أوليمبياد «طوكيو 2020»... حيث يتجاوز الاهتمام حساب الميداليات

حدث رياضي عالمي في ظرف صحي استثنائي

أوليمبياد «طوكيو 2020»... حيث يتجاوز الاهتمام حساب الميداليات
TT

أوليمبياد «طوكيو 2020»... حيث يتجاوز الاهتمام حساب الميداليات

أوليمبياد «طوكيو 2020»... حيث يتجاوز الاهتمام حساب الميداليات

عندما نظّمت اليابان دورة الألعاب الأوليمبية في طوكيو عام 1964 أرادت لها أن تكون تكريساً لعودة إمبراطورية الشمس الطالعة إلى الأسرة الدولية بعد العزلة التي فرضتها الهزيمة المدوّية في الحرب العالمية الثانية. وعندما فازت طوكيو بتنظيم دورة الألعاب الأوليمبية الصيفية للعام الماضي، كان رهان القوة الاقتصادية الثالثة في العالم أن تكون هذه الألعاب مناسبة للاحتفال بنهوض اليابان من الكارثة المثلّثة التي ضربت فوكوشيما قبل عشر سنوات وخلّفت ما يزيد على 20 ألف قتيل، عندما تعرّضت المدينة الشمالية والمحافظة التي تحمل اسمها، لزلزال مدمّر عقبه «تسونامي» (مد بحري زلزالي) وانتهى بأسوأ حادث تسرّب نووي في العالم منذ ثلاثين سنة.
لكن عندما ارتفع الستار عن «طوكيو 2020» يوم أمس، كان رئيس الوزراء الياباني يوشيهيدي سوغا يدرك جيّداً أن هذه الألعاب التي أصرّ على تنظيمها رغم معارضة ما يزيد على 85 في المائة من مواطنيه، قد تكون رصاصة الرحمة لحكومته، خصوصاً إذا تسبّبت في موجة وبائية جديدة أو ظهور متحوّر فيروسي جديد، وبعدما اتسّعت دائرة المطالبين بإلغائها أو تأجيلها لتشمل نقابات الأطباء والممرضين وعدداً من الشركات الكبرى التي تموّل الألعاب بإعلاناتها، حتى إن الإمبراطور ناروهيتو بذاته أعرب عن قلقه من تنظيمها في الظروف الصحية الراهنة.
الرهان الذي قرّر رئيس الوزراء الياباني يوشيهيدي سوغا المضي فيه بتنظيم الألعاب الأوليمبية «طوكيو 2020» - المؤجلة سنة عن موعدها الأصلي بسبب جائحة «كوفيد - 19» - يحمل مجازفة كبيرة على بعد أشهر قليلة من الانتخابات العامة، وهي انتخابات يلزمه الدستور الدعوة لإجرائها في موعد لا يتجاوز أكتوبر (تشرين الأول) المقبل. وهذه مجازفة باتت تحمل كل عناصر الخسارة بعدما قررت اللجنة المنظّمة إجراءها من دون جمهور إثر إعلان حالة الطوارئ الرابعة في العاصمة طوكيو.
- سباق مع الصين
لا شك في أن من ضمن الأسباب التي دفعت بقوة في اتجاه الإصرار على رفض تأجيل هذه الألعاب للمرة الثانية أو إلغائها، أن الصين، الجار اللدود والغريم التاريخي لليابان، ستنظّم هي دورة الألعاب الأوليمبية الشتوية في بكين العام المقبل. بل ستنظم تلك المناسبة وهي في ذروة صعودها المتوّج بسيطرتها على الفيروس الذي وضع الاقتصاد العالمي في حال من الغيبوبة. وللعلم، تفيد آخر التحليلات بأن القيود الصارمة التي فرضتها حالة الطوارئ قلّصت هامش المكاسب الاقتصادية التي يمكن أن تحققها اليابان من هذه الألعاب، ووسّعت دائرة الخسائر المرتقبة.
في أي حال، الرهان على أن تكون هذه الألعاب بداية النهضة من التداعيات المدمرة للجائحة لم يكن يابانياً فحسب، بل كان العالم يعقد الآمال في أن تكون أيضاً إعلاناً للنصر على الفيروس القاتل الذي جمّد النشاط الاقتصادي والحركة الاجتماعية في أرجاء المعمورة. إلا أن رياح الأزمة الصحية لم تجرِ كما كانت تشتهي السفينة اليابانية التي يحبس ربّانها أنفاسه خشية أن يتحوّل هذا الموعد الرياضي الكبير إلى بؤرة وبائية تفجّر موجة خامسة تقضي على احتمالات النهوض من الكارثة وتغرق البلاد في مرحلة جديدة من الركود.
وفي سياق متصل، تفيد دراسة وضعها الخبير الاقتصادي الياباني المعروف توشيهيرو ناغاهاما، الذي يدير معهد البحوث التابع لجامعة الأمم المتحدة التي تتخذ من طوكيو مقرّاً لها، بأن إعلان حالة الطوارئ الرابعة في العاصمة اليابانية وتمديدها في المحافظات الجنوبية للبلاد مثل أوكيناوا، من شأنه أن يلحق خسائر تزيد على 2.3 مليار دولار بسبب من القيود الصارمة على التنقّل والتجمّع وتراجع الاستهلاك.
- بين الاقتصاد والصحة
كذلك، في دراسة أجرتها مؤسسة «دايوا» للأبحاث الاقتصادية والاجتماعية قبل إعلان حالة الطوارئ الأخيرة، وما ترتّب عنها من قيود وتدابير، قدّرت أن المكاسب الاقتصادية التي ستنشأ عن الألعاب تزيد على 500 مليار ين ياباني، منها 70 مليار تنفقها البعثات الرياضية والجمهور، بجانب ضعفي هذا المبلغ من الأسر التي تتابع الألعاب عن بعد. ولكن مع التدابير الأخيرة، وما سبقها من غموض حول مصير الألعاب، لن يسهم هذا الحدث الرياضي الكبير في إنعاش الاقتصاد الياباني سوى بنسبة ضئيلة. لا بل قد يؤدي إلى انتكاسة كبيرة في حال ظهور موجة وبائية كبيرة تدفع الحكومة إلى فرض قيود جديدة، مع العلم أن حملة التلقيح لا تزال تسير ببطء شديد، إذ إنها لم تتجاوز 15 في المائة من مجموع السكان الذين يزيدون على 120 مليون نسمة.
وعلى غرار القوى الاقتصادية الكبرى، باستثناء الصين، تراجع إجمالي الناتج القومي في اليابان بنسبة وصلت إلى 4.8 في المائة العام الماضي، وتجاوزت 4 في المائة في الفصل الأول من هذا العام. وتجدر الإشارة إلى أن الاقتصاد الياباني كان دخل في مرحلة ركود تقني مطلع العام الماضي بسبب من إعصار «هاغيبيس» الذي ضرب مناطق واسعة من البلاد وأجبر الحكومة على زيادة الضريبة الاستهلاكية بنسبة 3 في المائة. وكانت الحكومة قد أقرّت في العام الماضي حزمة ضخمة من المساعدات والمحفّزات الاقتصادية بقيمة تعادل 102 مليار دولار أميركي أدّت إلى زيادة الدين العام، ليصل إلى 257 في المائة من إجمالي الناتج المحلي، وهي أعلى نسبة بين البلدان الصناعية.
