موجة جديدة من انقطاع الكهرباء تغضب الإيرانيين

هتافات «الموت لخامنئي» ووقفات احتجاجية في محافظات عدة

تكرار انقطاع التيار الكهربائي وسط درجة حرارة مرتفعة يربك بازاراً بطهران أمس (مهر)
تكرار انقطاع التيار الكهربائي وسط درجة حرارة مرتفعة يربك بازاراً بطهران أمس (مهر)
TT

موجة جديدة من انقطاع الكهرباء تغضب الإيرانيين

تكرار انقطاع التيار الكهربائي وسط درجة حرارة مرتفعة يربك بازاراً بطهران أمس (مهر)
تكرار انقطاع التيار الكهربائي وسط درجة حرارة مرتفعة يربك بازاراً بطهران أمس (مهر)

ضربت موجة جديدة من انقطاع الكهرباء مختلف أنحاء إيران، في وقت ارتفعت فيه درجة الحرارة إلى مستويات قياسية بلغت 40 درجة مئوية في العاصمة طهران. وردد أهالي مناطق العاصمة هتافات منددة بالمسؤولين؛ على رأسهم «المرشد» علي خامنئي.
وتناقلت مواقع إيرانية تسجيلات من وقفات احتجاجية أمام دوائر الكهرباء في عدة محافظات إيرانية. وشهدت مناطق واسعة في طهران ومدينة كرج المجاورة لها، انقطاعاً مفاجئاً لتيار الكهرباء امتد لفترة ثماني ساعات حتى وقت متأخر من فجر الاثنين.
وأفادت وكالة «إيسنا» الحكومية بأن قطع التيار الكهربائي أدى إلى قطع المياه عن الشقق السكنية، وإتلاف المواد الغذائية، وتعطل الأجهزة الكهربائية.
وكتب رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف في تغريدة على «تويتر»، أن الانقطاع المتكرر للكهرباء «يتطلب تدبيراً وإدارة»، وأضاف: «إذا تعذر تعويض زيادة الاستهلاك والطلب على المدى القصير، فعلى الأقل أعلنوا جدول الانقطاع لكي يدبر الناس مشكلاتهم، لقد سئم الناس من عدم التخطيط».
ووسط العتمة التي غرقت فيها معظم أحياء العاصمة طهران لليوم الثاني على التوالي، عبر سكان المناطق الشرقية في العاصمة طهران مساء الأحد، عن غضبهم من الوضع بترديد هتافات منددة بـ«المرشد» الإيراني، مثل «الموت للديكتاتور» و«الموت لخامنئي».
وحاولت وكالة «نور نيوز» المنبر الإعلامي للمجلس الأعلى للأمن القومي، تبرير الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي في حرارة الصيف. وقالت: «في الأيام الأخيرة تسبب انقطاع الكهرباء دون إعلان مسبق، بالتزامن مع قطع المياه في بعض المناطق، في إرباك واستياء الناس».
ومع ذلك، اتهمت الوكالة الأمنية، وسائل إعلام خارج إيران بالسعي وراء «تسييس القضية». وأعادت المشكلة الحالية إلى «الجفاف»، و«خفض طاقة إنتاج المحطات وزيادة استهلاك الكهرباء بسبب ارتفاع مبكر لدرجات الحرارة»، مشيرة إلى أن ثلث طاقة الكهرباء مخصصة للاستخدامات المنزلية بينما يذهب ثلثان إلى الأقسام الصناعية والتجارية.
ونشر حساب إيراني يدعى «الذاكرة التاريخية» على «تويتر»، تسجيل فيديو من خطاب لخامنئي يعود إلى 14 سبتمبر (أيلول) 2007، ينتقد فيه القوات الأميركية على عدم توفير الكهرباء والمياه للعراقيين، ويقول خامنئي: «الشعب العراقي لديه مشكلة في الكهرباء، لديه مشكلة في المياه الصالحة للشرب، إنه يريد إجابة. يجب على الأميركيين الإجابة، لا يمكنه التخلي عنها». وأضاف: «يتعاملون مع هذه القضايا باللامبالاة، لكن لن تبقى الأمور هكذا للأبد، سيأتي جزاؤهم يوماً، مثلما نال هتلر وصدام جزاءهما».
وأظهر تسجيل فيديو معاناة المرضى في غرف العناية المركزة، في أحد المستشفيات، ويشتكي ممرض إيراني من عدم تزويدهم بالكهرباء الاحتياطية، بينما يواجه المرضى خطر الموت بسبب قطع أجهزة الإنعاش والتنفس.
وألقى انقطاع التيار الكهربائي بظلاله على المؤتمر الصحافي بين مدربي فريق استقلال طهران، وفريق تراكتور سازي تبريز. ونقلت صحيفة «دنياي اقتصاد» عن ناشطين في السوق أن انقطاع الكهرباء من بين أسباب انخفاض سعر الدولار، ووقف مده التصاعدي الذي شهده الأسبوع الماضي.
