يزدي.. وجه إيراني متشدد في زمن الانفتاح

رئيس مجلس الخبراء الجديد يحذر دائمًا من خطر التلوث مع العالم الغربي

يزدي.. وجه إيراني  متشدد في زمن الانفتاح
TT

يزدي.. وجه إيراني متشدد في زمن الانفتاح

يزدي.. وجه إيراني  متشدد في زمن الانفتاح

تصدر إشارات متضاربة من طهران فيما يخص استراتيجيتها بشأن الاتفاق المرتقب والمتعلق بالبرنامج النووي الإيراني. أسندت الولايات المتحدة سياساتها نحو إيران على أمل «التغيير الإيجابي» في ميزان القوى المحلي داخل النظام الحاكم الإيراني.. ولكن إلى أي مدى يعد هذا الأمل واقعيا؟ جاءت إحدى الإجابات عن ذلك التساؤل الاثنين الماضي عندما اجتمعت مجموعة مكونة من 80 من كبار ملالي السياسة الإيرانية خلف الأبواب المغلقة في طهران، وانتخبوا فيما بينهم رئيسا جديدا لتلك الهيئة الغامضة المعروفة باسم «مجلس الخبراء».
ولكن، قبل أن نعرف مقدار أهمية هذه الخطوة، دعونا نرَ ما الذي يفترض على المجلس المذكور فعله، ومن هو الرجل الذي سوف يترأس مجلس الخبراء في دورة العام المقبل.

يمتلك المجلس، الذي يتألف من 86 عضوا من كبار الملالي الذين يمثلون كل الأقاليم الإيرانية، سلطة تنصيب وعزل المرشد الإيراني الأعلى والإشراف على أدائه في منصبه، ومحاسبته ومساءلته حين الاقتضاء كذلك.
وفقا للدستور الخميني الإيراني، فإن المرشد الأعلى يمثل سلطة الله على الأرض ويتمتع بصلاحيات هائلة، وأكثر من أي رئيس دولة آخر في جميع أنحاء العالم. وكثير من مواد الدستور الخميني، المصادق عليه في عام 1979، توضح بجلاء أن المرشد الأعلى هو، أيضا، زعيم الملالي حول العالم، سواء ارتضوا بذلك أم لا.
من الناحية النظرية، على أدنى تقدير، يمكن للمرشد الأعلى ذي النزعة الخمينية تقرير ما هو من الإسلام وما ليس منه في أي وقت من الأوقات. وكل ما يصدر منه أو يقوله يعد من قبيل «فصل الخطاب» مما يعني «إغلاق باب المناقشة تماما»، ما لم، بطبيعة الحال، ينقض مجلس الخبراء قراره، وهو الأمر الذي لم يحدث قط حتى الآن.
ومن الناحية العملية، يسيطر المرشد الأعلى على خزانة أموال الجمهورية الإسلامية، وهي من أغنى الخزائن السيادية في جميع أرجاء العالم الإسلامي. (لقد أشرف المرشد الإيراني الأعلى خلال العقود الثلاثة الماضية على إنفاق ما يقرب من تريليون دولار من عائدات النفط الإيرانية). ويتعين على المرشد الأعلى التصديق النهائي على الميزانية الوطنية للبلاد، ويحتل منصب القائد العام للقوات المسلحة والقوات الأمنية في الدولة. كما يتعين حصول كل تعيين في منصب وزاري، أو حكومي، أو دبلوماسي، على موافقته الشخصية. وعلى الرغم من اعتلاء رئيس الجمهورية الإسلامية سدة الحكم بطريق الاقتراع العام بين الناخبين، فإنه لا يمكنه تولي مهام منصبه من دون صدور مرسوم موقع بذلك الشأن من قبل المرشد الأعلى.
وكما قال السيد رولان دوما وزير الخارجية الفرنسي ذات مرة في فترة الثمانينات، فإن المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية الإسلامية هو «كل شيء»، أما المسؤولون الآخرون فليسوا إلا لاعبين يؤدون أدوارا مثل الوزراء أو السفراء وخلافه.

