أفغانستان... سيناريوهات ما بعد الانسحاب وحسابات الربح والخسارة

قوات أمن في قندهار خلال معارك مع مقاتلي حركة «طالبان» أمس (أ.ف.ب)
قوات أمن في قندهار خلال معارك مع مقاتلي حركة «طالبان» أمس (أ.ف.ب)
TT

أفغانستان... سيناريوهات ما بعد الانسحاب وحسابات الربح والخسارة

قوات أمن في قندهار خلال معارك مع مقاتلي حركة «طالبان» أمس (أ.ف.ب)
قوات أمن في قندهار خلال معارك مع مقاتلي حركة «طالبان» أمس (أ.ف.ب)


«المهمة لم تفشل – حتى الآن». كان هذا رد الرئيس الأميركي جو بايدن، الخميس، على من يسأل عما إذا فشلت بلاده في تحقيق أهدافها في أفغانستان بعد عقدين من انخراطها عسكرياً في هذا البلد الذي يُوصف بـ«مقبرة الإمبراطوريات». إجابة بايدن تحمل إقراراً ضمنياً بأن الولايات المتحدة تواجه فشلاً ذريعاً ذاق مرارته غيرها من الدول الكبرى، وهو احتمال بات وشيكاً، كما يبدو، إذا ما صح إعلان حركة «طالبان»، أمس، أنها باتت تسيطر على 85% من أفغانستان، قبل أسابيع من انتهاء الانسحاب الأميركي، بنهاية أغسطس (آب) المقبل.
هل سيتكرر الآن في كابل «سيناريو سايغون» وتسقط حكومة الرئيس أشرف غني؟ هل ستنجح «طالبان» في إكمال سيطرتها على أفغانستان؟ هل ستغرق البلاد في حرب أهلية جديدة تعيد إحياء «تحالف الشمال»؟ هل ستعود «القاعدة»، تحت جناح «طالبان»، مثلما كان الوضع قبل 20 عاماً؟ وما مصير فرع «داعش» في خراسان؟
هذه جولة على بعض سيناريوهات ما يمكن أن يحصل في أفغانستان مع انتهاء الانسحاب الأميركي، مع تقييم لمكاسب، أو خسائر، أطراف النزاع:


- سايغون جديدة؟
منذ إعلان الرئيس السابق دونالد ترمب، سحب قوات بلاده من أفغانستان بحلول مايو (أيار) 2021، شهدت هذه الدولة تسارعاً في تقدم «طالبان» ميدانياً، مع انهيارات متتالية للقوات الحكومية. ولم تتغير هذه الصورة كثيراً بعد إعلان الرئيس الجديد، جو بايدن، تأخير إكمال الانسحاب بضعة شهور، وبالتحديد إلى ما قبل حلول ذكرى هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، لكن تقدم «طالبان» الذي كان يحصل بالتدريج، بدا في الأيام الماضية كأنه بات سيلاً جارفاً، مع استسلام مئات من قوات الأمن الأفغانية وإلقائهم السلاح، غالباً بموجب وساطات قَبَلية، أو بالفرار إلى دول مجاورة، إذا كانوا في مواقع حدودية. وكان واضحاً أن قوات الحكومة تعاني انهياراً في معنوياتها، فتقرر تفادي مواجهة قد لا تكون متكافئة، خصوصاً في ظل تركيز كابل على إرسال قواتها الخاصة للدفاع عن مراكز الولايات، ما يعني بالتالي إهمال الأرياف وتركها تحت رحمة «طالبان».
وتبدو الصورة الآن قاتمة جداً بالنسبة إلى حكومة كابل، خصوصاً مع إعلان «طالبان» السيطرة على 85% من مساحة أفغانستان، بما في ذلك 250 من المديريات الـ398 في عموم البلد. وإضافة إلى تمددها داخل أفغانستان، توسعت «طالبان» في الأطراف وباتت تسيطر على الجزء الأكبر من الحدود الشمالية مع طاجيكستان، وعلى جزء من الحدود مع أوزبكستان، وكذلك غرباً مع إيران بعد سقوط معابر حدودية في أيدي مقاتلي الحركة الذين كانوا قد سيطروا أيضاً على مناطق حدودية مع الصين، بشمال شرقي البلاد. أما بالنسبة إلى جنوب البلاد، فلطالما كانت الحدود الطويلة مع باكستان قاعدة خلفية لمقاتلي الحركة الذين أعادوا هناك بناء صفوفهم بعد إطاحة نظامهم عام 2001، وليس سراً أن قياداتهم الأساسية المعروفة بـ«شورى كويتا» كانت تتخذ من هذه المدينة الباكستانية مقراً لها، علماً بأن زعيم الحركة السابق، الملا عمر، توفي خلال اختبائه في باكستان عام 2013.
وفي مقابل هذا التمدد «الطالباني» داخل البلاد وعلى حدودها، إلا أن حكومة كابل استطاعت، حتى الآن، الاحتفاظ بعواصم الولايات بعدما دعمتها بقوات كوماندوس لمنع سقوطها. ورغم أن قوات «طالبان» تقف حالياً على أبواب العاصمة الأفغانية وتسيطر على مساحات واسعة من الولايات المحيطة بها، فإن كابل نفسها لا تبدو مهددة بسقوط وشيك. فالقوات الحكومية تُحكم السيطرة عليها، لكن مشكلتها الأساسية أنها مدينة لا يمكن الدفاع عنها إذا ما سقطت الجبال المحيطة بها. فمن يمسك بالتلال والجبال حول كابل يمكنه في الواقع أن يحولها جحيماً، كما حصل في تسعينات القرن الماضي عندما تصارع المجاهدون الأفغان فيما بينهم على من يرث السلطة بعد سقوط نظام نجيب الله، فتسببوا في دمار أجزاء واسعة من عاصمتهم. والأرجح أن «معركة كابل» ما زال لم يحن موعدها، وبالتالي فإن «سيناريو سايغون» لا يبدو وشيكاً. لكن، لمن يحب المقارنات التاريخية، لم تسقط عاصمة جنوب فيتنام في أيدي الشيوعيين إلا عام 1975، أي بعد سنتين من «اتفاق السلام» الذي وقّعته الولايات المتحدة مع بقية أطراف النزاع الفيتنامي في باريس عام 1973 والذي مهّد لانسحابها من «المستنقع الفيتنامي». اتفاق الدوحة بين الأميركيين و«طالبان» أُبرم في 29 فبراير (شباط) 2019. لكن الانسحاب الأميركي لن يكتمل سوى الشهر المقبل. فكم ستصمد كابل؟

