السعودية تدعو المغرب والجزائر إلى «تغليب الحوار»... و«الجامعة العربية» تناشد «تجنب التصعيد»

الصحافة والأحزاب الجزائرية أيّدت قرار قطع العلاقة الدبلوماسية بين البلدين... والرباط عدّته «غير مبرر»

جزائريون يطالعون عناوين الصحف التي تناولت كلها أمس خبر قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب في صفحاتها الأولى (رويترز)
جزائريون يطالعون عناوين الصحف التي تناولت كلها أمس خبر قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب في صفحاتها الأولى (رويترز)
TT

السعودية تدعو المغرب والجزائر إلى «تغليب الحوار»... و«الجامعة العربية» تناشد «تجنب التصعيد»

جزائريون يطالعون عناوين الصحف التي تناولت كلها أمس خبر قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب في صفحاتها الأولى (رويترز)
جزائريون يطالعون عناوين الصحف التي تناولت كلها أمس خبر قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب في صفحاتها الأولى (رويترز)

أعربت المملكة العربية السعودية عن أسفها «لما آلت إليه تطورات العلاقات بين الأشقاء في كل من المغرب والجزائر»، وذلك في بيان صدر عن وزارة الخارجية السعودية، أوضح أن المملكة تعرب عن أملها في عودة العلاقات بين البلدين بأسرع وقت ممكن.
وأضاف البيان أن السعودية «تدعو الأشقاء في البلدين إلى تغليب الحوار والدبلوماسية لإيجاد حلول للمسائل الخلافية، بما يسهم في فتح صفحة جديدة للعلاقات بين البلدين الشقيقين، وبما يعود بالنفع على شعبيهما، ويحقق الأمن والاستقرار للمنطقة، ويعزز العمل العربي المشترك».
ومن مقرها في مدينة جدة، دعت منظمة التعاون الإسلامي كلاً من الجزائر والمغرب إلى «تغليب المصالح العليا للبلدين الشقيقين، ومبدأ حسن الجوار».
وشددت الأمانة العامة للمنظمة على أن البلدين يجمعهما تاريخ ومصالح مشتركة، خصوصاً أنهما عضوان فاعلان في منظمة التعاون الإسلامي، ومؤثران في العمل الإسلامي المشترك. كما دعت المنظمة إلى اعتماد لغة الحوار لحل ما قد يطرأ من اختلاف في وجهات النظر.
في سياق ذلك، دعا أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية، الجزائر والمغرب إلى «ضبط النفس وتجنب المزيد من التصعيد»، معرباً في الوقت نفسه عن «أسفه البالغ حيال ما آلت إليه العلاقات» بين البلدين، عقب إعلان الجزائر عن قطع علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب.
وقال مصدر مسؤول في الأمانة العامة للجامعة، في بيان، مساء أول من أمس، إن «الجزائر والمغرب بلدان رئيسيان في منظومة العمل العربي المشترك، وإن الأمل لا يزال معقوداً على استعادة الحد الأدنى من العلاقات، بما يحافظ على استقرارهما ومصالحهما واستقرار المنطقة».
وفي السياق ذاته، أعرب «البرلمان العربي» عن «قلق بالغ» تجاه تطورات العلاقات بين البلدين، داعياً إياهما إلى «تغليب علاقات الأخوة بينهما ومصالح شعبيهما الشقيقين، والتي تفرض ضبط النفس، وتجنب التصعيد في العلاقات بين البلدين الشقيقين».
وطالب «البرلمان العربي» كلاً من الجزائر والمغرب بـ«الانخراط في حوار بنّاء لتهدئة التوتر، ومناقشة القضايا الخلافية بينهما في إطار أخوي عربي»، مؤكداً أن «كلاً من المغرب والجزائر قوتين رئيسيتين ومؤثرتين في المنظومة العربية والإقليمية، ويتحملان مسؤولية كبيرة في تعزيز التضامن العربي ونبذ الخلافات والفُرقة».
بدوره أكد الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية الإماراتية والتعاون الدولي، حرص دولة الإمارات الدائم على متانة وقوة العلاقات العربية الإيجابية، ووحدتها وتطويرها بما يخدم مصالح الشعوب ويعزز ازدهارها ونهضتها.