من جهة ثانية، تفيد صحيفة «نيكاي» بأن الحكومة اليابانية تعتزم إقرار دفعة جديدة من المحفّزات قبل الدعوة إلى إجراء الانتخابات العامة في الخريف المقبل. وهنا، تجدر الإشارة إلى أن كل التقديرات تشير إلى أن بوادر انتعاش الاقتصاد الياباني - في حال حدوثه - لن تظهر قبل نهاية العام الجاري، وهذا، شريطة أن تكون حملة التلقيح قد تقدّمت ولم تظهر موجة وبائية خامسة واستعاد الاستهلاك المحلي وتيرته المعتادة. أما «منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية» فتتوقع أن ينمو الاقتصاد الياباني هذه السنة بنسبة 2.6 في المائة، وأن يعود إجمالي الناتج المحلي مطلع العام المقبل إلى المستوى الذي كان عليه قبل الجائحة.
- تفاؤل رغم المشاكل
في هذه الأثناء، يرى بعض المحللين أن ثمّة مؤشرات واضحة تدفع إلى التفاؤل بإمكانات انتعاش الاقتصاد الياباني في القريب المنظور، أبرزها التعافي السريع للاقتصاد الصيني وحزمة المحفزات الضخمة التي أقرتها الإدارة الأميركية. وفي هذا الإطار لا بد من التذكير بأن الصين - رغم التنافس السياسي - هي الشريك التجاري الأول لليابان بينما الولايات المتحدة حليفتها العسكرية والسياسية الكبرى. ويضاف إلى ما سبق أن الصادرات الصناعية اليابانية سجّلت أعلى ارتفاع منذ ثمانينات القرن الماضي، إذ زادت المبيعات إلى الصين بنسبة 49.9 في المائة، وإلى الولايات المتحدة بنسبة 87.9 في المائة. وكان المصرف المركزي الياباني قد أفاد في تقرير له مطلع الشهر الجاري بأن الشركات الكبرى تتوقع زيادة إنفاقها الرأسمالي بنسبة 9.6 في المائة خلال السنة المالية الجارية التي تنتهي في مارس (آذار) المقبل.
لكن رغم هذه المؤشرات الإيجابية لا يزال الاقتصاد الياباني يعاني من مشاكل هيكلية عميقة هي السبب الرئيسي في الركود الذي يصيبه منذ ثلاثة عقود. من هذه المشاكل: ارتفاع المتوسط العمري للسكان الذي يجعل من نظام التقاعد والخدمات الصحية العامة عبئاً ضخماً على الدين العام، والتأخير في «رقمنة» الإدارة والاقتصاد مقارنة بالبلدان الصناعية المتطورة، وتدنّي نسبة مشاركة المرأة في سوق العمل وانخفاض رواتبها مقارنة بالرجال. ويضاف إلى كل ذلك تدنّي مستوى الإنتاجية، خلافاً للاعتقاد الشائع، فلقد أفاد مركز الإنتاجية التابع لرئاسة الوزراء في اليابان بأن إنتاجية العامل الياباني تراجعت بنسبة 0.3 في المائة في غضون السنوات الخمس الماضية، حتى بلغت أدنى نسبة بين البلدان الصناعية السبع الكبرى في العالم.
ويرى خبراء أن التعديلات الجذرية التي فرضتها جائحة «كوفيد - 19» من شأنها أن تفتح الباب أمام تعديلات في سوق العمل كانت تبدو مستحيلة في السابق، مثل العمل عن بعد، ومرونة الجداول الزمنية في بلد تقوم فيه ثقافته العمالية على تقاليد الحضور والوجود في مكان العمل. ومن جانب آخر، يفيد استطلاع أجرته الإدارة المحلية في طوكيو بأن 25.1 في المائة فقط من الشركات الموجودة في العاصمة كانت تسمح بالعمل عن بعد في صيف عام 2019، ولكن في أبريل (نيسان) الماضي، كانت هذه النسبة قد ارتفعت إلى 57 في المائة.
أما على صعيد النمو، فإن الحكومة اليابانية كانت قد حددت في استراتيجية النمو للسنوات الخمس المقبلة إنهاء استخدام الكربون بحلول عام 2050. وبالتالي، خصصت حزمة ضخمة من المحفّزات والمساعدات للتشجيع على الابتكار البيئي والتحوّل الرقمي وتطوير استخدام الذكاء الصناعي في القطاعات الإدارية والإنتاجية. ومن المحاور الأساسية لهذه الاستراتيجية تعزيز الأمن الاقتصادي القومي الذي يتأثر بنسبة عالية بالعلاقة الاقتصادية العميقة مع الصين والروابط الأمنية الوثيقة مع الولايات المتحدة، وذلك في ضوء التوتر المتصاعد الذي تشهده العلاقات بين واشنطن وبكين.
وكانت الجائحة قد كشفت، فعلياً، مواطن الضعف في سلسلة توريد المكّونات الأساسية للصناعة الرقمية المتطورة واعتمادها بنسبة عالية على السوقين الصينية والأميركية في إمدادات قطاعات حسّاسة مثل صناعة البطاريات والمعدّات الطبية المتطورة. وضمن هذا الإطار، تفيد تقارير حكومية بأن حصة اليابان من السوق العالمية للشرائح الإلكترونية انخفضت إلى 10 في المائة فقط في عام 2019 بعدما كانت قد وصلت إلى نصف المبيعات العالمية في عام 1988. وحالياً، تلجأ الشركات اليابانية إلى الاستيراد في السوق العالمية للشرائح الإلكترونية لتغطية 65 في المائة من احتياجاتها.
- الصحة تظل الهم الأول
لكن هذه الاستحقاقات والإصلاحات تبقى مرهونة إلى حد كبير بالسيطرة على الأزمة الصحية التي تتصدر هموم الحكومة اليابانية وأولوياتها، وأيضاً بالمستقبل السياسي لرئيس الوزراء سوغا، الذي سيترشّح مجدداً لرئاسة حزبه المحافظ، الحزب الديمقراطي الحر، خلال سبتمبر (أيلول) المقبل، وهو في أدنى مستويات شعبيته، وللتذكير، فإن الانتخابات العامة ستجرى قبل نهاية أكتوبر (تشرين الأول) عندما تنتهي ولاية أعضاء مجلس النواب، وقبل صيف العام المقبل عندما تنتهي ولاية أعضاء مجلس الشيوخ.