هويات متعددة
لكن من هو الرئيس الجديد لمجلس الخبراء الإيراني؟
إنه آية الله محمد يزدي، وهو عضو بالمجلس يبلغ من العمر 84 عاما، وأحد ملالي الثورة الإيرانية البارزين، الذي تمكن من الجمع بين مهنة رجل الدين والشخصية السياسية رفيعة المستوى. يتمتع يزدي بشخصية متعددة الجوانب، فلقبه يشير إلى انحداره من أسرة تعود أصولها إلى مدينة يزد التاريخية العظيمة، التي تقع على حافة الصحراء الإيرانية، وهي آخر المدن الإيرانية اعتناقا للإسلام.
وحتى يومنا هذا، فإن مدينة يزد، حيث يوجد أكبر معبد للنار في العالم، تعتبر «المدينة المقدسة» من قبل أتباع الديانة الزرادشتية في جميع أنحاء العالم.
على الرغم من ذلك، فإن السيد يزدي، الذي ولد في مدينة أصفهان، لم يكد يعيش قبل أي وقت مضى في مسقط رأس أجداده. ومع ذلك، لا يمكن اعتباره أصفهانيا حقيقيا كذلك، نظرا لأنه إبان مرحلة المراهقة من عمره، قد انتقل إلى مدينة قم، وهي مركز الدراسات الدينية الشيعية، حيث تلقى تعليمه كي يصبح رجل دين شيعيا. وهناك، كان من بين أساتذته شخصيات دينية بارزة مثل آية الله الكلبايكاني، وآية الله المرعشي النجفي، وروح الله الخميني، المؤسس المستقبلي للجمهورية الإسلامية.
أكسبه عزوفه عن ربط هويته بأي مدينة أو إقليم بعينه اسما مستعارا وصفه خصومه فيه بالـ«شارد». ولقد انتخب عضوا في المجلس الإسلامي، وهو البرلمان الخميني. ويأتي أعضاء مجلس الخبراء من مختلف الأصقاع والأقاليم الإيرانية مثل مدينة قم المقدسة، ومن طهران العاصمة، وحتى من مدينة كرمانشاه، وهي مقاطعة كردية إلى حد كبير ولم يقم السيد يزدي بزيارتها ولا حتى على سبيل السياحة.
كان يزدي في الأربعينات من عمره حينما استولى الملالي على السلطة في عام 1979. ولم يكن عاقدا عزمه بشكل واضح على المسار الذي سوف ينتهجه في حياته المهنية، فقرر، عملا بالأحوط، أن يلعب مع كلا الفريقين؛ فعلى الجانب السياسي أصبح الرجل من الأعضاء المؤسسين وزعيما لرابطة رجال الدين المقاتلين، وهي مجموعة من الملالي الساعين إلى اعتلاء المناصب الحكومية الرفيعة. ثم أصبح قائما بأعمال إمام صلاة الجمعة في طهران، وتمكن من أن يكون عضوا في مجلس صيانة الدستور، وهو جهاز سيادي رفيع المستوى يملك حق الاعتراض على القوانين التي يمررها برلمان البلاد.
في الوقت ذاته، مع كل ذلك، استفاد الرجل من أهميته وبروزه الجديد في تأمين نفسه مدرسا للاهوت في مدينة قم المقدسة بهدف ترقية رتبته من «حجة الإسلام» إلى رتبة أرقى وهي «آية الله».
يتمتع يزدي ببراعة في إدارة حياته المهنية، حيث نجح في تأمين قطعة لنفسه من كل فطيرة من دون تعريض نفسه لسقطات وغدرات الصراعات السياسية. وعلى طول حياته الدينية والسياسية عقد صداقات مع الملالي الأصغر منه سنا، مثل: حجة الإسلام علي حسيني خامنئي، وهو آية الله العظمى المستقبلي، والإمام الأكبر، والمرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية.

صداقة مثمرة
أمن استثمار الرجل لصداقته مع الخميني فوائد جمة له عندما عين في عام 1989، بعد وقت وجيز من وفاة الخميني، رئيسا للقضاء الإسلامي، وهو أحد أكبر خمسة مناصب في نظام الخميني الحاكم، وتولى السيد يزدي ذلك المنصب لمدة عشر سنوات.