وانتقد القيادي في شرطة المرور في تصريح لقناة «خبر» الرسمية، عدم إبلاغ الشرطة بقطع الكهرباء، ما أدى إلى إرباك في حركة السير وقطع إشارات المرور.
وقال وزير الداخلية، عبد الرضا رحماني فضلي، أمس: «لقد حددنا أسباب قطع التيار الكهربائي، وتقرر أن يكون انقطاع التيار الكهربائي بعد إعلان مسبق»، وقال: «ناقشنا أهمية توفير الكهرباء في المناطق الجنوبية التي تشهد أكثر الأيام حرارة».
من جانبه، دعا رئيس لجنة الطاقة في البرلمان، النائب فريدون حسنوند إلى عقد اجتماع طارئ الأربعاء، لمناقشة الانقطاع المتكرر للكهرباء. وقال: «كان على وزارة الطاقة أن تتخذ الإجراءات الوقائية قبل وقوع الحادث». ونقل التلفزيون الإيراني عن النائب قوله: «يجب إعلان جدول زمني دقيق لانقطاع الكهرباء من المجموعات الإدارية والصناعية والمنزلية». وألقى النائب كذلك باللوم على مزارع العملات المشفرة (بيتكوين)، مشدداً على أنها تواصل النشاط رغم تحذيرات لجنة الطاقة.
وقال وزير الاتصالات، محمود آذري جهرمي، في تغريدة، إن قطع خدمة هاتف الجوال في بعض المناطق من العاصمة طهران سببه قطع الكهرباء، وكتب في تغريدة: «بطارية منصات الهاتف الجوال يمكنها أن تعمل لساعتين بعد قطع الكهرباء»، لافتاً إلى أنها بحاجة إلى ثماني ساعات للشحن الكامل مرة أخرى. وكتب: «من المؤسف أن الكهرباء انقطعت لثماني ساعات، نحاول معالجة الأمر ونعتذر عن المشكلة».
وقال المتحدث باسم منظمة الكهرباء، مصطفى رجبي للتلفزيون الإيراني: «انقطاع واسع للتيار الكهربائي في طريقه إلينا… أمامنا ثلاثة أيام شديدة الحرارة، من المحتمل أن تتجاوز احتياجات استهلاك الكهرباء 66 ألف ميغاواط»، منوهاً بأن محطات الطاقة في عموم البلاد لن تتمكن من إنتاج أكثر من 55 ألف ميغاواط. وأضاف: «مضطرون لقطع الكهرباء». ودعا الإيرانيين إلى «تخفيف استهلاكهم من الطاقة الكهربائية»، في ظل «توقعات بارتفاع درجات الحرارة»، علماً بأن انقطاع الكهرباء في إيران خلال أشهر الصيف ليس غير مألوف.
وجاءت أزمة الكهرباء بينما تواجه عدة مناطق إيرانية أزمة جفاف بسبب قلة الأمطار هذه العام، وإصرار السلطات على الاحتفاظ بذخائر المياه وراء عشرات السدود في الجبال.
وقال مدير شركة المياه في طهران، إن العاصمة الإيرانية تشهد حالة الإنذار، محذراً من قطع المياه لفترات تتراوح بين 4 و5 ساعات يومياً إذا لم تتحسن طريقة الاستهلاك الحالية.
جاء ذلك، غداة إعلان المدير التنفيذي لشركة المياه الإيرانية، حميد رضا جانباز، الوضعية الحمراء في 101 مدينة على صعيد توفير المياه، وهي من أصل 304 مدن إيرانية تشهد توتراً مائياً، لافتاً إلى أن السلطات تعمل على توفير المياه لـ8 آلاف قرية في أنحاء البلاد، لكنه نفى التقارير عن توزيع قسائم للمياه.
واستأنفت إيران أمس، العمل في بوشهر، محطتها الوحيدة للطاقة النووية، وأعيد ربطها بشبكة الكهرباء الوطنية بعد توقف لأسبوعين عزته السلطات إلى «عطل تقني»، حسب وكالة الصحافة الفرنسية.
وكانت وكالة «إيرنا» الرسمية قد أعلنت عودة محطة بوشهر نقلاً عن متحدث باسم منظمة توليد الطاقة الكهربائية الإيرانية.
وكتب الناشط في مجال حقوق الإنسان عماد الدين باقي في مدونة عبر تطبيق «تلغرام»، أن «البلاد التي تملك ذخائر عظمية من النفط والغاز، البلد الذي يفرض على أهله، منذ سنوات، نفقات لا يمكن تعويضها بذريعة الطاقة النووية… هذا المستوى من الانقطاع المتكرر والمزعج، دليل على عدم الكفاءة وخطأ الاستراتيجيات الداخلية والخارجية، التي ثمرتها هذه الهزائم والآلام، لكنهم لا يزالون ينفخون في تنور الشعارات الفارغة والمكلفة».

