أوليمبياد «طوكيو 2020»... حيث يتجاوز الاهتمام حساب الميداليات

حدث رياضي عالمي في ظرف صحي استثنائي

أوليمبياد «طوكيو 2020»... حيث يتجاوز الاهتمام حساب الميداليات
TT

أوليمبياد «طوكيو 2020»... حيث يتجاوز الاهتمام حساب الميداليات

أوليمبياد «طوكيو 2020»... حيث يتجاوز الاهتمام حساب الميداليات

عندما نظّمت اليابان دورة الألعاب الأوليمبية في طوكيو عام 1964 أرادت لها أن تكون تكريساً لعودة إمبراطورية الشمس الطالعة إلى الأسرة الدولية بعد العزلة التي فرضتها الهزيمة المدوّية في الحرب العالمية الثانية. وعندما فازت طوكيو بتنظيم دورة الألعاب الأوليمبية الصيفية للعام الماضي، كان رهان القوة الاقتصادية الثالثة في العالم أن تكون هذه الألعاب مناسبة للاحتفال بنهوض اليابان من الكارثة المثلّثة التي ضربت فوكوشيما قبل عشر سنوات وخلّفت ما يزيد على 20 ألف قتيل، عندما تعرّضت المدينة الشمالية والمحافظة التي تحمل اسمها، لزلزال مدمّر عقبه «تسونامي» (مد بحري زلزالي) وانتهى بأسوأ حادث تسرّب نووي في العالم منذ ثلاثين سنة.
لكن عندما ارتفع الستار عن «طوكيو 2020» يوم أمس، كان رئيس الوزراء الياباني يوشيهيدي سوغا يدرك جيّداً أن هذه الألعاب التي أصرّ على تنظيمها رغم معارضة ما يزيد على 85 في المائة من مواطنيه، قد تكون رصاصة الرحمة لحكومته، خصوصاً إذا تسبّبت في موجة وبائية جديدة أو ظهور متحوّر فيروسي جديد، وبعدما اتسّعت دائرة المطالبين بإلغائها أو تأجيلها لتشمل نقابات الأطباء والممرضين وعدداً من الشركات الكبرى التي تموّل الألعاب بإعلاناتها، حتى إن الإمبراطور ناروهيتو بذاته أعرب عن قلقه من تنظيمها في الظروف الصحية الراهنة.
الرهان الذي قرّر رئيس الوزراء الياباني يوشيهيدي سوغا المضي فيه بتنظيم الألعاب الأوليمبية «طوكيو 2020» - المؤجلة سنة عن موعدها الأصلي بسبب جائحة «كوفيد - 19» - يحمل مجازفة كبيرة على بعد أشهر قليلة من الانتخابات العامة، وهي انتخابات يلزمه الدستور الدعوة لإجرائها في موعد لا يتجاوز أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. وهذه مجازفة باتت تحمل كل عناصر الخسارة بعدما قررت اللجنة المنظّمة إجراءها من دون جمهور إثر إعلان حالة الطوارئ الرابعة في العاصمة طوكيو.
- سباق مع الصين
لا شك في أن من ضمن الأسباب التي دفعت بقوة في اتجاه الإصرار على رفض تأجيل هذه الألعاب للمرة الثانية أو إلغائها، أن الصين، الجار اللدود والغريم التاريخي لليابان، ستنظّم هي دورة الألعاب الأوليمبية الشتوية في بكين العام المقبل. بل ستنظم تلك المناسبة وهي في ذروة صعودها المتوّج بسيطرتها على الفيروس الذي وضع الاقتصاد العالمي في حال من الغيبوبة. وللعلم، تفيد آخر التحليلات بأن القيود الصارمة التي فرضتها حالة الطوارئ قلّصت هامش المكاسب الاقتصادية التي يمكن أن تحققها اليابان من هذه الألعاب، ووسّعت دائرة الخسائر المرتقبة.
