سيلفيا بلاث وتيد هيوز... الشاعران «المختنقان» بزواج واحد!

شاعرة التخوم الموحشة التي رأت في كونها امرأة مأساتها المروعة

سيلفيا بلاث وتيد هيوز
سيلفيا بلاث وتيد هيوز
TT

سيلفيا بلاث وتيد هيوز... الشاعران «المختنقان» بزواج واحد!

سيلفيا بلاث وتيد هيوز
سيلفيا بلاث وتيد هيوز

حين اتخذت الشاعرة الأميركية سيلفيا بلاث قرارها الحاسم بالانتحار عام 1963، لم تكن تريد ساعتئذ سوى وضع حد نهائي لعذاباتها المزمنة وشعورها الممض بالوحشة والفشل وانهيار الأحلام، ولم تكن تعلم على الأرجح أن الغاز المنزلي الذي أدى تسربه إلى اختناقها يدفع بعلاقتها المأساوية مع الشاعر البريطاني تيد هيوز إلى تخوم الأسطورة. لا يعني ذلك بأي حال أن إبداعها الشعري بمفرده لم يكن ليوفر لها سبل النجاة من النسيان، وهي من أكثر شاعرات القرن العشرين فرادة وحساسية إزاء اللغة والعالم، ولكن ما جعلها ترسخ في الذاكرة البشرية الجمعية هو تحويل سيرتها الشخصية إلى نص آخر مكتوب بنزف الشرايين وقوة العصب، والمنازلة مع الحياة عند الحدود الفاصلة بين الشغف والخيبة، بين الألم والاشتهاء.
على أن تجربة بلاث مع صاحب «عظام النمر» تختلف اختلافاً بيناً عن تجارب الزوجات الأخريات اللواتي لم يكن لأسمائهن المغمورة أن تشق طريقها إلى الخلود، لو لم يرتبطن على المستوى العاطفي والحياتي مع مبدعين وكتاب شديدي الفرادة والتميز، من أمثال دوستويفسكي وكازانتزاكيس وبيكاسو وغيرهم. صحيح أن بعض هؤلاء لم يكن بعيدات عن عالم الكتابة والفن، كما هو حال إيليني ساميوس وفرنسواز جيلو، ولكن الأمر في حالة بلاث مختلف تماماً، حيث يقف نتاجها الشعري جنباً إلى جنب وبندية تامة مع نتاج الزوج الذي اختير لسنوات عدة شاعراً للبلاط البريطاني. وليس بالأمر المستغرب بالطبع ألا يحظى أي من الثنائيات الزوجية الأدبية المعروفة باهتمام النقاد والدارسين، كما حظي هذا الثنائي الأدبي الفريد. وهو أمر لا تعود أسبابه في رأيي إلى القيمة الإبداعية العالية للزوجين الشهيرين فحسب، بل للظروف الحياتية الخاصة التي أحاطت بعلاقة الشاعرة الأميركية والشاعر البريطاني، وما يحمله ذلك من دلالات رمزية مختلفة، إضافة إلى أن حياتهما المعقدة المثخنة بالملابسات التي بدت أشبه بنص تراجيدي مؤثر لا يقل ملحمية عن النصوص الشعرية المدونة التي وضعها الزوجان «اللدودان» في عهدة المستقبل.
وإذا كان من حق القارئ أن يتساءل في هذا السياق عما إذا كان المصير الفاجع للشاعرة الأميركية هو المحصلة الطبيعية لتكوينها الهش ذي النزوع الاكتئابي أم أن خذلانها القاسي من قبل الرجل الذي أحبته هو السبب الأهم لمأساتها المحزنة، فإن القراءة المتأنية لكتابيها الضخمين اللذين يضمان يومياتها ورسائلها تؤشر بشكل واضح إلى أن ما حدث للشاعرة كان ناجماً عن تضافر الشرط الذاتي المتعلق بتكوينها العصبي والنفسي مع الشرط الموضوعي المتصل بارتباطها العاطفي الصعب بأحد أكثر شعراء جيله فرادة وشغفاً بالحياة. ففي الجانب الأول، تكشف بلاث في اليوميات التي بدأت بتدوينها منذ مراهقتها المبكرة عن العلاقة الزوجية الفاشلة بين أبيها الطاعن في السن وأمها الشابة التي لم تضمر له الحب محملة الأم جزءاً من المسؤولية عن موت الأب مهيضاً مغموماً بداء السكري. وبلاث التي نجت بأعجوبة من محاولة انتحارها الأولى، قبل