- «طالبان» جديدة؟
تبدو «طالبان»، بنسختها الحالية، كأنها توزّع «وعوداً» على كل الأطراف الخارجية المعنية بالأزمة الأفغانية، في مقابل تصلبها في مواجهة خصومها المحليين. فهي طمأنت الأميركيين، منذ ما قبل اتفاق الدوحة، بأنها لن تسمح باستخدام أفغانستان من جديد قاعدة لمن يخطط لهجمات إرهابية خارجها، في تأكيد لعدم السماح بتكرار هجمات على غرار 11 سبتمبر عندما استخدم تنظيم «القاعدة» مناطق «طالبان» لتدريب عناصره على «غزوة نيويورك وواشنطن» قبل 20 عاماً. ولم تكتفِ «طالبان» هذه المرة بتقديم مثل هذه التعهدات للأميركيين، بل إن مسؤوليها يجوبون دول العالم، مكررين وعوداً بأن بلادهم لن تتحول من جديد مرتعاً لـ«الإرهابيين». وفي هذا الإطار، سُجّلت مشاركة وفود من «طالبان» أكثر من مرة في مؤتمرات سلام استضافتها دول خارجية، مثل روسيا، العدوة السابقة للمجاهدين الأفغان. كما قدمت «طالبان»، في هذا الإطار، تعهدات لجيرانها إلى الشمال، وهم حلفاء موسكو التقليديون، بأنها لا تشكل خطراً عليهم. كما قدمت تعهدات مماثلة للإيرانيين الذين كانوا يقدمون دعماً عسكرياً محدوداً لـ«طالبان» بهدف إبقاء الأميركيين غارقين في «مستنقعهم الأفغاني»، علماً بأن للإيرانيين حلفاء تقليديين في أفغانستان، على غرار حزب الوحدة الشيعي الذي ينتمي إلى أقلية الهزارة. كما أن تطمينات قادة «طالبان» وصلت حتى إلى جيرانهم الصينيين شرقاً بأنهم لن يتدخلوا في شؤون الصين الداخلية بل إنهم يرحبون باستثماراتها على أرضهم في إطار مبادرة الحزام والطريق. ومعلوم أن أفغانستان، خلال حكم الملا عمر، كانت قاعدة أساسية لحزب متشدد يضم مسلمين من أقلية الأويغور في إقليم شينجيانغ (تركستان الشرقية). ولا يبدو أن جيران «طالبان» إلى الجنوب، باكستان، بحاجة لتطمينات، إذ إن جزءاً من قادة الحركة الأفغانية يعيشون تحت حمايتها وعلى أرضها، في حين أن لاستخبارات إسلام آباد علاقات مزعومة قوية بجناح فاعل في «طالبان» ممثلاً بما تُعرف بـ«شبكة حقاني».
هل ستفي «طالبان» بكل هذه الوعود والتطمينات؟ الأيام وحدها كفيلة بإظهار ما إذا كانت الحركة جادة فعلاً في عدم تكرار ظاهرة «القاعدة»: جماعات أجنبية تعمل تحت جناحها وتتصرف كأنها «دولة داخل دولة».