وقال الوزير إن دولة الإمارات «لطالما سعت إلى تعزيز وتمتين العلاقات العربية، ومن هذا المنطلق فإنها تأسف للتطورات الحاصلة بين الجزائر والمغرب، وقطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين».
وأضاف وزير الخارجية الإماراتي أن بلاده «ترتبط بعلاقات أخوية متينة مع كلا البلدين وتسعى إلى تنميتها بما ينسجم مع توجه الدولة الداعم لكل الجهود المشتركة التي تخدم القضايا العربية»، مؤكداً حرص الإمارات على توثيق وتطوير علاقاتها الثنائية مع البلدين، مثمناً التعاون الدائم الذي يحكم العلاقات الإماراتية مع كل من المغرب والجزائر.
من جانبها، دعت باريس أمس، الجزائر والرباط إلى العودة إلى منطق «الحوار» من أجل «الاستقرار» في منطقة المغرب العربي. وقال مساعد الناطق باسم الخارجية الفرنسية، في بيان، إن «فرنسا تبقى بالطبع متمسكة بتعميق العلاقات والحوار بين دول المنطقة، من أجل ترسيخ الاستقرار والازدهار فيها».
لكنّ هذه الدعوات العربية والدولية بالتهدئة قابلتها حملة تصعيدية في الجزائر، حيث أعلنت جُلّ وسائل الإعلام والأحزاب، أمس، انخراطها الكامل في قرار السلطات قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب، وانتقدت بشدة «الموقف العدائي للرباط» بشأن عدة قضايا، أبرزها دعوة سفير المغرب بالأمم المتحدة إلى «تمكين شعب القبائل من تقرير مصيره».
وكتبت صحيفة «الخبر»، الأكثر انتشاراً، أن «تراكمات امتدت لعقود جعلت العلاقات بين الجزائر والرباط تصل إلى طريق مسدود، وتفضي إلى القطيعة». مبرزة الإعلان الصادر في 18 أغسطس (آب) 2021 بعد الاجتماع الاستثنائي للمجلس الأعلى للأمن، والذي ترأسه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، عن أن «الأفعال العدائية المتكررة من طرف المغرب ضدّ الجزائر تطلبت إعادة النظر في العلاقات بين البلدين، وتكثيف المراقبة الأمنية على الحدود الغربية».
من جانبها، ذكرت صحيفة «الشروق» أن قطع العلاقات الدبلوماسية «هو النتيجة المحتومة لممارسات النظام المغربي تجاه جارته الشرقية، التي لطالما جنحت إلى ضبط النفس على مدار عقود، رغم التحرشات التي أصبحت لا تطاق، خصوصاً في الآونة الأخيرة».
من جهته، قال «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة البرلمانية الأولى)، في بيان، إن «القرار الحكيم القاضي بقطع العلاقات الدبلوماسية يأتي نتيجة التجاوزات الخطيرة والمتواترة لنظام المغرب، والتي كشفت عمّا يُضمره من عداوة للجزائر، وصلت حدّ دعم حركات إرهابية انفصالية عميلة، تسعى إلى تقويض أركان الدولة الجزائرية، خدمةً لأجندات باتت ظاهرة للعيان».
وحسب البرلمان، فإن الجزائر «مارست حقها في الرد على نظام يتربص ببلادنا الدوائر... ضارباً بعرض الحائط كل أواصر الأخوة والجوار والتاريخ المشترك لشعبينا». مشيراً إلى أن المغرب «ساهم في إشعال نيران الفتن، بل ثبت أنه أسهم في إشعال الأرض، وهو الفعل الموثق الرامي إلى تقسيم الشعب الذي وحّدته الجغرافيا، كما وحّده التاريخ عبر التضحيات الجسام للأجيال المتعاقبة».
وكانت الجزائر قد اتهمت المغرب بالوقوف وراء حرائق التهمت مئات الهكتارات في الأسابيع الماضية.
في سياق ذلك، قالت «جبهة التحرير الوطني»، القوة السياسية الأولى، في بيان، إن الجزائر «ردّت بالشكل المناسب على الاستهداف، الذي تتعرض له من نظام المغرب، ويعد قرار الجزائر السيادي بقطع العلاقات الدبلوماسية مع الرباط قراراً مدروساً ومسؤولاً، فرضته شواهد كثيرة ووقائع معلومة، تؤكد أن المغرب رفع منسوب عدائه للجزائر، دولةً ومؤسسات، حيث أصبح يخوض ذلك على عدة جبهات، وعلى رأسها محاولة ضرب الوحدة الوطنية، واحتضان ودعم حركة معادية، صنّفتها بلادنا حركة إرهابية. وبات واضحاً أن هذا النظام يستعمل بعض الخونة والعملاء لتأجيج الوضع الداخلي في بلادنا».
