حصول المصابين بالسرطان على الدواء أصعب من مواجهة المرض

10 % منهم لم يتلقوا العلاج خلال الشهرين الماضيين

من الاعتصام الذي نفذه عدد من مرضى السرطان في لبنان للمطالبة بتوفير الأدوية (رويترز)
من الاعتصام الذي نفذه عدد من مرضى السرطان في لبنان للمطالبة بتوفير الأدوية (رويترز)
TT

حصول المصابين بالسرطان على الدواء أصعب من مواجهة المرض

من الاعتصام الذي نفذه عدد من مرضى السرطان في لبنان للمطالبة بتوفير الأدوية (رويترز)
من الاعتصام الذي نفذه عدد من مرضى السرطان في لبنان للمطالبة بتوفير الأدوية (رويترز)

يراهن المصابون بمرض السرطان في لبنان على فتح مصرف لبنان المركزي للاعتمادات المطلوبة لاستيراد علاجات مرض السرطان، بعد شح في الأدوية منع عشرة في المائة من المرضى من الحصول على أدويتهم على مدى الشهرين الماضيين.
وفي اعتصام أقيم أول من أمس في بيروت، شارك فيه مدير عام وزارة الصحة، رفع مرضى السرطان في لبنان الصوت، ونددوا بالتقصير الحكومي عن توفير العلاجات. تقول إحدى المريضات في مقطع فيديو انتشر بكثافة على مواقع التواصل الاجتماعي: «أنا جاهزة لأدفع ثمن العلاج... لكن يجب أن يتوفر في السوق أولاً».
وأضاء هذا الاعتصام على أزمة إنسانية كبيرة، تطال آلاف مرضى السرطان في لبنان، كما تطال عشرات آلاف المرضى الآخرين، لجهة شح الأدوية في الصيدليات وعدم توافرها بعد الارتباك الذي حصل على خلفية رفع الدعم عن بعضها، وعدم فتح اعتمادات في المصرف المركزي لاستيراد المدعوم منها. وإثر تراجع احتياطات المصرف المركزي من العملة الصعبة التي يوفرها لاستيراد السلع المدعومة الأساسية مثل المحروقات والأدوية والمستلزمات الطبية والأصناف الغذائية، وتوقفه عن دعم قسم كبير منها، حصل اتفاق قبل شهرين على توفير العملة الصعبة لاستيراد أدوية الأمراض المزمنة بحزمة دعم تبلغ 50 مليون دولار شهرياً، ومن ضمنها طبعاً علاجات السرطان.
وقالت مصادر وزارة الصحة لـ«الشرق الأوسط»، إن فتح الاعتمادات مرتبط بمصرف لبنان المركزي، لافتة إلى أن التعميم الذي أصدره أمس، حاكم مصرف لبنان رياض سلامة «يفترض أن يحل الأزمة»، آملة أن يساعد هذا الإجراء في توفير العلاجات.
وأعلن المكتب الإعلامي لوزير الصحة العامة في حكومة تصريف الأعمال حمد حسن في بيان، أنه «بعد متابعة حثيثة، بالتزامن مع عمليات الدهم التي يقوم بها التفتيش الوزاري، انفرجت الأمور مركزياً، وتبلغ الوزير حسن أمس بدء مصرف لبنان منح الأذونات المتراكمة والمصادقة من الوزارة منذ فترة وعددها 1800 فاتورة». وطالبت الوزارة الشركات المستوردة بـ«البدء بصرف الدواء المحجوب وشحن المقطوع بدءاً من يوم أمس».
ولم تتخيل ريتا يوماً أن توفير الأدوية الضرورية لمتابعة علاجها من مرض السرطان سيؤرقها أكثر من إصابتها بداء ينهش جسدها منذ ثلاث سنوات، بعدما لم تسلم أدوية الأمراض المستعصية والمزمنة من تبعات الانهيار الاقتصادي. وقالت ريتا (53 عاماً) التي فضلت استخدام اسم مستعار لوكالة الصحافة الفرنسية: «مريض السرطان أكثر من يتعذّب في الكون (...) العلاج أشبه بنار تدخل جسدك... وفوق ذلك كله علينا أن نبحث عن الدواء».
