مصر تطوي حقبة الصحف المسائية

أعداد سابقة من صحف «الأخبار المسائي» قبل قرار التوقف عن طباعتها في مصر
أعداد سابقة من صحف «الأخبار المسائي» قبل قرار التوقف عن طباعتها في مصر
TT

مصر تطوي حقبة الصحف المسائية

أعداد سابقة من صحف «الأخبار المسائي» قبل قرار التوقف عن طباعتها في مصر
أعداد سابقة من صحف «الأخبار المسائي» قبل قرار التوقف عن طباعتها في مصر

ودعت مصر أخيراً حقبة الصحف المسائية عقب قرار الهيئة الوطنية للصحافة في مصر تحويلها إلى نسخ إلكترونية، وهو ما أحدث حالة من التباين بعدما انقسم الصحافيون بين مؤيد للقرار ومعارض له. فبينما رأى خبراء مصريون أن قرار وقف طباعة الصحف المسائية قد يمتد لإصدارات رسمية أخرى، أعرب آخرون عن أملهم في أن يكون القرار مرحلياً، وشددوا على أن الصحافة الورقية باقية مستمرة، على الرغم من الظروف التي تحيط بها.
الهيئة الوطنية للصحافة، المسؤولة عن إدارة المؤسسات الصحافية المملوكة للدولة المصرية، قررت تحويل إصدارات صحف «الأهرام المسائي» التي تصدر عن مؤسسة «الأهرام»، و«الأخبار المسائي» الصادرة عن مؤسسة «أخبار اليوم»، و«المساء» التي تصدر عن مؤسسة «دار التحرير للطبع والنشر»، إلى إصدارات إلكترونية، ووقف طباعتها في 15 يوليو (تموز) الماضي. وتعليقاً على هذه الخطوة، قالت الدكتورة ليلى عبد المجيد، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، لـ«الشرق الأوسط» إن «الصحافة تعاني من مشكلات اقتصادية، وتشهد بعض الإصدارات انخفاض التوزيع وضعف الإعلانات، وهي المورد الرئيسي للدخل، إضافة إلى مشكلات الديون والمنافسة مع المنصات الرقمية وارتفاع أسعار الورق، وهو ما جعل الوضع صعباً، ولعل هذه الأسباب أو بعضها أدت لقرار وقف الطباعة». وأردفت: «هذه المسألة ليست متعلقة بمصر فقط، فقد شاهدنا وقف وإغلاق عدد من الصحف الورقية حول العالم».
ومن جهته، تحفظ فتحي أبو حطب، الخبير الإعلامي، على القرار، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «القرار لم يوضح أسباب ومعايير توقف الإصدارات، كما أنه لم يطبق على جميع الصحف الورقية التي تشرف عليها الهيئة الوطنية للصحافة، والتي تعاني من الأزمات نفسها، وهو ما يفقد القرار موضوعيته، فالصحف المسائية ليست الإصدارات الوحيدة التي تواجه أزمات مالية وتراجعاً في التوزيع والتأثير، ثم إن الجانب المتعلق بالتحول الرقمي أفقد القرار واقعيته وجديته، كون الصحف التي تقرر وقف صدورها لا تمتلك مواقعها الخاصة المؤهلة تقنياً، وهو ما يعني أن تحولها الرقمي مستحيل».
واستطرد: «القرار يخلو من الأرقام، وكان يجب نشر أرقام جميع الصحف، الصباحية والمسائية. ربما تكون الصحف المسائية الأقل توزيعاً، لكن هذا لا يعني أن خسائرها هي الأعلى بين باقي الصحف، إضافة إلى أن القرار لم يذكر التجارب الرقمية والورقية الناجحة التي حققتها مؤسسات الهيئة الوطنية للصحافة، والتي يسعى إلى تطبيقها».
ومن ثم، تساءل أبو حطب عما إذا كانت «تكلفة الطباعة هي الجزء الأكبر من خسائر هذه الصحف، وإذا كان توزيع هذه الصحف ضعيفاً، فهي تطبع عدداً قليلاً من النسخ، ما يعني أن تكلفة الطباعة ليست الجزء الأكبر من ميزانيتها، إذ هناك رواتب وتكلفة تشغيل أخرى ما زالت مستمرة. وبالتالي، إذا كان وقف الطباعة محاولة لتقليل الخسائر المالية، وتطوير الصحيفة لتحقيق عائد مادي، فهذا يعني مزيداً من الاستثمار في التحول الرقمي الذي لم نر مؤشراته حتى الآن!».
ولا شك أن الصحافة الورقية في العالم تعاني من أزمات مالية فاقمتها جائحة «كوفيد - 19». ووفقاً لدراسة نشرها مركز «بيو» الأميركي للأبحاث نهاية يونيو (حزيران) الماضي، عن حال الصحف في الولايات المتحدة الأميركية، فإن «الصحف الورقية التي تشكل عنصراً مهماً من سوق الإعلام الأميركي تعرضت لضربات قاسية مع زيادة استهلاك الأخبار إلكترونياً، وتراجعت العائدات المالية وقاعدة الاشتراكات منذ بدايات الألفية الثانية، مع تزايد نمو زيارات المواقع الإلكترونية». ووفق الدراسة، فقد «تراجع توزيع الصحف اليومية بنسبة 19 في المائة، بينما تراجع توزيع الصحف الأسبوعية بنسبة 14 في المائة، ومن المتوقع استمرار التراجع».