يأتي فوز السيد يزدي الاثنين الماضي برئاسة مجلس الخبراء بمثابة مفاجأة كبرى لكثيرين، وعلى الأخص نظرا لأنه لم يلمح إلى أنه من بين المرشحين للمنصب حتى الساعة الأخيرة قبل بدء الجلسة المغلقة.
يقول المحلل الإيراني ما شاء الله شمس الواعظين، المقرب من المرشح المهزوم علي أكبر هاشمي رفسنجاني: «لم يكن ذلك متوقعا أبدا. لقد أصابني ذهول كبير إثر فوز السيد يزدي».
جاء فوز يزدي بتأثير ساحق؛ فقد حاز أصواتا تساوي تقريبا ضعف ما حازه السيد رفسنجاني، بواقع 47 إلى 24 صوتا، مما يؤكد فشل الحملة الانتخابية التي امتدت لشهور من قبل الفصيل الموالي لرفسنجاني لتعزيز مرشحهم ووصفه بأنه «الفائز الحتمي».
قال السيد يزدي إنه لم يعلن عن نيته للترشح لأي شخص كان حتى ميعاد بدء انعقاد الجلسة، مضيفا: «نظامنا يختلف تماما عن النظم المتبعة في الدول الكافرة، حيث ينظمون الحملات الانتخابية. في نظامنا يقترب الإمام الغائب من القلوب المؤمنة ويهديها إلى السبيل القويم».
تفيد تصريحات يزدي بأنه لم يخبر خامنئي حول نيته الترشح للانتخابات، فهل هذا معقول أو مقبول؟ قد نعجز عن الوصول إلى الإجابة الشافية.
ومع ذلك، يتفق أغلب المحللين على أن مرشح خامنئي لقيادة مجلس الخبراء كان آية الله محمود هامشي شهرودي الذي صمد خلال الجولة الأولى من التصويت، ولكنه قرر الانسحاب حينما بدا واضحا أنه لن يفوز خلال الجولة الثانية. وبالتالي، وحتى مع عدم حصول يزدي على الموافقة المسبقة من خامنئي، فمن الواضح بجلاء تحويل أنصار خامنئي أصواتهم ناحية السيد يزدي خلال الجولة الثانية من الاقتراع.
صارت سعادة خامنئي بفوز يزدي برئاسة المجلس واضحة للعيان يوم الثلاثاء بعد يوم من الانتخاب، من واقع تعليق المرشد الأعلى على نتائج الانتخابات؛ حيث قال: «تظهر الإنجازات الماضية والحاضرة لآية الله يزدي على أنه أبرز الشخصيات القادرة على تولي تلك المهمة التي اختير لها».
كما تبدو سعادة يزدي مضاعفة بذلك الفوز نظرا لأن رفسنجاني، وهو الرجل الذي هزم في الانتخابات، ظل واحدا من أقدم وألد أعداء يزدي السياسيين.
رغم الخلافات السياسية، فإن هناك نقاط التقاء مشتركة بين الرجلين؛ حيث ينتمي كل منهما إلى الجيل نفسه مع كون رفسنجاني أصغر من يزدي بعام أو اثنين. وكل منهما نشأ في أسرة زراعية من الأسر المتوسطة الغنية التي عاشت على حافة الصحراء الإيرانية الكبرى. (ومسقط رأس رفسنجاني يعود إلى بهرمان بالقرب من كرمان). كلا الرجلين يعتمر العمامة البيضاء، مما يدل على نقاء أصولهما الإيرانية. أما الملالي الذين يزعمون انتسابهم لأصول عربية عبر النسب بالأئمة الشيعة فيعتمرون العمائم السوداء. حاول كل من يزدي ورفسنجاني تأمين طريق سياسي - ديني مزدوج لنفسه. أما الخلاف الوحيد، فيكمن في أن يزدي شدد على الجانب الديني من حياته المهنية، بينما ركز رفسنجاني على المنحى السياسي منها.
ادعى يزدي لنفسه دائما الاحتفاظ باللقب الديني، بينما بدأ رفسنجاني في استخدام لقب «آية الله» قبل أكثر قليلا من عقد من الزمان. أما مزاعم يزدي الدينية فهي أكثر قبولا وتصديقا من رفسنجاني، وذلك لأن يزدي أشرف على دورة دينية في مدينة قم المقدسة، بينما لم يعمل رفسنجاني في التدريس الديني قط.