- حرب أهلية جديدة؟
ليست أفغانستان بحاجة في الحقيقة لحرب أهلية جديدة، فهي تعيشها منذ سنوات، لكن التوقعات هي أنها ستتفاقم أكثر في حال عدم الوصول إلى اتفاق على إقامة حكم جديد بين «طالبان» وحكومة كابل. ومؤشرات تفاقم الحرب الأهلية بدأت تتصاعد في الأيام الأخيرة، من خلال عودة «أمراء الحرب» السابقين إلى تنظيم صفوفهم لمنع سيطرة «طالبان» كلياً على أفغانستان. ففي غرب البلاد، بدأ إسماعيل خان، «أسد هرات» أيام مواجهة الجيش الأحمر السوفياتي في ثمانينات القرن الماضي، في تنظيم مؤيديه لوقف تمدد «طالبان» بعدما سيطرت على معبر حدودي مع إيران في ولاية هرات. ولأقلية الهزارة بوسط أفغانستان ميليشيات مسلحة تنشط في مناطق انتشارهم، خصوصاً بعد تكاثر هجمات تنظيم «داعش» على أتباعها. ويحظى الهزارة بدعم إيراني واضح وتاريخي. أما في شمال البلاد، فمن غير المستبعد عودة «تحالف الشمال» الذي ضم خصوصاً الطاجيك والأوزبك في تسعينات القرن الماضي ومنع «طالبان» من إكمال سيطرتها على أفغانستان، علماً بأن مقعد حكومة كابل في الأمم المتحدة بقي في عهدة حكومة التحالف الشمالي على رغم طرده من العاصمة الأفغانية. لكن الوضع اليوم يوحي بأن «طالبان» نجحت في تحقيق اختراق واضح في المناطق التقليدية لخصومها في «تحالف الشمال»، حيث سجّلت الحركة تمدداً كبيراً في ولايات بدخشان وتخار وقندوز وبلخ، ما يعني أنها لم تعد، كما كان يُنوستكون الأسابيع المقبلة اختباراً حقيقياً لسيناريو «الحرب الأهلية»،

- «داعش» و«القاعدة»
تمدد تنظيم «داعش» إلى أفغانستان عندما كان في أوج نفوذه بسوريا والعراق بين عامي 2014 و2016، وأقام فرعاً له تحت مسمى «ولاية خراسان». لكنه انحسر، كما يبدو، بعد هزيمة «التنظيم الأم» في معاقله الأساسية في الشام وبلاد الرافدين. والواقع أن «داعش خراسان» هو نتاج محلي صرف، تمثل في انشقاقات داخلية في صفوف «طالبان» حيث انضم القائمون بها إلى «داعش»، خصوصاً في شرق أفغانستان، مثل كونار وننغرهار. وخاض هؤلاء مواجهات دامية ضد «طالبان» ودأبوا على تعييرها بأنها «جماعة وطنية» وليست «جهادية». لكن دمويتهم ظهرت أساساً في سلسلة من الانتحاريين الذين فجّروا أنفسهم في كابل ومناطق مختلفة من شرق أفغانستان، متسببين في مقتل مئات المدنيين، بالإضافة إلى مسؤولين وعناصر أمن من الحكومة الأفغانية.
وقد ساهم في كسر «شوكة» فرع «داعش» تحالف غير معلن، لكنه فعلي، بين ثلاثة أطراف. إذ قام الأميركيون بقصف جوي عنيف لمواقع انتشار «ولاية خراسان»،
أما «القاعدة»، فليس واضحاً كيف سيكون شكل علاقتها مع «طالبان» في المستقبل. وقد أعلنت الحكومة الأفغانية، في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أنها قتلت الرجل الثاني في «القاعدة» أبو محسن المصري، خلال وجوده في ولاية غزني إلى تنتشر فيها «طالبان» على أبواب كابل، ما يوحي بأن العلاقة لم تنقطع بين الطرفين.