تحدي المحتوى
الصحافي عماد الدين حسين، رئيس تحرير صحيفة «الشروق» الخاصة، تخوف خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» من أن يمتد القرار لإصدارات أخرى، قائلاً: «من الوارد أن يتكرر ما حدث مع الصحف المسائية في إصدارات وصحف أخرى ورقية، لو استمرت الظروف نفسها التي أدت إلى قرار وقف طبع الصحف المسائية». وأردف: «ضروري أن نتعامل مع القرار في إطاره الطبيعي، فعند تغيير رؤساء تحرير الصحف القومية، تم وضع الصحف المسائية تحت رئاسة رؤساء تحرير المواقع الإلكترونية، وكان هذا تمهيداً لوقف نسختها الورقية». وتابع: «أسباب القرار واضحة، فالصحف تعاني أزمات مالية، والصحف المسائية الآن لم تعد مسائية، فهي تصدر في توقيت الصحف الصباحية نفسه، وتقدم المحتوى ذاته. وعليه، فحل أزمة الصحافة يكمن في تقديم محتوى جيد قادر على جذب القراء، سواء ورقياً أو إلكترونياً، لأن المحتوى غير الجاذب سيندثر».
وبدوره، قال الصحافي عبد السلام فاروق، مدير تحرير صحيفة «الأهرام المسائي»، أحد الإصدارات التي شملها قرار الوقف، لـ«الشرق الأوسط» إن «ثمن التأخر عن اللحاق بركب التطوير الرقمي والإلكتروني كان باهظاً على الصحافة الورقية في مصر، فغالبية القراء، خاصة الشباب، لا يطالعون الورق، ونحن نعيش عصر ما بعد العولمة، وهو عصر له أدواته وقراؤه». وأضاف: «أحد أسباب هذا التأخر متعلقة بالصحافيين من جيلي الذين أمضوا حياتهم في الصحف الورقية، وعجزوا عن التكيف مع متغيرات العصر، ومن لا يتكيف مع العصر يموت». ووفق فاروق، فإن «الصحف المسائية أضاعت فرصة حقيقية للتكيف. فقبل سنة، صدر قرار تعيين رؤساء الصحف القومية الذي تضمن وضع الصحف المسائية تحت رئاسة رؤساء تحرير البوابات الرقمية للمؤسسات. ومع ذلك، لم تنجح هذه الصحف في التكيف لأن الغالبية الكاسحة من العاملين فيها ما زالت تنتمي إلى الماضي».