وحول هذا الأمر، قال ياشوهيدي ياهيما، مدير «المعهد المستقل للدراسات الاستراتيجية» في طوكيو خلال ندوة عبر الفيديو مع الصحافة الأجنبية المعتمدة لتغطية الألعاب الأوليمبية: «إن الهدف الأساسي لرئيس الحكومة هو ضمان بقاء إدارته في الأمد الطويل. وبالتالي، فهو لن يقدم في المرحلة الراهنة على إجراء أي إصلاحات اقتصادية من شأنها أن تؤثر على شعبيته المتدهورة، تاركاً القرارات الصعبة والمؤلمة إلى نهاية العام المقبل». وتابع: «عندما يحين موعد الانتخابات العامة المقبلة في الخريف، ستكون حملة التلقيح قد بلغت التغطية المنشودة، وانتهت الألعاب الأوليمبية، التي إذا تكللت بالنجاح وإن لم تحقق مكاسب مالية ضخمة، تكون قد جعلت من اليابان رائداً في تنظيم حدث عالمي ضخم في مثل هذه الأزمة غير المسبوقة».
غير أنه، مهما كانت التوقعات والتقديرات حول التداعيات الاقتصادية لهذه الألعاب، تبقى كل الرهانات معقودة بتطورات المشهد الوبائي حتى يوم اختتام الأوليمبياد في التاسع من الشهر المقبل. ومن ثم، وكيف سيكون هذا المشهد بعد أسبوعين من ذلك التاريخ عندما تنتهي ألعاب ذوي الاحتياجات الخاصة، وتكون التداعيات الصحية للألعاب قد ظهرت في صورتها النهائية.
- الشك غير المسبوق
في الواقع، لم يحصل في تاريخ الألعاب الأوليمبية الحديثة أن بقي انعقادها موضع شك وترجيح حتى أيام قبل موعد افتتاحها. ورغم كل الإجراءات اللوجيستية والأمنية الضخمة التي اتخذتها اللجنة المنظمة والسلطات اليابانية، والموارد غير المسبوقة التي وضعتها اللجنة الأوليمبية الدولية لضمان صحة المشاركين وسلامتهم في هذه الألعاب والإداريين والفنيين المشرفين على تنظيمها، يسود شعور غريب في أوساط الرياضيين المحرومين من التواصل بين بعضهم ومع جماهير المشجعين... الذين سيكتفون بمتابعتها على شاشات التلفزيون في منازلهم.
وبالطبع، يبقى القلق الأكبر من أن تتحوّل هذه الألعاب إلى بؤرة وبائية كبيرة، ليس فقط في طوكيو واليابان، بل أيضاً على الصعيد العالمي عندما يعود آلاف الرياضيين إلى بلدانهم بعد نهايتها. والحقيقة أن ثمة علامات استفهام وتساؤلات كثيرة تطرحها هذه المناسبة الأوليمبية التي تستضيفها طوكيو للمرة الثانية، ولا تعرف إن كانت ستخرج منها ظافرة أو مهزومة في أصعب اختبار تواجهه منذ عقود.
نعم العالم كله سيتابع هذا الموعد الرياضي الكبير محبوس الأنفاس، ولكن ليس لمعرفة مَن سيحطّم الأرقام القياسية المستحيلة هذه المرة... بقدر اهتمامه بمعرفة ما إذا كانت هذه الألعاب سنكون بداية الانتصار على جائحة «كوفيد - 19»... أم تكريساً لشروط التعايش معه.
- انتقاد صريح لتنظيم الألعاب من العلماء والخبراء الغربيين
> قبل موعد افتتاح أوليمبياد «طوكيو 2020» بثلاثة أسابيع، نشرت مجلة مجموعة من العلماء والخبراء الأميركيين والأوروبيين مقالة مطوّلة في مجلة «نيو إنغلند» الطبية المرموقة انتقدت فيها بشدّة التدابير والتعليمات التي تضمّنها الدليل الإجرائي للألعاب الذي وضعته اللجنة الأوليمبية الدولية بالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، والذي يفترض بجميع الرياضيين والإداريين الامتثال لها لمنع انتشار الجائحة.
لقد حذّرت المقالة من أن تلك التدابير والتعليمات غير كافية، وغالباً ما تستند إلى بيانات علمية لم تعد صالحة أو لا يعتدّ بها. وأردفت أن هذه التظاهرة الرياضية العالمية تشكّل خطراً عالياً جداً لتفشي الفيروس لكونها تتجاهل القواعد العلمية الأساسية.
آنّي سبارو، الخبيرة في الصحة العالمية والمشرفة على المقالة المذكورة قالت شارحةً: «ليس من الصعب تنظيم ألعاب أوليمبية آمنة وفقاً للقواعد الطبية الأساسية. بيد أن هذا ما تجاهلته اللجنة الأوليمبية الدولية، وأنا أخشى أن يكون قد فات الأوان لتصويب الخطأ». ثم تضيف سبارّو أن منظمة الصحة العالمية تجاهلت طلب الأوساط العلمية عقد اجتماعات دورية للجنة الطوارئ التابعة للمنظمة قبل افتتاح الألعاب، على غرار ما فعلت في عام 2016 قبل دورة ريو دي جانيرو إبان انتشار فيروس «زيكا».
أما رجل الأعمال الياباني البارز هيروشي ميكيتاني، صاحب أكبر موقع للتجارة الإلكترونية، وأحد أشدّ المنتقدين لتنظيم الألعاب، فقد اعتبر أن إجراء الألعاب في هذه الظروف ليس إلا «مهمة انتحارية». بينما كانت الشركات الكبرى تحذّر من أن الخسارة التي قد تُمنى بها اليابان من تنظيم الألعاب أكبر بكثير من تلك التي يمكن أن تلحق بموظفي اللجنة الأوليمبية الدولية.
ثم إنه قبل يومين من افتتاح الألعاب، عقدت اللجنة الأوليمبية الدولية أول اجتماع حضوري منذ مطلع العام الماضي تغيّب عنه 16 من أعضائها، ولكن رئيس الوزراء الياباني يوشيهيدي سوغا حضره، وقال معلقاً: «سنظهر للعالم أن اليابان قادرة على استضافة ألعاب أوليمبية آمنة». ومن جانبه، اعترف رئيس اللجنة الأوليمبية الدولية توماس باخ الذي رفع لواء التفاؤل والإصرار على تنظيم الألعاب في موعدها، بأن الشكوك كانت تساوره كل يوم. وقال: «مرّت أيام عديدة لم نعرف فيها طعم النوم خوفاً مما قد تحمله لنا الجائحة من مفاجآت في اليوم التالي، غير أن إلغاء الألعاب أو تأجيلها لم يخطر في بالنا ولو للحظة واحدة».


