سيلفيا بلاث وتيد هيوز... الشاعران «المختنقان» بزواج واحد!

شاعرة التخوم الموحشة التي رأت في كونها امرأة مأساتها المروعة

سيلفيا بلاث وتيد هيوز
سيلفيا بلاث وتيد هيوز
TT

سيلفيا بلاث وتيد هيوز... الشاعران «المختنقان» بزواج واحد!

سيلفيا بلاث وتيد هيوز
سيلفيا بلاث وتيد هيوز

حين اتخذت الشاعرة الأميركية سيلفيا بلاث قرارها الحاسم بالانتحار عام 1963، لم تكن تريد ساعتئذ سوى وضع حد نهائي لعذاباتها المزمنة وشعورها الممض بالوحشة والفشل وانهيار الأحلام، ولم تكن تعلم على الأرجح أن الغاز المنزلي الذي أدى تسربه إلى اختناقها يدفع بعلاقتها المأساوية مع الشاعر البريطاني تيد هيوز إلى تخوم الأسطورة. لا يعني ذلك بأي حال أن إبداعها الشعري بمفرده لم يكن ليوفر لها سبل النجاة من النسيان، وهي من أكثر شاعرات القرن العشرين فرادة وحساسية إزاء اللغة والعالم، ولكن ما جعلها ترسخ في الذاكرة البشرية الجمعية هو تحويل سيرتها الشخصية إلى نص آخر مكتوب بنزف الشرايين وقوة العصب، والمنازلة مع الحياة عند الحدود الفاصلة بين الشغف والخيبة، بين الألم والاشتهاء.
على أن تجربة بلاث مع صاحب «عظام النمر» تختلف اختلافاً بيناً عن تجارب الزوجات الأخريات اللواتي لم يكن لأسمائهن المغمورة أن تشق طريقها إلى الخلود، لو لم يرتبطن على المستوى العاطفي والحياتي مع مبدعين وكتاب شديدي الفرادة والتميز، من أمثال دوستويفسكي وكازانتزاكيس وبيكاسو وغيرهم. صحيح أن بعض هؤلاء لم يكن بعيدات عن عالم الكتابة والفن، كما هو حال إيليني ساميوس وفرنسواز جيلو، ولكن الأمر في حالة بلاث مختلف تماماً، حيث يقف نتاجها الشعري جنباً إلى جنب وبندية تامة مع نتاج الزوج الذي اختير لسنوات عدة شاعراً للبلاط البريطاني. وليس بالأمر المستغرب بالطبع ألا يحظى أي من الثنائيات الزوجية الأدبية المعروفة باهتمام النقاد والدارسين، كما حظي هذا الثنائي الأدبي الفريد. وهو أمر لا تعود أسبابه في رأيي إلى القيمة الإبداعية العالية للزوجين الشهيرين فحسب، بل للظروف الحياتية الخاصة التي أحاطت بعلاقة الشاعرة الأميركية والشاعر البريطاني، وما يحمله ذلك من دلالات رمزية مختلفة، إضافة إلى أن حياتهما المعقدة المثخنة بالملابسات التي بدت أشبه بنص تراجيدي مؤثر لا يقل ملحمية عن النصوص الشعرية المدونة التي وضعها الزوجان «اللدودان» في عهدة المستقبل.
وإذا كان من حق القارئ أن يتساءل في هذا السياق عما إذا كان المصير الفاجع للشاعرة الأميركية هو المحصلة الطبيعية لتكوينها الهش ذي النزوع الاكتئابي أم أن خذلانها القاسي من قبل الرجل الذي أحبته هو السبب الأهم لمأساتها المحزنة، فإن القراءة المتأنية لكتابيها الضخمين اللذين يضمان يومياتها ورسائلها تؤشر بشكل واضح إلى أن ما حدث للشاعرة كان ناجماً عن تضافر الشرط الذاتي المتعلق بتكوينها العصبي والنفسي مع الشرط الموضوعي المتصل بارتباطها العاطفي الصعب بأحد أكثر شعراء جيله فرادة وشغفاً بالحياة. ففي الجانب الأول، تكشف بلاث في اليوميات التي بدأت بتدوينها منذ مراهقتها المبكرة عن العلاقة الزوجية الفاشلة بين أبيها الطاعن في السن وأمها الشابة التي لم تضمر له الحب محملة الأم جزءاً من المسؤولية عن موت الأب مهيضاً مغموماً بداء السكري. وبلاث التي نجت بأعجوبة من محاولة انتحارها الأولى، قبل