سيلفيا بلاث وتيد هيوز... الشاعران «المختنقان» بزواج واحد!

شاعرة التخوم الموحشة التي رأت في كونها امرأة مأساتها المروعة

سيلفيا بلاث وتيد هيوز
سيلفيا بلاث وتيد هيوز
TT

سيلفيا بلاث وتيد هيوز... الشاعران «المختنقان» بزواج واحد!

سيلفيا بلاث وتيد هيوز
سيلفيا بلاث وتيد هيوز

حين اتخذت الشاعرة الأميركية سيلفيا بلاث قرارها الحاسم بالانتحار عام 1963، لم تكن تريد ساعتئذ سوى وضع حد نهائي لعذاباتها المزمنة وشعورها الممض بالوحشة والفشل وانهيار الأحلام، ولم تكن تعلم على الأرجح أن الغاز المنزلي الذي أدى تسربه إلى اختناقها يدفع بعلاقتها المأساوية مع الشاعر البريطاني تيد هيوز إلى تخوم الأسطورة. لا يعني ذلك بأي حال أن إبداعها الشعري بمفرده لم يكن ليوفر لها سبل النجاة من النسيان، وهي من أكثر شاعرات القرن العشرين فرادة وحساسية إزاء اللغة والعالم، ولكن ما جعلها ترسخ في الذاكرة البشرية الجمعية هو تحويل سيرتها الشخصية إلى نص آخر مكتوب بنزف الشرايين وقوة العصب، والمنازلة مع الحياة عند الحدود الفاصلة بين الشغف والخيبة، بين الألم والاشتهاء.
على أن تجربة بلاث مع صاحب «عظام النمر» تختلف اختلافاً بيناً عن تجارب الزوجات الأخريات اللواتي لم يكن لأسمائهن المغمورة أن تشق طريقها إلى الخلود، لو لم يرتبطن على المستوى العاطفي والحياتي مع مبدعين وكتاب شديدي الفرادة والتميز، من أمثال دوستويفسكي وكازانتزاكيس وبيكاسو وغيرهم. صحيح أن بعض هؤلاء لم يكن بعيدات عن عالم الكتابة والفن، كما هو حال إيليني ساميوس وفرنسواز جيلو، ولكن الأمر في حالة بلاث مختلف تماماً، حيث يقف نتاجها الشعري جنباً إلى جنب وبندية تامة مع نتاج الزوج الذي اختير لسنوات عدة شاعراً للبلاط البريطاني. وليس بالأمر المستغرب بالطبع ألا يحظى أي من الثنائيات الزوجية الأدبية المعروفة باهتمام النقاد والدارسين، كما حظي هذا الثنائي الأدبي الفريد. وهو أمر لا تعود أسبابه في رأيي إلى القيمة الإبداعية العالية للزوجين الشهيرين فحسب، بل للظروف الحياتية الخاصة التي أحاطت بعلاقة الشاعرة الأميركية والشاعر البريطاني، وما يحمله ذلك من دلالات رمزية مختلفة، إضافة إلى أن حياتهما المعقدة المثخنة بالملابسات التي بدت أشبه بنص تراجيدي مؤثر لا يقل ملحمية عن النصوص الشعرية المدونة التي وضعها الزوجان «اللدودان» في عهدة المستقبل.
وإذا كان من حق القارئ أن يتساءل في هذا السياق عما إذا كان المصير الفاجع للشاعرة الأميركية هو المحصلة الطبيعية لتكوينها الهش ذي النزوع الاكتئابي أم أن خذلانها القاسي من قبل الرجل الذي أحبته هو السبب الأهم لمأساتها المحزنة، فإن القراءة المتأنية لكتابيها الضخمين اللذين يضمان يومياتها ورسائلها تؤشر بشكل واضح إلى أن ما حدث للشاعرة كان ناجماً عن تضافر الشرط الذاتي المتعلق بتكوينها العصبي والنفسي مع الشرط الموضوعي المتصل بارتباطها العاطفي الصعب بأحد أكثر شعراء جيله فرادة وشغفاً بالحياة. ففي الجانب الأول، تكشف بلاث في اليوميات التي بدأت بتدوينها منذ مراهقتها المبكرة عن العلاقة الزوجية الفاشلة بين أبيها الطاعن في السن وأمها الشابة التي لم تضمر له الحب محملة الأم جزءاً من المسؤولية عن موت الأب مهيضاً مغموماً بداء السكري. وبلاث التي نجت بأعجوبة من محاولة انتحارها الأولى، قبل