مقالات ذات صلة

انسحاب البطلة الأولمبية هيزلي ريفيرا من بطولة العالم للجمباز

رياضة عالمية هيزلي ريفيرا خارج مونديال الجمباز للإصابة (أ.ب)

انسحاب البطلة الأولمبية هيزلي ريفيرا من بطولة العالم للجمباز

سيضطر المنتخب الأميركي للسيدات للجمباز إلى خوض منافسات بطولة العالم دون مشاركة هيزلي ريفيرا.

«الشرق الأوسط» (روتردام (هولندا))
رياضة عالمية أعرب الاتحاد الدولي للجمباز عن أسفه لما وصفه بـ«حالة الارتباك» التي سبقت انطلاق بطولة العالم للجمباز (رويترز)

الاتحاد الدولي للجمباز يأسف لرفض منح 3 لاعبات روسيات تأشيرات دخول إلى هولندا

أعرب الاتحاد الدولي للجمباز عن أسفه لما وصفه بـ«حالة الارتباك» التي سبقت انطلاق بطولة العالم للجمباز الفني، المقرر إقامتها بعد غد السبت.

«الشرق الأوسط» (روتردام )
رياضة عالمية العداءة الهولندية سيفان حسن (رويترز)

الإصابة والمرض يحرمان سيفان حسن من ماراثون نيويورك

أعلنت العداءة الهولندية سيفان حسن، البطلة الأولمبية في سباق الماراثون، الأربعاء، انسحابها من ماراثون نيويورك، بعد تعرض استعداداتها لانتكاسة جديدة.

«الشرق الأوسط» (أمستردام)
رياضة عالمية الرئيسة التنفيذية لـ«أولمبياد بريزبين 2032» تغادر منصبها هذا العام (رويترز)

الرئيسة التنفيذية لـ«أولمبياد بريزبين 2032» تغادر منصبها هذا العام

تعتزم سيندي هوك التنحي عن منصبها رئيسةً تنفيذيةً للجنة المنظمة «أولمبياد بريزبين 2032»، عند انتهاء عقدها، الذي يمتد 4 سنوات، هذا العام...

«الشرق الأوسط» (بريزبين (أستراليا))
رياضة عالمية إيليود كيبتشوغي (أ.ب)

الأسطورة الكينية كيبتشوغي يفوز بأول ماراثون منذ 3 أعوام

فاز الأسطورة الكينية إيليود كيبتشوغي، المُتوَّج بذهبيَّتين أولمبيَّتين، بأول سباق ماراثون له منذ 3 أعوام، بعدما أحرز المركز الأول في ملبورن الأحد.

«الشرق الأوسط» (ملبورن)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين. وفي حين أكد الحزب أنه «يعمل على برنامج خاص بهذا الملف متى توافرت الإمكانات المالية»، برزت في المقابل مواقف نيابية معارضة رأت في هذا الطرح إقراراً بعجز الحزب عن تحمّل الأعباء، وربطت أي معالجة مستدامة بإعادة الملف كاملاً إلى الدولة وحصر السلاح بيدها. يأتي هذا السجال في ظل استمرار معاناة متضررين ونازحين من الحرب، وفي وقت لم تتبلور فيه بعد آلية شاملة لتمويل إعادة الإعمار، وسط نقاش سياسي يتجاوز مسألة تأمين الأموال إلى تحديد المسؤوليات وشروط مساهمة الدولة والجهات المانحة.

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله يغادر البرلمان اللبناني وسط بيروت 14 يونيو 2023 (رويترز)

تكشف أرقام جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» عن أن ملف إعادة الإعمار والإيواء في لبنان لا يرتبط بأضرار حرب 2026 وحدها، بل يأتي فوق خسائر حرب 2024 التي لم يكن لبنان قد انتهى من معالجتها. ففي عام 2024، بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 6.8 مليار دولار أميركي، بينها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن، في حين قُدِّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، قبل أن تضيف الحرب الجديدة أضراراً واسعة إلى المباني والمساكن والبنى التحتية.

في الواقع، لا تتوافر حتى الآن حصيلة وطنية نهائية لتكلفة أضرار حرب 2026 أو احتياجات إعادة الإعمار، في ظل استمرار العمليات وتأخر اكتمال التقييمات. غير أن الأرقام المرحلية التي جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» تُظهِر أن الأضرار المباشرة في المباني تجاوزت، حتى شهر أبريل (نيسان) 2026، نحو 1.745 مليار دولار في جنوب لبنان وبيروت وجبل لبنان، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في الجنوب وحده، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان. وهذه أرقام جزئية لا تمثل التكلفة النهائية للحرب، ومن ثم، لا يمكن مقارنتها مباشرة بالتقييم الوطني الشامل لأضرار 2024.

أكثر من 21 ألف وحدة سكنية مُدمَّرة

تتبيّن خطورة الأزمة بصورة أوضح في القطاع السكني. إذ بلغ عدد المباني المدمّرة بالكامل 11 ألفاً و95 مبنى في المنطقة جنوبي نهر الليطاني، إضافة إلى 146 مبنى في بيروت وجبل لبنان. كذلك أظهرت التقييمات تدمير 17 ألفاً و891 وحدة سكنية بالكامل في جنوب لبنان، و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، بما يزيد على 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن المناطق التي شملتها التقييمات حتى تلك المرحلة.

وتترافق هذه الخسائر مع كمّيات ضخمة من الرّكام، بلغت نحو 3.1 مليون متر مكعب في جنوب لبنان ونحو 649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان. ويعني ذلك أن العودة لا ترتبط بإعادة بناء المنازل فحسب؛ إذ ستحتاج مناطق واسعة أولاً إلى إزالة الركام وتأهيل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، قبل أن يصبح من الممكن إعادة السكان إليها بصورة مستقرة.

النزوح يوسّع أزمة الإيواء

ويتقاطع الدمار السكني هذا مع أزمة إيواء ونزوح واسعة. إذ وفق البيانات الدولية، نزح نحو مليون شخص داخلياً في بداية التصعيد، في حين عبر نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من شهر سبتمبر (أيلول) 2026، بقي 329 ألفاً و240 شخصاً في حالة نزوح داخلي؛ الأمر الذي يعكس استمرار الحاجة إلى حلول إيواء مؤقتة ومتوسطة الأجل، ولا سيما للعائلات التي دمّرت منازلها أو باتت بلداتها تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العودة.