ثلاث سنوات من لقائها بهيوز، تخاطب طبيبتها النفسية روث بيوشر بالقول: «لم أستطع قتل أمي التي أسهمت في قتل أبي، وهو الرجل الذي كنت أتوق إلى حمايته، فعملت على قتل نفسي». ومع أن المجتمع الأميركي في منتصف خمسينيات القرن الفائت كان قد قطع شوطاً كبيراً في تحقيق المساواة بين الجنسين، فإن بلاث لم تكن راضية تماماً عما تم تحقيقه، متبرمة بمجتمعها المتزمت المحافظ في كل ما يتصل بسعي المرأة إلى التحرر الكامل على المستويين الاجتماعي والجسدي. وهو ما تعبر عنه في غير مناسبة، فتقول في إحدى اعترافاتها: «أن أكون قد ولدت امرأة، فتلك مأساتي المروعة»، وتقول في مكان آخر: «أنا أغار من الرجال، وأحسد الرجل على حريته الجسدية».
يمكننا القول تبعاً لذلك إن حياة سيلفيا لم تكن وردية تماماً قبل لقائها بهيوز، وقدومها إلى لندن لإكمال دراستها في جامعة كامبردج. ولأنها كانت قد أعلت إلى حدود يصعب تحقيقها سقف تطلبها من الحياة والبشر على حد سواء، فهي لم تكن لتحصد سوى الخيبات المتلاحقة. فالذين أحبتهم من الشبان انسحبوا من حياتها تباعاً لعجزهم الكامل عن مجاراة شروطها التعجيزية وتطلعها إلى الكمال. وحين تعذر عليها العثور على فتى أحلامها النموذجي، راحت تعشق «قطعاً متناثرة» من مواصفات الشبان الذين تعلقت بهم في صباها، واضعة ما تبقى في عهدة الهوامات العاطفية والتعبيرية، حيث تقول: «لأنهم ليسوا كثراً أولئك الذين يستهوونني من الرجال، فأنا في الغالب أصنع في اللاوعي رجلي الخاص بي، ومن ثم أرتد إلى الشعر».
وحين التقت سيلفيا بلاث بتيد هيوز في كامبردج، لم يتطلب الأمر كثيراً من الوقت كي تدرك أنه هو بالذات الرجل المثالي الذي كانت تبحث عنه في أحلام يقظتها ونومها، وأنه لا سبيل إلى الموازنة بينه وبين كل أولئك السذج الذين عرفتهم من قبل، على أن ذكاءها الحاد وحدسها العميق بقدرها المأساوي دفعاها إلى الربط الوثيق بين التوله العاطفي بالشاعر الدون جوان من جهة، والذهاب إلى تدمير الذات وتشظيها من جهة أخرى. وهو ما عكسه بشكل جلي قولها في إحدى الرسائل التي بعثت بها إلى أمها إثر لقائها بهيوز: «الشيء الأكثر تدميراً هو أنني واقعة في حب غامر، الأمر الذي لا يمكن أن يؤدي إلا إلى ضرر كبير. فقد التقيت بأعظم رجل في العالم، شاعر لامع كنت أحب شعره قبل أن ألتقي به، بجسد ضخم معافى، نصف فرنسي ونصف آيرلندي، وصوت يشبه رعد الآلهة، مغنٍّ، راوٍ، أسد من الرحيل الذي لا يتوقف أبداً». وخلال السنوات الثلاث الأولى من الزواج، تقتصر اعترافات بلاث ورسائلها على شؤون الكتابة والنشر، كما على الشؤون العائلية وانتقال الزوجين للعمل في أميركا، ومن ثم عودتهما إلى بريطانيا للسكن في منزل ريفي هادئ ملائم للكتابة، بعيداً عن صخب العاصمة وضوضائها المفرطين.
غير أن اعترافات بلاث خلال سنوات الزواج الأولى لم تكن لتخلو تماماً من الإشارة إلى الغيوم السوداء المبعثرة هنا وهناك في أفق العلاقة بين الزوجين. فهي تلمح إلى صعوبة التعايش المطمئن بين أولئك الذين ينتمون إلى حرفة واحدة، خاصة «حرفة» الكتابة والإبداع التي تدفع الأنا الفردية إلى التفاقم المرضي والاستحواذ على الآخر. إلا أن ما دفع بالعلاقة إلى الترنح لم يكن متصلاً بالمنافسة على الشهرة بين الزوجين، حيث لم تنفك بلاث عن التأكيد على «دونيتها» بصفتها شاعرة