أزمة بيئية في الحدود الإيرانية - العراقية
فرضت صور وتسجيلات جفاف هور العظيم (الحويزة) الحدودي في الحدود الإيرانية - العراقية، نفسها على وسائل الإعلام الإيرانية، في الأسبوع الماضي. ونظم ناشطون عرب في الأحواز وقفات احتجاجية على سياسة إغلاق السدود عن نهر الكرخة الذي ينهل من شرق جبال زاغروس، وينتهي به المطاف في هور العظيم الذي ثلث مساحته في الأراضي الإيرانية، بينما الثلثان في أراضٍ عراقية.
ونشرت وكالات رسمية إيرانية صوراً من مشاهد الجفاف ونفوق كمية كبيرة من الأسماك وحيوانات أخرى تنتشر بكثرة في تلك المناطق، خصوصاً الجواميس التي ترتبط حياتها بالمياه، كما رصدت عدسات الصحافيين طوابير من أهالي القرى للحصول على مياه صالحة للشرب.
وقال النائب قاسم ساعدي عن محافظة الأحواز في البرلمان الإيراني لوكالة «إيسنا»، إن المحافظة «تعاني هذا العام من التوتر المائي»، معتبراً ما تشهده منطقة الأهوار الحدودية بأنها «واحدة من أفظع الكوارث البيئية في التاريخ».
ونقلت وكالة «مهر» الحكومية، أمس عن خبراء في مجال البيئة، أن عدم إطلاق مياه سد الكرخة هو سبب تأزم هور العظيم الحدودي، مشددين على حاجة الهور إلى 3.5 مليون متر مكعب من المياه حتى منتصف سبتمبر (أيلول) المقبل.
ويشير ناشطون بأصابع الاتهام إلى شركات النفط الإيرانية التي تعمل على إنشاء آبار واستخدام النفط في تلك المنطقة، بينما لم تبادر السلطات إلى تطهير ميادين الألغام التي خلفتها الحرب الإيرانية - العراقية، ما يحول دون عودة أهالي أغلب القرى الحدودية.



ترمب يُمهل إيران يومين لتفادي الضربة

مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)
TT

ترمب يُمهل إيران يومين لتفادي الضربة

مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحية أميركية تحلق قرب سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)

أمهل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، إيران، «يومين أو ثلاثة أيام» لتفادي ضربة عسكرية جديدة، قائلاً إنه كان على بُعد ساعة واحدة من اتخاذ قرار بالمضي في الهجوم قبل أن يؤجله لإفساح المجال أمام مسار تفاوضي. وشدد ترمب على أن المهلة «محدودة» لأن واشنطن لا تستطيع السماح لطهران بامتلاك «سلاح نووي جديد»، مضيفاً أن قادة إيران «يتوسلون» للتوصل إلى اتفاق.

وتمسّكت طهران بمقترحها الأخير للتسوية. وقال نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون السياسية كاظم غريب آبادي، لنواب البرلمان، إن المقترح يتضمن إنهاء الأعمال القتالية على جميع الجبهات، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وإنهاء الحصار البحري الأميركي، إضافة إلى انسحاب القوات الأميركية من المناطق القريبة من إيران ودفع تعويضات عن أضرار الحرب.

كما حذر المتحدث باسم الجيش الإيراني محمد أكرمي نيا، من فتح «جبهات جديدة» إذا استؤنفت الهجمات.

وقال قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، إن الحرب أضعفت بدرجة كبيرة الصواريخ الباليستية والمسيّرات الإيرانية، ودمّرت 90 في المائة من القاعدة الصناعية الدفاعية لإيران.

وبدأ حلف شمال الأطلسي «الناتو» مناقشة إطلاق مهمة بحرية محتملة إذا استمر إغلاق المضيق حتى يوليو (تموز) المقبل، حسبما نقلت وكالة «بلومبرغ».


