سيلفيا بلاث وتيد هيوز... الشاعران «المختنقان» بزواج واحد!

شاعرة التخوم الموحشة التي رأت في كونها امرأة مأساتها المروعة

سيلفيا بلاث وتيد هيوز
سيلفيا بلاث وتيد هيوز
TT

سيلفيا بلاث وتيد هيوز... الشاعران «المختنقان» بزواج واحد!

سيلفيا بلاث وتيد هيوز
سيلفيا بلاث وتيد هيوز

حين اتخذت الشاعرة الأميركية سيلفيا بلاث قرارها الحاسم بالانتحار عام 1963، لم تكن تريد ساعتئذ سوى وضع حد نهائي لعذاباتها المزمنة وشعورها الممض بالوحشة والفشل وانهيار الأحلام، ولم تكن تعلم على الأرجح أن الغاز المنزلي الذي أدى تسربه إلى اختناقها يدفع بعلاقتها المأساوية مع الشاعر البريطاني تيد هيوز إلى تخوم الأسطورة. لا يعني ذلك بأي حال أن إبداعها الشعري بمفرده لم يكن ليوفر لها سبل النجاة من النسيان، وهي من أكثر شاعرات القرن العشرين فرادة وحساسية إزاء اللغة والعالم، ولكن ما جعلها ترسخ في الذاكرة البشرية الجمعية هو تحويل سيرتها الشخصية إلى نص آخر مكتوب بنزف الشرايين وقوة العصب، والمنازلة مع الحياة عند الحدود الفاصلة بين الشغف والخيبة، بين الألم والاشتهاء.
على أن تجربة بلاث مع صاحب «عظام النمر» تختلف اختلافاً بيناً عن تجارب الزوجات الأخريات اللواتي لم يكن لأسمائهن المغمورة أن تشق طريقها إلى الخلود، لو لم يرتبطن على المستوى العاطفي والحياتي مع مبدعين وكتاب شديدي الفرادة والتميز، من أمثال دوستويفسكي وكازانتزاكيس وبيكاسو وغيرهم. صحيح أن بعض هؤلاء لم يكن بعيدات عن عالم الكتابة والفن، كما هو حال إيليني ساميوس وفرنسواز جيلو، ولكن الأمر في حالة بلاث مختلف تماماً، حيث يقف نتاجها الشعري جنباً إلى جنب وبندية تامة مع نتاج الزوج الذي اختير لسنوات عدة شاعراً للبلاط البريطاني. وليس بالأمر المستغرب بالطبع ألا يحظى أي من الثنائيات الزوجية الأدبية المعروفة باهتمام النقاد والدارسين، كما حظي هذا الثنائي الأدبي الفريد. وهو أمر لا تعود أسبابه في رأيي إلى القيمة الإبداعية العالية للزوجين الشهيرين فحسب، بل للظروف الحياتية الخاصة التي أحاطت بعلاقة الشاعرة الأميركية والشاعر البريطاني، وما يحمله ذلك من دلالات رمزية مختلفة، إضافة إلى أن حياتهما المعقدة المثخنة بالملابسات التي بدت أشبه بنص تراجيدي مؤثر لا يقل ملحمية عن النصوص الشعرية المدونة التي وضعها الزوجان «اللدودان» في عهدة المستقبل.
وإذا كان من حق القارئ أن يتساءل في هذا السياق عما إذا كان المصير الفاجع للشاعرة الأميركية هو المحصلة الطبيعية لتكوينها الهش ذي النزوع الاكتئابي أم أن خذلانها القاسي من قبل الرجل الذي أحبته هو السبب الأهم لمأساتها المحزنة، فإن القراءة المتأنية لكتابيها الضخمين اللذين يضمان يومياتها ورسائلها تؤشر بشكل واضح إلى أن ما حدث للشاعرة كان ناجماً عن تضافر الشرط الذاتي المتعلق بتكوينها العصبي والنفسي مع الشرط الموضوعي المتصل بارتباطها العاطفي الصعب بأحد أكثر شعراء جيله فرادة وشغفاً بالحياة. ففي الجانب الأول، تكشف بلاث في اليوميات التي بدأت بتدوينها منذ مراهقتها المبكرة عن العلاقة الزوجية الفاشلة بين أبيها الطاعن في السن وأمها الشابة التي لم تضمر له الحب محملة الأم جزءاً من المسؤولية عن موت الأب مهيضاً مغموماً بداء السكري. وبلاث التي نجت بأعجوبة من محاولة انتحارها الأولى، قبل