- الأميركيون: رابحون أم خاسرون؟
ويبقى السؤال: هل يخرج الأميركيون من «المستنقع» رابحين أم خاسرين؟ إن مجرد خروجهم من المستنقع سيُعد نجاحاً بلا شك، كونه سيُنهي استنزاف مقدراتهم المادية التي كلّفت مليارات الدولارات، وأيضاً مقدراتهم البشرية التي استنزفت آلاف الضحايا من الجنود على مدى 20 عاماً. كما أن إنهاء الانخراط في «حرب لا تنتهي» سيمثل أيضاً مكسباً لإدارة بايدن. لكن المكاسب يمكن بسهولة أن تتحول إلى خسائر، إن لم تكن تحولت أصلاً. فالأفغان الذين تعاونوا مع الأميركيين ضد «طالبان» عام 2001 سيفكرون ملياً اليوم في جدوى الاعتماد على «حليف» يمكن أن يحزم حقائبه ويرحل ليتركهم تحت رحمة أعدائهم السابقين، كما يحصل اليوم. كما أن انسحاب أميركا كلياً من أفغانستان سيحرمها من معلومات استخباراتية يسهل الحصول عليها حالياً من خلال شبكة عملاء. أما الخسارة الكبرى المحتملة فهي أن تسقط حكومة كابل ويفر ملايين الأفغان من «طالبان» إلى دول الجوار وتغرق البلاد في حرب أهلية أشد عنفاً ودموية، وتتحول «طالبان» من تنظيم يوزع وعوداً وتطمينات إلى جماعة تؤوي إرهابيين مطلوبين حول العالم، كما كانت في تسعينات القرن الماضي.



النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
TT

النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)

على مدى القرون الخمسة الماضية، كانت اليابسة محور التنافس والصراع بين المجتمعات البشرية، حتى أصبح كل شبر منها، باستثناء القارة القطبية الجنوبية، خاضعاً لسيادة دولة ما، في حين ظلت المحيطات والبحار خارج هذه السيطرة.

بنما سيتي مدينة تكتسب أهميتها من قناة بنما (أ.ف.ب)

وعندما حاول بعض الدول فرض السيطرة على البحار وتنظيمها، فشلت المحاولات لأنها كانت شاسعة للغاية، بحيث تعذرت السيطرة عليها لفترات طويلة. وخلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، في النصف الثاني من القرن العشرين، تجنبت القوى العظمى الدخول في سباق محموم للاستيلاء على المحيطات.

واتفقت معظم الحكومات على التعامل معها من خلال مجموعة من المعاهدات والهيئات التي سعت إلى ضمان حرية الملاحة في المياه الدولية، مع تخصيص مساحات من البحار للدول المطلة عليها بتصنيفها مياهاً إقليمية أو منطقة اقتصادية خالصة لكل دولة.

لكن ميشال ألبرتوس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو الأميركية، يقول في تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز»، إن هذا النظام الدولي للبحار والمحيطات ينهار الآن، حيث يعطّل الحوثيون في اليمن حركة الملاحة في مضيق باب المندب، فيما يدور صراع بمنطقة مضيق هرمز.

وفي يوليو (تموز)، طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فكرة تحصيل الولايات المتحدة رسوماً على المرور في «هرمز»، قبل أن يتراجع عن الخطة لاحقاً.

سفن راسية في مياه عُمان قرب مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي الوقت نفسه، تتنافس حكومات أخرى للسيطرة على المياه الدولية والموارد البحرية؛ فتسعى روسيا لبسط سيطرتها على مساحات شاسعة من مياه القطب الشمالي وقيعان البحار، وتُنشئ الصين جزراً اصطناعية في بحر الصين الجنوبي، وتوسع الولايات المتحدة نطاق نفوذها في قيعان البحار خارج منطقتها الاقتصادية الخالصة، وتسعى دول عديدة لبدء استخراج المعادن النادرة الحيوية من المحيطات.

* توجه عالمي

يأتي هذا التوجه العالمي نحو السيطرة على الممرات البحرية أو مساحات شاسعة من البحار والمحيطات، بالتزامن مع تدهور قوة المؤسسات والمعاهدات الدولية التي حافظت على حرية الملاحة في المحيطات على مدى عقود. والآن تواجه التجارة العالمية تهديداً وجودياً إذا سارعت الحكومات إلى فرض سيطرتها على بحار الأرض، كما فعلت مع اليابسة، ليدخل العالم حقبة جديدة من الصراعات البحرية.