غضب واسع
قرار توقف طباعة الصحف المسائية أغضب كثيراً من الصحافيين المصريين وأساتذة الإعلام، فكتبوا تدوينات على حساباتهم الشخصية بمواقع التواصل الاجتماعي، أعربوا فيها عن «تحفظهم على وقف الصحف التي شكلت جزءاً مهماً من تاريخ مصر». فكتب الصحافي جمال عبد الرحيم، وكيل نقابة الصحافيين المصريين السابق، إن «الصحافة الورقية في مأزق خطير، تصارع من أجل البقاء، بسبب التطور التكنولوجي، وارتفاع أسعار الورق ومواد الطباعة، والأزمات الاقتصادية»، متمنياً «دعم الصحف الورقية والحفاظ عليها». وكتب الدكتور عبد الله زلطة، أستاذ الصحافة بكلية الآداب في جامعة بنها: «يوم 15 يوليو (تموز) الماضي، احتجبت (المساء)، أشهر جريدة مسائية في مصر». ووصلت الاعتراضات إلى البرلمان المصري، حيث أعلن عدد من أعضاء مجلسي «النواب والشيوخ» رفضهم لقرار وقف طباعة صحيفة «المساء»، بصفتها رائدة الصحافة المسائية.
أما الصحافي ياسر التلاوي، نائب رئيس تحرير صحيفة «المساء»، فقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «يرفض قرار وقف النسخة الورقية لأن (المساء) ليست الجريدة الخاسرة التي تستحق وقف طباعتها، بل يصل التوزيع اليومي للصحيفة إلى 30 ألف نسخة، ويزيد إلى 35 ألفاً في أيام المباريات الكبرى والمناسبات، ما يعني أن الجريدة قد حافظت على وجودها في الشارع المصري، على الرغم من المنافسة مع المواقع الإلكترونية والفضائيات».
وأضاف أن «هذا النجاح تحقق بإصرار العاملين في الجريدة، والصحافيين الذين لا يتجاوز عددهم 136 صحافياً وصحافية، على الرغم من ضعف الإمكانيات»، موضحاً أن «الجريدة حققت عائدات إعلانية تجاوزت 11 مليون جنيه مصري خلال الأشهر الخمس الأخيرة». وللعلم، يعود تاريخ تأسيس «المساء» إلى عام 1956، وتعد أشهر الصحف المسائية في مصر، بينما أسست جريدة «الأهرام المسائي» عام 1991.
وعلى الرغم من اعتراض التلاوي على القرار، فإنه يؤكد استعداده للمنافسة في الفضاء الإلكتروني «لأن مدرسة (المساء) الصحافية في العناوين والمحتوى قادرة على جذب جمهور المواقع الإلكترونية». وفي المقابل، يعتقد أبو حطب أن «فكرة التحول الرقمي لهذه النوعية من الصحف ما تزال غير واضحة، خاصة أن أول إشارة على هذا التحول كان الإعلان في صحيفة (الجمهورية) عن إمكانية طلب نسخة صحيفة (المساء) بصيغة (بي دي إف) عن طريق رسائل (الواتساب)، وهو ما يعني أن هذه الصحف ما زالت متمسكة بالنسخة الورقية، ولا يوجد جدية في تحولها الرقمي، والمسألة فقط إيقاف الطبع».
وهنا، يقول حسين إن «فكرة توزيع الصحيفة بصيغة (بي دي إف) محاولة لامتصاص الغضب، وهي بالتأكيد ليست الفيصل في التحول الرقمي، والنجاح مرتبط بتقديم محتوى جاذب قادر على جذب القراء والمعلنين»، موضحاً أنه «لن يكون لهذه الصحف مواقع منفصلة، بل ستدمج في المواقع الإلكترونية لمؤسساتها، ويقدم الصحافيون ما ينتجونه من محتوى للنشر في هذه البوابات الإلكترونية».
ووسط حالة الجدل والتأكيد على أن الصحافة الورقية باقية، مع «ضرورة إيجاد حلول بديلة لعلاج أزماتها»، أعربت الدكتورة عبد المجيد عن أملها في أن «يكون قرار وقف طباعة الصحف المسائية مرحلياً مؤقتاً، وأن تعود هذه الصحف للصدور ورقياً مرة أخرى، أسوة بصحف أخرى حول العالم». وتابعت: «هناك كثير من الحلول للحفاظ على النسخ الورقية للصحف، فهي وثيقة مهمة للتاريخ تبقى مئات السنين، ومن أرشيف الصحف تعلمنا الكثير عن التاريخ والسياسة والحياة الاجتماعية في عصور ماضية».


مقالات ذات صلة

تقرير: ترمب يعيد تشكيل النظام السياسي الأميركي ويُضعف مبدأ التوازن بين السلطات

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة خلال حفل توقيع في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض... واشنطن 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

تقرير: ترمب يعيد تشكيل النظام السياسي الأميركي ويُضعف مبدأ التوازن بين السلطات

خلال عام واحد فقط من ولايته الثانية، أحدث الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحوّلات عميقة في بنية النظام السياسي للولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
رياضة سعودية المستشار تركي آل الشيخ لدى تكريمه ناصر الخليفي بـ«جائزة صُنّاع الترفيه الماسية» (هيئة الترفيه)

تركي آل الشيخ يكرم «الخليفي» لدوره المؤثر في صناعة الترفيه الرياضي

كرّم المستشار تركي آل الشيخ، رئيس الهيئة العامة للترفيه، ناصر الخليفي، وذلك بمنحه «جائزة صُنّاع الترفيه الماسية» ضمن حفل «جوي أووردز» في الرياض.

«الشرق الأوسط» (الرياض )
الولايات المتحدة​ شعار «مكتب التحقيقات الفيدرالي» على منصة قبل مؤتمر صحافي بالمكتب الميداني في بورتلاند بالولايات المتحدة يوم 16 يناير 2025 (أ.ب)

تفتيش منزل صحافية أميركية في إطار تحقيق حول وثائق سرية

قالت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، إن رجال مكتب التحقيقات الفيدرالي قاموا بتفتيش منزل صحافية في إطار تحقيق حول وثائق سرية يشمل متعاقداً مع الحكومة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
يوميات الشرق الزميلة آية منصور الفائزة بجائزة «كورت شورك» عن فئة المراسل المحلي (إندبندنت عربية)

«إندبندنت عربية» تفوز بـ«كورت شورك» عاشر جوائزها

فازت الزميلة في منصة «إندبندنت عربية»، آية منصور، بجائزة «كورت شورك» للصحافة الدولية لعام 2025، عن فئة المراسل المحلي، تقديراً لتقاريرها الصحافية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ريمون توفيق وريما مصطفى ضيفا الحلقة المحذوفة (حساب ريمون على فيسبوك)

مصر: حذف حلقة من برنامج «Blind Date» لـ«عدم ملاءمتها للمجتمع»

أثارت إحدى حلقات برنامج «The Blind Date Show» أزمة في مصر، وذلك عقب نشر البرومو الترويجي لها على موقع «يوتيوب».

