بوليوود تنتج 1200 فيلم وإيراداتها تصل إلى 8.1 مليار دولار في العام

نموها المطرد جذب إليها استوديوهات فوكس وديزني ووارنر براذرز

طوابير لشراء التذاكر ومشاهدة فيلم «ديلويل ديلهانيا لي جايينج» في مومباي (إ.ب.أ)
طوابير لشراء التذاكر ومشاهدة فيلم «ديلويل ديلهانيا لي جايينج» في مومباي (إ.ب.أ)
TT

بوليوود تنتج 1200 فيلم وإيراداتها تصل إلى 8.1 مليار دولار في العام

طوابير لشراء التذاكر ومشاهدة فيلم «ديلويل ديلهانيا لي جايينج» في مومباي (إ.ب.أ)
طوابير لشراء التذاكر ومشاهدة فيلم «ديلويل ديلهانيا لي جايينج» في مومباي (إ.ب.أ)

تعتبر الهند أكبر منتج للأفلام على مستوى العالم (1200 فيلم في العام) مع مبيعات للتذاكر تصل إلى نحو 3 مليار دولار وإيرادات تبلغ 8.1 مليار دولار.
كما يتوقع لصناعة الترفيه الهندية مضاعفة إيراداتها بمقدار 37.2 مليار دولار بحلول عام 2018، مسجلة نموا بمعدل سنوي مركب يبلغ 15 في المائة، وفقا لتقرير صادر عن مؤسسة برايس ووتر هاوس كوبرز الاستشارية الهندية واتحاد الصناعات الهندية.
وحاولت استوديوهات الأفلام العالمية مثل فوكس وديزني ووارنر براذرز وسوني فياكوم، ونتيجة للنمو المطرد لتلك الصناعة، خلال السنوات العشر الماضية، إيجاد موطئ قدم لها في بوليوود، وهي صناعة السينما الناطقة باللغة الهندية.
وجاءت النتيجة عبارة عن ارتباطات مع دور الإنتاج الهندية الصغيرة، لتؤسس لشركات مثل فوكس ستار ستوديوز، وديزني يو تي في، وفياكوم 18. في عام 2014، كانت الاستوديوهات الأجنبية تقف وراء نصف الأفلام العشرة الأوائل التي أنتجتها بوليوود الهندية.
بوليوود الهندية في حالة ازدهار، وأفلامها الملونة التي يتخللها كثير من الغناء والرقص جذبت إليها ملايين المعجبين. لكن صناعة السينما الهندية تتحول إلى لاعب إقليمي قوي وجديد في عالم الأفلام، ويمتلك المخرجين والفنانين الهنود الجرأة لتحقيق أقصى ما يستطيعون من خلال الروايات المحبوكة جديا مع ثقة بالذات دائمة التجدد.
في حين أن أميركا الشمالية، والشرق الأوسط، وبريطانيا يشكلون جميعا سوقا كبيرة للسينما الهندية، إلا أن الأفلام الهندية تكتسب زخمها تدريجيا وببطء في الأسواق العالمية الأخرى. وفي فترة زمنية تتجاوز 10 سنوات، تمكن كثير من مشاهير الهنود أن يصبحوا من الوجوه المعروفة عالميا والذين يمثلون عالما مثيرا وبراقا لصناعة الأفلام الهندية في الخارج.
ساعدت الأفلام الهندية برواياتها ذات الصبغة العالمية، وفرق قوية من النجوم والفنانين، والتوزيع العالمي الجيد على اكتساب قاعدة من المعجبين غير الهنود عبر كثير من الأسواق العالمية.
كان هناك طلب متزايد في الأسواق الجديدة، مثل: اليابان، والصين، وكوريا الجنوبية، وألمانيا، وحتى بيرو، على الأفلام الهندية. كما تتضمن الأسواق الخارجية كذلك دول: فيجي، وكندا، وأستراليا، ونيوزيلندا، وإندونيسيا، وموريشيوس، وشرق أفريقيا، وسنغافورة، وهونغ كونغ، وماليزيا.
حينما زارت ممثلة بوليوود الهندية سريديفي اليابان أخيرا، لم تكن من بين السائحين غير المعروفين هناك. فقد انطلق كثير من المواطنين اليابانيين يطلبون منها توقيعاتها أو التقاط صور شخصية معها. إن نجومية الممثلة سريديفي غير المعروفة على نطاق واسع لم تكن نتيجة لأفلامها الشهيرة في فترة الثمانينات حينما كانت نجمة الشاشة الهندية الأولى. بل كانت نتيجة لفيلمها الأخير «إنجليش فانجليش». فالنسخة المدبلجة من الفيلم حققت نجاحا باهرا في دور العرض اليابانية وساعدت في اكتسابها لمعجبين جدد في تلك البلاد. سجل فيلم «إنجليش فانجليش» رقما قياسيا في اليابان ويمثل نقطة فارقة في دخول بوليوود إلى أسواق جديدة غير مطروقة من قبل، مثل: اليابان، وكوريا، ورومانيا، وتايوان، وإسرائيل، وفرنسا، ودول شرق أفريقيا. كما تم عرض فيلم «إنجليش فانجليش» في دور العرض بألمانيا.