التجارة والفساد
يعد كل من رفسنجاني ويزدي من رجال الأعمال الناجحين، وتمكنا من تكديس الثروات الهائلة منذ قيام الثورة. وفي أوقات مختلفة نالت اتهامات الفساد كلا الرجلين؛ ففي عام 2009، وجه السيد محمود أحمدي نجاد، الذي تولى رئاسة البلاد، اتهاما على الهواء في مناظرة تلفزيونية إلى رفسنجاني وعائلته بالتصرف وكأنهم منظمة مافيا محلية، وزعم امتلاكه «جبلا من الأدلة» لتأكيد اتهاماته.. ولكنه لم يفعل. وقام الفصيل الموالي لرفسنجاني بالانتقام عندما قام عباس باليزدار، وهو عضو في اللجنة القضائية بالمجلس الإسلامي، بتوجيه اتهامات بالفساد وغسل الأموال إلى يزدي. ولكنه، أيضا، لم يتقدم بأي أدلة.
وحيث إن توجيه الاتهامات بالفساد ضد الخصوم السياسيين يعد من الممارسات الاعتيادية في أغلب دول الشرق الأوسط، فيجب ألا تؤخذ الاتهامات ضد يزدي ورفسنجاني بمزيد من الأهمية. المؤكد في الأمر، رغم ذلك، هو الاختلاف العميق القائم بين منهج كلا الرجلين حول دور الدين في السياسة. يبدو أن يزدي مقتنع بصورة أكيدة أنه ينبغي على السياسة، وكل شيء آخر في واقع الأمر، أن يكون في خدمة الدين، على الرغم من الرواية الرسمية المقدمة من قبل الجمهورية الإسلامية. وفي المقابل، يعتقد رفسنجاني أن الدين ينبغي أن يكون في خدمة السياسة. ومن زاوية يزدي، يجب أن ينشأ حكم الدولة من داخل المسجد. أما رفسنجاني، فيرى أن الدولة، خصوصا في «نسختها المحمدية النقية»، ينبغي أن تحتل مركز القيادة. كما أن هناك موضع خلاف وحيدا وأخيرا بين الرجلين.. يبدو أن رفسنجاني يأخذ جزءا كبيرا من الخطاب الديني للنظام الحاكم على محمل الجدية.. على سبيل المثال، فهو يتعامل من باب الاستعارة والكناية فقط مع المقولة الشائعة لدى الشيعة بأن الله قد خلق الكون بأسره لأجل «آل البيت»، أما يزدي، فيصر من خلال خطاباته وكتاباته على الحقيقة الحرفية للمقولة. بالنسبة إلى رفسنجاني، يعتبر الدين آلية من آليات السيطرة على الجماهير غير المتعلمين من خلال قواعد للسلوك تفرض عليهم فرضا من قبل الدولة. أما يزدي، فيعتبر أن الدين للجميع؛ المتعلم منهم والأمي، والغني منهم والفقير.
كثيرا ما ينظر إلى رفسنجاني باعتباره الأب الروحي للحركة الإصلاحية الإيرانية، حيث يفضل الانفتاح على العالم الخارجي ما دام ذلك لا يمثل تهديدا لقبضة الملالي على مقاليد السلطة في البلاد. تعلم الرئيس الأسبق اللغة الإنجليزية وأرسل أولاده للدراسة في الخارج، بما في ذلك كندا وبلجيكا وبريطانيا. وقاد رفسنجاني النظام الحاكم خلال فترتي رئاسته للجمهورية الإسلامية عبر عدد من العواصف الدبلوماسية مع الاتحاد الأوروبي في الوقت ذاته الذي كان يسعى فيه للحوار مع الإدارات الأميركية المتعاقبة.
وظل رفسنجاني على الدوام مهتما بتطبيع العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية.

قناة سرية مع واشنطن
فتح رفسنجاني خلال فترة الثمانينات قناة سرية مع إدارة الرئيس الأميركي الراحل رونالد ريغان في واشنطن، وأرسل نجله مهدي ليعقد صفقة مع الجنرال أوليفر نورث الذي تولى منصب مستشار رئيس الولايات المتحدة لاحقا.