داليا ماهر (القاهرة)

زافين قيومجيان: أعيش اليوم «مراهقة الخمسين» الإعلامية

أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
TT

زافين قيومجيان: أعيش اليوم «مراهقة الخمسين» الإعلامية

أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)

سيرته الإعلامية ومشواره المهني لا يشبهان أحداً سواه. منذ خطواته الأولى في عالم الإعلام، اختار الإعلامي اللبناني زافين قيومجيان أن يسلك طريق الاختلاف، فغرّد خارج السّرب وترك بصمة غير تقليدية في الإعلام المرئي والمسموع. وتمكّن من تكريس هوية خاصة به.حتى منشوراته، ومنها «أسعد الله مساءكم»، و«لبنان فلبنان»، و«لبنان على ال اشة»، عكست حبّه العميق للبنان والشاشة، فطعّمها بذكرياته ومشاهداته وتعلّقه بالوطن، لتتحوّل مع الوقت إلى مرجع للذاكرة الجماعية.

«الإعلامي الأميز عربياً»

في كل لقاء مع زافين، لا بدّ من اكتشاف جديد عنه. وأخيراً، من أخباره أنه تُوّج بلقب «الإعلامي الأميز عربياً» لعام 2025، إثر استفتاء شمل 18600 مشارك من مختلف أنحاء العالم العربي، أجراه فريق هيئة «الملتقى الإعلامي العربي». وهذا لقب لا يُعدّ جديداً على مسيرته، إذ سبق أن صنّفته مجلة «نيوزويك» الأميركية ضمن الـ43 شخصية الأكثر تأثيراً في العالم العربي. كما احتل المرتبة الثالثة على قائمة «الشخصيات الـ30 الأكثر تأثيراً على تويتر» في لبنان. وهذا، إلى جانب عشرات الجوائز التكريمية التي حصدها عن برامجه التلفزيونية، لا سيما فئة البرامج الحوارية الاجتماعية.

شغفه بالعمل الإخباري

على الصعيد المهني، يقول زافين إن أجمل تجاربه الإعلامية، والأقرب إلى قلبه على امتداد 35 سنة، تبقى التجربة الإخبارية. ويوضح: «أحِب العمل الإخباري وكل ما يتعلّق بتلفزيون الواقع. ولقد أحببت كثيراً فترة عملي مراسل أخبار، وأيضاً في التحقيقات الاستقصائية، والحوارات السياسية، وإذاعة الأخبار... إذ إنني عندما اخترت دراسة الصحافة كان العمل الإخباري هدفي الأول».

اختبر الزمن... ولم يبدّل مبادئه

يعزو زافين قيومجيان «استمراريته» الناجحة إلى جرأته الدائمة على التغيير. وبحسب رأيه: «إذا لم يبدّل الإنسان قشرته الخارجية يذبُل ويموت، وشرط البقاء هو الحفاظ على المبادئ. التغيير يمكن أن يصيب الشكل لكن لا يجوز أن يمسَّ المضمون. وبالتالي، فإن قاعدتي الذهبية ترتكز على (ثلاثية) الحرفية والاحترام والقيَم».

وحقاً، يقتنع بنفسه ويدعو الآخرين إلى الإيمان بذواتهم، بحثاً عن الأفضل على الدوام. ثم يعلّق: «أنا لا أكتفي بالنتيجة الإيجابية... لأنني أرغب بما هو أفضل. أن تكون إعلامياً مخضرماً، وتواكب الأجيال يعني أن تنجح في اختبار الزمن والعمر. قلّة فقط تملك هذه القدرة لأن الثمن المدفوع يكون مرتفعاً».

حوار رئيس الجمهورية

من جهة ثانية، كان زافين أول إعلامي لبناني يُجري حواراً حصرياً مع رئيس الجمهورية، العماد جوزيف عون. وعنه يكشف: «كنت أرغب في هذه المقابلة عن سابق تصوّر وتصميم. وفعلاً، طلبت موعداً من القصر الجمهوري... ومشكورين، كان لي ما أردته. والحقيقة أن الرئيس يدرك طبيعة حواراتي وبساطة أسلوبي البعيد عن الادعاء». ثم يضيف: «كانت المرة الأولى التي ألتقيه فيها وجهاً لوجه وفي مناسبة غير عامة. قرأت الصدق في عينيه، وإصراره على العبور بلبنان إلى ضفة الازدهار والسلام. إنه يتمتع بتواضع وإرادة قوية لإجراء الإصلاحات اللازمة، وهو شخص لطيف وصادق جداً».