ولم يحصل 10 في المائة من مرضى السرطان على علاجاتهم خلال الشهرين الماضيين، بحسب ما قال رئيس قسم أمراض الدم والأورام في المركز الطبي الجامعي التابع لمستشفى القديس جاورجيوس الدكتور جوزيف مقدسي، مؤكداً في تصريح نقلته وكالة «رويترز» أن هذه المشكلة «تحتاج حلاً فورياً»، مضيفاً: «لا يمكنني أن أخبر مرضاي بأن هناك أزمة وأطلب منهم الانتظار حتى تنحسر... هذا المرض لا يصبر».
ولا تزال أدوية السرطان مدعومة، الأمر الذي يعني أنه يتعين على الوكلاء انتظار التمويل اللازم للاستيراد من قِبل المصرف المركزي الذي نفدت احتياطياته. لكن الدكتور مقدسي ليس متفائلاً بأن يحل تخفيف الدعم على أدوية السرطان مشكلة مرضاه. فبعض الأدوية المستخدمة في العلاج الكيميائي، الذي قد يكلف ما يصل إلى خمسة آلاف دولار للجلسة الواحدة، مدعومة في الوقت الراهن. وهذا يعني أن المريض يدفع نحو 400 دولار بينما تتحمل الدولة بقية التكلفة. وقال مقدسي: «حتى إذا رفعوا هذا الدعم لتوفير الأدوية لن يستطيع كثير من المرضى تحمل التكلفة».
ووثق تقرير نشره «المرصد العالمي للسرطان» المنبثق عن منظمة الصحة العالمية في مارس (آذار) الماضي، تسجيل لبنان 28764 ألف إصابة بمرض السرطان خلال السنوات الخمس الأخيرة، بينها 11600 حالة عام 2020. إلا أن أطباء يوضحون أن عدد من يتلقون العلاج يتجاوز هذا الرقم باعتبار أن مدة علاج بعض المرضى قد تمتد لسنوات.
وأوضح رئيس جمعية أطباء الدم في لبنان البروفسور أحمد إبراهيم لوكالة الصحافة الفرنسية، أن نحو من ألفين إلى 2500 حالة لوكيميا وأمراض ليمفاوية تسجّل سنوياً في لبنان، ولا يتوفر حالياً «إلا القليل من الأدوية التي تُستخدم في علاجها». وحذّر من أنّه «إذا لم يُتابع علاج هؤلاء بطريقة دوريّة، فسيموت بعض منهم»، منبّهاً إلى أن «بعض المرضى كانوا يُشارفون على الشفاء وبلغوا مرحلة قرب انتهاء العلاج. وفجأة، قُطع عنهم الدواء».
وعلى وقع الأزمة، أعلن الوزير حمد حسن الأربعاء، عزم البنك الدولي ومؤسسات دولية «تخصيص مبلغ 25 مليون دولار لشراء الأدوية المزمنة والمستعصية» لتوفيرها للبنانيين.
وترفع مبادرات وجمعيات عدّة الصوت، بينها جمعية بربارة نصار التي تعنى بدعم مرضى السرطان وقد نظمّت الخميس، وقفة احتجاجية في بيروت شارك فيها عشرات المرضى للمطالبة بتأمين أدوية السرطان.
وقال رئيس الجمعية هاني نصار: «تخيّلوا أنّه في لبنان يُطلب من مريض السرطان، مع كلّ همومه، أن ينزل إلى الشارع ويطالب بالدواء»، متسائلاً: «ما ذنب المريض إذا كانت الدولة عاجزة عن ضبط الأزمة؟»، ونبّه إلى أن الخطورة تكمن في أن بعض المرضى «قد يفارقون الحياة لاحقاً»، ما لم يتناولوا اليوم «أدوية تحمي أجسامهم من تفشٍّ أوسع للسرطان».
ونقلت «رويترز» عن المصابة كريستين طعمة قولها إنها مصابة بسرطان القولون من الدرجة الثالثة، وإن الأطباء وصفوا لها ست جلسات من العلاج الكيميائي. لكنها لم تخضع سوى لثلاث جلسات حتى الآن. ومع انتشار السرطان في العُقد الليمفاوية، تخشى كريستين ألا تبقى على قيد الحياة أكثر من أشهر معدودة إن هي عجزت عن استكمال علاجها.
ووفرت جمعية بربارة نصار لدعم مرضى السرطان، أدوية تتجاوز قيمتها 1.5 مليون دولار سنة 2020 عبر تبرعات عينية من مرضى سابقين. لكن يقول هاني نصار، إن التناحر السياسي في البلاد يعرقل جهود تخفيف الأزمة. وأضاف: «المصرف المركزي يريد رفع الدعم ووزارة الصحة لا تريد، وبين هذا وذاك يظل المرضى دون علاج»