سفينة شحن راسية عند الساحل اليمني قرب باب المندب (أ.ف.ب)

ويقول ألبرتوس مؤلف كتاب «عودة الغزو» الذي لا يزال قيد الطبع، إن العالم الذي يتم فيه تقسيم المحيطات سيكون حتماً أفقر وأشد خطورة.

وبعد أن أعلنت إيران عزمها على فرض رسوم عبور في مضيق هرمز الذي تسيطر عليه وتغلقه عملياً منذ الهجوم الأميركي - الإسرائيلي عليها في نهاية فبراير (شباط) الماضي، لمّح وزير المالية الإندونيسي إلى احتمال فرض بلاده رسوم عبور في مضيق ملقا، قبل أن يتراجع عن تصريحه فيما بعد. ويعد مضيق ملقاً ممراً بحرياً حيوياً في جنوب شرقي آسيا يمر عبره نحو 29 في المائة من إمدادات النفط العالمية المنقولة بحراً.

كما أن الصين دأبت على تجاهل حكم ملزم صدر عام 2016 بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يرفض مزاعمها الواسعة في بحر الصين الجنوبي. وتخالف بكين هذا القرار ببناء جزر اصطناعية على الشعاب المرجانية المتنازع عليها، والتعدي على المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين، ومحاصرة تايوان.

أما روسيا، فتدور حولها شبهات بشأن استخدام سفن ذات هويات مخفية لقطع الكابلات البحرية، بوصف ذلك جزءاً من حملة أوسع لزعزعة استقرار الدول الأوروبية رداً على دعمها لأوكرانيا في حربها ضد روسيا.

* تغيّر المناخ

من المنتظر أن يؤدي تغير المناخ إلى نشوب نزاعات جديدة عبر المحيطات؛ فمع استمرار ذوبان الجليد في القطب الشمالي من المنتظر أن تنشط حركة الملاحة البحرية في الطريق البحري الجديد الذي ربط أوروبا وآسيا على طول الساحل الروسي المطل على القطب الشمالي. ومن الصعب تصور سماح موسكو بحرية المرور عبر هذا الطريق، علماً بأنها تجبر حالياً السفن الأجنبية التي تمر عبر هذا الطريق، على الخضوع لنظام معقد وخانق من التصاريح والتراخيص. كما أنها تعامل ممرات مائية، مثل مضيق فيلكيتسكي قبالة الساحل السيبيري، على أنها ممرات مائية داخلية تخضع للولاية القضائية الروسية، وليست مضائق دولية.

ولا تقتصر الصراعات على المحيطات على السيطرة على حركة الملاحة؛ فمع هيمنة الصين على الإمدادات العالمية الحالية من معادن الأرض النادرة واستغلالها لها ورقةَ ضغط قوية، تستكشف دول أخرى إمكانات استخراج المعادن من قيعان المحيطات؛ إذ تحتوي أراضي المحيطات في مناطق مثل منطقة كلاريون-كليبرتون في شمال المحيط الهادئ بين هاواي والمكسيك، وحوض المحيط الهندي الأوسط، وحوض بنرين في جنوب المحيط الهادئ، على كميات ضخمة من الأحجار التي تحتوي على معادن بالغة الأهمية.

غواصة تايوانية يظهر برجها في مياه مضيق تايوان (رويترز)

وقد أصدرت السلطة الدولية لقاع البحار، التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة، عشرات عقود التنقيب التي تسمح للحكومات بمسح قاع المحيط ورسم خرائطه، وجمع البيانات البيئية، واختبار تقنيات الاستخراج. إلا أن الهيئة تحظر حالياً التعدين التجاري لعدم اتفاق أعضائها على المعايير البيئية أو قواعد الامتثال لها.

* ثروات في القاع

من المرجح أن تعترض الدول الموقعة على المعاهدات الدولية التي تقيد الأنشطة الاستخراجية في المحيطات والبحار، بما فيها الصين والهند وروسيا، إذا مضت الولايات المتحدة قدماً في إقامة مشروعات للتعدين في المحيطات المفتوحة. ورغم أن بكين وموسكو تتجاهلان قوانين البحار الأخرى، فإنهما ستستشهدان بتعدين الولايات المتحدة لتبرير قوانينهما الخاصة.

وكما الحال مع الأنظمة الأخرى القائمة على القواعد، لن ينهار النظام الدولي لإدارة المحيطات دفعة واحدة، لأن القوى العظمى ما زالت تستفيد من بعض القواعد؛ مثل تنظيم مصائد الأسماك، حتى لو كانت ستجني مكاسب من الفوضى بمجالات أخرى؛ بل من المرجح أن ينهار النظام تدريجياً.