يقدم اليوم على شاشة "الجديد" برنامج "سيرة وكمّلت" (إنستغرام)

محطات وشخصيات صنعت الذاكرة

طوال مسيرته الإعلامية، التقى زافين شخصيات سياسية وفنية كثيرة تركت - كما يقول - أثرها في تجربته، من بينها الرئيسان الراحلان إلياس الهراوي ورفيق الحريري في ميدان السياسة، وفي المجال الفني الفنانتان إليسا ونوال الزغبي.

ويتابع: «تعرّفت إلى الهراوي والحريري عن قرب عندما كنت مراسلاً إخبارياً في القصرين الجمهوري والحكومي، ولمست وطنيتهما. فقد آمنا بلبنان وعَملا على نقله من زمن الحرب إلى زمن السلم... أنا أحب الأشخاص الذين يُحدثون تحوّلات ويوسّعون هامش الحرية. أما بالنسبة لأهل الفن فإن إليسا ونوال كسرتا القوالب التقليدية وصنعتا قوانين جديدة تشبه شخصيتيهما».

مهنياً، يعدّ زافين المديرَ العام السابق لـ«تلفزيون لبنان»، فؤاد نعيم، الداعمَ الأكبر له، مستطرداً: «لقد آمن بي وغامر معي في نقل الإعلام من التقليدي إلى الحديث. اكتشفني ووضع يده على روحي، ولولاه لكانت حياتي بالتأكيد أصعب».

الإنسانية: المدرسة الأولى... والأخيرة

في الواقع، تنقّل زافين قيومجيان بين أكثر من محطة تلفزيونية، من «تلفزيون لبنان» إلى «المستقبل» وصولاً إلى «الجديد». وذاع صيته عربياً بوصفه أحد أوائل مَن قدَّموا برامج حوارية جريئة على شاشة فضائية عربية، كاشفاً المسكوت عنه، وغائصاً في عمق البيوت ومشاكلها. وعن هذا الجانب يعلّق: «منذ بداياتي رغبت في تناول هذا النوع من القصص من دون أحكام مسبقة. أنا لا أركّز على الأرقام بل على التجربة الإنسانية. ولا يهمّني عدد الضحايا بقدر ما يهمّني ما عاشته الضحية. إنما أنتمي إلى المدرسة الإنسانية، وأعتزّ بذلك».

النجاح... قدرة على التأقلم

في مرحلة سابقة، غاب صاحب السؤال الشهير «شو حسّيت؟» (بماذا شعرت؟) عن وسائل التواصل الاجتماعي، مفضّلاً الانتقال من الانتشار الواسع إلى جمهور أصغر. وبالفعل، قدّم بودكاست «100 ع 100» بالتعاون مع الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU). وشارك في مناظرات شبابية «30 - 31»، قبل أن يطلّ اليوم في «سيرة وكمّلت» على شاشة «الجديد»، ولعلها النُّسخة المعاصرة من برنامجه الشهير «سيرة وانفتحت». وهو أيضاً يشارك في برنامج «بونجورين» عبر إذاعة «صوت كل لبنان».

وهنا يقول: «لم أعد بحاجة لإثبات مكاني. أعمل بدافع الشغف. الإذاعة نابعة من حبّي للتواصل مع جيل لا يزال وفياً لها، وفي المقابل أحرص على التواصل مع جمهور أصغر سناً». وفي هذا السياق، كونه أستاذاً جامعياً في الإعلام في الـ«LAU»- حيث تلقى تعليمه الجامعي - يبقى زافين على تماسٍ مباشر مع جيل الشباب. ويوضح: «مهما كانت خبرتي طويلة، أدرك ضرورة الإصغاء إلى الأصغر سناً، تماماً كالفنان النجم الذي يتعاون مع ملحّن مغمور... هذه التنازلات ضرورية لأنها تحمل تحدّيات التجديد».

الشاشة الصغيرة... الرهان المستمر

رغم تنوّع منصّاته، يعود زافين دائماً إلى التلفزيون، مؤمناً بدوره الجامع. ويقول: «أريد أن أشارك في الولادة الجديدة للتلفزيون. صحيح أن الناس استعاضت عنه بالهواتف، لكن الشاشة الصغيرة تبقى التجربة المشتركة الوحيدة للعائلة. طبعاً لن أعيده إلى عصره الذهبي... لكنني سأعمل على تطويره. هذه الولادات تحتاج إلى إعلاميين مخضرمين يكونون جسر عبور بين جيل وآخر».

