العالم لن يتجاوز جائحة «كورونا» قبل 2023

أوروبا تخرج من النفق... وأفريقيا وأميركا اللاتينية تدخلانه

أحد عنابر العناية المكثفة لمرضى «كورونا» في مدينة برشلونة الإسبانية أمس (إ.ب.أ)
أحد عنابر العناية المكثفة لمرضى «كورونا» في مدينة برشلونة الإسبانية أمس (إ.ب.أ)
TT

العالم لن يتجاوز جائحة «كورونا» قبل 2023

أحد عنابر العناية المكثفة لمرضى «كورونا» في مدينة برشلونة الإسبانية أمس (إ.ب.أ)
أحد عنابر العناية المكثفة لمرضى «كورونا» في مدينة برشلونة الإسبانية أمس (إ.ب.أ)

بعد عام ونصف العام على ظهور جائحة «كوفيد - 19»، التي أوقعت حتى الآن ما يزيد عن أربعة ملايين ضحية في جميع أنحاء العالم، وكانت أوروبا بؤرة انتشارها الرئيسية الأولى، وفي ذروة الموجات الجديدة التي تشهدها أميركا اللاتينية وأفريقيا وبعض البلدان الآسيوية الكبرى مثل الهند وإندونيسيا وماليزيا، حذرت منظمة الصحة العالمية من أن القارة الأوروبية قد تكون على أبواب موجة وبائية جديدة، أقل خطورة من تلك التي شهدتها في ربيع العام الفائت، لكن بعدد أكبر من الإصابات قد تعجر بعض الأنظمة الصحية عن استيعابه.
وقال مدير الطوارئ الصحية في المنظمة الدولية مايك رايان، إن جميع مناطق العالم شهدت ارتفاعاً في عدد الإصابات الجديدة خلال الأسبوع الفائت، منبهاً إلى عدم الوقوع في خطأ الاعتقاد بأن التغطية اللقاحية وحدها تكفي لمنع انتشار الفيروس، ومحذراً من عواقب تخفيف قيود العزل وتدابير الوقاية، لأن غالبية السكان ما زالت من غير حماية مناعية، الأمر الذي يضع الفئات الضعيفة مجدداً في دائرة الخطر.
من جهته، قال مسؤول العلاقات الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، إن «أوروبا بدأت تخرج من نفق الجائحة، لكن العالم كله لن يتجاوزها قبل عام 2023، خصوصاً أن الوضع ما زال حرجاً في أميركا اللاتينية وأفريقيا والهند». وكان بوريل يتحدث في المنتدى الأوروبي حول تداعيات «كوفيد – 19» على العلاقات الجيوستراتيجية والاقتصاد العالمي، حيث قال «ستترك لنا الجائحة عالماً مختلفاً عن الذي كنا نعرفه، عالماً رقمياً بامتياز، وفوارق أعمق من شأنها أن تهدد الاستقرار الاجتماعي والسياسي في مناطق كثيرة». وذكر بوريل بتحذيرات الأمم المتحدة من عواقب عدم توزيع اللقاحات على جميع البلدان بسرعة وإنصاف، والتأهب للجوائح المقبلة.
وجاءت تحذيرات منظمة الصحة الدولية في الوقت الذي أفاد «المركز الأوروبي لمكافحة الأمراض السارية والوقاية منها» أن إسبانيا عادت لتتصدر البلدان الأوروبية من حيث معدل سريان الوباء. وأوضحت أن الموجة الجديدة قد تشهد عدداً أكبر من الإصابات، رغم أن الوفيات ستكون أقل بدرجة ملحوظة بسبب حملات التلقيح الواسعة. وفي الخريطة التي ينشرها المركز أسبوعياً للتنبيه من درجة مخاطر السفر داخل بلدان الاتحاد الأوروبي، ظهرت معظم البلدان باللون الأخضر الذي يدل على تدني مستوى المخاطر، فيما ظهرت إسبانيا والبرتغال باللون الأحمر كمؤشر على درجة عالية من الخطورة.