مصر: توضيحات حكومية بشأن مشكلات «الدعم العيني» لتعزيز قبول «المسار النقدي»

باعة جائلون يحملون الخبز في أحد شوارع القاهرة (رويترز)
باعة جائلون يحملون الخبز في أحد شوارع القاهرة (رويترز)
TT

مصر: توضيحات حكومية بشأن مشكلات «الدعم العيني» لتعزيز قبول «المسار النقدي»

باعة جائلون يحملون الخبز في أحد شوارع القاهرة (رويترز)
باعة جائلون يحملون الخبز في أحد شوارع القاهرة (رويترز)

تتواصل توضيحات الحكومة المصرية بخصوص مشكلات منظومة الدعم التمويني العيني الذي يستفيد منه نحو 70 مليون مواطن، حسب وزارة التموين، مع قرب تفعيل منظومة جديدة للدعم النقدي.

وكانت أحدث التوضيحات على لسان وزير التموين شريف فاروق، الذي أكد أن تعديل المنظومة يستهدف ضمان الوصول للمستحقين، وهو ما يراه رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية خالد الشافعي يمهّد للتوجه صوب إلغاء الدعم العيني (السلع والخبز) واستبدال نظيره النقدي به، مؤكداً أن التركيز على مشكلات المنظومة الحالية يوجه رسائل للرأي العام لقبول النظام الجديد المستهدف بدء تطبيقه التدريجي مع العام المالي الجديد الذي يبدأ في يوليو (تموز) المقبل.

ورفعت الحكومة قيمة الدعم والحماية الاجتماعية في الموازنة الجديدة للدولة التي ستطبق بداية من يوليو إلى 832.3 مليار جنيه بزيادة 12 في المائة، وفق وزارة المالية (الدولار يساوي 51.7 جنيه).

تسارع خطى التحول

وعقد رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، الأحد، اجتماعاً حضره وزير التموين لمتابعة موقف منظومة بطاقة الخدمات الحكومية الموحدة، أكد خلاله أنه تم بالفعل التحرك في منظومة البطاقة الموحدة التي سيستخدمها المواطن للحصول على مختلف الخدمات الحكومية، سواء خدمات التأمين الصحي أو التموين، أو معاش تكافل وكرامة، وكذلك الأسمدة المدعومة، بحسب بيان للحكومة.

رجل يشتري الخبز في سوق شعبية بمصر (رويترز)

وكان الوزير فاروق قد أكد في تصريحات، مساء السبت، أن الحكومة لا تتجه إلى تقليص الدعم التمويني، مشيراً إلى أن المنظومة الحالية ليست على المستوى المُرضي للمواطن، حيث لا يصل الدعم للمستحقين، وبها هدر من بعض المخابز واستغلال للمواطنين، ورُصد عدد من البطاقات التموينية التي تركها أصحابها لآخرين للحصول على السلع التموينية دون وجه حق.

وأوضح أن الدولة تزود الدعم عاماً تلو آخر، ورفعت مخصصات الدعم بوزارة التموين إلى نحو 180 مليار جنيه في ظل الزيادات المستمرة في الأسعار، بهدف مواجهة أعباء المعيشة، مؤكداً أن المواطن سيحصل على مبالغ مالية ضمن منظومة التموين الجديدة تكفي احتياجاته الأساسية، مع استمرار بيع رغيف الخبز المدعم بسعر 20 قرشاً، مع تحمُّل الدولة ممثلة في وزارة التموين والتجارة الداخلية فارق التكلفة.

ويستفيد من «الخبز المدعم»، أو ما يُعرف باسم «الخبز الشعبي»، نحو 70 مليون مواطن وفقاً لآخر تقديرات حكومية في عام 2022. ورفعت الحكومة سعره قبل عامين لأول مرة منذ ثلاثة عقود، ومنذ ذلك الحين تُثبت سعره بعشرين قرشاً، وتوفر الدولة حالياً حصة يومية تبلغ 5 أرغفة لكل فرد مسجل على البطاقة التموينية.