إعادة الشريط المهني بقالب حديث

ويُسعد زافين اللقاء بالقول عن مرحلته الحالية إنها «مراهقة الخمسين» الإعلامية (جَهْلة الخمسين المهنية)، وفق تعبيره. وفيها يعيد تقديم القصص الاجتماعية التي اشتهر بها بشروط جديدة... ويختتم: «أشعر بالحنين إلى الإعلام التقليدي، وأحاول عبر الإذاعة والبودكاست والتدريس الجامعي الابتعاد عن ضغوط الإعلام السائد، وتحسين قواعد اللعبة الإعلامية على طريقتي».


ما هي انعكاسات تراجع التفاعل «السوشيالي» لصالح الفيديوهات على عمل الناشرين؟

شعار "تيك توك" (رويترز)
شعار "تيك توك" (رويترز)
TT

ما هي انعكاسات تراجع التفاعل «السوشيالي» لصالح الفيديوهات على عمل الناشرين؟

شعار "تيك توك" (رويترز)
شعار "تيك توك" (رويترز)

يبدو أن منصات التواصل الاجتماعي تمر بـ«أزمة»، إذ بدا الدور الأصيل لها -وهو التواصل، وبناء الروابط الاجتماعية- يتلاشى، ليبرز الترفيه، ومتابعة الفيديوهات الخاصة بأشخاص «غرباء» باعتبار أنه احتياج أوّلي للمُستخدمين.

هذا الاتجاه يطرح تساؤلات بشأن ماذا سيحدث لاستراتيجيات عمل الناشرين حين يصبح الفيديو لغة المنصات الأولى؟ وكان معهد رويترز لدراسة الصحافة قد لفت في التقرير السنوي «لاتجاهات وتوقعات الصحافة والإعلام والتكنولوجيا لعام 2026»، أخيراً، إلى أن وسائل التواصل باتت أقل «اجتماعية»، بسبب تحوّل جذري في سلوك المستخدمين إزاء منصات «السوشيال ميديا» التقليدية، مع تراجع المحتوى الآتي من دائرة الأصدقاء لصالح موجز تقوده توصيات الذكاء الاصطناعي، ومقاطع الفيديو.

الدكتور أنس النجداوي، مدير جامعة أبوظبي-فرع دبي، وأستاذ الأعمال الرقمية المشارك، مستشار قناتي «العربية» و«الحدث» للتكنولوجيا ووسائل التواصل، يرى أن منصّات التواصل الاجتماعي تُغير خوارزمياتها بشكل مستمر، غير أن ما برز خلال العامين الماضيين هو انتقال اهتمام هذه المنصات من «مَن تتابع؟» إلى «ماذا يشدّ انتباهك ويبقيك وقتاً أطول على المنصة؟».

وأوضح النجداوي لـ«الشرق الأوسط» أنه «في السابق كانت منصات (السوشيال ميديا) تقوم بتحليل الرسم البياني الاجتماعي، أو Social Graph Analysis لمعرفة شبكة علاقات المستخدم، والأصدقاء، والحسابات التي يتابعها، ومن خلال هذه البيانات تبني ملف اهتمام يحدد سلوك المستخدم بدقة... غير أن الفيديو القصير هو الآن الأداة الأقوى لرفع مؤشر البقاء داخل التطبيق، لأنه سريع، ومتلاحق، ويدفع المستخدم من مقطع إلى آخر، وهو ما يترجم إلى أرباح إعلانية أعلى». وأردف: «وفي المقابل، تصبح النصوص الطويلة، والروابط الخارجية عبئاً، لأنها تخرج المستخدم من المنصة، فتتراجع فرص انتشارها».

عن انعكاس هذا التغير على استراتيجيات عمل الناشرين، يرى النجداوي أن «المؤسسات الصحافية والإعلامية أمام أزمة، لأن النموذج المعتاد للوصول للجمهور تغيّر... ذلك أننا نعيش الآن عصر (الزيرو كليك)، أي أن الروابط لم تعد مُجدية، وزيارات المواقع الصحافية انخفضت، ما يعكس ضرورة أن تغير نموذج العمل». وأوضح من ثم أن هذا التحوّل صنع ما يُسمّى بـ«النيوز إنفلونسر».

وتابع الدكتور النجداوي بقلق قائلاً إن «السرعة يمكن أن تدفع البعض للتبسيط المُخِلّ، أو للإثارة، ما يعني أن مُجاراة الخوارزميات يمكن أن تدفع الناشرين لتقديم محتوى بلا تأثير حقيقي، أو معلومة واضحة، فالمعادلة صارت صعبة؛ كيف تصنع فيديو يناسب الخوارزمية من دون أن تخسر التحقق، والدقة، والثقة؟».