بلغ عدد المباني المُدمّرة بالكامل

11 ألفاً و95 مبنى

في المنطقة جنوبي نهر الليطاني

عودة إلى الأصل أي... الدولة

في هذا السياق، طرح الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم التزام الحزب بالمساهمة في تأمين الإيواء والإعمار للمتضرّرين في الجنوب، إلى جانب حثّ الدولة على القيام بدورها، وقال إن الحزب «سيعلن قريباً عن مساهمته في مشروع للإيواء».

إلا أن النائب إبراهيم منيمنة قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» معلّقاً إن «(حزب الله)، على مدى سنوات، كان يأخذ رصيد الحكومة ويجيّره لنفسه». وأشار إلى أنه «في عام 2006 كانت الدول العربية تؤمّن القسم الأكبر من التمويل، لكن (حزب الله) استغل بعض الثغرات في أداء الدولة وحاول أن يحوّل هذا الرصيد لنفسه». وأردف منيمنة: «أما الآن، فيعود إلى الأصل، وهو الدولة. الدولة هي التي ستقوم بإعادة الإعمار... وهذا اعتراف من الحزب بأنه لن يقدر على الاستغلال».

منيمنة، وهو من نواب بيروت، توقّف أيضاً عند كلام النائب حسن فضل الله - أحد نواب «حزب الله» ومنطقة الجنوب - عن أن الدولة لديها الأموال، فقال: «المفارقة عندما يقول (فضل الله) إن الدولة لديها المال، وكأنه يحاول أن يتّهم هذه الدولة بأنها لا تقوم بواجباتها في هذا الموضوع، فيما هو يعلم أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وهم أي الحزب ممثلون في الحكومة، وبالتالي فإن كلام الحزب غير دقيق وشعبوي».

وتابع منيمنة: «مَن يريد اليوم أن يضع ملف إعادة الإعمار، فعليه أن يدخل أولاً إلى الحكومة ويناقشه فيها، وأن ينفّذ قرارات الحكومة، أو الدولة، المتعلّقة بحصر السلاح. هذه أول خطوة حتى تكون مدخلاً إلى إعادة الإعمار».

جدير بالذكر، أن النائب فضل الله، كان في وقت سابق قد شدّد على أنه «عندما يكون هناك حكومة في لبنان، فهي المسؤولة عن شعبها وعن كل مواطن على أرضها مهما كانت أسباب الحرب، سواء كنّا معها أو معارضة لها، علماً أن لديها الإمكانات والقدرات المالية والاقتصادية».

وأضاف: «وبدل أن تصرف هذه الإمكانات في مواضع في غير أماكنها، يمكنها أن تُسخّر جزءاً من الإمكانات لموضوع إعادة الإعمار والإيواء ولدعم النازحين. وهذه مسؤولية أساسية على الحكومة، ومهما كان الخلاف معها، سنحمّلها المسؤولية، ونحن نعمل من خلالها والمجلس النيابي، لتوفير ما أمكن من موارد مالية لأجل هذا الملف».

في المقابل، أوضح منيمنة أن «التردّد في إعادة الإعمار ليس لأن الدولة لا تقوم بواجباتها»، واستطرد: «أولاً، الدول المانحة التي ستساعد على الإعمار ليست مستعدة لأن تضع أموالاً ثم تحصل حرب جديدة. ومن ناحية ثانية، النقاش حول حصر السلاح لم ينتهِ ولم يُحسم هذا الموضوع... بالتالي، هذا الكلام، ولو أن فيه اعترافاً ضمنياً بدور الدولة، فهو في الدرجة الأساسية كلام منقوص»، موضحاً أن «هناك مسؤولية على (حزب الله) بأن يدخل فعلاً إلى الدولة من خلال ملف حصر السلاح».

وعن مسؤولية «حزب الله» تجاه تعويض المتضررين، قال منيمنة: «برأيي، هو أساساً في هذا المجال لم يفِ بوعوده، والناس في حالة تذمّر لأنه لا يوجد تمويل، حتى لأعمال الإيواء، خصوصاً للناس الذين ما زالوا مهجرين... وواضح أن (حزب الله) غير قادر اليوم على القيام بهذا الملف، وبما أنه لم يعد قادراً، فقد تخلّى عنه».

الحكومة مسؤولة عن شعبها

وفي موازاة ذلك، يتردد في أوساط داخل بيئة «حزب الله» أن الحزب يعد خلال الفترة القريبة المقبلة لتقديم مساعدة نقدية للمتضرّرين، تُطرح على أنها «هدية تعويض»، من دون أن يصدر حتى الآن إعلان رسمي يحدد قيمتها أو الفئات التي ستشملها أو موعد بدء توزيعها.

وكان واضحاً في تصريح نعيم قاسم الأخير أن الحزب «سيسهِم»؛ ما يعني أنه لن يكون المموّل، بل ينتظر الدولة التي قاله إنه لن يتوقّف عن حثّها على إعادة الإعمار.

في سياق متصل، يتقاطع موقف النائب مارك ضو، النائب عن جبل لبنان، مع قراءة منيمنة لانتقال الحزب إلى التعويل على الدولة؛ إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تحميل «حزب الله» الحكومة مسؤولية ملف إعادة الإعمار «يشكّل تأكيداً على عجزه»، معتبراً أن انتقاله إلى التعويل الكامل على الدولة يعكس عجزه عن تحمّل تبعات ما حصل.

وأضاف ضو: «عندما يصبح كل الاتكال على الحكومة، ويقال إن الاعتماد الآن عليها، فهذا تأكيد واضح على العجز». وتابع: «هو (أي حزب الله) يطالب الدولة والحكومة بتحمّل مسؤولية إعادة الإعمار، في حين أنه لا يتعامل معهما على هذا الأساس في ممارسته السياسية... والنتيجة، أنه يريد من الدولة أن تتولّى إعادة إعمار ما نتج عن أخطائه وأفعاله».

مسارات أخرى قبل تحميل الخزينة التكلفة

بدوره، قال النائب أديب عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) يتنصّل من مسؤوليته في ملف إعادة الإعمار، ويحاول تحميل الدولة واللبنانيين تبعات حرب كان هو سببا أساسياً في اندلاعها»، معتبراً أن أمام الحزب أكثر من مسار لمعالجة هذا الملف بدلاً من مطالبة الدولة بتحمل التكلفة كاملة.

وقال عبد المسيح، وهو من نواب شمال لبنان: «(حزب الله) ممثل في الحكومة بوزيرين، فليتفضّل وزيراه ويطالبا بقرار حكومي لإعادة الإعمار، وليحاولا تأمين إجماع حكومي على هذا الموضوع. إذا كانا قادرين على ذلك، فليفعلا».