في أي حال، الرهان على أن تكون هذه الألعاب بداية النهضة من التداعيات المدمرة للجائحة لم يكن يابانياً فحسب، بل كان العالم يعقد الآمال في أن تكون أيضاً إعلاناً للنصر على الفيروس القاتل الذي جمّد النشاط الاقتصادي والحركة الاجتماعية في أرجاء المعمورة. إلا أن رياح الأزمة الصحية لم تجرِ كما كانت تشتهي السفينة اليابانية التي يحبس ربّانها أنفاسه خشية أن يتحوّل هذا الموعد الرياضي الكبير إلى بؤرة وبائية تفجّر موجة خامسة تقضي على احتمالات النهوض من الكارثة وتغرق البلاد في مرحلة جديدة من الركود.
وفي سياق متصل، تفيد دراسة وضعها الخبير الاقتصادي الياباني المعروف توشيهيرو ناغاهاما، الذي يدير معهد البحوث التابع لجامعة الأمم المتحدة التي تتخذ من طوكيو مقرّاً لها، بأن إعلان حالة الطوارئ الرابعة في العاصمة اليابانية وتمديدها في المحافظات الجنوبية للبلاد مثل أوكيناوا، من شأنه أن يلحق خسائر تزيد على 2.3 مليار دولار بسبب من القيود الصارمة على التنقّل والتجمّع وتراجع الاستهلاك.
- بين الاقتصاد والصحة
كذلك، في دراسة أجرتها مؤسسة «دايوا» للأبحاث الاقتصادية والاجتماعية قبل إعلان حالة الطوارئ الأخيرة، وما ترتّب عنها من قيود وتدابير، قدّرت أن المكاسب الاقتصادية التي ستنشأ عن الألعاب تزيد على 500 مليار ين ياباني، منها 70 مليار تنفقها البعثات الرياضية والجمهور، بجانب ضعفي هذا المبلغ من الأسر التي تتابع الألعاب عن بعد. ولكن مع التدابير الأخيرة، وما سبقها من غموض حول مصير الألعاب، لن يسهم هذا الحدث الرياضي الكبير في إنعاش الاقتصاد الياباني سوى بنسبة ضئيلة. لا بل قد يؤدي إلى انتكاسة كبيرة في حال ظهور موجة وبائية كبيرة تدفع الحكومة إلى فرض قيود جديدة، مع العلم أن حملة التلقيح لا تزال تسير ببطء شديد، إذ إنها لم تتجاوز 15 في المائة من مجموع السكان الذين يزيدون على 120 مليون نسمة.
وعلى غرار القوى الاقتصادية الكبرى، باستثناء الصين، تراجع إجمالي الناتج القومي في اليابان بنسبة وصلت إلى 4.8 في المائة العام الماضي، وتجاوزت 4 في المائة في الفصل الأول من هذا العام. وتجدر الإشارة إلى أن الاقتصاد الياباني كان دخل في مرحلة ركود تقني مطلع العام الماضي بسبب من إعصار «هاغيبيس» الذي ضرب مناطق واسعة من البلاد وأجبر الحكومة على زيادة الضريبة الاستهلاكية بنسبة 3 في المائة. وكانت الحكومة قد أقرّت في العام الماضي حزمة ضخمة من المساعدات والمحفّزات الاقتصادية بقيمة تعادل 102 مليار دولار أميركي أدّت إلى زيادة الدين العام، ليصل إلى 257 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، وهي أعلى نسبة بين البلدان الصناعية.
من جهة ثانية، تفيد صحيفة «نيكاي» بأن الحكومة اليابانية تعتزم إقرار دفعة جديدة من المحفّزات قبل الدعوة إلى إجراء الانتخابات العامة في الخريف المقبل. وهنا، تجدر الإشارة إلى أن كل التقديرات تشير إلى أن بوادر انتعاش الاقتصاد الياباني - في حال حدوثه - لن تظهر قبل نهاية العام الجاري، وهذا، شريطة أن تكون حملة التلقيح قد تقدّمت ولم تظهر موجة وبائية خامسة واستعاد الاستهلاك المحلي وتيرته المعتادة. أما «منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية» فتتوقع أن ينمو الاقتصاد الياباني هذه السنة بنسبة 2.6 في المائة، وأن يعود إجمالي الناتج المحلي مطلع العام المقبل إلى المستوى الذي كان عليه قبل الجائحة.