إزاء تفوق زوجها الإبداعي، ولم يكن البحث عن الاكتفاء المادي وتقسيم العمل بين الطرفين، ولا تباين المواقف والأولويات والأمزجة، بل كانت خيانة الزوج الموصوفة العلنية لزوجته الحساسة المثخنة منذ نشأتها بالطعنات. وما زاد من شعورها الممض بالألم هو كون المرأة المعنية بالخيانة هي آسيا ويفل بالذات، صديقتها الأثيرة المتزوجة بدورها من شاعر معروف. والغريب في الأمر أن إنجاب بلاث لطفليها فريدا ونيكولاس لم يسهم على الإطلاق في ترميم العلاقة المتداعية بين الزوجين المتباعدين. حتى إذا شعرت بلاث بأن حياتها الزوجية قد تحولت في مطالع ستينيات القرن المنصرم إلى جحيم حقيقي، لم تجد بداً من الانفصال عن هيوز، وصولاً إلى الطلاق النهائي.
وعلى الرغم من أن سيلفيا لم تكف أبداً عن الافتتان بزوجها الذي قطع أشواطاً بعيدة على طريق الإبداع والنجومية، فإنها رأت في أنانيته المتسلطة وسلوكه السادي ما يتعارض تماماً مع صورة الشاعر المرهف التي جسدها من قبل، بحيث إنها اعترفت لطبيبتها بأنه كان يريد قتلها تماماً لأنها باتت العقبة الأبرز التي تقف بينه وبين نزواته، وأنه عمد في إحدى المواجهات العاصفة بينهما إلى ضربها بشكل مبرح حتى الإجهاض. وإذ وصفته في رسالة أخرى بمصاص للدماء، كتبت إلى صديقتها بأنه كان غاضباً لأنها لم تنتحر، وأنه سيشعر بالراحة لو أنها أفلحت في ذلك، ووفرت عليه عناء المهمة.
كان من الطبيعي أخيراً أن تتخذ العلاقة الغريبة المعقدة بين سيلفيا بلاث وتيد هيوز بُعدها التراجيدي القاتم، وأن تحضر في الوجدان الإنساني الجمعي بصفتها جزءاً من «ميثولوجيا» الصراع الأبدي بين المرأة والرجل، بين الحب والموت، كما بين المؤسسة المثقلة بالقيود والإبداع الذي يعجز عن التحليق إلا بجناحي الحرية والجنون. وإذا كان من المتعذر أن يفلح أحد من المهتمين في تقديم إجابة شافية عما إذا كان بمقدور تيد هيوز أن يقود زوجته المحبطة إلى مصير آخر أقل هولاً من الانتحار، فإن الثابت أن صاحبة «العملاق وقصائد أخرى» قد نجحت في تحويل انتحارها لا إلى تدمير نهائي لذاتها المثلومة فحسب، بل إلى انتقام مماثل من الشخص الذي طعنها في الصميم، والذي عرفت بحدسها الثاقب أن صورتها المروعة مختنقة في فرن الغاز ستطارده كاللعنة حتى نهاية حياته. والغريب في الأمر أن اللعنة تلك لم تقتصر على الزوج وحده، بل أودت بعشيقته آسيا ويفل إلى الانتحار، إضافة إلى ابنها نيكولاس الذي سبق لبلاث أن اتهمت الأب بكرهه له وتجاهله التام، والذي انتحر مشنوقاً في السابعة والأربعين من العمر.
وإذا كان المآل المأساوي للعلاقة بين المبدعين هو الثمن الباهظ الذي لا بد للشعراء والفنانين من دفعه على طريق المقايضة المريرة بين اللغة والحياة، فإن أفضل ختام لهذه المقالة هو قول تيد هيوز مخاطباً زوجته الميتة بعد فوات الأوان: «ظل يتناهشك الظلام / والخوف من أن تُسحقي / الكلمات التي وضعتِها على الصفحة / جاءتك عندما لم أجئك أنا / وحيث شئتني أن أصعد الدرج / جاءك الرعب بدلاً مني». وقد بدا هيوز بذلك كأنه يكمل الشطر الآخر من النص الذي كتبته زوجته وهي تقطع الأمتار الأخيرة على طريق الموت، هاتفة وقد شلها اليأس: «بعد هذا البلاء العظيم / أي طقوسٍ من الكلمات / يمكن أن ترمم كل هذا الخراب؟».



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.