ثم أضاف: «إذا لم يتمكّن الحزب من تأمين إجماع الحكومة على إعادة الإعمار، فهناك مسارات أخرى. أولاً، عليه أن يتحمّل مسؤوليته؛ لأنه هو من ورّط لبنان وفتح النار على إسرائيل وتسبب بهذه الحرب. وثانياً، لديه الإيرانيون، ويمكن لوزير الخارجية أن يتحرّك للمطالبة بتعويضات من الدولة الإيرانية عن الأضرار، باعتبار أن (الحرس الثوري) الإيراني حاضر على الأراضي اللبنانية عبر دعمه للحزب».

وتابع عبد المسيح: «هناك أيضاً إسرائيل، وهي المسبّب المباشر للدمار. يمكن اللجوء إلى المسارات والمحاكم الدولية للمطالبة بالحقوق والتعويضات، وعند تحصيلها تُستخدم في إعادة إعمار الجنوب. هذه حلول عملية يمكن العمل عليها».

وشدّد النائب عبد المسيح على رفضه أن تتحمّل الخزينة اللبنانية وحدها تكلفة إعادة الإعمار، قائلاً: «أما أن تتحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية في النهاية، وأن تأخذ الضرائب من الناس، فأنا أدفع وأنت لإعادة إعمار الجنوب، فهذا لن يحدث أبداً».

ورأى أن الحزب «يتنصّل» من مسؤوليته؛ إذ «يبدأ اليوم بالمطالبات والتحركات، وقد تتحول غداً تحركات في الشارع ضد الحكومة أو ضد الجيش، بحيث يحاول، بدلاً من أن يتحمل المسؤولية، أن يحملها لغيره... هذا أمر واضح مائة في المائة. يبدأ الأمر بهذه المطالبات، ثم يجري تنظيم التحرّكات على الموجة نفسها، في محاولة للظهور كجزء من المعارضة والمطالبة بحقوق شبيهة بحقوق موظفي الدولة أو سائر اللبنانيين، في حين كان الحزب أساسياً في هذه الحرب، وليس مجرد طرف عادي فيها».

الحرب تقوّض الاقتصاد اللبناني

ختاماً، يأتي اتساع حاجات الإيواء والإعمار في وقت تراجعت قدرة الاقتصاد اللبناني والدولة على تحمل أعباء إضافية. إذ تشير الأرقام إلى توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المائة خلال 2026، في حين تضاف احتياجات الحرب الحالية إلى فاتورة إعادة إعمار 2024 المقدرة أصلاً بنحو 11 مليار دولار.بناءً عليه؛ لم يعد الملف مقتصراً على تعويض أصحاب المنازل المتضررة، بل صار يشمل تأمين الإيواء للنازحين، وإزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، وإعادة تأهيل الخدمات والبنى التحتية، ثم إعادة بناء آلاف المباني وأكثر من 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن نطاق التقييمات المُنجزة حتى الآن.


سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
TT

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام منافسها الديمقراطي تروي جاكسون. بعد نحو ثلاثة عقود في المجلس، تدافع كولينز (73 سنة) عن سجل طويل من الخدمات والتسويات، في حين يتساءل ناخبون اعتادوا تأييدها إن كان إخراج الجمهوريين من قيادة المجلس الطريق الأجدى لتقييد الرئيس دونالد ترمب؟ وبين الحسابين، تتجاوز المعركة مستقبلها الشخصي لتطرح سؤالاً أوسع: هل تكفي الثقة بالسياسي حين يفقد الناخب ثقته بالحزب الذي ينتمي إليه؟

كولينز المولودة في السابع من ديسمبر (كانون الأول) 1952 في كاريبو، أقصى شمال ماين، واحدة من ستة أبناء لعائلة ارتبط اسمها بتجارة الأخشاب والخدمة العامة. تولّى والدها ووالدتها رئاسة بلدية المدينة، وخدم الأب في المجلس التشريعي للولاية. هناك، قرب الحدود الكندية، تشكلت صلتها بمجتمع صغير يعرف ممثليه بأسمائهم ويحاسبهم على ما يقدمونه لحياته اليومية. لكن هذه الصلة تواجه اليوم اختباراً صعباً، مع تحول مقعدها ساحة صراع على الأغلبية، وعلى مكان الوسطيين في سياسة أميركية قد تصبح فيها هوية الحزب أهم من شخصية ممثله.

من بلدة كاريبو ...إلى واشنطن

تخرجت كولينز في جامعة سانت لورانس الصغيرة الراقية بريف ولاية نيويورك عام 1975، وبدأت العمل مع النائب الجمهوري وليام كوهين (وزير الدفاع فيما بعد)، ثم انتقلت معه إلى مجلس الشيوخ.

ولاحقاً، تولت كولينز مسؤولية التنظيم المهني والمالي في حكومة ماين، ثم إدارة المكتب الإقليمي لوكالة المشاريع الصغيرة بتعيين من الرئيس جورج بوش الأب. ثم عام 1996، انتُخبت لخلافة كوهين في مجلس الشيوخ، لتبدأ مسيرة جُددت أربع مرات. وهي متزوجة من توماس دافرون، وتقيم في مدينة بانغور بولاية ماين.

بيد أن هذه التفاصيل ليست مجرد محطات في سيرة ذاتية؛ إذ تكونت سياسياً داخل «التيار التقليدي» في الحزب الجمهوري، الذي يعوّل على الخبرة التشريعية واحترام المؤسسات والتفاوض مع الديمقراطيين لإنجاز التسويات. ولم تبنِ حضورها على الخطب الصاخبة أو «التعبئة» ضد واشنطن، بل على معرفة طرقها: كيف تُكتب التشريعات، وتُجمع الأصوات، وتُنتزع المخصّصات لولاية صغيرة.

وحقاً، تلخص كولينز خلال لقاء مع الـ«واشنطن بوست»، هذه النظرة بقولها: «هناك من يعملون، وهناك من يستعرضون»، واضعة نفسها في الفئة الأولى. ثم تقول إن خطاباً نارياً يرفع شعبية صاحبه على وسائل التواصل الاجتماعي لا يغير بالضرورة النتيجة. وهذه حجة شخصية عامة مخضرمة في زمن يكافئ المواجهة العلنية، وأحياناً يعتبر التفاوض والمساومة بعيداً عن الكاميرات ضعفاً.

غير أن تداخل الأسرة والمهنة والمؤسسة، الذي منحها جذوراً وثباتاً، يسمح لخصومها أيضاً بتصويرها ممثلة لطبقة سياسية استقرت طويلاً في السلطة. فالأقدمية في حملتها رصيد يحمي مصالح ولايتها، لكنها في حملة منافسها جاكسون تطرح سؤالاً عمّا إذا كانت الخبرة ما زالت تنتج تغييراً يشعر به الناس.