- تفاؤل رغم المشاكل
في هذه الأثناء، يرى بعض المحللين أن ثمّة مؤشرات واضحة تدفع إلى التفاؤل بإمكانات انتعاش الاقتصاد الياباني في القريب المنظور، أبرزها التعافي السريع للاقتصاد الصيني وحزمة المحفزات الضخمة التي أقرتها الإدارة الأميركية. وفي هذا الإطار لا بد من التذكير بأن الصين - رغم التنافس السياسي - هي الشريك التجاري الأول لليابان بينما الولايات المتحدة حليفتها العسكرية والسياسية الكبرى. ويضاف إلى ما سبق أن الصادرات الصناعية اليابانية سجّلت أعلى ارتفاع منذ ثمانينات القرن الماضي، إذ زادت المبيعات إلى الصين بنسبة 49.9 في المائة، وإلى الولايات المتحدة بنسبة 87.9 في المائة. وكان المصرف المركزي الياباني قد أفاد في تقرير له مطلع الشهر الجاري بأن الشركات الكبرى تتوقع زيادة إنفاقها الرأسمالي بنسبة 9.6 في المائة خلال السنة المالية الجارية التي تنتهي في مارس (آذار) المقبل.
لكن رغم هذه المؤشرات الإيجابية لا يزال الاقتصاد الياباني يعاني من مشاكل هيكلية عميقة هي السبب الرئيسي في الركود الذي يصيبه منذ ثلاثة عقود. من هذه المشاكل: ارتفاع المتوسط العمري للسكان الذي يجعل من نظام التقاعد والخدمات الصحية العامة عبئاً ضخماً على الدين العام، والتأخير في «رقمنة» الإدارة والاقتصاد مقارنة بالبلدان الصناعية المتطورة، وتدنّي نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل وانخفاض رواتبها مقارنة بالرجال. ويضاف إلى كل ذلك تدنّي مستوى الإنتاجية، خلافاً للاعتقاد الشائع، فلقد أفاد مركز الإنتاجية التابع لرئاسة الوزراء في اليابان بأن إنتاجية العامل الياباني تراجعت بنسبة 0.3 في المائة في غضون السنوات الخمس الماضية، حتى بلغت أدنى نسبة بين البلدان الصناعية السبع الكبرى في العالم.
ويرى خبراء أن التعديلات الجذرية التي فرضتها جائحة «كوفيد - 19» من شأنها أن تفتح الباب أمام تعديلات في سوق العمل كانت تبدو مستحيلة في السابق، مثل العمل عن بعد، ومرونة الجداول الزمنية في بلد تقوم فيه ثقافته العمالية على تقاليد الحضور والوجود في مكان العمل. ومن جانب آخر، يفيد استطلاع أجرته الإدارة المحلية في طوكيو بأن 25.1 في المائة فقط من الشركات الموجودة في العاصمة كانت تسمح بالعمل عن بعد في صيف عام 2019، ولكن في أبريل (نيسان) الماضي، كانت هذه النسبة قد ارتفعت إلى 57 في المائة.
أما على صعيد النمو، فإن الحكومة اليابانية كانت قد حددت في استراتيجية النمو للسنوات الخمس المقبلة إنهاء استخدام الكربون بحلول عام 2050. وبالتالي، خصصت حزمة ضخمة من المحفّزات والمساعدات للتشجيع على الابتكار البيئي والتحوّل الرقمي وتطوير استخدام الذكاء الصناعي في القطاعات الإدارية والإنتاجية. ومن المحاور الأساسية لهذه الاستراتيجية تعزيز الأمن الاقتصادي القومي الذي يتأثر بنسبة عالية بالعلاقة الاقتصادية العميقة مع الصين والروابط الأمنية الوثيقة مع الولايات المتحدة، وذلك في ضوء التوتر المتصاعد الذي تشهده العلاقات بين واشنطن وبكين.
