هل صارت الجوائز قريناً للروائي؟

«دفاتر الورّاق» لجلال برجس الفائزة بـ«بوكر العربية» نموذجاً

هل صارت الجوائز قريناً للروائي؟
TT

هل صارت الجوائز قريناً للروائي؟

هل صارت الجوائز قريناً للروائي؟

لم يعد غريباً أن تجد روائياً له من الروايات والقصص بضعٌ لا يتعدى أصابع اليد الواحدة، ومع ذلك نال عن كل واحدة منها جائزة من الجوائز المعروفة وغير المعروفة في مدة قصيرة لا تتجاوز بضعة أعوام، وهو عمر يعد قصيراً بمقاييس الزمن الإبداعية.
وصار أمر توشيح الأغلفة الخلفية للروايات بهذه القوائم الجوائزية، يدفع الناقد - المقتنع بأن للجوائز تقييماتها كما لها مبتغياتها - إلى طرح أكثر من سؤال مثل، ما دوافع كتابة الرواية اليوم؟ وهل يصح أن تكون الغاية المبتغاة من وراء كتابة الرواية هي التباهي بالترشح للمسابقات والعمل بجد وبحسب شروطها من أجل الفوز فيها؟ أين الاهتمام بهمِّ الإنسان في الوجود الذي على الروائي تحمّله وهو يسير حافياً على أرض محروقة متلظياً بجمرها؟
لا يحق لنا أن نجرّد الكاتب من الإمكانات الفنية والقدرات السردية الهائلة التي تمكِّنه من نيل جائزة كل عام على كل عمل يكتبه، ولكن يحق لنا أن نفترض إدراك الكاتب مبتغيات الجوائز ومعرفة طرق اصطيادها، وهي طرق تحفز بالبحث عنها مغريات مادية ومعنوية تغدقها تلك الجوائز على الفائز.
وقد تتبادر أسئلة أخرى للناقد وهو بصدد روايات فاز كتّابها بجوائز كثيرة، ومنها رواية «دفاتر الورّاق» للكاتب الأردني جلال برجس الذي بدأ مشواره الأدبي شاعراً بمجموعته «كأي غصن على شجر» عام 2008، ثم ترك الشعر واتجه نحو الرواية فكان أول عمل سردي له هو مجموعة قصص «الزلزال» التي فازت بجائزة عام 2012، وتلتها أول رواية «مقصلة الحالم» وفازت بجائزة عام 2014، والرواية الثانية «أفاعي النار» وفازت بجائزة عام 2015، والثالثة «سيدات الحواس الخمس»، ووصلت عام 2019 إلى القائمة الطويلة للبوكر العربية ثم جاءت روايته «دفاتر الورّاق» 2020 لتفوز بهذه الجائزة عام 2021.
ومثل هذا المشوار الفتي إبداعياً والغزير جوائزياً، إن جاز التعبير، - قد يثير بعض الظنون التي يقطعها اليقين الذي هو التحليل النقدي المستند إلى النظر الموضوعي والمتوخي الدقة المنهجية.
وبدءاً، يدلنا تعدد الساردين الذاتيين في رواية «دفاتر الورّاق» على أنها رواية أحادية الصوت وليست رواية متعددة الأصوات؛ لأن الحدث السردي لا يتكرر من وجهات نظر مختلفة إنما كل شخصية من الشخصيات الثلاث تسرد أحداث قصتها الخاصة بها وبمعزل عن غيرها ولها دفاترها المذكراتية التي تنشغل بقراءتها.
ويؤدي إبراهيم الورّاق دور البطولة نظراً للمساحة التي أعطيت له داخل العمل والتي فيها تنشطر شخصيته إلى شطرين، أحدهما ذاته والآخر صوت مجهول ظل يرافقه مثل القرين «جاءني الصوت مفاجئاً - انفجر الصوت المجهول - جاء الصوت فيه كثير من الغضب ونبرة من البكاء يؤنبني على فعلتي»، وتأتي بعده شخصية ليلى اللقيطة التي تركت ملجأ الأيتام القاسي لتواجه مجتمعاً أكثر قسوة، والطبيب النفسي يوسف السماك، والموظف عماد الأحمر، والصحافية التي بدا وجودها مفبركاً واقتصر دورها على قراءة دفتر فيه سُردت قصة جاد الله والد إبراهيم، الإنسان النزيه الذي تجلت أصالته في نزاهته.