استقلالية قيد المحاكمة

والواقع، أنه يصعب اعتبار كولينز «تابعاً» لترمب؛ إذ تقول حملتها إنها لم تصوّت له قط، بل كانت ضمن الجمهوريين الذين أيّدوا محاولة عزله الثانية عام 2021. كذلك خالفت إدارته في تصويتات مهمة، بينها رفض تعيين بيت هيغسيث وزيراً للحرب، ورفض النسخة النهائية من تشريع الضرائب والإنفاق الكبير عام 2025. ولها أيضاً سجلٌ يتجاوز الاعتراض؛ فقد قادت مع السيناتور جو مانشين - الذي كان آنذاك من أبرز الديمقراطيين اليمينيين قبل مغادرته الحزب -، مساراً مشتركاً لتعديل قانون فرز الأصوات الانتخابية. وأقرّ التعديل عام 2022 لمعالجة ثغرات كشفت عنها أزمة انتقال السلطة، إثر رفض ترمب الإقرار بهزيمته أمام جو بايدن وترويجه ادعاءات بتزوير انتخابات 2020. وهذه وظيفة مؤسساتية للوسط: تحويل الخلاف إلى قواعد يمكن أن يقبلها الطرفان.

لكن منتقديها يميّزون بين مخالفة الرئيس ومنعه. ووفق تحليل في الـ«نيويورك تايمز»، فإنها تعارض سياساته في التصويت أكثر من سائر الجمهوريين، لكن معارضتها نادراً ما تبدّل النتيجة. وهنا تنتقل المحاكمة من النيات إلى الفعل... فما معنى الاستقلالية إذا بقيت الإدارة قادرة على تنفيذ ما تعترض عليه؟

وتظل قضية الإجهاض الجرح الأعمق في تقييمها. فكولينز تؤيد حقوق الإجهاض، لكنها دعمت تثبيت القاضي المحافظ بريت كافانو عام 2018، قبل أن يشارك في قرار المحكمة العليا الذي ألغى الحماية الدستورية الفيدرالية لهذا الحق عام 2022. ودفاعها المستمر عن ذلك التصويت يعيد فتح مسألة الثقة لدى ناخبين يرون أن تطميناتها لم تصمد أمام النتائج.

مع ذلك، ليس كل تصويت خاسر مسرحية سياسية، كما أن ليس كل اعتراض دليلاً كافياً على المقاومة. فالشيخ لا يملك منفرداً غالبية المجلس. أما السؤال المشروع، فهو ما إذا كانت كولينز تستخدم كامل نفوذها لفرض حدود على الإدارة، أم تكتفي بمسافة محسوبة تسمح لها بالبقاء داخل ائتلافها؟ حسب المنتقدين.

ترمب على مائدة الناخب

وبالفعل، تبدو هذه المناقشة أقل تجريداً في ماين، حيث تتقاطع السياسات الرئاسية مع فواتير التدفئة والتجارة والسياحة عبر الحدود. فالحرب مع إيران رفعت تكلفة الوقود، في حين وضعت الرسوم على كندا مصالح محلية أمام ضغوط إضافية. وباتت كولينز مطالبة بمعالجة أزمات تخلقها الإدارة التي ينتمي حزبها إليها.

وفي حين ضغطت لتسريع مساعدات التدفئة للأسر محدودة الدخل، وسعت إلى استثناء الملح الذي يُرش على الطرق في فصل الشتاء من الرسوم الجمركية، حوّل منافسها جاكسون، الحطّاب والرئيس السابق لمجلس شيوخ الولاية، إنجازها إلى عبارة هجومية مؤداها أن «سكان ماين لا يستطيعون أكل ملح الطرق»، في حرصه على نقل النقاش من الاستثناءات التي تنتزعها إلى السياسات التي تجعلها ضرورية.

وفي مناظرتهما الثالثة مساء الثلاثاء، برز مجدداً ملف الهجرة بعد مقتل مهاجر برصاص أحد عناصر إنفاذ قوانين الهجرة (أيس) في بلدة بيدفورد خلال يوليو (تموز). وأقرّت كولينز بأن الإدارة نشرت أعداداً كبيرة من العناصر من دون تدقيق مناسب في اختيارهم، في حين حمّلها جاكسون مسؤولية سياسية عن التمويل.

وفي ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها مسافة عن إدارته. لكن انتقالها من تأييد الحرب في البداية إلى دعم تقييد صلاحياته العسكرية يمنح خصمها فرصة للسؤال عن توقيت الاعتراض، لا عن وجوده وحده.

في المقابل، تهاجم كولينز سجلّ جاكسون التشريعي وتحمّله مسؤولية سياسات تقول إنها رفعت تكاليف الطاقة والسكن. وبالتالي، ما عادت المواجهة بين مرشحة بلا إنجازات وخصم بلا سجل، بل بين تفسيرين للغلاء وللجهة الأقدر على تخفيفه: نفوذ جمهوري داخل الإدارة، أم غالبية ديمقراطية تراقبها وتواجهها.

غالبية أم جسر؟

عام 2020، فازت كولينز بفارق نحو 9 نقاط مئوية، في حين خسر ترمب ولاية ماين بفارق مماثل. يومها استطاع الناخب أن يرفض الرئيس ويحتفظ بالسيناتورة على ورقة الاقتراع نفسها. أما الآن، فلا انتخابات رئاسية تتيح الفصل ذاته، بل أصبح مقعدها إحدى الأدوات المباشرة لمعاقبة البيت الأبيض.

وفي تحقيقات للـ«نيويورك تايمز» والـ«واشنطن بوست»، تلتقط شهادات الناخبين هذه النقلة، حيث لا ينكرون خدماتها ولا يشككون في كفاءتها، لكنهم يريدون ببساطة مجلساً يضع قيوداً على ترمب. في المقابل، لا يزال ديمقراطيون ومستقلون يعدّونها ممثلة موثوقة، ويرفضون التضحية بها لمجرد انتمائها الحزبي. من هنا، يرى البعض أن خسارتها قد تبدو ربحاً واضحاً للديمقراطيين في حساب المقاعد، لكنها تحمل احتمال خسارة شريكة تفاوض داخل الحزب الآخر. ولا تناقض حتمياً بين الأمرين: يستطيع الديمقراطي أن يقدّر دورها، ثم يرى أن تغيير الأغلبية أرجح كفة من الاحتفاظ بذلك الدور.

وبالمثل، لن يكون فوزها هزيمة صافية لترمب؛ فهو يحتفظ للجمهوريين بمقعد بالغ الأهمية، وربما يساعدهم على حماية الغالبية. لكنه سيبرهن أيضاً على أن الفوز في بعض الولايات يتطلب الابتعاد عن الرئيس، وأن الصيغة الجمهورية القابلة للتسويق وطنياً ليست بالضرورة الصيغة الأكثر ولاءً له.