ثلاث سنوات من لقائها بهيوز، تخاطب طبيبتها النفسية روث بيوشر بالقول: «لم أستطع قتل أمي التي أسهمت في قتل أبي، وهو الرجل الذي كنت أتوق إلى حمايته، فعملت على قتل نفسي». ومع أن المجتمع الأميركي في منتصف خمسينيات القرن الفائت كان قد قطع شوطاً كبيراً في تحقيق المساواة بين الجنسين، فإن بلاث لم تكن راضية تماماً عما تم تحقيقه، متبرمة بمجتمعها المتزمت المحافظ في كل ما يتصل بسعي المرأة إلى التحرر الكامل على المستويين الاجتماعي والجسدي. وهو ما تعبر عنه في غير مناسبة، فتقول في إحدى اعترافاتها: «أن أكون قد ولدت امرأة، فتلك مأساتي المروعة»، وتقول في مكان آخر: «أنا أغار من الرجال، وأحسد الرجل على حريته الجسدية».
يمكننا القول تبعاً لذلك إن حياة سيلفيا لم تكن وردية تماماً قبل لقائها بهيوز، وقدومها إلى لندن لإكمال دراستها في جامعة كامبردج. ولأنها كانت قد أعلت إلى حدود يصعب تحقيقها سقف تطلبها من الحياة والبشر على حد سواء، فهي لم تكن لتحصد سوى الخيبات المتلاحقة. فالذين أحبتهم من الشبان انسحبوا من حياتها تباعاً لعجزهم الكامل عن مجاراة شروطها التعجيزية وتطلعها إلى الكمال. وحين تعذر عليها العثور على فتى أحلامها النموذجي، راحت تعشق «قطعاً متناثرة» من مواصفات الشبان الذين تعلقت بهم في صباها، واضعة ما تبقى في عهدة الهوامات العاطفية والتعبيرية، حيث تقول: «لأنهم ليسوا كثراً أولئك الذين يستهوونني من الرجال، فأنا في الغالب أصنع في اللاوعي رجلي الخاص بي، ومن ثم أرتد إلى الشعر».
وحين التقت سيلفيا بلاث بتيد هيوز في كامبردج، لم يتطلب الأمر كثيراً من الوقت كي تدرك أنه هو بالذات الرجل المثالي الذي كانت تبحث عنه في أحلام يقظتها ونومها، وأنه لا سبيل إلى الموازنة بينه وبين كل أولئك السذج الذين عرفتهم من قبل، على أن ذكاءها الحاد وحدسها العميق بقدرها المأساوي دفعاها إلى الربط الوثيق بين التوله العاطفي بالشاعر الدون جوان من جهة، والذهاب إلى تدمير الذات وتشظيها من جهة أخرى. وهو ما عكسه بشكل جلي قولها في إحدى الرسائل التي بعثت بها إلى أمها إثر لقائها بهيوز: «الشيء الأكثر تدميراً هو أنني واقعة في حب غامر، الأمر الذي لا يمكن أن يؤدي إلا إلى ضرر كبير. فقد التقيت بأعظم رجل في العالم، شاعر لامع كنت أحب شعره قبل أن ألتقي به، بجسد ضخم معافى، نصف فرنسي ونصف آيرلندي، وصوت يشبه رعد الآلهة، مغنٍّ، راوٍ، أسد من الرحيل الذي لا يتوقف أبداً». وخلال السنوات الثلاث الأولى من الزواج، تقتصر اعترافات بلاث ورسائلها على شؤون الكتابة والنشر، كما على الشؤون العائلية وانتقال الزوجين للعمل في أميركا، ومن ثم عودتهما إلى بريطانيا للسكن في منزل ريفي هادئ ملائم للكتابة، بعيداً عن صخب العاصمة وضوضائها المفرطين.
غير أن اعترافات بلاث خلال سنوات الزواج الأولى لم تكن لتخلو تماماً من الإشارة إلى الغيوم السوداء المبعثرة هنا وهناك في أفق العلاقة بين الزوجين. فهي تلمح إلى صعوبة التعايش المطمئن بين أولئك الذين ينتمون إلى حرفة واحدة، خاصة «حرفة» الكتابة والإبداع التي تدفع الأنا الفردية إلى التفاقم المرضي والاستحواذ على الآخر. إلا أن ما دفع بالعلاقة إلى الترنح لم يكن متصلاً بالمنافسة على الشهرة بين الزوجين، حيث لم تنفك بلاث عن التأكيد على «دونيتها» بصفتها شاعرة