مهلة ترمب لإيران... نافذة تفاوض أم مقدمة لاستئناف الحرب؟

ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)
TT

مهلة ترمب لإيران... نافذة تفاوض أم مقدمة لاستئناف الحرب؟

ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث للصحافيين في البيت الأبيض (أ.ب)

لم يكن إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، تعليق ضربة عسكرية جديدة ضد إيران مجرد قرار عابر في مسار الحرب المستمرة منذ أسابيع، بل بدا كاشفاً عن مأزق أوسع: هل يفتح إرجاء الهجوم نافذة حقيقية لاتفاق سياسي، أم إن القرار يندرج في نمط مألوف من التهديدات عالية السقف ثم التراجع في اللحظة الأخيرة؟

المفارقة أن ترمب قدّم التعليق بوصفه استجابة لوساطة خليجية ترى أن «مفاوضات جدية» جارية، وأن اتفاقاً «مقبولاً» يمكن أن يولد قريباً. لكنه، في الوقت نفسه، أبقى التهديد قائماً، موجهاً الجيش إلى الاستعداد لـ«هجوم واسع النطاق» إذا لم تصل المفاوضات إلى نتيجة.

هنا تكمن دلالة اللحظة: واشنطن لا تبدو في موقع الحسم العسكري الكامل، ولا في موقع التسوية السياسية الناضجة، بل في منطقة وسطى تتداخل فيها حسابات الردع، وأسعار النفط، وضغوط الحلفاء، ومحدودية قدرة القوة الجوية على فرض استسلام سياسي كامل.

تجنب دفع التكلفة

ورغم الضربات القاسية التي استهدفت قيادات إيران وبناها العسكرية والبحرية، فإنها ما زالت تحتفظ بأدوات ضغط مؤلمة، مثل الصواريخ، والمسيّرات، والقدرة على تعطيل مضيق هرمز، والتهديد بنقل التوتر إلى باب المندب... ولذلك؛ فإن طلب تأجيل الضربة لا يعني بالضرورة أن طهران قدمت تنازلات جوهرية، بل ربما تكسب الوقت للانخراط مجدداً في حرب إقليمية أكبر تكلفة.

فرزين نديمي؛ كبير الباحثين بالشأن الإيراني في «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى»، يضع هذا العامل في صلب تفسير القرار. وقال في حديث مع «الشرق الأوسط» إن «أسباباً عسكرية وراء تأجيل الضربة» تتعلق بتهديدات إيران، واحتمال وقوع إصابات وأضرار في صفوف القوات الأميركية، إضافة إلى الردود الإيرانية الأخرى. وبرأيه، فإن ترمب «قد يفضل عدم تجديد العملية العسكرية إذا كان ممكناً تحقيق حد أدنى من الشروط مع تقليص الأخطار»، لكن «احتمالات العمل العسكري تبدو متساوية مع فرص الحل الدبلوماسي».

مروحية أميركية تحلق بجوار سفينة تجارية في عرض البحر خلال عملية مراقبة قرب مضيق هرمز (سنتكوم)

فجوة في الأولويات

تتحدث تسريبات عن تبادل مقترحات وردود مضادة عبر وسطاء، بينهم باكستانيون، وعن نقاشات تشمل الملف النووي، وفتح مضيق هرمز، ورفع بعض القيود أو العقوبات عن النفط الإيراني، وربما إرسال جزء من مخزون اليورانيوم المخصب إلى الخارج، لكن المشكلة ليست في وجود أفكار تفاوضية، بل في ترتيبها...

تريد إيران، وفق ما تسرّب، اتفاقاً يبدأ بوقف الحرب والحصار، ثم يترك الملف النووي؛ الأعلى حساسية، لمسار لاحق. أما واشنطن فتريد اتفاقاً متزامناً يثبت نتائج الحرب: قيود طويلة الأمد على التخصيب، وضمانات ضد امتلاك سلاح نووي، وربما التزامات تتعلق بالصواريخ، والوكلاء، وفتح «هرمز». هذه الفجوة تجعل الحديث عن «تقدم حقيقي» مشروطاً لا مؤكداً.

الأرجح أن ترمب، تحت ضغط أسعار الطاقة والانتخابات النصفية المقبلة، بدأ يضيّق نطاق مطالبه العملية؛ فبدلاً من الإصرار على التزامن بشأن تغيير سلوك إيران الإقليمي، وتفكيك قدراتها الصاروخية، وإنهاء شبكة الوكلاء، بات التركيز العلني أوضح على «الملف النووي» و«هرمز». ولا يعني هذا أن الشروط الأخرى اختفت، لكن الإدارة قد تكون مضطرة إلى التمييز بين ما تريد تحقيقه سياسياً وما تستطيع فرضه عسكرياً.