وبحسب الشافعي، رئيس مركز العاصمة للدراسات الاقتصادية، فإن تحركات وزارة التموين والتصريحات الرسمية الصادرة تعكس بوضوح أن الحكومة لا تسعى لمجرد «تعديل» طفيف، بل تمهد الأرضية الفكرية واللوجستية للتحول التدريجي الكامل من الدعم العيني إلى الدعم النقدي المشروط.

ولفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن خطاب الحكومة الحالي يركز على إبراز عيوب الدعم العيني كحجة أساسية للتحول إلى الدعم النقدي، وأن التوضيحات تركز على أن منظومة الدعم العيني الحالية تشهد تسرباً كبيراً لغير المستحقين، مع تقديم بديل تتحول فيه البطاقة لمحفظة مالية يُحسب فيها الدعم بناءً على الأسعار الحرة للسلع مثل احتساب السكر بـ28 جنيهاً بدلاً من السعر التمويني القديم 12.5 جنيه مع تحمل الدولة الفارق وضخّه في البطاقة.

وأشار إلى أن الإعلان عن ارتفاع مخصصات الدعم بوزارة التموين إلى نحو 180 مليار جنيه بسبب التضخم العالمي والمحلي يُستخدم كإشارة واضحة إلى أن المنظومة العينية باتت تشكل عبئاً ما لم تتم حوكمتها وتحويلها لدعم نقدي يذهب للشرائح الأكثر احتياجاً فقط.

تطبيق وشيك

في مؤتمر صحافي في الخامس من الشهر الحالي، أكد رئيس الوزراء مدبولي «بدء تطبيق منظومة الدعم النقدي اعتباراً من العام المالي المقبل»، موضحاً أن «النظام المقترح يعتمد على تقسيم المستحقين للدعم إلى شرائح وفقاً لمستوى الاحتياج الاقتصادي والاجتماعي».

وأضاف أن بدء تطبيق نظام الدعم النقدي بداية من العام المالي المقبل، «سيشكّل نقلة نوعية في أسلوب تقديم الدعم للمواطنين»، وقال إن حكومته «تركز على معالجة أوجه القصور في منظومة الدعم الحالية، بما يضمن تحقيق العدالة الاجتماعية، والاستفادة القصوى من الموارد المخصصة للدعم».

وفي ضوء تأكد الذهاب لهذا المسار الشهر المقبل، يرى الشافعي أن «القبول المجتمعي في الشارع المصري يمثل التحدي الأكبر لنجاح هذا التحول، لكن ما يعرض من توضيحات سيشجع على قبوله؛ مثلاً في النظام الجديد يُمنح المواطن الحق في اختيار ما يحتاجه فعلياً من السلع والمنافذ التجارية، بدلاً من إجباره على سلع تموينية معينة قد تكون ذات جودة منخفضة أو لا يستهلكها، ناهيك بأن توزيع الدعم على عدة شرائح بناء على معايير الدخل والإنفاق والأملاك سيعزز قبوله من الفئات الأولى بالرعاية لأنه يحمي حقوقهم».

ويخلص إلى أن التوجه نحو الدعم النقدي بات «مساراً شبه حتمي» تسير فيه الحكومة بخطى متسارعة، والتوضيحات الحالية هي تمهيد للرأي العام، مؤكداً أن القبول المجتمعي مشروط بمدى قدرة الحكومة على تقديم آلية تحوط واضحة تضمن مراجعة وزيادة قيمة الدعم النقدي دورياً لتواكب قفزات الأسعار، مع ضمان كفاءة منظومة التظلمات الرقمية حتى لا يضار المواطن البسيط.