في المقابل، حذر يزدي دائما من «خطر التلوث» الناجم عن تفعيل الاتصالات مع العالم «الكافر».
عارض يزدي، بوصفه عضوا بارزا في «رابطة رجال الدين المقاتلين»، ترشح رفسنجاني في كلتا المناسبتين عندما انتخب الأخير رئيسا للبلاد. وفي وقت لاحق، عارض يزدي أيضا الترشيحات الرئاسية لكل من محمد خاتمي، وحسن روحاني، الذي ينظر إليه الملالي من الصف الثاني على أنه محسوب على الفصيل الموالي لرفسنجاني. ما لعب يزدي دورا مؤثرا في التصويت لترشح رفسنجاني للحصول على مقعد في المجلس الإسلامي، وفي الآونة الأخيرة، رئاسة الجمهورية. يقول المحلل الإيراني أحمد خفراني: «ليس الدين إلا صفقة تجارية بالنسبة إلى رفسنجاني. أما بالنسبة إلى يزدي، فإن عمله هو الدين». ساند يزدي، خلال الانتخابات الرئاسية المثيرة للجدل في عام 2009، المرشح محمود أحمدي نجاد، بينما ألقى رفسنجاني بثقله داعما للمرشح مير حسين موسوي، خصمه السابق. وعندما زعم المرشحون الخاسرون بوقوع عمليات تزوير واسعة النطاق، أيد رفسنجاني مزاعمهم بينما وصفها يزدي بأنها جزء من الفتنة التي أشرفت عليها إسرائيل والولايات المتحدة. إن دل كل ذلك على شيء، فهو يدل على أن الخيار الذي تعامل معه مجلس الخبراء كان خيارا واضحا بين استراتيجية إغلاق فصل الثورة الإسلامية لصالح التطبيع في الداخل والخارج من ناحية، واغتنام الفرصة لإقامة «قوة إسلامية عظمى» تقودها إيران من ناحية أخرى.
في حين أن خطابات رفسنجاني يملؤها الرثاء حول المخاطر التي تواجه النظام الخميني، لا تزال لهجة يزدي تعلو بالظفر والانتصار. ويحذر رفسنجاني من أنه ما لم تغير إيران مسارها، فإنها لا تتجه إلا صوب المتاعب بكل تأكيد.
في المقابل، يصر يزدي على أن خصم إيران الحقيقي والوحيد، الولايات المتحدة الأميركية، تعاني من انهيارها الأخير، وأن انتصارات الجمهورية الإسلامية الباهرة في لبنان وسوريا والعراق واليمن تشير إلى تحول استراتيجي في موازين القوى على المستوى الإقليمي، على أدنى تقدير.
من المثير للاهتمام، التفاف الملالي الأكثر تطرفا حول عباءة يزدي، من ذوي العيون اللامعة إثر الهيمنة الإيرانية الموعودة على منطقة الشرق الأوسط.

انتصار مباغت
بالتالي، قد يظهر يزدي بوصفه حالة وسطا بين رفسنجاني، داعية التسوية والتطبيع، وآية الله محمد تقي مصباح يزدي الذي يدعو إلى «تصدير الثورة الإسلامية» إلى كل الدول ذات الأغلبية المسلمة. (لا تربط مصباح يزدي علاقة بمحمد يزدي). ولكن، ما أهمية انتصار محمد يزدي المباغت؟
يميل المحللون المؤيدون لرفسنجاني إلى التقليل من أهمية انتخاب يزدي استنادا إلى حجتين: لأولى، التي يعرضها صادق زيبا كلام، وهو كاتب عمود صحافي في صحيفة «الشرق» اليومية الموالية لرفسنجاني في طهران؛ حيث يدفع بأنه قد تم انتخاب يزدي لعام واحد فقط، حيث إن مجلس الخبراء بكامله سوف يخوض انتخابات جديدة على مستوى الأعضاء بحلول فبراير (شباط) 2016.