بدوره، وصف الحزب الإسلامي «حركة البناء الوطني»، قطع العلاقات بـ«موقف دبلوماسي وطني كان منتظراً ومبرراً، بعد الهجمات الحادة للمملكة المغربية على الجزائر، وتجاوز كل الأعراف الدبلوماسية، والتزامات وحقوق حسن الجوار بدعم منظمات إرهابية واحتضانها». موضحاً أن موقف الجزائر «جاء بعد الدعوة إلى تقسيم وحدة الشعب الجزائري، وتوفير منصة للكيان المحتل لفلسطين ليمارس اعتداءاته السياسية وتحرشاته على الجزائر». في إشارة إلى تصريحات لوزير خارجية إسرائيل ضد الجزائر خلال زيارته الأخيرة للمغرب.
أما وزير الإعلام والدبلوماسي السابق، المعارض حالياً، عبد العزيز رحابي، فكتب في حسابه بـ«تويتر»: «لقد أبدت الجزائر ضبط نفس، ومسؤولية من خلال عدم قطع علاقاتها الدبلوماسية مع المغرب، في نفس اليوم الذي دعا فيه ممثلها في نيويورك رسمياً إلى إثارة الفتنة في الجزائر».
وفي الرباط، أعلنت المملكة المغربية أنها أخذت علماً بالقرار الأحادي الجانب للسلطات الجزائرية بقطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب، ابتداءً من الثلاثاء. وقال بيان مقتضب لوزارة الخارجية المغربية، لم يتجاوز 79 كلمة، صدر في وقت متأخر من الليلة قبل الماضية، إن المغرب «إذ يعرب عن أسفه لهذا القرار غير المبرر تماماً، بيد أنه متوقع بالنظر إلى منطق التصعيد، الذي تم رصده خلال الأسابيع الأخيرة، وكذا تأثيره على الشعب الجزائري، فإنه يرفض بشكل قاطع المبررات الزائفة، بل العبثية التي انبنى عليها».
وأضاف البيان أن المملكة المغربية «ستظل شريكاً موثوقاً ومخلصاً للشعب الجزائري، وستواصل العمل بكل حكمة ومسؤولية من أجل تطوير علاقات مغاربية سليمة وبناءة».
وكان مصدر دبلوماسي في الرباط قد قال لـ«الشرق الأوسط»، عقب صدور القرار الجزائري بقطع العلاقات، إن هذا الأخير «كان منتظراً ولم يشكّل مفاجأة للمغرب».
مضيفاً أنه منذ ترأس الرئيس تبون، الأربعاء الماضي، اجتماعاً استثنائياً للمجلس الأعلى للأمن، ساد اعتقاد على نطاق واسع بأن الجزائر مقبلة على التصعيد مع المغرب.
وتجدر الإشارة إلى أن القرار الجزائري صدر في نفس اليوم، الذي جرى فيه هجوم من مسلحين جزائريين على فندق «أطلس أسني» في مدينة مراكش عام 1994، والذي شكّل أول عملية إرهابية فوق التراب المغربي، وهو الحادث الذي دفع بالمغرب حينها إلى اتهام جهاز المخابرات الجزائري بالضلوع في الهجوم الإرهابي، وفرض تأشيرة على الرعايا الجزائريين، وهو ما ردّت عليه حينها الجزائر بإجراءات أكثر راديكالية تمثلت بإعلانها إغلاق الحدود البرية من طرف واحد بين البلدين، وهو الإغلاق الذي ما زال مستمراً إلى اليوم. في سياق ذلك، وصف نزار بركة، الأمين عام لحزب الاستقلال المغربي المعارض، قرار الجزائر بأنه «غير مفهوم وغير مبرر». وقال في مؤتمر صحافي، عقده أمس في مقر حزبه بالرباط من أجل تقديم برنامج حزبه الانتخابي، بمناسبة قرب موعد انتخابات الثامن من سبتمبر (أيلول) المقبل، إن قرار «قطع العلاقات يضرب مبادئ حسن الجوار»، مؤكداً أنه «قرار ضد مصالح الشعوب المغاربية».
وتأسف بركة لكون الجزائر لم تتفاعل إيجابياً مع اليد الممدودة، التي قدمها الملك محمد السادس لطي صفحة الماضي مع الجزائر وفتح الحدود، واختارت قطع العلاقات مع المغرب.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.