ثلاث سنوات من لقائها بهيوز، تخاطب طبيبتها النفسية روث بيوشر بالقول: «لم أستطع قتل أمي التي أسهمت في قتل أبي، وهو الرجل الذي كنت أتوق إلى حمايته، فعملت على قتل نفسي». ومع أن المجتمع الأميركي في منتصف خمسينيات القرن الفائت كان قد قطع شوطاً كبيراً في تحقيق المساواة بين الجنسين، فإن بلاث لم تكن راضية تماماً عما تم تحقيقه، متبرمة بمجتمعها المتزمت المحافظ في كل ما يتصل بسعي المرأة إلى التحرر الكامل على المستويين الاجتماعي والجسدي. وهو ما تعبر عنه في غير مناسبة، فتقول في إحدى اعترافاتها: «أن أكون قد ولدت امرأة، فتلك مأساتي المروعة»، وتقول في مكان آخر: «أنا أغار من الرجال، وأحسد الرجل على حريته الجسدية».
يمكننا القول تبعاً لذلك إن حياة سيلفيا لم تكن وردية تماماً قبل لقائها بهيوز، وقدومها إلى لندن لإكمال دراستها في جامعة كامبردج. ولأنها كانت قد أعلت إلى حدود يصعب تحقيقها سقف تطلبها من الحياة والبشر على حد سواء، فهي لم تكن لتحصد سوى الخيبات المتلاحقة. فالذين أحبتهم من الشبان انسحبوا من حياتها تباعاً لعجزهم الكامل عن مجاراة شروطها التعجيزية وتطلعها إلى الكمال. وحين تعذر عليها العثور على فتى أحلامها النموذجي، راحت تعشق «قطعاً متناثرة» من مواصفات الشبان الذين تعلقت بهم في صباها، واضعة ما تبقى في عهدة الهوامات العاطفية والتعبيرية، حيث تقول: «لأنهم ليسوا كثراً أولئك الذين يستهوونني من الرجال، فأنا في الغالب أصنع في اللاوعي رجلي الخاص بي، ومن ثم أرتد إلى الشعر».
وحين التقت سيلفيا بلاث بتيد هيوز في كامبردج، لم يتطلب الأمر كثيراً من الوقت كي تدرك أنه هو بالذات الرجل المثالي الذي كانت تبحث عنه في أحلام يقظتها ونومها، وأنه لا سبيل إلى الموازنة بينه وبين كل أولئك السذج الذين عرفتهم من قبل، على أن ذكاءها الحاد وحدسها العميق بقدرها المأساوي دفعاها إلى الربط الوثيق بين التوله العاطفي بالشاعر الدون جوان من جهة، والذهاب إلى تدمير الذات وتشظيها من جهة أخرى. وهو ما عكسه بشكل جلي قولها في إحدى الرسائل التي بعثت بها إلى أمها إثر لقائها بهيوز: «الشيء الأكثر تدميراً هو أنني واقعة في حب غامر، الأمر الذي لا يمكن أن يؤدي إلا إلى ضرر كبير. فقد التقيت بأعظم رجل في العالم، شاعر لامع كنت أحب شعره قبل أن ألتقي به، بجسد ضخم معافى، نصف فرنسي ونصف آيرلندي، وصوت يشبه رعد الآلهة، مغنٍّ، راوٍ، أسد من الرحيل الذي لا يتوقف أبداً». وخلال السنوات الثلاث الأولى من الزواج، تقتصر اعترافات بلاث ورسائلها على شؤون الكتابة والنشر، كما على الشؤون العائلية وانتقال الزوجين للعمل في أميركا، ومن ثم عودتهما إلى بريطانيا للسكن في منزل ريفي هادئ ملائم للكتابة، بعيداً عن صخب العاصمة وضوضائها المفرطين.
غير أن اعترافات بلاث خلال سنوات الزواج الأولى لم تكن لتخلو تماماً من الإشارة إلى الغيوم السوداء المبعثرة هنا وهناك في أفق العلاقة بين الزوجين. فهي تلمح إلى صعوبة التعايش المطمئن بين أولئك الذين ينتمون إلى حرفة واحدة، خاصة «حرفة» الكتابة والإبداع التي تدفع الأنا الفردية إلى التفاقم المرضي والاستحواذ على الآخر. إلا أن ما دفع بالعلاقة إلى الترنح لم يكن متصلاً بالمنافسة على الشهرة بين الزوجين، حيث لم تنفك بلاث عن التأكيد على «دونيتها» بصفتها شاعرة إزاء