من جهة ثانية، وفق بيانات وفرها «تشارتبيت» لصالح تقرير «رويترز» تراجع متوسط الإحالات إلى مواقع الأخبار من «فيسبوك» بنحو 43 في المائة خلال العامين الماضيين ونصف العام، بينما انخفضت الإحالات من «إكس» بنسبة 46 في المائة، في مؤشر على أن الانتشار عبر الروابط لم يعد يضمن حركة زيارات كما كان سابقاً.

وهنا علّق محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي بدولة الإمارات المتحدة، قائلاً إن الاستثمار في منصات الفيديو مثل «يوتيوب» و«تيك توك» بات خياراً أكثر جدوى من الاعتماد المفرط على الوصول من خلال المنصات التقليدية للتواصل الاجتماعي، أو «غوغل».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» شارحاً: «صحيح أن (غوغل ديسكوفر) كان مصدراً ضخماً للزيارات، غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولات جذرية، وبات من الصعب الاعتماد عليه، لا سيما أنه يخضع بالكامل لخوارزميات تتغير باستمرار، وقد ترفع أو تخفض الزيارات بشكل حاد خلال أيام». وتابع أن «سياسة (غوغل) أصبحت واضحة في استهداف إبقاء المستخدم داخل منظومتها عبر ملخصات الذكاء الاصطناعي، ما يقلل من قيمة الزيارة نفسها، ويضعف العائد التحريري والاقتصادي للناشر».

أيضاً اعتبر عاطف أن «يوتيوب» و«تيك توك» باتتا بيئة استهلاك حقيقية للجمهور اليومي، و«الاستثمار فيهما، لا يعني فقط تحقيق مشاهدات، بل بناء حضور متكرّر، وهوية بصرية، ونمط سردي يتعرف عليه الجمهور بسهولة». وحسب رأيه فإن «الاستراتيجية الأكثر واقعية في 2026 هي التحول من عقلية مصادر الزيارات إلى عقلية أماكن وجود الجمهور، لأن الفيديو القصير أصبح اللغة السائدة... بل حتى (غوغل) نفسها باتت تكافئه داخل (ديسكوفر)، لذلك الاستثمار في الفيديو لم يعد خياراً إضافياً».

واختتم موضحاً أن «إدراج الفيديو القصير ضمن منتجات المؤسسات الصحافية بات ضرورة، لضمان الوصول إلى فئات عمرية جديدة من الجمهور... لكن الفيديو القصير يعد تحدياً أمام الناشرين، لأنه يفرض منطقاً مختلفاً بالكامل في السرد الصحافي. وعلينا أن نقر بأن الجمهور بات أسرع في سلوكه التفاعلي، فهو لا يمنح أكثر من ثوانٍ قليلة قبل اتخاذ قرار المشاهدة، أو التمرير، ما يجعل نوع المحتوى وزاوية تقديمه عاملين حاسمين في النجاح».


الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
TT

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

هذا التباين الشديد يفرض تحدياً على المتلقي، فبينما يتابع بلهفة إبراز المواهب الغنائية يوم الأربعاء على برنامج «ذا فويس»، يجد نفسه منغمساً في أجواء روحانية خاشعة الجمعة والسبت مع برنامج «دولة التلاوة» المختص بترتيل القرآن الكريم.

أما الأحد، فيتحول المزاج إلى طاقة وحيوية مع رقصة الدبكة الصاخبة في برنامج «يلا ندبك». وباقي أيام الأسبوع، تأتي الأخبار لتلقي بظلالها على كل ذلك، لتملأ الشاشات بتقارير عن الحروب، والموت، والتطورات السياسية المؤلمة في المنطقة.

هذا التناوب الحاد بين الترفيه والروحانية والمأساة يولد تجربة مشاهدة فريدة ومتقلبة، يتأرجح فيها المشاهد بين الانغماس في المحتوى المرح والروحاني والهروب من واقع الصراعات.

جذب الجمهور

لا تتوقف تأثيرات هذه البرامج عند حدود الشاشات التقليدية، بل تمتد لتغزو منصات التواصل الاجتماعي، لتُغذيها بكم هائل من المشاهدات والتفاعلات التي تعزز انتشارها وتأثيرها.

كل برنامج ينجح في جذب انتباه الجمهور بطريقته الخاصة: «ذا فويس» يشعل روح المنافسة الغنائية ويدفع إلى تفاعلات واسعة النطاق، بينما «دولة التلاوة» يجذب شرائح واسعة من محبي الروحانية وتلاوة القرآن الكريم.

في المقابل، يمثل «يلا ندبك» منصة لإحياء التراث والطاقة الشبابية. يشارك الجمهور بفاعلية عبر التصويت، التعليقات، مشاركة المقاطع، إنشاء الهاشتاغات، ما يعزز ليس فقط انتشار البرامج بل يزيد أيضاً من قيمة المشاهدات والمتابعين للقنوات والمنصات التي تبثها.