وكانت الجائحة قد كشفت، فعلياً، مواطن الضعف في سلسلة توريد المكّونات الأساسية للصناعة الرقمية المتطورة واعتمادها بنسبة عالية على السوقين الصينية والأميركية في إمدادات قطاعات حسّاسة مثل صناعة البطاريات والمعدّات الطبية المتطورة. وضمن هذا الإطار، تفيد تقارير حكومية بأن حصة اليابان من السوق العالمية للشرائح الإلكترونية انخفضت إلى 10 في المائة فقط في عام 2019 بعدما كانت قد وصلت إلى نصف المبيعات العالمية في عام 1988. وحالياً، تلجأ الشركات اليابانية إلى الاستيراد في السوق العالمية للشرائح الإلكترونية لتغطية 65 في المائة من احتياجاتها.
- الصحة تظل الهم الأول
لكن هذه الاستحقاقات والإصلاحات تبقى مرهونة إلى حد كبير بالسيطرة على الأزمة الصحية التي تتصدر هموم الحكومة اليابانية وأولوياتها، وأيضاً بالمستقبل السياسي لرئيس الوزراء سوغا، الذي سيترشّح مجدداً لرئاسة حزبه المحافظ، الحزب الديمقراطي الحر، خلال سبتمبر (أيلول) المقبل، وهو في أدنى مستويات شعبيته، وللتذكير، فإن الانتخابات العامة ستجرى قبل نهاية أكتوبر (تشرين الأول) عندما تنتهي ولاية أعضاء مجلس النواب، وقبل صيف العام المقبل عندما تنتهي ولاية أعضاء مجلس الشيوخ.
وحول هذا الأمر، قال ياشوهيدي ياهيما، مدير «المعهد المستقل للدراسات الاستراتيجية» في طوكيو خلال ندوة عبر الفيديو مع الصحافة الأجنبية المعتمدة لتغطية الألعاب الأوليمبية: «إن الهدف الأساسي لرئيس الحكومة هو ضمان بقاء إدارته في الأمد الطويل. وبالتالي، فهو لن يقدم في المرحلة الراهنة على إجراء أي إصلاحات اقتصادية من شأنها أن تؤثر على شعبيته المتدهورة، تاركاً القرارات الصعبة والمؤلمة إلى نهاية العام المقبل». وتابع: «عندما يحين موعد الانتخابات العامة المقبلة في الخريف، ستكون حملة التلقيح قد بلغت التغطية المنشودة، وانتهت الألعاب الأوليمبية، التي إذا تكللت بالنجاح وإن لم تحقق مكاسب مالية ضخمة، تكون قد جعلت من اليابان رائداً في تنظيم حدث عالمي ضخم في مثل هذه الأزمة غير المسبوقة».
غير أنه، مهما كانت التوقعات والتقديرات حول التداعيات الاقتصادية لهذه الألعاب، تبقى كل الرهانات معقودة بتطورات المشهد الوبائي حتى يوم اختتام الأوليمبياد في التاسع من الشهر المقبل. ومن ثم، وكيف سيكون هذا المشهد بعد أسبوعين من ذلك التاريخ عندما تنتهي ألعاب ذوي الاحتياجات الخاصة، وتكون التداعيات الصحية للألعاب قد ظهرت في صورتها النهائية.
- الشك غير المسبوق
في الواقع، لم يحصل في تاريخ الألعاب الأوليمبية الحديثة أن بقي انعقادها موضع شك وترجيح حتى أيام قبل موعد افتتاحها. ورغم كل الإجراءات اللوجيستية والأمنية الضخمة التي اتخذتها اللجنة المنظمة والسلطات اليابانية، والموارد غير المسبوقة التي وضعتها اللجنة الأوليمبية الدولية لضمان صحة المشاركين وسلامتهم في هذه الألعاب والإداريين والفنيين المشرفين على تنظيمها، يسود شعور غريب في أوساط الرياضيين المحرومين من التواصل بين بعضهم ومع جماهير المشجعين... الذين سيكتفون بمتابعتها على شاشات التلفزيون في منازلهم.