وكان ينبغي أن يكون لاسترجاع قصة حياة الأب ومماته تأثير في ولده، ولكن هذا لم يحصل... إلى جانب شخصيات أُخر أقل حضوراً؛ منها شخصية ناردا أو السيدة نون التي ظهرت في الربع الأخير من الرواية وهي تعترف.
وتلعب ثيمة القرين دوراً مهماً يضفي حيوية على شخصية إبراهيم ويجعله يخوض مغامرات ويدخل في جملة تضادات حياتية تتجه بالأحداث السردية إلى التصاعد والاحتباك وعلى وفق مسار واقعي مفنتز، يصور الواقع تصويراً يكشف عن مظاهره الفوقية ويخفق في غوصه إلى مخبوءاته الباطنية.
وما يميز الفنتازيا أنها تفسح لنظرية التحليل النفسي مجالاً داخلها، وهو ما لا تستطيعه أنماط أخرى من الواقعية كالنقدية والموضوعية والاشتراكية؛ نظراً لاهتمامها بمجملها بالتفاصيل اهتماماً فوتوغرافياً صرفاً أو لعنايتها بجوانب اجتماعية ومسائل إنسانية عامة.
والقرين واحد من مفاهيم نظرية التحليل النفسي الفرويدية، ووُظف في التحليل النقدي بوصفه «حصيلة التماثل الإسقاطي ينسلخ شخص عن ذاته وينسب إلى شخص آخر تلك الخصائص التي يُنكر أنها موجودة عنده، لكن بما أنه لا يزال يعترف لا شعورياً بالخصائص المسقطة على أنها (خصائصه فإنه بذلك يماثل نفسه مع الآخر)» (أدب الفنتازيا، ت. ي. ابتر، ص94). وأول من وظّف القرين في السرد هو الأميركي هوفمان في روايته «إكسير الشيطان» 1816، واستعمله دستويفيسكي في روايته «القرين» 1846، واستعمله ستيفنسون في قصته «الحالة الغريبة للدكتور جيكل والسيد هايد» 1886.
والطريقة التي بها وظف جلال برجس القرين كانت عبارة عن صوت مجهول، تتغير مواقفه وهو يرافق إبراهيم كالظل، فلا أحد يسمعه سواه، شاطراً ذاته الساردة إلى شطرين حسن وسيئ. فيكون الصوت في الفصول الخمسة من الرواية بمثابة الضمير الذي يحض السارد على الفضيلة والمذِّكر بالخير «جاءني الصوت من جديد يبدد لذة تمنيت لو طالت أكثر: ـ لا يغرنك ما أنت فيه. أنت تعيش حالة مؤقتة ستعود بعدها إلى بؤسك وضعفك» (الرواية، ص89). لكنه يغدو في الفصلين التاليين السادس والسابع مغوياً يحرِّض على الشر ويدفع نحو الجريمة حتى لا مجال للبطل في كتم رغباته غير المقبولة وإنقاذ سمعته ليكون الانسحاق هو حصيلة نبذ الآخرين له وقد تحول إلى لص محترف وكأنه لم يقرأ الروايات والقصص العالمية ولا اطلع على كتب الفلسفة فتثقف عقله خلال مدة عمله وراّقاً في كشك بيع الكتب... علماً بأن مَن يبيع الكتب لا يُسمى وراّقاً، بل هو«كُتبيّ».
وإذا كانت ثيمة القرين تجمع بين البعدين: الواقعي في صورته الفنتازية والتحليل النفسي في صورته العلمية، فإن التحدي الذي واجه الكاتب هو كيف يجعل السارد، المنشطرة ذاته، محوراً أساساً في تعقيد التحبيك السردي وصولاً به نحو الانفراج؟!
لا خلاف أن التوازن هو الطريق الأنجع في الجمع بين شطري السارد فلا يكون الاهتمام بالمرض النفسي على حساب التصوير الفنتازي كما لا اهتمام بالبعد الفنتازي على حساب التحليل النفسي. لتكون جدلية علاقة الجسد في بعده المادي الشهواني بالروح في بعدها الأخلاقي السامي واضحة، وعندها سيتمكن السارد من امتلاك الإرادة في مواجهة الإحباط ونقد الواقع والنقمة عليه.