وأضاف: «لا نعلم لمن ستكون الأغلبية في انتخابات العام المقبل، ولن يكون من قبيل الحكمة شطب اسم رفسنجاني». أما رفسنجاني ذاته فقد ذهب إلى أبعد من ذلك لما زعم أنه مستمر في ممارسة «نفوذه الحقيقي» على المجلس؛ حيث قال الأسبوع الماضي إن «المهمة الحقيقية للمجلس هي اختيار المرشد الأعلى المقبل وقتما تسمح الظروف بذلك. وفي مثل تلك اللحظات، سأقول كلمتي بصفتي عضوا في المجلس. ولست في حاجة لأن أكون رئيسا للمجلس لكي أدلي برأيي». غير أن معلقين آخرين، رغم ذلك، اعتبروا تحليل رفسنجاني للوضع بأنه من قبيل الأمنيات الحالمة. يقول حسين راسم، وهو محلل سياسي سابق لدى السفارة البريطانية في طهران إن «الرسالة الرئيسية لتلك الانتخابات تكمن في رفض الصقور تخفيف قبضتهم على السلطة في أجهزة الدولة الرئيسية. وحينما يأتي اليوم، فإن فرص اعتلاء خليفة متشدد لآية الله خامنئي سدة الحكم في البلاد، «تستمر قوية حتى الآن». يعتبر انتخاب محمد يزدي، وبصورة أكثر إلحاحا، من قبيل الانتكاسات لسياسة الرئيس الأميركي باراك أوباما حول إيران، التي تستند إلى مساعدة من يوصفون بالمعتدلين على إحكام السيطرة على كل مقاليد السلطة في طهران وتوجيه مسار الجمهورية الإسلامية تدريجيا نحو الحياة الطبيعية.
لمح أوباما إلى أنه يعتقد أن مثل ذلك المسار قد يستغرق 10 سنوات ليكتمل، وهي الفترة ذاتها المحددة للاتفاق النووي الذي يجري التفاوض بشأنه مع طهران.
خلال ذلك العقد من الزمان، قد يكون خامنئي، البالغ من العمر 76 عاما ويقال إن حالته الصحية معتلة، خارج المشهد السياسي أو يدفع إلى مغادرته من قبل الفصيل الموالي لرفسنجاني. تعود مصادر الشائعات واسعة الانتشار حول «الوفاة الوشيكة» لخامنئي، إلى شخصيات وثيقة الصلة بفريق رفسنجاني، وهي تكهنات حول عواقب إجراء خامنئي جراحة سرطان البروستاتا.

سيناريو التغيير
يبدو السيناريو الذي يحاول الفصيل الموالي لرفسنجاني بيعه لباراك أوباما على هذا النحو: يسيطر رفسنجاني على مجلس الخبراء وبالتالي يعقد السيف المسلط على عنق خامنئي. وفي عام 2016، يفوز فصيل رفسنجاني بالأغلبية في انتخابات كل من مجلس الخبراء والمجلس الإسلامي في حين لا يزال يقبض على زمام السلطة في مؤسسة الرئاسة من خلال حسن روحاني المحسوب على فصيل رفسنجاني.
أعرب رفسنجاني علنا في أكثر من مناسبة أنه دائما ما يفضل نظام القيادة الجماعية؛ حيث تكون وظيفة «المرشد الأعلى» للجمهورية الإسلامية موزعة بين 3 و5 من الملالي بدلا من واحد. من شأن ذلك الإصلاح أن يعمق من مكانة الرئيس المنتخب عن طريق السماح له بالعمل بصفته رئيسا حقيقيا للسلطة التنفيذية في الحكومة، وفي الوقت ذاته السماح أيضا للمجلس الإسلامي (البرلمان) بالعمل بصفته سلطة تشريعية حقيقية وليست مصطنعة. كما يجري دمج مجلس صيانة الدستور مع مجلس تشخيص مصلحة النظام، الذي ظل رفسنجاني رئيسا له لما يقرب من 20 عاما.