دولة التلاوة

في مصر، يقدم برنامج «دولة التلاوة» نافذة للروحانية المطلوبة في خضم واقع متغير مليء بالتحديات. آلاف المتسابقين من مختلف المحافظات المصرية يدخلون في منافسات قوية في ترتيل وتجويد القرآن الكريم، لتصل الحلقات النهائية إلى اختيار أفضل 32 قارئاً، وهم في تنافس على المرتبة الأولى.

صورة جماعية من برنامج «دولة التلاوة» (فيسبوك)

تُبث هذه الحلقات على قنوات رئيسية، كما تُعرض على منصات رقمية، ما يضمن وصولها لجمهور واسع داخل مصر وخارجها. يظهر التفاعل الكبير على منصات التواصل الاجتماعي بوضوح، حيث تصل الجوائز الإجمالية للفائزين إلى 3.5 مليون جنيه مصري (75 ألف دولار تقريباً).

وتشمل الجوائز أيضاً تسجيل المصحف الشريف بأصوات الفائزين وإمامة صلاة التراويح في شهر رمضان، ما يضيف بعداً معنوياً كبيراً للبرنامج. تضفي لجنة التحكيم التي تضم نخبة من كبار العلماء والقراء، مصداقية روحانية فريدة للبرنامج، وتجذب عشاق التلاوة والفن على حد سواء.

«ذا فويس»

أما من الأردن، فيطل برنامج «ذا فويس» كمنصة بارزة لاكتشاف المواهب الغنائية الصاعدة. تعتمد صيغة البرنامج على تقييم الصوت فقط في مرحلة «العروض العمياء» الأولى، ثم تتصاعد المنافسة لتشمل العروض المباشرة والعروض الحية.

«ذا فويس 6» والمدرّبون ناصيف زيتون وأحمد سعد ورحمة رياض (إنستغرام)

الموسم الحالي، وهو السادس لعامي 2025 - 2026، يضم لجنة تحكيم مكونة من نجوم الغناء ناصيف زيتون ورحمة رياض وأحمد سعد. يشارك الجمهور بفاعلية في تحديد الفائز من خلال التصويت، ما يعكس الشغف الجماهيري بالمواهب الفنية ويعيد إحياء برامج المواهب الكبرى بعد سنوات من الانقطاع، ليولد بذلك حالة من الترقب والحماس بين المشاهدين.

«يلا ندبك»

وفي لبنان، يقدم برنامج «يلا ندبك» تجربة مختلفة تماماً، حيث يركز على فرق الدبكة اللبنانية التقليدية التي تتنافس لتقديم أفضل أداء. يتكون الموسم من ست حلقات تُظهر التراث الفولكلوري اللبناني والطاقة الشبابية المفعمة بالحيوية.

«يلا ندبك» على شاشة «إم تي في» اللبنانية (إنستغرام)

يحتفي البرنامج بالهوية اللبنانية الغنية بالثقافة والفن. التفاعل الجماهيري معه كبير وملحوظ، حيث تتصدر هاشتاغات البرنامج منصات التواصل الاجتماعي، ما يعكس اهتمام الجمهور العميق بالتراث والمرح في آن واحد.

دمار ومآسٍ

على الرغم من هذا القدر من الترفيه والروحانية، لا يمكن تجاهل الواقع القاسي والمؤلم الذي يعيشه العالم العربي. نشرات الأخبار والبرامج السياسية تظل على مدار الساعة تتابع الحروب والمجاعات التي تضرب مناطق مثل غزة، السودان، اليمن، لبنان، سوريا، وغيرها. وتُقدم تحديثات شبه لحظية، وتحليلات معمقة، وتقارير ميدانية تظهر الدمار والمعاناة الإنسانية.

مرآة عربية

ينتقل المشاهد بسرعة من فرحة الأغاني والتلاوات والرقصات التراثية إلى صدمة الأخبار الثقيلة، ما يعكس الفجوة بين المحتوى المبهج المتنوع والواقع المأساوي الحقيقي.

هذا التنوع في المحتوى الإعلامي ليس مجرد ترفيه أو سباق على المشاهدات، بل هو مرآة لمجتمع عربي يبحث عن توازنه الخاص بين النقد اللاذع والاحتفال، بين الخشوع الديني والمرح العفوي.

وفي خضم أزيز أخبار الحروب التي لا تتوقف، تبقى الشاشات مساحة واسعة يحاول من خلالها كل فرد أن يجد جزءاً من ذاته، سواء في صوت جميل يلامس الروح، أو في دقة إيقاع تراثي يربطه بأصوله، أو في أداء غنائي آسر للقلوب.