إزاء تفوق زوجها الإبداعي، ولم يكن البحث عن الاكتفاء المادي وتقسيم العمل بين الطرفين، ولا تباين المواقف والأولويات والأمزجة، بل كانت خيانة الزوج الموصوفة العلنية لزوجته الحساسة المثخنة منذ نشأتها بالطعنات. وما زاد من شعورها الممض بالألم هو كون المرأة المعنية بالخيانة هي آسيا ويفل بالذات، صديقتها الأثيرة المتزوجة بدورها من شاعر معروف. والغريب في الأمر أن إنجاب بلاث لطفليها فريدا ونيكولاس لم يسهم على الإطلاق في ترميم العلاقة المتداعية بين الزوجين المتباعدين. حتى إذا شعرت بلاث بأن حياتها الزوجية قد تحولت في مطالع ستينيات القرن المنصرم إلى جحيم حقيقي، لم تجد بداً من الانفصال عن هيوز، وصولاً إلى الطلاق النهائي.
وعلى الرغم من أن سيلفيا لم تكف أبداً عن الافتتان بزوجها الذي قطع أشواطاً بعيدة على طريق الإبداع والنجومية، فإنها رأت في أنانيته المتسلطة وسلوكه السادي ما يتعارض تماماً مع صورة الشاعر المرهف التي جسدها من قبل، بحيث إنها اعترفت لطبيبتها بأنه كان يريد قتلها تماماً لأنها باتت العقبة الأبرز التي تقف بينه وبين نزواته، وأنه عمد في إحدى المواجهات العاصفة بينهما إلى ضربها بشكل مبرح حتى الإجهاض. وإذ وصفته في رسالة أخرى بمصاص للدماء، كتبت إلى صديقتها بأنه كان غاضباً لأنها لم تنتحر، وأنه سيشعر بالراحة لو أنها أفلحت في ذلك، ووفرت عليه عناء المهمة.
كان من الطبيعي أخيراً أن تتخذ العلاقة الغريبة المعقدة بين سيلفيا بلاث وتيد هيوز بُعدها التراجيدي القاتم، وأن تحضر في الوجدان الإنساني الجمعي بصفتها جزءاً من «ميثولوجيا» الصراع الأبدي بين المرأة والرجل، بين الحب والموت، كما بين المؤسسة المثقلة بالقيود والإبداع الذي يعجز عن التحليق إلا بجناحي الحرية والجنون. وإذا كان من المتعذر أن يفلح أحد من المهتمين في تقديم إجابة شافية عما إذا كان بمقدور تيد هيوز أن يقود زوجته المحبطة إلى مصير آخر أقل هولاً من الانتحار، فإن الثابت أن صاحبة «العملاق وقصائد أخرى» قد نجحت في تحويل انتحارها لا إلى تدمير نهائي لذاتها المثلومة فحسب، بل إلى انتقام مماثل من الشخص الذي طعنها في الصميم، والذي عرفت بحدسها الثاقب أن صورتها المروعة مختنقة في فرن الغاز ستطارده كاللعنة حتى نهاية حياته. والغريب في الأمر أن اللعنة تلك لم تقتصر على الزوج وحده، بل أودت بعشيقته آسيا ويفل إلى الانتحار، إضافة إلى ابنها نيكولاس الذي سبق لبلاث أن اتهمت الأب بكرهه له وتجاهله التام، والذي انتحر مشنوقاً في السابعة والأربعين من العمر.
وإذا كان المآل المأساوي للعلاقة بين المبدعين هو الثمن الباهظ الذي لا بد للشعراء والفنانين من دفعه على طريق المقايضة المريرة بين اللغة والحياة، فإن أفضل ختام لهذه المقالة هو قول تيد هيوز مخاطباً زوجته الميتة بعد فوات الأوان: «ظل يتناهشك الظلام / والخوف من أن تُسحقي / الكلمات التي وضعتِها على الصفحة / جاءتك عندما لم أجئك أنا / وحيث شئتني أن أصعد الدرج / جاءك الرعب بدلاً مني». وقد بدا هيوز بذلك كأنه يكمل الشطر الآخر من النص الذي كتبته زوجته وهي تقطع الأمتار الأخيرة على طريق الموت، هاتفة وقد شلها اليأس: «بعد هذا البلاء العظيم / أي طقوسٍ من الكلمات / يمكن أن ترمم كل هذا الخراب؟».



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.