وهو ما حاول الكاتب تحقيقه من خلال مسألتين: الأولى كانت في صالح العمل الروائي، وذلك حين جعل إبراهيم يعي أنه واقع تحت مطرقة الحقيقة وسندان الواقع وقد طالته يد العولمة باستهلاكيتها فأزيل كشكه بأمر البلدية وحل محله متجر عصري سيتبين فيما بعد أنه يبيع المخدرات ليصير عاطلاً عن العمل «ككل العاطلين عن العمل وعن الحياة مثلي» (الرواية، ص26). وهنا تأخذ تصوراته الفنتازية للعالم بالتشكل، مدللة في إشارة استشرافية على المآل القادم الذي ينتظر الإنسان وهو في خضم هذا الانجراف نحو الاستهلاكية العولمية.
ومما يحسب للرواية المشاهد والأوصاف الواقعية والحوارات المباشرة والمونولوجية المعبرة عن رؤية العالم وكيف أن الاستهلاك جعل الأخلاق تنحدر انحداراً خطيراً يهدد المجتمع وقيمه المثالية «عد بذاكرتك أيها الوراق إلى عدالة أرسطو التي رأى أنها علاقة الأفراد بالمؤسسات وإلى الفضيلة التي رآها علاقة الأفراد ببعضهم ستكتشف أن لا عدالة ولا فضيلة» (الرواية، ص29). وكان يمكن لهذه الرؤية أن تتصاعد وتصل بالرواية إلى تحصيل فلسفي. وكثير من الفلاسفة كانوا يستمدون فلسفاتهم من الروايات والقصائد مستعينين بما فيها من أوضاع عقلية حسية وروحية تجاه الذات والأشياء كما يقول د. هـ. لورانس، بيد أن رواية «دفاتر الورّاق» شتت هذه الرؤية بمسألة لم تكن في صالحها، وهي: تصدير بعض فصول الرواية بمقولات فرويدية ويونغية مفتاحها الضمير واللاشعور، وقد تقصّد الكاتب وضعها مركزاً على البعد النفسي التحليلي لشخصياته، ولو تخلى عنها لأعطى لعمله تشويقاً ولجعل القارئ أكثر اقتناعاً بفنتازية ما يقرأ. وثانياً، أن اختياره هيأة القرين في شكل صوت فنتازي يأتي تارة ناقداً موبخاً ومؤاخذاً ومعنفاً ومصارحاً ويكون تارة أخرى ساخراً ومتشفياً ومغوياً وملغزاً إنما هو اقتباس واضح من قصتي «بورخس وأنا» و«شكل السيف» لخورخي لوي بورخس.
والمحصلة، أن جاء ختام الرواية مخيباً لأفق التوقع، فلقد أطلق الكاتب على سارده (إبراهيم) رصاصة الرحمة متمثلة بآخر جملة نطقها «علينا الصمت إذا ما اختلط الوهم بالحقيقة» مما ينطبق عليه قول لورنس «ما هو أنا حين أكون ذاتي سيلعنها بالتأكيد أولئك الذين يكرهون تكامل الفرد ويريدون أن يعيشوا في حشود» (كتابه «فنتازيا الغريزة»، ص69).
فلم يتغلب إبراهيم على القرين بل ظل مؤسلباً أحرق كتبه غارقاً بواهمية ما يريد تصديقه، غير مرتفع بوعيه الممكن إلى وعي قائم تتجلى فيه رؤية واضحة تنتقد المجتمع العربي المهدرة طاقاته وثرواته بالسياسة، بل فضَّل البقاء في الماضي قارئاً في دفاتره ومترحِّماً على زمن لن يعود.
وإذا كان الكاتب قد اختار لبطله ألا يكون واعياً، فإنه اختار لقارئه أن يكون مستهلكاً. وكأن للاستهلاك عدوى تنتقل من الماديات إلى ما غير الماديات، وفي مقدمتها التفكر في الحال والنقمة على المآل.
ويدلل هذا الذي نتحصله من قراءة رواية «دفاتر الورّاق» على المستوى الذي صارت الرواية العربية تنجرف نحوه بقوة، أعني اتباع ما تريده الجوائز من تصالحية مع الواقع المادي والتطامن معه استسلاماً كما نتحصل أنّ الروائي العربي يملك رؤية، لكنه منشطر الذات وقد صارت الجوائز قريناً له. أما كيف يتخلص الكاتب من هذا الاقتران، فبالصدمة التي بها يستعيد وحدة ذاته، فتعود الرواية إلى عهدها السابق تعبِّر بصوت عال، لا يعرف مهادنة ولا مماراة.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.