وبالطبع، يبقى القلق الأكبر من أن تتحوّل هذه الألعاب إلى بؤرة وبائية كبيرة، ليس فقط في طوكيو واليابان، بل أيضاً على الصعيد العالمي عندما يعود آلاف الرياضيين إلى بلدانهم بعد نهايتها. والحقيقة أن ثمة علامات استفهام وتساؤلات كثيرة تطرحها هذه المناسبة الأوليمبية التي تستضيفها طوكيو للمرة الثانية، ولا تعرف إن كانت ستخرج منها ظافرة أو مهزومة في أصعب اختبار تواجهه منذ عقود.
نعم العالم كله سيتابع هذا الموعد الرياضي الكبير محبوس الأنفاس، ولكن ليس لمعرفة مَن سيحطّم الأرقام القياسية المستحيلة هذه المرة... بقدر اهتمامه بمعرفة ما إذا كانت هذه الألعاب سنكون بداية الانتصار على جائحة «كوفيد - 19»... أم تكريساً لشروط التعايش معه.
- انتقاد صريح لتنظيم الألعاب من العلماء والخبراء الغربيين
> قبل موعد افتتاح أوليمبياد «طوكيو 2020» بثلاثة أسابيع، نشرت مجلة مجموعة من العلماء والخبراء الأميركيين والأوروبيين مقالة مطوّلة في مجلة «نيو إنغلند» الطبية المرموقة انتقدت فيها بشدّة التدابير والتعليمات التي تضمّنها الدليل الإجرائي للألعاب الذي وضعته اللجنة الأوليمبية الدولية بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، والذي يفترض بجميع الرياضيين والإداريين الامتثال لها لمنع انتشار الجائحة.
لقد حذّرت المقالة من أن تلك التدابير والتعليمات غير كافية، وغالباً ما تستند إلى بيانات علمية لم تعد صالحة أو لا يعتدّ بها. وأردفت أن هذه التظاهرة الرياضية العالمية تشكّل خطراً عالياً جداً لتفشي الفيروس لكونها تتجاهل القواعد العلمية الأساسية.
آنّي سبارو، الخبيرة في الصحة العالمية والمشرفة على المقالة المذكورة قالت شارحةً: «ليس من الصعب تنظيم ألعاب أوليمبية آمنة وفقاً للقواعد الطبية الأساسية. بيد أن هذا ما تجاهلته اللجنة الأوليمبية الدولية، وأنا أخشى أن يكون قد فات الأوان لتصويب الخطأ». ثم تضيف سبارّو أن منظمة الصحة العالمية تجاهلت طلب الأوساط العلمية عقد اجتماعات دورية للجنة الطوارئ التابعة للمنظمة قبل افتتاح الألعاب، على غرار ما فعلت في عام 2016 قبل دورة ريو دي جانيرو إبان انتشار فيروس «زيكا».
أما رجل الأعمال الياباني البارز هيروشي ميكيتاني، صاحب أكبر موقع للتجارة الإلكترونية، وأحد أشدّ المنتقدين لتنظيم الألعاب، فقد اعتبر أن إجراء الألعاب في هذه الظروف ليس إلا «مهمة انتحارية». بينما كانت الشركات الكبرى تحذّر من أن الخسارة التي قد تُمنى بها اليابان من تنظيم الألعاب أكبر بكثير من تلك التي يمكن أن تلحق بموظفي اللجنة الأوليمبية الدولية.
ثم إنه قبل يومين من افتتاح الألعاب، عقدت اللجنة الأوليمبية الدولية أول اجتماع حضوري منذ مطلع العام الماضي تغيّب عنه 16 من أعضائها، ولكن رئيس الوزراء الياباني يوشيهيدي سوغا حضره، وقال معلقاً: «سنظهر للعالم أن اليابان قادرة على استضافة ألعاب أوليمبية آمنة». ومن جانبه، اعترف رئيس اللجنة الأوليمبية الدولية توماس باخ الذي رفع لواء التفاؤل والإصرار على تنظيم الألعاب في موعدها، بأن الشكوك كانت تساوره كل يوم. وقال: «مرّت أيام عديدة لم نعرف فيها طعم النوم خوفاً مما قد تحمله لنا الجائحة من مفاجآت في اليوم التالي، غير أن إلغاء الألعاب أو تأجيلها لم يخطر في بالنا ولو للحظة واحدة».