الحوثيون يشيّعون 15 من قتلى خروقهم للتهدئة خلال شهر

الحوثيون استغلوا الحرب في غزة لتجنيد الآلاف من المقاتلين (فيسبوك)
الحوثيون استغلوا الحرب في غزة لتجنيد الآلاف من المقاتلين (فيسبوك)
TT

الحوثيون يشيّعون 15 من قتلى خروقهم للتهدئة خلال شهر

الحوثيون استغلوا الحرب في غزة لتجنيد الآلاف من المقاتلين (فيسبوك)
الحوثيون استغلوا الحرب في غزة لتجنيد الآلاف من المقاتلين (فيسبوك)

تكبدت الجماعة الحوثية خلال الأسابيع الماضية خسائر بشرية متزايدة في عدد من جبهات القتال، إثر محاولات هجومية وتسللات ميدانية نفذتها ضد مواقع القوات الحكومية، انتهى معظمها بالفشل بعد مواجهات أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى في صفوفها وتدمير معدات عسكرية، وفق ما أفادت به مصادر عسكرية وميدانية.

وقالت المصادر إن العشرات من عناصر الجماعة سقطوا بين قتيل وجريح في جبهات متفرقة شملت مأرب وتعز والضالع والساحل الغربي، خلال محاولات للتقدم نحو مواقع الجيش اليمني، في خروق متكررة للتهدئة التي ترعاها الأمم المتحدة منذ ما قبل 2022.

وأكدت المصادر أن القوات الحكومية تمكنت من إحباط عدد من الهجمات الحوثية خلال الفترة الأخيرة، وأجبرت المهاجمين على التراجع بعد معارك استمرت ساعات في بعض المواقع، مُوقِعةً في صفوفهم خسائر بشرية ومادية.

وأظهرت بيانات الجماعة الحوثية نفسها مقتل ما لا يقل عن 15 من عناصرها خلال شهر مايو (أيار) الماضي، بينهم ثمانية ينتحلون رتباً عسكرية مختلفة، من بينها «لواء» و«مقدم» و«رائد» و«نقيب».

جانب من تشييع الحوثيين عدداً من قتلاهم في ريف صنعاء (إعلام حوثي)

وذكرت النسخة الحوثية من وكالة «سبأ» أن الجماعة شيّعت خلال الفترة نفسها قتلاها في صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها، من دون الكشف عن ظروف مقتلهم أو المواقع التي سقطوا فيها.

وضمت قائمة القتلى المعلنة كلاً من علي محمد الشوكاني، وعلي عبد الله الحالمي، وعبد الرحمن الأحوس، وعبد الرحمن المتوكل، وعلي عبد الباسط إسحاق، وطارق عوض مرحب، وعبد الغني فضل مهدي، ومحمد ناجي الحدي، إلى جانب سبعة آخرين.

نزف مستمر

رجحت مصادر عسكرية يمنية أن يكون معظم هؤلاء القتلى الحوثيين قد لقوا مصرعهم في مواجهات مع قوات الجيش والمقاومة في جبهات مأرب وتعز والضالع والساحل الغربي، حيث شهدت تلك المحاور خلال الأسابيع الأخيرة تصعيداً حوثياً ومحاولات متكررة لاختراق خطوط التماس.

وتأتي هذه الخسائر في سياق ما تصفه مصادر عسكرية باستمرار النزف البشري في صفوف الجماعة، رغم تراجع وتيرة المعارك الواسعة مقارنة بسنوات الحرب السابقة.

لم يستثنِ الحوثيون صغار السن من التعبئة العسكرية والطائفية (أ.ف.ب)

وتحدثت تقارير يمنية عن استمرار تشييع قتلى حوثيين بصورة شبه يومية خلال الأشهر الماضية، بينهم قيادات ميدانية وعناصر ذات خبرة قتالية، ما يعكس حجم الخسائر التي تتعرض لها الجماعة في عدد من الجبهات.

كما أشارت المصادر إلى أن الحوثيين دفعوا خلال الفترة الأخيرة بتعزيزات بشرية إلى بعض مناطق التماس لتعويض النقص في المقاتلين والحفاظ على مواقعهم العسكرية، في ظل استمرار المواجهات المتقطعة مع القوات الحكومية.