طالما نظر أنصار رفسنجاني إليه باعتباره النسخة الإيرانية من الزعيم الشيوعي الصيني دينغ شياو بينغ الذي ساعد في قيادة جمهورية الصين الشعبية إلى الخروج من الأزمة الثورية في اتجاه الحياة الطبيعية على الصعيد السياسي والتنمية الاقتصادية. كثيرا ما سلط رفسنجاني الضوء على نزعته البراغماتية، مشيرا إلى استعداده للتضحية بالآيديولوجية في مقابل الحفاظ على ممارسته للسلطة. في عام 1989، حينما جرى انتخابه رئيسا للبلاد، بعد وقت وجيز من وفاة الخميني، فاجأ كثيرين بقوله إنه مع كثير من الملالي السياسيين «على استعداد لنزع عباءاتهم التقليدية وارتداء الملابس العادية إذا كان ذلك ضروريا ويصب في خدمة الشعب الإيراني».
كتب رفسنجاني بنفسه السيرة الذاتية لأحد رؤساء الوزراء الإيرانيين من القرن التاسع عشر ويدعى ميرزا تقي خان أمير كبير، الذي يعتبره أنموذجه السياسي المثالي. ومن الأعمال البارزة التي يذكر بها أمير كبير كانت محاولته تقديم العلوم وقواعد الحكومات الغربية إلى قاجار إيران في وجه المعارضة الشديدة من جانب الملالي الرجعيين. وبدلا من محاولته تأسيس شخصية دينية لذاته، استخدم رفسنجاني وسائل الإعلام في الترويج لنفسه تحت اسم «جنرال البناء»، مؤكدا على التنمية الاقتصادية بدلا من التقوى الدينية.
وهكذا، يشمل سيناريو رفسنجاني حول التغيير، انخفاضا تدريجيا في النغمة الدينية للنظام الحاكم لصالح الخطاب الجديد الذي يعنى بالنمو الاقتصادي، والتقدم العلمي، والإصلاح الاجتماعي.
أما يزدي، على الناحية المعاكسة، فيعتقد أن خفض وتيرة الثيمات الدينية يمكن أن يؤدي إلى سقوط حتمي للنظام الحاكم.
إذا كان الناس يسعون وراء النمو الاقتصادي والإنجازات العلمية، فلماذا ينبغي الحصول عليها من الملالي بدلا من خبراء الاقتصاد والعلماء؟
على أي حال، فإن المهم بالنسبة ليزدي، وقبل كل شيء، هو بناء مجتمع يستند على القيم الدينية وتحكمه الشريعة الإسلامية (القانون الإسلامي)؛ حيث قال: «إننا لم نقم بالثورة من أجل الأسباب الاقتصادية؛ بل اندلعت ثورتنا على أيدي أناس متعطشين للإسلام»
عانى سيناريو رفسنجاني دوما من عدد من العيوب.. أولا، ليس هناك ما يضمن سهولة إقصاء خامنئي عن واجهة المشهد في إيران. ووفقا لكل الروايات، لا يزال الرجل أبرز الشخصيات وأكثرها شعبية في النظام الإيراني الحاكم وبشكل متزايد داخل دائرة الدعم الضيقة حوله. وفي أي انتخابات يجري تنظيمها على يد النظام الحاكم وبالتالي تعتبر مغلقة في وجه الغرباء، فإن خامنئي أو أي شخصية يؤيدها سوف تفوز بتلك الانتخابات ضد أي شخصية أخرى مدفوعة من قبل فصيل رفسنجاني.
كذلك، ليس من سبب يدعو إلى عدم نجاة خامنئي من جراحة سرطان البروستاتا، فإذا ما قدر له طول العمر مثل سلفه الخميني، فلا يزال أمام خامنئي ما لا يقل عن 10 سنوات في الحكم، وهي الفترة ذاتها التي تصورها الرئيس أوباما في مسعاه لعقد اتفاق مع الملالي.
يعتقد المحلل الإيراني حميد زمردي أن انتخاب محمد يزدي يوم الاثنين الماضي يظهر أن العجلة الأولى من آلية التغيير التي يقودها رفسنجاني قد انفرط عقدها، ويقول: «حتى مع دعم أوباما لموقف فصيل رفسنجاني عن طريق منحه مظهرية (الانتصار الدبلوماسي)، فليس من ضمان بأن العجلات الأخرى لآلية التغيير المتداعية سوف تأتي بجديد في انتخابات عام 2016».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.