وأخيراً يحذر ألبرتوس من تباطؤ حركة التجارة، في عالمٍ تتنازع فيه الدول السيطرة على المحيطات؛ إذ ستضطر السفن إلى اتخاذ مسارات متعرجة عبر البحار، ودفع رسوم متزايدة في المضائق، وسترتفع أسعار السلع، وتصبح سلاسل الإمداد أشد اضطراباً وأكثر عرضة للانقطاع. وقد يتطور غزو المحيطات في نهاية المطاف كما لو كان غزواً للأراضي، حيث تستحوذ الدول الأقوى - أو تلك التي تصل أولاً - على ملكية الموارد. وسيتضاعف عدد بؤر التوتر الجيوسياسي مع تسابق الحكومات للاستيلاء على أكبر حصة من المحيطات وحماية سيادتها المزعومة باستخدام القوة.


سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
TT

سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)

أعلنت السلطات الأسترالية إصابة 10 أشخاص جراء اندفاع رجل ​بسيارته نحو حشد من الناس في مدينة نيوكاسل اليوم (السبت)، بعدما بدا أنه فقد السيطرة على المركبة، وفقاً لوكالة «رويترز».

وألقي القبض على السائق البالغ من العمر 18 عاماً في ‌مكان الحادث بضاحية وولسيند ​بالمدينة، ‌التي ⁠تبعد ​بنحو 110 ⁠كيلومترات إلى الشمال من سيدني عاصمة ولاية نيو ساوث ويلز.

وجاءت الواقعة بينما كان مشجعون قد اصطفوا في الشوارع لتوديع فريق نيوكاسل نايتس لدوري ⁠الرجبي، الذي من المقرر ‌أن ‌ينافس في نهائي الدوري الوطني ​للرجبي في ‌سيدني غداً (الأحد).

وقالت السلطات ‌إن اثنين من المصابين الذين نقلوا إلى المستشفى، وهما طفلة تبلغ من العمر 5 سنوات ورجل ‌يبلغ من العمر 67 عاماً، في حالة حرجة.

وأفاد جافين ⁠موريس ⁠رئيس بلدية نيوكاسل بأن السائق بدا أنه فقد السيطرة على السيارة التي صدمت الحشد. وقال موريس في تصريحات نقلها التلفزيون: «يبدو أنه كان يضغط على دواسة الوقود لتسريع المحرك بطريقة ما».

وأكدت الشرطة أن المؤشرات الأولية تفيد بأنه ​حادث لا ​علاقة له بالإرهاب.


قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
TT

قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)

لم تعد الحرب تصل إلى الناس فقط عبر دويّ المدافع أو صور المدن المدمرة؛ ففي زمن الهاتف الذكي، قد تبدأ الحرب الحقيقية قبل أن تصل القذائف وينطلق الرصاص، وقد تستمر بعد توقفها، داخل الشاشات والعقول ووسائل التواصل الاجتماعي. روايات متناقضة، وصور مفبركة، ومقاطع فيديو خارج سياقها، وحسابات آلية، وأخبار كاذبة تتنافس جميعها على تشكيل صورة الصراع في أذهان الناس.

وهنا يبرز سؤال أكثر خطورة من مجرد عدد الحروب الدائرة في العالم: ماذا يحدث عندما تصبح الحرب خبراً عادياً؟ وهل يمكن أن يؤدي التكرار المستمر للعنف إلى إضعاف قدرتنا على الشعور بالصدمة والرفض والتعاطف؟

هل اعتمد أغسطس قيصر التضليل السياسي؟ (ويكيميديا)

* ظاهرة قديمة

ليست الحرب الدعائية ظاهرة جديدة؛ فمنذ روما القديمة، أدرك المتنافسون أن كسب المعركة لا ينفصل عن كسب الرأي العام؛ ففي القرن الأول قبل الميلاد، خاض أوكتافيان ومارك أنطوني صراعاً دعائياً موازياً لصراعهما السياسي والعسكري، واستخدم الطرفان العملات والقصائد والمنشورات والخطب لحشد التأييد.

