن النهج نفسه والانسحاب من مناطق أخرى مثل سوريا والعراق والخليج وأفريقيا... ووضعهم، مرة أخرى، أمام أمر واقع جديد.
وما يفاقم الحسرة الأوروبية أن العواصم المعنية استبشرت خيراً بوصول بايدن إلى البيت الأبيض والأدبيات التي سوقها بشأن «عودة أميركا» إلى الساحة وعزمها على التشاور والعمل الوثيقين مع الحلفاء؛ إنْ في «الحلف الأطلسي» أو في الاتحاد الأوروبي. وتتوقف هذه المصادر بشكل خاص عند كلمة لبايدن ألقاها في البيت الأبيض بتاريخ 14 أبريل (نيسان) الماضي، وفيها قال ما حرفه: «لن نتدافع وبشكل متسرع باتجاه باب الخروج من أفغانستان. سوف ننفذ خطته بشكل مسؤول وآمن وبالتشاور والتنسيق مع حلفائنا وشركائنا الذين يزيد وجودهم اليوم في هذا البلد على وجودنا». وبذلك كان يقصد وحدات «الحلف الأطلسي» بشكل خاص. والحال أن ما حدث فعلياً، يبعد سنوات ضوئية عن وعود بايدن؛ إذ تكفي قراءة وسائل الإعلام الأميركية بكل تلاوينها للتأكد من الإهانة المؤكدة التي لحقت بأميركا «الهاربة» من أفغانستان.
تضاف إلى ما سبق، وفق القراءة الأوروبية، نتيجتان متصلتان: من جهة؛ دفع الأوروبيين إلى إعادة النظر في علاقاتهم الاستراتيجية مع الشريك الأميركي؛ بما في ذلك داخل «الحلف الأطلسي». ومن جهة ثانية؛ التعجيل في بناء قوة عسكرية خاصة بهم في إطار السعي إلى «الاستقلالية الاستراتيجية» التي من شأنها تمكين الأوروبيين من الدفاع عن مصالحهم في كل الظروف ومن غير المشاركة الأميركية. وجاءت تصريحات «وزير» الشؤون الخارجية في الاتحاد جوزيب بوريل (إسباني) بالغة الوضوح. وقال بوريل في مقابلة صحافية أول من أمس، إنه يتعين على الأوروبيين «خفض الاعتماد على واشنطن».
وفي هذا السياق، سيكون لوزراء الدفاع في الاتحاد أن يناقشوا في اجتماعهم اليوم في بروكسل مشروع تشكيل قوة أوروبية مشتركة من 5 آلاف رجل، على الأقل، يسهل تعبئتها واستخدامها في الجوار الأوروبي. وإزاء تردد؛ لا بل معارضة، بعض بلدان أوروبا الشرقية التي تخلصت من الهيمنة السوفياتية مع انهيار «حلف وارسو» والاتحاد السوفياتي، في تسعينات القرن الماضي، ولا تريد الاستبدال بالمظلة الأميركية الحامية لها مظلة أوروبية غير موجودة، فقد اقترح بوريل أن يجري السعي إلى القوة المشار إليها إما بإجماع أعضاء الاتحاد «إذا توافر» أو بالتوافق بين الدول الراغبة في ذلك. وتذكر مقترحات بوريل بدعوات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بهذا الخصوص التي كررها في العديد من المرات؛ منها، قبل 3 سنوات، تحت قبة البرلمان الأوروبي والتي لاقت استحساناً ألمانياً. لكن حتى تاريخه، لم يحصل أي تقدم فعلي لمشروع القوة المشتركة.
بيد أن ما يهم الأوروبيين (والأميركيين) في الوقت الحاضر هو تمكينهم من إجلاء من تبقى من مواطنيهم في أفغانستان إضافة إلى الذين تعاملوا معهم وأولئك الذين يشعرون بـ«التهديد» من مثقفين وإعلاميين وقضاة وناشطين في المنظمات غير الحكومية. وكان الطموح الفرنسي - البريطاني، بدعم أميركي، أن ينص قرار مجلس الأمن الذي صدر ليل الاثنين - الثلاثاء على إقامة «منطقة آمنة» شدد الرئيس ماكرون على أهميتها. والحال أن القرار المذكور لم يشر إليها؛ بل المجلس تبنى قراراً يدعو «طالبان» إلى «احترام التزاماتها» بتوفير «الخروج الآمن» للراغبين فيه؛ أي الأجانب الذين ما زالوا عالقين في أفغانستان والأفغان الحائزين أوراقاً من دول أجنبية تتيح لهم السفر. ورغم ذلك، فإن باريس عدّت، بحسب بيان صادر عن قصر الإليزيه، أنها حصلت على ما تريده «وهو ما يلزم لجعل المطار مكاناً آمناً لمن يريدون مغادرة كابل».