ثلاث سنوات من لقائها بهيوز، تخاطب طبيبتها النفسية روث بيوشر بالقول: «لم أستطع قتل أمي التي أسهمت في قتل أبي، وهو الرجل الذي كنت أتوق إلى حمايته، فعملت على قتل نفسي». ومع أن المجتمع الأميركي في منتصف خمسينيات القرن الفائت كان قد قطع شوطاً كبيراً في تحقيق المساواة بين الجنسين، فإن بلاث لم تكن راضية تماماً عما تم تحقيقه، متبرمة بمجتمعها المتزمت المحافظ في كل ما يتصل بسعي المرأة إلى التحرر الكامل على المستويين الاجتماعي والجسدي. وهو ما تعبر عنه في غير مناسبة، فتقول في إحدى اعترافاتها: «أن أكون قد ولدت امرأة، فتلك مأساتي المروعة»، وتقول في مكان آخر: «أنا أغار من الرجال، وأحسد الرجل على حريته الجسدية».
يمكننا القول تبعاً لذلك إن حياة سيلفيا لم تكن وردية تماماً قبل لقائها بهيوز، وقدومها إلى لندن لإكمال دراستها في جامعة كامبردج. ولأنها كانت قد أعلت إلى حدود يصعب تحقيقها سقف تطلبها من الحياة والبشر على حد سواء، فهي لم تكن لتحصد سوى الخيبات المتلاحقة. فالذين أحبتهم من الشبان انسحبوا من حياتها تباعاً لعجزهم الكامل عن مجاراة شروطها التعجيزية وتطلعها إلى الكمال. وحين تعذر عليها العثور على فتى أحلامها النموذجي، راحت تعشق «قطعاً متناثرة» من مواصفات الشبان الذين تعلقت بهم في صباها، واضعة ما تبقى في عهدة الهوامات العاطفية والتعبيرية، حيث تقول: «لأنهم ليسوا كثراً أولئك الذين يستهوونني من الرجال، فأنا في الغالب أصنع في اللاوعي رجلي الخاص بي، ومن ثم أرتد إلى الشعر».
وحين التقت سيلفيا بلاث بتيد هيوز في كامبردج، لم يتطلب الأمر كثيراً من الوقت كي تدرك أنه هو بالذات الرجل المثالي الذي كانت تبحث عنه في أحلام يقظتها ونومها، وأنه لا سبيل إلى الموازنة بينه وبين كل أولئك السذج الذين عرفتهم من قبل، على أن ذكاءها الحاد وحدسها العميق بقدرها المأساوي دفعاها إلى الربط الوثيق بين التوله العاطفي بالشاعر الدون جوان من جهة، والذهاب إلى تدمير الذات وتشظيها من جهة أخرى. وهو ما عكسه بشكل جلي قولها في إحدى الرسائل التي بعثت بها إلى أمها إثر لقائها بهيوز: «الشيء الأكثر تدميراً هو أنني واقعة في حب غامر، الأمر الذي لا يمكن أن يؤدي إلا إلى ضرر كبير. فقد التقيت بأعظم رجل في العالم، شاعر لامع كنت أحب شعره قبل أن ألتقي به، بجسد ضخم معافى، نصف فرنسي ونصف آيرلندي، وصوت يشبه رعد الآلهة، مغنٍّ، راوٍ، أسد من الرحيل الذي لا يتوقف أبداً». وخلال السنوات الثلاث الأولى من الزواج، تقتصر اعترافات بلاث ورسائلها على شؤون الكتابة والنشر، كما على الشؤون العائلية وانتقال الزوجين للعمل في أميركا، ومن ثم عودتهما إلى بريطانيا للسكن في منزل ريفي هادئ ملائم للكتابة، بعيداً عن صخب العاصمة وضوضائها المفرطين.
غير أن اعترافات بلاث خلال سنوات الزواج الأولى لم تكن لتخلو تماماً من الإشارة إلى الغيوم السوداء المبعثرة هنا وهناك في أفق العلاقة بين الزوجين. فهي تلمح إلى صعوبة التعايش المطمئن بين أولئك الذين ينتمون إلى حرفة واحدة، خاصة «حرفة» الكتابة والإبداع التي تدفع الأنا الفردية إلى التفاقم المرضي والاستحواذ على الآخر. إلا أن ما دفع بالعلاقة إلى الترنح لم يكن متصلاً بالمنافسة على الشهرة بين الزوجين، حيث لم تنفك بلاث عن التأكيد على «دونيتها» بصفتها شاعرة إزاء