ووجه أوكتافيان ضربة قاصمة إلى خصمه عندما تلا أمام مجلس الشيوخ ما قيل إنه وصية أنطوني، التي أظهرت، بحسب الرواية، ولاءه لكليوباترا ملكة مصر أكثر من ولائه لروما. ولا يزال المؤرخون يختلفون حول ما إذا كانت الوثيقة حقيقية أم ملفقة. لكن بصرف النظر عن حقيقتها، أدت الرواية دوراً في تعبئة الرأي العام ضد أنطوني، وانتهى الصراع بتحوّل أوكتافيان إلى حاكم وحيد لروما ليضطلع بدور حاسم في تحوّل الجمهورية الرومانية إلى الإمبراطورية الرومانية، ويكسب لقب «المبجّل» بقرار من مجلس الشيوخ ويصبح اسمه أغسطس قيصر.

 

*الأدوات الجديدة

المبدأ نفسه لم يتغير كثيراً، لكن أدواته تغيرت جذرياً.

واليوم، يملك أي شخص القدرة على إنتاج صورة أو مقطع أو رواية والوصول بها إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات. وهنا يجب التمييز بين المعلومات المضللة؛ أي المعلومات الخاطئة التي تنتشر من دون قصد متعمد بالضرورة، والتضليل المتعمد، الذي يقوم على نشر معلومات كاذبة بهدف التأثير في الجمهور أو تضليله.

وفي الحروب، تصبح الحدود بين الإعلام والدعاية أكثر ضبابية؛ فكل طرف يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه الضحية، وإظهار خصمه بوصفه المعتدي، واختيار الصور والأرقام والقصص التي تخدم روايته. ومع تكرار الرواية نفسها، يمكن أن تتحول المعلومة غير الدقيقة إلى «حقيقة» في أذهان بعض الناس؛ ليس بالضرورة لأنها مقنعة، بل لأنها أصبحت مألوفة، ولتلكؤ المتلقّي عن التدقيق لمعرفة الحقيقة.

عمال إنقاذ خارج مدرسة تضررت بالقصف في كييف... أين الحقيقة في حرب أوكرانيا؟ (أ.ف.ب)

وتشير الأبحاث النفسية إلى أن الإنسان لا يتعامل مع كل معلومة جديدة بوصفه محققاً؛ فهو غالباً ما يركز أولاً على فهم المعلومة وتحديد ما الذي ينبغي أن يفعله بناء عليها. وإذا كانت المعلومة الكاذبة معقولة ومتناغمة مع ما يؤمن به مسبقاً، فقد يصنّفها حقيقة ويتبنّاها.

وتزداد قابلية التصديق عندما تأتي المعلومة من مصدر ينتمي إليه الشخص أو يثق به، أو عندما تكون مشحونة بالخوف والغضب. كما أن تكرار الادعاء يزيد احتمال تصديقه، حتى عندما يتعارض مع المعرفة السابقة.

 

* منصّات وخوارزميات

هنا تلعب منصات التواصل الاجتماعي دوراً بالغ الأهمية؛ فالخوارزميات مصممة أساساً لجذب الانتباه والتفاعل، والمحتوى المثير للغضب أو الخوف أو الصدمة يمتلك غالباً قدرة أكبر على الانتشار من المادة الهادئة والمتأنية. وهكذا قد لا تنتصر الرواية الأكثر دقة، بل الرواية الأكثر قدرة على إثارة الانفعال.

ويضيف التطور التكنولوجي طبقة جديدة إلى المشكلة؛ فالذكاء الاصطناعي التوليدي جعل إنتاج الصور ومقاطع الفيديو المزيفة أكثر سهولة، وزاد صعوبة التمييز بين الحقيقي والمصطنع. وإذا كان الجمهور قد اعتاد على سيل متواصل من المعلومات المتضاربة، فإن ظهور «التزييف العميق» يجعل السؤال أكثر تعقيداً: ما الذي يمكن تصديقه عندما تصبح الصورة نفسها قابلة للتزوير، أو حتى للاختلاق من لا شيء؟

مسيّرة تابعة لقوات حلف شمال الأطلسي في سماء لاتفيا... الذكاء الاصطناعي في صلب أدوات الحرب الحديثة مع كل الإمكانات التي يوفرها لـ«ابتكار» المعلومات ونشرها (أ.ف.ب)

وهنا قد لا يكون الخطر في أن يصدق الناس كل شيء، بل في أن يصلوا إلى مرحلة لا يصدقون فيها شيئاً؛ فالتعرض المستمر للمعلومات المتناقضة والمفبركة يمكن أن يضعف الثقة بالإعلام والمؤسسات، ويزيد الاستقطاب، ويجعل الأفراد أكثر تشكيكاً في الحقائق المشتركة التي يحتاج إليها أي مجتمع لاتخاذ قراراته. وفي زمن الحرب، يمكن أن يكون لذلك ثمن إضافي: يصبح الضحايا أرقاماً، وتتحول المآسي إلى محتوى، ويتعامل الجمهور مع أخبار القتل والدمار كما يتعامل مع أي خبر آخر يمر على الشاشة ثم يختفي قبل أن يطويه النسيان.