يقول موزع الأفلام سليل شيخ إن الجمهور العالمي يستلزم قدرا من التكيف. بالنسبة لفيلم «إنجليش فانجليش»، ألغى الاستوديو أغنيتين من أغاني الفيلم، وتمت دبلجة الفيلم باللغة المحلية وتغير عنوانه ليناسب الحساسيات المحلية. كما اقتطع 30 دقيقة كاملة من النسخة الصينية لفيلم «دوم 3». واحتفظ استوديو واي أر إف بتلك الأغاني التي تساعد الحبكة الروائية للفيلم. سوف تنتقل نفس النسخة من الفيلم إلى اليابان في ديسمبر (كانون الأول). وفقا لتصريح إفتار بانيسار، نائب رئيس العمليات الدولية في استوديو واي أر إف الهندي.
يقول كومار أهوجا، مدير تطوير الأعمال لدى شركة إيروس إنترناشيونال ميديا المحدودة «اجتذبت الأفلام المدبلجة ذات الترجمة بلغات أجنبية، كثيرا من الجماهير. وأكد نجاح مثل تلك الأفلام في الأسواق الجديدة على حقيقة مفادها أن الأفلام ذات المحتوى القوي والتسويق والتوزيع المدروس سوف تلقى دائما التقدير الذي تستحقه».
تذهب أفلام بوليوود الهندية إلى أماكن غير معروفة مسبقا بالنسبة للموزعين الهنود مثل كينيا، وأوغندا، وسوريا، ولبنان، بالإضافة إلى دول جنوب آسيا. كان فيلم «كوكتيل» من بطولة الممثل سيف علي خان أول فيلم هندي يحصد مائة ألف دولار في شباك التذاكر في كازاخستان وقيرغيزستان.
تخرج الأفلام باللغة الهندية وغيرها من اللغات المنطوقة في الهند مع الترجمة الإنجليزية إلى سوق الشرق الأوسط. وقد بدأ توزيع الأفلام الهندية هناك منذ أربعينات القرن العشرين، مما جعل تلك المنطقة من أكبر 3 أسواق للسينما الهندية التي تأتي بعد الأفلام الأميركية والبريطانية.
يقول موزع الأفلام الهندية سليل شيخ: «إننا في حاجة إلى إعادة النظر في منطقة الشرق الأوسط بكاملها حيث لا يزال هناك إمكانية قوية للنمو. وهناك إمكانيات ضخمة من وراء ذلك التفاعل».
يغذي افتتان متابعي برامج التلفاز العربية بأفلام بوليوود الرائجة النمو السريع في مجال دوبلاج الأفلام إقليميا، وفقا لبعض المديرين التنفيذيين العاملين في تلك الصناعة. تدفع الأفلام من بطولة الأسماء الفنية اللامعة مؤسسات الدبلجة الإقليمية، التي توفر الأصوات العربية لدبلجة الأفلام الأجنبية، إلى توسيع قاعدة أعمالها مع عرض القنوات التلفزيونية بالشرق الأوسط للمزيد والمزيد من المحتويات الفنية المنتجة في بوليوود.
يضيف بانيسار: «هناك 35 قناة فضائية تعرض المحتوى المدبلج في منطقة الشرق الأوسط، مع المزيد من المحاولات للوصول إلى الأسواق العالمية ومحاولة لإيجاد الهوية وتأسيس الذات كمصدر مشهور من السينما الفنية والإبداعية. وقد تمكنت بوليوود من الوصول إلى السوق الصيني المغلقة. وقد قررت شركة ياش راج فيلم، وهي الأكثر شعبية في بوليوود، الارتباط مع الموزع الصيني المحلي المعروف باسم إتش جي سي للترفيه. دائما ما أعتقد أننا بحاجة إلى شريك محلي يتفهم السينما التي نقدمها وطريقتنا في عرضها. تهتم شركة إتش جي سي للترفيه كثيرا بأفلام بوليوود. ولذلك، فإنني اعتبرها خطوة أولى على الطريق».