تفوق زوجها الإبداعي، ولم يكن البحث عن الاكتفاء المادي وتقسيم العمل بين الطرفين، ولا تباين المواقف والأولويات والأمزجة، بل كانت خيانة الزوج الموصوفة العلنية لزوجته الحساسة المثخنة منذ نشأتها بالطعنات. وما زاد من شعورها الممض بالألم هو كون المرأة المعنية بالخيانة هي آسيا ويفل بالذات، صديقتها الأثيرة المتزوجة بدورها من شاعر معروف. والغريب في الأمر أن إنجاب بلاث لطفليها فريدا ونيكولاس لم يسهم على الإطلاق في ترميم العلاقة المتداعية بين الزوجين المتباعدين. حتى إذا شعرت بلاث بأن حياتها الزوجية قد تحولت في مطالع ستينيات القرن المنصرم إلى جحيم حقيقي، لم تجد بداً من الانفصال عن هيوز، وصولاً إلى الطلاق النهائي.
وعلى الرغم من أن سيلفيا لم تكف أبداً عن الافتتان بزوجها الذي قطع أشواطاً بعيدة على طريق الإبداع والنجومية، فإنها رأت في أنانيته المتسلطة وسلوكه السادي ما يتعارض تماماً مع صورة الشاعر المرهف التي جسدها من قبل، بحيث إنها اعترفت لطبيبتها بأنه كان يريد قتلها تماماً لأنها باتت العقبة الأبرز التي تقف بينه وبين نزواته، وأنه عمد في إحدى المواجهات العاصفة بينهما إلى ضربها بشكل مبرح حتى الإجهاض. وإذ وصفته في رسالة أخرى بمصاص للدماء، كتبت إلى صديقتها بأنه كان غاضباً لأنها لم تنتحر، وأنه سيشعر بالراحة لو أنها أفلحت في ذلك، ووفرت عليه عناء المهمة.
كان من الطبيعي أخيراً أن تتخذ العلاقة الغريبة المعقدة بين سيلفيا بلاث وتيد هيوز بُعدها التراجيدي القاتم، وأن تحضر في الوجدان الإنساني الجمعي بصفتها جزءاً من «ميثولوجيا» الصراع الأبدي بين المرأة والرجل، بين الحب والموت، كما بين المؤسسة المثقلة بالقيود والإبداع الذي يعجز عن التحليق إلا بجناحي الحرية والجنون. وإذا كان من المتعذر أن يفلح أحد من المهتمين في تقديم إجابة شافية عما إذا كان بمقدور تيد هيوز أن يقود زوجته المحبطة إلى مصير آخر أقل هولاً من الانتحار، فإن الثابت أن صاحبة «العملاق وقصائد أخرى» قد نجحت في تحويل انتحارها لا إلى تدمير نهائي لذاتها المثلومة فحسب، بل إلى انتقام مماثل من الشخص الذي طعنها في الصميم، والذي عرفت بحدسها الثاقب أن صورتها المروعة مختنقة في فرن الغاز ستطارده كاللعنة حتى نهاية حياته. والغريب في الأمر أن اللعنة تلك لم تقتصر على الزوج وحده، بل أودت بعشيقته آسيا ويفل إلى الانتحار، إضافة إلى ابنها نيكولاس الذي سبق لبلاث أن اتهمت الأب بكرهه له وتجاهله التام، والذي انتحر مشنوقاً في السابعة والأربعين من العمر.
وإذا كان المآل المأساوي للعلاقة بين المبدعين هو الثمن الباهظ الذي لا بد للشعراء والفنانين من دفعه على طريق المقايضة المريرة بين اللغة والحياة، فإن أفضل ختام لهذه المقالة هو قول تيد هيوز مخاطباً زوجته الميتة بعد فوات الأوان: «ظل يتناهشك الظلام / والخوف من أن تُسحقي / الكلمات التي وضعتِها على الصفحة / جاءتك عندما لم أجئك أنا / وحيث شئتني أن أصعد الدرج / جاءك الرعب بدلاً مني». وقد بدا هيوز بذلك كأنه يكمل الشطر الآخر من النص الذي كتبته زوجته وهي تقطع الأمتار الأخيرة على طريق الموت، هاتفة وقد شلها اليأس: «بعد هذا البلاء العظيم / أي طقوسٍ من الكلمات / يمكن أن ترمم كل هذا الخراب؟».



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».