 

* إرهاق جماعي

لكن الاعتياد لا يعني بالضرورة غياب التعاطف. وقد يكون ما يحدث أقرب إلى إرهاق جماعي من الأخبار؛ فحين تتراكم الأزمات والحروب والكوارث، قد يعجز الإنسان عن الاحتفاظ بالمستوى نفسه من الانفعال تجاه كل حدث؛ فالحرب التي كانت قادرة على إيقاف العالم للحظة قد تصبح، بعد أشهر أو سنوات، خبراً آخر بين أخبار الاقتصاد والرياضة والطقس...

(اللبنانيون - على سبيل المثال - عاشوا ذلك في فترة 2019 - 2020، بدءاً من اندلاع حرائق هائلة مجهولة الأسباب، مروراً بالانهيار المالي وامتلاء شوارع وساحات بناس منتفضين، وكذلك بـ«كوفيد»، وانتهاء بكارثة انفجار مرفأ بيروت).

وهنا تكمن المفارقة: كلما ازدادت قدرتنا على رؤية الحروب لحظة بلحظة، تقل قدرتنا على الاستمرار في الإحساس بوقعها.

ولا بدّ من القول إن المواجهة لا تبدأ فقط بالتحقق من الأخبار الكاذبة، بل أيضاً بتعليم الناس كيف يسألون: من نشر هذه المعلومة؟ وما مصدرها؟ وهل ثمة مصادر مستقلة تؤكدها؟ وهل الصورة حديثة فعلاً أم أُخرجت من سياق آخر وأعيد استخدامها؟

فالمعركة على الحقيقة ليست منفصلة عن المعركة على الحرب. وفي عالم يمكن فيه لصورة واحدة مفبركة أن تصل إلى ملايين الأشخاص، تصير القدرة على الشك والتحقق نوعاً من الدفاع المدني الرقمي.

الحرب السيبرانية جزء من الواقع الجديد (رويترز)

ربما لم يعتد العالم على العنف تماماً. لكنه ألِف، إلى حد ما، مشاهدة العنف.

والفارق بين الاثنين مهم. لأن الخطر الحقيقي لا يبدأ عندما نتوقف عن رؤية الحرب، بل عندما نتوقف عن طرح الأسئلة عنها... عندما تصير الجثث صوراً، والدمار خلفية، والضحايا مجرد أرقام، والحرب خبراً عادياً يمر أمام أعيننا قبل أن ننصرف إلى مشاغلنا اليومية.

 

* قالوا في التضليل

- توماس جيفرسون، الرئيس الثالث للولايات المتحدة، (1743 - 1826): «لم يعد بالإمكان تصديق أي شيء يُنشر في صحيفة؛ فالحقيقة نفسها تصبح موضع شك لمجرد وضعها في تلك الوسيلة الملوّثة».

- وينستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني (1874 - 1965): «في زمن الحرب، تكون الحقيقة ثمينة إلى حدّ أنها ينبغي أن تحاط دائماً بحرس شخصي من الأكاذيب».

وسائل التواصل الاجتماعي... ملعب الروايات المتضاربة والشائعات (رويترز)

- باراك أوباما، الرئيس الأميركي بين 2009 و2017: «هناك مقدار هائل من المعلومات المضللة النشطة، وهي تُقدَّم بطريقة جيدة جداً... فإذا بدا كل شيء متشابهاً ولم نعد نميّز بين الأشياء، فلن نعرف ما الذي ينبغي لنا أن نحميه».

- الكاتب الآيرلندي جوناثان سويفت (1667 - 1745): «الباطل يطير، بينما تأتي الحقيقة وهي تجرّ أذيالها».

- الكاتب الآيرلندي جورج برنارد شو (1856 - 1950): «احذروا المعرفة الزائفة؛ فهي أخطر من الجهل».

- الصحافي الأميركي كارل بيرنستين (82 عاماً): «أدنى أشكال الثقافة الشعبية - انعدام المعلومات، والمعلومات المضللة، والمعلومات الكاذبة المتعمدة، وازدراء الحقيقة أو واقع حياة معظم الناس - قد اجتاح الصحافة الحقيقية».