مقتل متسلق في فوهة بركانية يكشف وجهاً آخر من مأساة اليمنيين

المغامر الضحية ينزل داخل فوهة بركانية لكتابة أسماء الزوار بمقابل مالي بسيط (إكس)
المغامر الضحية ينزل داخل فوهة بركانية لكتابة أسماء الزوار بمقابل مالي بسيط (إكس)
TT

مقتل متسلق في فوهة بركانية يكشف وجهاً آخر من مأساة اليمنيين

المغامر الضحية ينزل داخل فوهة بركانية لكتابة أسماء الزوار بمقابل مالي بسيط (إكس)
المغامر الضحية ينزل داخل فوهة بركانية لكتابة أسماء الزوار بمقابل مالي بسيط (إكس)

انتهت حياة مغامر يمني كان يتسلق فوهة بركان خامد بشكل مأساوي وصادم، وتركت الكثير من الحزن والأسئلة التي يبحث أصحابها عن إجابة حول المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن الواقعة، في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة التي أجبرته وغيره على تحويل المخاطرة بحياتهم إلى مصدر دخل.

وشهدت مدينة دمت في محافظة الضالع (185 كيلومتراً جنوب صنعاء)، الجمعة، سقوط الشاب القعقاع بن عنتر داخل فوهة البركان الخامد شرق المدينة، التي تعدّ من أهم المزارات السياحية في البلاد، ولم تتمكن فرق الإنقاذ من انتشال جثته إلا صباح السبت، وسط اتهامات للسلطات الخاضعة للحوثيين بإهمال سلامة الزوار والمتسلقين.

وعُرف القعقاع بين زوار فوهة البركان التي يتعارف اليمنيون على تسميتها بـ«حرضة دمت»، كأحد أبرز الوجوه المرتبطة بالمكان، إذ اعتاد النزول إلى المنحدرات الصخرية الحادة وكتابة أسماء الزوار على جدران الفوهة مقابل مبالغ مالية بسيطة، مستنداً إلى خبرة طويلة ومهارة اكتسبها عبر سنوات من التعامل مع الموقع شديد الخطورة.

وتعارف الكثيرون على تشبيه الشاب المغامر بشخصية «سبايدرمان» في سلسلة الأفلام الأميركية الشهيرة، وبعد الحادثة المأساوية تناقلوا مقطع فيديو تحدث فيه عن إدراكه حجم المخاطرة بحياته واضطراره لذلك.

غير أن الحادثة التي هزت اليمنيين وعدداً كبيراً من مستخدمي وسائل التواصل في البلاد العربية، لم تكن مجرد نهاية مأساوية لمغامر اشتهر بجرأته في تسلق المنحدرات الخطرة، والنزول إلى أعماق الفوهة البركانية، بل أعادت تسليط الضوء على الظروف التي جعلت من تلك المغامرات عملاً يومياً ومصدراً للدخل، في بلد أنهكته الحرب، وتراجعت فيه فرص العمل إلى مستويات غير مسبوقة.

ورفض كثيرون اختصار القصة في مغامرة فردية أو اتهام الراحل بالتهور، ورأى ناشطون أن القعقاع لم يكن يبحث عن الإثارة بقدر ما كان يبحث عن لقمة العيش، مشيرين إلى أن المخاطر التي واجهها يومياً كانت بالنسبة له وسيلة لإعالة نفسه وأسرته في ظل أوضاع اقتصادية قاسية.

وشهدت الفوهة عدة حوادث سقوط خلال السنوات الماضية، إلا أنه لم يجرِ اتخاذ أي إجراءات لتوفير وسائل السلامة والحماية للزوار.

المسؤولية القانونية والأخلاقية

أبدى عدد من رواد وسائل التواصل الاجتماعي تهكماً مريراً من طلبات زوار الفوهة البركانية بكتابة أسمائهم على المنحدرات الوعرة، متسائلين عن الفائدة التي يحصلون عليها والمكاسب التي يحققونها بتعريض حياة شخص للخطر في تنفيذ هذه المهمة المثيرة للسخرية، وبمقابل مادي لا يساوي أكثر من ثمن وجبة.

فوهة بركان دمت تعدّ من أشهر المزارات السياحية في اليمن (إعلام محلي)

إلا أن أبرز التساؤلات كانت حول مسؤولية الجماعة الحوثية التي تسيطر على المنطقة، وتديرها بأشدّ طرق الرقابة والهيمنة الأمنية والعسكرية.

يرى خبير قانوني أن المسؤولية في هذه الحادثة لا تقع على طرف واحد، فبينما كان القعقاع على دراية بالمخاطر التي يواجهها، واستمر في ممارسة نشاطه سنوات طويلة، وهو ما يندرج قانونياً ضمن مفهوم القبول بالمخاطرة أو مساهمة المتضرر في الضرر، إلا أن ذلك لا يلغي واجبات الجهات المختصة التي تسيطر على المنطقة وتديرها.