وتزداد المفارقة مع رئاسة كولينز لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ. فهي تطلب من الناخب حماية نفوذ يصعب تعويضه سريعاً، في حين يردّ خصومها بأن النفوذ يقاس بما يمنعه أيضاً. وإذا استطاعت الإدارة تعطيل إنفاق أقره الكونغرس أو الالتفاف على أولوياته، تغدو قدرة كولينز على حماية صلاحيات الكونغرس في إقرار الإنفاق جزءاً من تقييم نفوذها نفسه.

بل حتى الطرفان اللذان يريدان حسم المعركة يجدان نفسيهما أمام حسابات متعارضة: فالجمهوريون يحتاجون إلى أصوات ناخبين ينفرون من زعيمهم، والديمقراطيون يحتاجون إلى إقناع ناخبين بأن إعجابهم بسيناتورة جمهورية لا ينبغي أن يتقدّم على تغيير اتجاه الحكم.

الوسط يبحث عن جدواه

بالتالي، لا تعني هذه المعركة أن الساحة خلت تماماً من الوسطيين، ولا أن الشعبوية احتكرت الحزبين بالقدر نفسه. كما أن الوسطية ليست مرادفاً دائماً للانتماء إلى المؤسسة. فقد يكون السياسي المخضرم شديد الحزبية، وقد يكون جديداً وقادراً على بناء تسويات. وجاكسون - نفسه الذي ينافس كولينز - يعقّد الثنائية المبسطة. فهو تقدمي طبقي، لكنه صاحب خبرة في قيادة مؤسسة تشريعية. ولذلك؛ لا يكفي وضعه في خانة الشعبوية ثم اعتبار هزيمة كولينز إذا حصلت، دليلاً تلقائياً على انتصار التطرف. فالاختبار الأهم هو ما سيقدمه الفائز من سياسات، وكيف سيتعامل مع حدود السلطة وخصومه.

مع ذلك، تكشف كولينز عن أزمة حقيقية في نموذج الوساطة القديم. فحين يُطالب الناخب بمنع قرار يمس حقوقه أو معيشته، لا تكفيه الإشارة إلى حوار مستمر مع صانعيه. بل يحتاج المعتدل إلى شرح الرابط بين قدرته على الوصول إلى المسؤولين وقدرته على تغيير ما يفعلونه، وإلّا بدت التسوية امتيازاً لأهل السياسة لا منفعة للمواطنين.

وفي صورة ساخرة من الحملة، وصل خطأً إعلان يهاجم جاكسون، موَّلته مجموعة جمهورية، إلى مدينة بورتلاند بولاية أوريغون بدلاً من مدينة بورتلاند في ماين. ثم صحح الخطأ وأعيدت الأموال، لكنه أتاح لخصوم كولينز التشكيك في اتصال حلفائها بالولاية. وهذه واقعة صغيرة في سباق يختبر صدقية القرب من الناس.

الأرجح، أن انتخابات ماين لن تحسم مصير الاعتدال الأميركي، لكنها ستكشف عن الشروط الجديدة لبقائه. فنجاة كولينز ستعني أن الرصيد الشخصي والخدمات والاستقلال النسبي ما زالت قادرة على مقاومة الاستقطاب. وخسارتها ستشير إلى أن ناخبين باتوا يفضّلون تغيير ميزان السلطة على الاحتفاظ بوسيط داخلها.


وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
TT

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن استقلاليته أمام قاعدته. ومن أبرز هؤلاء من دون افتراض أن فرصهم الانتخابية ومواقفهم متساوية، الساسة التالية أسماؤهم:

• النائب الجمهوري براين فيتزباتريك في بنسلفانيا، الذي يمثل الدائرة الأولى ويواجه الديمقراطي بوب هارفي، المفوض في مقاطعة باكس والمدرّس السابق. يبني العضو السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي صورته على العمل عبر الحزبين ومخالفة ترمب في ملفات محددة. لكن خصمه يسعى إلى تحويل الاقتراع من تقييم لشخص النائب إلى حكم على الغالبية الجمهورية. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن مجرد تشابه مأزقه مع كولينز يجعل حظوظهما متطابقة.

• النائب الجمهوري مايك لولر في نيويورك، يخوض مواجهة مع الديمقراطية كيت كونلي، صاحبة الخبرة العسكرية والأمنية، في الدائرة السابعة عشرة التي فازت فيها كامالا هاريس عام 2024. لولر يقدم نفسه جمهورياً براغماتياً قادراً على العمل مع الديمقراطيين، لكنه يحتاج إلى الاحتفاظ بالقاعدة الجمهورية أيضاً. امتحانه هو إقناع الناخب بأن استقلاله يترك أثراً ملموساً، في حين تسعى منافسته إلى جعل العلاقة بترمب محور الاختبار.

• النائبة الديمقراطية ماري غلوسنكامب بيريز في ولاية واشنطن، التي تواجه الجمهوري جون براون في الدائرة الثالثة، وتقدم نموذجاً معكوساً لكولينز؛ فهي ديمقراطية تحاول الاحتفاظ بدائرة أيدت ترمب، وتستند إلى خطاب محلي واهتمام بالمهن والتكاليف اليومية، وتخالف حزبها في بعض القضايا. لكن استمالة المحافظين لا تضمن رضا الديمقراطيين، وقد وثّقت الإذاعة العامة المحلية استياء ناخبين من خيارات السباق. ويكشف اختبارها أن بناء ائتلاف عابر للحزبين يحتاج إلى بقاء قاعدة متحمسة، لا مجرد الوصول إلى الطرف الآخر.

• النائب الديمقراطي دون ديفيس في نورث كارولينا، يواجه الجمهورية لوري باكهاوت في الدائرة الأولى، بعدما جعلت إعادة ترسيم الخريطة الانتخابية التي فرضها الجمهوريون، الفوز فيها أكثر صعوبة على الديمقراطيين. ديفيس يروّج لوسطيته، لكن الخريطة تضع حدوداً لما تستطيع السمعة الشخصية تحقيقه.

توضح هذه الحالات أن بقاء الوسط لا يعتمد فقط على اعتدال الناخبين، بل هو يتأثر بحدود الدوائر، وصورة الرئيس، وتعبئة القواعد، وقدرة المرشح على تحويل المخالفة الحزبية إلى منفعة مفهومة... ثم إن فوز معتدل من حزب قد يعني هزيمة معتدل من الآخر، لا انتصاراً تلقائياً على التطرف. لذلك قد يكون الاختبار الأعمق بعد الانتخابات: هل يملك الناجون استعداداً ونفوذاً لبناء تشريعات مشتركة، أو تفرض معركة الغالبية عليهم العودة إلى الاصطفاف الذي وعدوا ناخبيهم بتجاوزه؟