تفوق زوجها الإبداعي، ولم يكن البحث عن الاكتفاء المادي وتقسيم العمل بين الطرفين، ولا تباين المواقف والأولويات والأمزجة، بل كانت خيانة الزوج الموصوفة العلنية لزوجته الحساسة المثخنة منذ نشأتها بالطعنات. وما زاد من شعورها الممض بالألم هو كون المرأة المعنية بالخيانة هي آسيا ويفل بالذات، صديقتها الأثيرة المتزوجة بدورها من شاعر معروف. والغريب في الأمر أن إنجاب بلاث لطفليها فريدا ونيكولاس لم يسهم على الإطلاق في ترميم العلاقة المتداعية بين الزوجين المتباعدين. حتى إذا شعرت بلاث بأن حياتها الزوجية قد تحولت في مطالع ستينيات القرن المنصرم إلى جحيم حقيقي، لم تجد بداً من الانفصال عن هيوز، وصولاً إلى الطلاق النهائي.
وعلى الرغم من أن سيلفيا لم تكف أبداً عن الافتتان بزوجها الذي قطع أشواطاً بعيدة على طريق الإبداع والنجومية، فإنها رأت في أنانيته المتسلطة وسلوكه السادي ما يتعارض تماماً مع صورة الشاعر المرهف التي جسدها من قبل، بحيث إنها اعترفت لطبيبتها بأنه كان يريد قتلها تماماً لأنها باتت العقبة الأبرز التي تقف بينه وبين نزواته، وأنه عمد في إحدى المواجهات العاصفة بينهما إلى ضربها بشكل مبرح حتى الإجهاض. وإذ وصفته في رسالة أخرى بمصاص للدماء، كتبت إلى صديقتها بأنه كان غاضباً لأنها لم تنتحر، وأنه سيشعر بالراحة لو أنها أفلحت في ذلك، ووفرت عليه عناء المهمة.
كان من الطبيعي أخيراً أن تتخذ العلاقة الغريبة المعقدة بين سيلفيا بلاث وتيد هيوز بُعدها التراجيدي القاتم، وأن تحضر في الوجدان الإنساني الجمعي بصفتها جزءاً من «ميثولوجيا» الصراع الأبدي بين المرأة والرجل، بين الحب والموت، كما بين المؤسسة المثقلة بالقيود والإبداع الذي يعجز عن التحليق إلا بجناحي الحرية والجنون. وإذا كان من المتعذر أن يفلح أحد من المهتمين في تقديم إجابة شافية عما إذا كان بمقدور تيد هيوز أن يقود زوجته المحبطة إلى مصير آخر أقل هولاً من الانتحار، فإن الثابت أن صاحبة «العملاق وقصائد أخرى» قد نجحت في تحويل انتحارها لا إلى تدمير نهائي لذاتها المثلومة فحسب، بل إلى انتقام مماثل من الشخص الذي طعنها في الصميم، والذي عرفت بحدسها الثاقب أن صورتها المروعة مختنقة في فرن الغاز ستطارده كاللعنة حتى نهاية حياته. والغريب في الأمر أن اللعنة تلك لم تقتصر على الزوج وحده، بل أودت بعشيقته آسيا ويفل إلى الانتحار، إضافة إلى ابنها نيكولاس الذي سبق لبلاث أن اتهمت الأب بكرهه له وتجاهله التام، والذي انتحر مشنوقاً في السابعة والأربعين من العمر.
وإذا كان المآل المأساوي للعلاقة بين المبدعين هو الثمن الباهظ الذي لا بد للشعراء والفنانين من دفعه على طريق المقايضة المريرة بين اللغة والحياة، فإن أفضل ختام لهذه المقالة هو قول تيد هيوز مخاطباً زوجته الميتة بعد فوات الأوان: «ظل يتناهشك الظلام / والخوف من أن تُسحقي / الكلمات التي وضعتِها على الصفحة / جاءتك عندما لم أجئك أنا / وحيث شئتني أن أصعد الدرج / جاءك الرعب بدلاً مني». وقد بدا هيوز بذلك كأنه يكمل الشطر الآخر من النص الذي كتبته زوجته وهي تقطع الأمتار الأخيرة على طريق الموت، هاتفة وقد شلها اليأس: «بعد هذا البلاء العظيم / أي طقوسٍ من الكلمات / يمكن أن ترمم كل هذا الخراب؟».



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».