ويوضح الخبير الذي طلب من «الشرق الأوسط» التحفظ على هويته حفاظاً على سلامته، لإقامته في مناطق سيطرة الجماعة، أنه، ما دام المزار السياحي يقع تحت سيطرة الجماعة الحوثية، وتعمل على إدارته وتحصيل الموارد منه، فإن ذلك يُلزمها بتوفير جميع وسائل السلامة للزوار والعاملين فيه، سواء كانوا يعملون كموظفين تابعين لها، أو مقدمي خدمات للزوار بمقابل مالي.

الشاب المغامر كان يستعرض مهاراته أمام الزوار ليحظى بتعاطفهم وتشجيعهم (فيسبوك)

وأضاف أن المسؤولية القانونية تمتدّ إلى أبعد من ذلك، فحتى لو لم يكن المزار يخضع لإدارة سياحية، ولا يجري تحصيل الرسوم فيه، فإن إلزام مرتاديه بإجراءات السلامة يبقى واجباً ما دام المكان يحظى بتلك الشهرة والإقبال الكبيرين.

ويُستثنى من ذلك، بحسب الخبير القانوني، المغامرات الفردية التي ينطلق فيها الأشخاص، سواء كأفراد أو مجموعات، في مناطق بعيدة عن التجمعات العامة، فهناك يتحمل المغامر مسؤوليته منفرداً، ولا تتحمل أي جهة مسؤولية حمايته، إلا في حال طلب منها مساعدته وإنقاذه حال تعرضه للخطر.

غياب وسائل السلامة

يلفت السكان ورواد مواقع التواصل الاجتماعي إلى أن المنطقة تعدّ من أهم التجمعات السكانية القريبة من خطوط التماس مع الحكومة الشرعية والجيش اليمني، وتقع على الخط الرئيسي الرابط بين العاصمة المختطفة صنعاء ومدينة عدن وعدد من المحافظات.

الآلاف من أهالي مدينة دمت وزوارها يودعون القعقاع بعد انتشال جثته (إكس)

كما تعدّ دمت إحدى أهم المدن التي تحقق للجماعة الحوثية إيرادات مالية كبيرة، بحكم موقعها والحركة التجارية فيها، وتبادل السلع الذي يجري فيها بين مناطق سيطرة الجماعة ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وتعدّ فوهة البركان من أبرز المواقع الطبيعية والسياحية في المنطقة، وتستقبل أعداداً متزايدة من الزوار.

من جهته، أشار المحامي نجيب عبد الله إلى أن عدم قدرة فرق الإنقاذ على الوصول إلى جثة القعقاع يكشف عن إهمال كبير واستهتار بحياة مرتادي المزار، وعدم التفكير بحمايتهم أو التخطيط لمثل هذه الحالات التي يمكن أن تتكرر كثيراً، إلى جانب احتمالية وقوع حوادث سقوط جماعية.

الحركات البهلوانية منحت الشاب القعقاع بعض النقود قبل أن تسلبه حياته (إكس)

وبيَّن عبد الله لـ«الشرق الأوسط» أن تحصيل رسوم أو تحقيق إيرادات من أي مزار سياحي، يجعل الجهة المشرفة عليه مسؤولة بشكل كامل عن توفير السلامة والحماية لمرتاديه وتأمينهم، وعليها تنفيذ جميع إجراءات الحماية والسلامة، وتنبيه الزوار إلى المخاطر بشكل واضح ووضع قواعد للالتزام بالتعليمات، ولا تسقط مسؤوليتها إلا في حال تجاوز الزوار تلك التعليمات، أو وقوع حوادث خارجة عن السيطرة.

وتأخرت فرق الدفاع المدني التابع للجماعة الحوثية في البدء بأعمال الإنقاذ إلى وقت متأخر من يوم الحادثة، في حين تبرع رجل أعمال من المنطقة بمبلغ 2 مليون ريال (3738 دولاراً، حيث يفرض الحوثيون سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً) كمكافأة لمن ينتشل جثة المغامر القعقاع، والتي انتهت صباح اليوم التالي.