وبينت تصريحات وزراء خارجية فرنسا وبريطانيا وألمانيا في الساعات الأخيرة الأهمية القصوى التي تعلقها البلدان المعنية على هذه المسألة، خصوصاً الإحباط الذي ألمّ بها بعد الوعود التي أغدقتها على الأفغان. لكن مشكلة الغربيين أن قرار مجلس الأمن، رغم أهميته وأنه يمثل ورقة ضغط مهمة على نظام «طالبان»، لا يشكل ضمانة لهم، وأنه مرهون برغبة الحركة في التعاون.
وفي هذا السياق، أفادت مصادر أوروبية بأن بايدن، أبلغ قادة «مجموعة السبع»، بمناسبة الاجتماع الافتراضي الثلاثاء الماضي، أن هناك ورقتين رئيسيتين للضغط على «طالبان»: الأصول المالية لأفغانستان التي جمدتها واشنطن وبعض الدول الأوروبية إضافة إلى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وورقة الاعتراف بـ«طالبان». وبالنظر لحاجة الحركة لاستعادة هذه الأصول الضرورية لعمل الاقتصاد من جهة، وحاجتها، من جهة ثانية، للاعتراف الدولي بها، بحيث لا تتحول إلى دولة «منبوذة» على غرار كوريا الشمالية مثلاً، فإن الضغوط الاقتصادية والمالية والعزلة السياسية والدبلوماسية، يمكن أن تكون عوامل فاعلة في دفع النظام الجديد إلى «الاعتدال». لكن، بأي حال، ما زال الأوروبيون يصرون على أن ما يعنيهم هو «ما تقوم به (طالبان) وليس ما تقوله».
وحتى اليوم، تقوم اتصالات بين الأوروبيين و«طالبان»؛ «سلطة الأمر الواقع» وفق تعبير وزير الخارجية الفرنسي أمس، إما مباشرة أو بالواسطة. لكن الاعتراف، بحسب تصريحات المسؤولين الأوروبيين يفترض توافر مجموعة شروط أصبحت اليوم معروفة؛ منها ملفات: الإرهاب، واحترام حقوق الإنسان، والخروج الآمن، وإيصال المساعدات الإنسانية. لكن الواضح أن الغربيين مستعدون لاجتياز هذه الخطوة وأنهم لا يريدون، وفق المصادر المشار إليها سابقاً، أن ترتمي «طالبان» في أحضان الصين وروسيا اللتين امتنعتا عن التصويت في مجلس الأمن.
تبقى في الأفق المسألة الأهم وعنوانها: تدفق الهجرات من أفغانستان وكيفية مواجهتها منعاً لتكرار سيناريو عامين 2015 و2016. وهذا الموضوع كان عنوان اجتماع وزراء داخلية الاتحاد أمس. وكان ماكرون أول من قرع ناقوس الخطر، داعياً إلى خطة أوروبية جماعية للتعاطي مع هذه المسألة. وأول من أمس، صرح رئيس وزراء سلوفانيا جانيس جانسا، الذي ترأس بلاده الاتحاد حالياً، بأن الاتحاد الأوروبي «لن يفتح ممرات إنسانية أمام اللاجئين أو من أجل المساعدات الإنسانية، ولن يسمح بتكرار خطأ 2015 الاستراتيجي». كذلك، رفض أول من أمس وأمس عدة وزراء الالتزام باستقبال أعداد محددة من اللاجئين، والتوجه كان إلى تحميل «دول الطوق» المحيطة بأفغانستان مسؤولية استقبال اللاجئين والإبقاء عليهم داخل أراضيهم مقابل مساعدات مالية تقدم لهم مباشرة أو عبر المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة، مما يعني استنساخ الاتفاق مع تركيا المبرم عام 2016. كذلك، يسعى الأوروبيون إلى تشديد الرقابة على الحدود «الخارجية» والاتفاق على «المعايير» التي يفترض توافرها لقبول لجوء مواطنين أفغان إلى بلدانهم. وكان مرتقباً أن يناقش وزراء الداخلية التحديات الأمنية التي تطرحها المسألة الأفغانية مع وصول الآلاف من اللاجئين واحتمال تسلل جهاديين وإرهابيين بين صفوفهم، والتدابير المشتركة التي يتعين الالتزام بها.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».