حققت إصدارات بوليوود: فيلم «بي كي»، و«سنة جديدة سعيدة»، و«دوم 3»، نجاحات كبرى في شباك التذاكر الصيني. غير أن عرض أفلام بوليوود في الصين لن يكون بمثابة النزهة اللطيفة حيث لا يمكن السماح بإصدار كثير من الأفلام في تلك الدولة. في واقع الأمر، ووفقا للحكومة الصينية، يُسمح فقط بعرض 34 فيلما أجنبيا في كل عام ومن بينهم 5 أفلام فقط من بوليوود الهندية والبقية لأفلام دولية أخرى التي تتصدرها أفلام هوليوود الأميركية.
يقول أتول موهان، وهو محلل تجاري: «تمتلك الصين نحو 30 ألف دار عرض سينمائي، والهند في المقابل لا تمتلك إلا نحو 9500 دار عرض. وعدد دور العرض الصينية المسموح بعرض الأفلام الهندية فيها، لا يتجاوز 3500 إلى 5 آلاف دار عرض، وهو أكبر إصدار لأكبر ميزانية يمكن أن يُعرض في الهند».
في الوقت ذاته، يبحث كبار المديرين من شركة ياش راج فيلما في الإمكانيات المتاحة لفتح أسواق جديدة في كوريا الجنوبية، وأوزبكستان، وجنوب أفريقيا.
يعتقد المحلل التجاري تاران أدراش أن هناك تغيرا ما في تلقي السينما الهندية لدى الأسواق غير التقليدية، وربما هذا هو السبب الكامن وراء الاندفاع المفاجئ لأفلام بوليوود هنا. ويضيف قائلا: «الآن، تمتلك بوليوود كثيرا من العناصر التي هي على قدم المساواة مع المعايير الدولية مثل النهاية، ونظم الصوت، وجودة الأفلام أو نوعية المحتوى المقدم. إننا فقط نقدم لهم مذاقا لبوليوود الحالية».
شهدت دورة عام 2014 من المهرجان الدولي لجوائز السينما الهندية المنعقد في تامبا بولاية فلوريدا، حضور كبار فناني هوليوود مثل كيفين سبايسي، وجون ترافولتا الذي رقص أمام المعجبين بأفلام بوليوود الهندية. إن ذلك لا يؤكد إلا على اجتياز صناعة السينما الهندية للحدود الدولية.
في مهرجان السينما الدولي الأخير، جاء كثير من موزعي الأفلام من الصين وكوريا الجنوبية وكثير من دول شرق آسيا يبحثون عن أحدث الأفلام الهندية التي يمكن عرضها في بلدانهم.
يقول بروس لي وهو أحد موزعي الأفلام من كوريا الجنوبية «بصفتي موزعا للأفلام الكورية، فأنا أوجد في العاصمة سيول بشكل أساسي، وأحاول اختيار أفضل الأفلام الهندية لعرضها في كوريا. لذلك، فأنا هنا اليوم للمرة الثالثة، وللعام الثالث على التوالي. لا بد أن هناك بعض الأفلام الهندية الجيدة التي يمكن عرضها في بلادي، وذلك هو السبب من زيارتي».
كان هناك حضور أيضا لوزارات السياحة من مختلف الدول، ويختارون أماكن رائعة في بلادهم لجذب صناع الأفلام الهندية إليها. كما يأتي كثير من المؤلفين الدوليين بانتظام إلى الهند بحثا عن المؤلفين الهنود الصغار وعن رواياتهم.
يقول براناب كاباديا، مدير التوزيع لدى شركة إيروس إنترناشيونال ميديا المحدودة: «تعتبر السينما الهندية هي الأكبر والأفضل في العالم. لدينا جمهور عريض وهائل في الهند. ولكن الآن، إننا والناس في حاجة إلى رواية قصصنا بأسلوب يلقى تقديرا لدى الجمهور الدولي، نظرا لأن الناس يريدون المهارات التي يمتلكها صناع الأفلام الهندية. والناس من الشركات الكبرى بالخارج يريدون المهارات ذاتها. وإحدى تلك المهارات يجب أن تكون رواية القصص التي تلائم الجميع، وليس الجمهور الهندي فحسب».
يقول ناندكومار بيلي، وهو موظف لدى رابطة مصدري الأفلام الهندية: «هناك طلب متزايد على نوعية أفلامنا الهندية، وخصوصا أفلام بوليوود. غير أنهم لا يريدون أفلام العنف أو الجنس، بل يريدون قصص الحب، والموضوعات الأسرية، والميلودرامية».



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».