مقالات ذات صلة

أولمبياد 2026: خروج الأميركية ليندساي فون بعد سقوطها في نهائي الانحدار

رياضة عالمية نُقلت فون جواً بعد تعرضها لحادث خلال سباق التزلج الألبي النسائي (أ.ب)

أولمبياد 2026: خروج الأميركية ليندساي فون بعد سقوطها في نهائي الانحدار

خرجت الأميركية ليندساي فون خالية الوفاض من سباق الانحدار، الأحد، في أولمبياد ميلانو-كورتينا، بسقوطها بعد أمتار قليلة على انطلاقها في النهائي.

«الشرق الأوسط» (ميلانو (إيطاليا))
رياضة عالمية يوهانس هوسفلوت كلايبو (أ.ف.ب)

الأولمبياد الشتوي: النرويجي كلايبو يحصد الذهبية السادسة في مسابقة «سكيثلون»

تُوِّج النرويجي يوهانس هوسفلوت كلايبو بالميدالية الذهبية السادسة في مسيرته الأولمبية، بعد فوزه بالسباق الافتتاحي لمنافسات التزلج للمسافات الطويلة للرجال.

«الشرق الأوسط» (تيسيرو (إيطاليا))
رياضة عالمية بريزي جونسون (رويترز)

«الأولمبياد الشتوي»: الأميركية بريزي جونسون تُحرز ذهبية التزلج على المنحدرات

أحرزت الأميركية بريزي جونسون لقبها الأولمبي الأول في ثاني مشاركة لها، بعد تتويجها بذهبية سباق الانحدار، الأحد، في أولمبياد ميلانو-كورتينا الذي شهد سقوطا مروّعا.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
رياضة عالمية رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني (إ.ب.أ)

ميلوني تصف مثيري الشغب في أولمبياد ميلانو بـ«أعداء إيطاليا»

انتقدت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني بشدة المتظاهرين الذين شاركوا في أعمال شغب بمدينة ميلانو تزامناً مع انطلاق دورة الألعاب الأولمبية الشتوية.

«الشرق الأوسط» (ميلانو )
رياضة عالمية الأميركي إيليا مالينين يؤدي عرضه خلال برنامج الفردي القصير للرجال ضمن منافسات التزلج الفني للفرق (د.ب.أ).

الأولمبياد الشتوي: الأميركي مالينين يحتل المركز الثاني في منافسات الرقص الحر

حلّ نجم التزلج الفني إيليا مالينين في المركز الثاني بمنافسات الرجال ضمن تصفيات الفرق في دورة الألعاب الأولمبية الشتوية المقامة حاليًا في ميلانو.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.