وكانت قاعدة بيانات جامعة أكسفورد قد أظهرت تفاوتاً كبيراً جداً في عدد الإصابات الجديدة مقابل عدد السكان في البلدان الأوروبية، حيث لا يتجاوز هذا العدد 7 إصابات لكل مائة ألف مواطن في ألمانيا، بينما يزيد عن 317 في إسبانيا. لكن المركز الأوروبي أشفع الخريطة الأخيرة بتحذير من أن طفرة «دلتا» التي تتسع دائرة انتشارها بسرعة، والتي يرجح أن تصبح الطفرة السائدة في جميع بلدان الاتحاد قبل نهاية هذا الصيف، من شأنها أن تعيد رسم مشهد وبائي قاتم في أوروبا بعد أشهر من التراجع في عدد الإصابات والوفيات واستعادة المنظومات الصحية قدراتها.
ويقول خبراء منظمة الصحة إن تراخي المراقبة على حركة السفر، وتخفيف القيود على التجمعات والتدابير الوقائية، وارتفاع عدد الإصابات بين الشباب، هي من الأسباب التي وضعت أوروبا مجدداً في دائرة الخطر من ظهور موجة وبائية جديدة. وينبه المركز الأوروبي لمكافحة الأمراض السارية من خطورة الانقياد وراء التفاؤل المفرط بفاعلية اللقاحات لمنع سريان الفيروس، خصوصاً خلال هذه الفترة التي تشهد حركة تنقل كثيفة وتجمعات كبيرة يشارك فيها الشباب الذين لم يتلقحوا بعد، وتروج لها قطاعات اقتصادية تعيش منها. ويدعو خبراء المركز الحكومات الأوروبية إلى تشديد تدابير المراقبة على أنشطة الشباب وتحركاتهم خلال فترة الصيف، وزيادة حملات التوعية، وتكثيف جهود التلقيح للفئات العمرية الشابة.
تجدر الإشارة إلى أن إسبانيا كانت باشرت بتخفيف القيود الاجتماعية والتدابير الوقائية منذ مايو (أيار) الفائت، خلافاً لمعظم البلدان الأوروبية التي أبقت على هذه التدابير لفترة أطول. فرنسا مثلاً، لم ترفع القيود على أماكن الترفيه الليلية حتى نهاية الأسبوع الفائت، وهولندا عادت وفرضتها مؤخراً بعد أسبوع من رفضها، فيما لا تزال ألمانيا تمنع التجمعات في الأماكن المغلقة لما يزيد عن عشرة أشخاص وفرضت قيوداً على سفر مواطنيها إلى إسبانيا والبرتغال.
وفيما تستعد الدول الأوروبية لمواجهة أسبوع حاسم في المعركة ضد الوباء، وتزداد المخاوف من ظهور موجة جديدة، سجلت معظم الدول الأوروبية ارتفاعاً في عدد الإصابات الجديدة لليوم العاشر على التوالي، حيث زادت الإصابات في فرنسا عن خمسة آلاف في الساعات الأربع والعشرين الماضية. ويترقب الفرنسيون الكلمة التي من المنتظر أن يوجهها اليوم الاثنين الرئيس إيمانويل ماكرون بعد أن يرأس اجتماعاً استثنائياً لمجلس الدفاع الوطني مخصصاً للأزمة الصحية، التي سيعلن فيها عن حزمة جديدة من التدابير الوقائية، ويحض مواطنيه على تناول اللقاح.
وفي إيطاليا، استمر الارتفاع في عدد الإصابات الجديدة نتيجة طفرة «دلتا» التي أصبحت السائدة في البلاد بنسبة 58 في المائة، بينما أعلنت البرتغال فرض شهادة التلقيح أو فحص سلبي كشرط لدخول الفنادق في جميع أنحاء البلاد والمطاعم والمقاهي في المناطق السياحية والمدن الكبرى مثل لشبونة وأوبورتو وفارو. وصرح وزير الصحة البرتغالي بأن حظر التجول الليلي سيبقى سارياً، وأن انتشار طفرة «دلتا» بلغ 90 في المائة من مجموع الإصابات المؤكدة. وفي مالطا أعلن وزير الصحة كريس فيرن، أن العالم كله أصبح «منطقة حمراء»، بحيث يمنع دخول الوافدين إلى الجزيرة من غير شهادة تلقيح أو فحص سلبي، وذلك بعد أن تضاعف عدد الإصابات الجديدة خمس مرات في الأيام العشرة المنصرمة، علماً بأن التغطية اللقاحية في مالطا بلغت 79 في المائة من السكان البالغين.


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