بين الردع وحدود القوة

تشكك وسائل الإعلام وصحف أميركية عدة في رواية البيت الأبيض، ليس بالضرورة لأنها تعارض ترمب سياسياً فقط؛ بل لأن مسار الأزمة نفسه يعطي أسباباً لهذا التشكيك. الرئيس حدد مواعيد، وأطلق تهديدات، وأعلن أن الحرب تقترب من نهايتها، ثم عاد إلى تمديد المهل. كما أن إيران، رغم الخسائر الكبيرة، لم تقبل حتى الآن شروطاً تعدّها استسلامية، ولم تتخلَّ عن أوراقها الأساسية في «هرمز» أو «الردع الصاروخي».

مايكل روبن، كبير الباحثين في «معهد أميركان إنتربرايز»، يذهب أبعد من ذلك في حديثه مع «الشرق الأوسط»؛ إذ يرى أن ترمب «يرتجل وهو يمضي»، «رغم امتلاكه فرقاً قادرة على التخطيط لاستراتيجيات معقدة». ويقول إن «ما يحرك الرئيس غالباً هو شعوره بأن إيران تهينه شخصياً؛ مما قد يدفعه إلى ضربات أعمق تركيزاً على الملف النووي، أو حتى إلى اغتيالات مستهدفة، لكنه لا يقود إلى استراتيجية متماسكة».

هذا التقييم قاسٍ، لكنه يلامس معضلة حقيقية في إدارة الأزمة: ترمب يريد أن يظهر بمظهر الرئيس الذي لا يتراجع، لكنه يريد أيضاً تجنب حرب مفتوحة لا تحظى بشعبية داخلية وتستنزف الذخائر وترفع أسعار الوقود... يريد إعلان النصر، لكنه لم يحصل بعد على وثيقة استسلام... يريد استخدام القوة لإنتاج اتفاق، لكنه يواجه خصماً اعتاد امتصاص الضغط وإعادة تعريف الخسارة بوصفها صموداً.

لذلك؛ لا يمكن اختزال المسألة في «انتصار الدبلوماسية» أو «ضعف ترمب». التعليق يعكس توازناً متبادلاً: واشنطن تخشى تكلفة التصعيد، وطهران تخشى ضربة أشد تدميراً.

إيرانيون أمام لوحة دعائية مناهضة للولايات المتحدة تُظهر رسماً لمضيق هرمز وشفتَي الرئيس الأميركي دونالد ترمب مَخيطتين (رويترز)

تنازلات متزامنة

رد ترمب العنيف على الإعلام يعكس حساسيته المعروفة تجاه أي تصوير له بوصفه متردداً أو عاجزاً عن فرض شروطه. لكن السؤال الأهم: «هل تشكيك الإعلام نابع من حقائق أم من حسابات سياسية؟ الجواب الأقرب أنه مزيج من الاثنين، مع أفضلية واضحة للوقائع في هذه الحالة»، وفق فرزين نديمي. ويضيف أن «الوقائع تقول إن الضربات الأميركية - الإسرائيلية أضعفت إيران عسكرياً، لكنها لم تحلّ المعضلة السياسية».

والوقائع تقول إن أسعار النفط، والقلق الاقتصادي الأميركي، أصبحا عاملين في حسابات البيت الأبيض. والوقائع تقول أيضاً إن إيران لم تقدم بعد تنازلاً يرقى إلى قبول كامل بالشروط الأميركية، وإن الوسطاء يتحدثون عن صيغ جزئية أكثر مما يتحدثون عن صفقة نهائية.

أما البعد السياسي، فيظهر في طريقة قراءة هذه الوقائع داخل واشنطن... خصوم ترمب يرون في كل تراجع دليلاً على الفوضى. أنصاره يرون في كل تعليق للضربة مناورة ذكية تمنح الخصم فرصة أخيرة. لكن بين القراءتين، تبدو الحقيقة أشد تعقيداً: ترمب يستخدم التهديد العسكري أداةً تفاوضية، لكنه لم ينجح بعد في تحويله اتفاقاً نهائياً.

كما أن إيران تستخدم قدرتها على تعطيل الطاقة والرد الإقليمي لتقليل أثر الضغط الأميركي، لكنها لا تستطيع أيضاً تجاهل تكلفة الحرب والحصار عليها.

لهذا؛ فإن تعليق الضربة لا يكشف بالضرورة عن قرب اتفاق يرضي الجميع؛ لأن اتفاقاً كهذا يفترض تنازلات متزامنة لم تظهر بعد. لكنه لا يعني أيضاً مجرد تراجع مجاني. إنه بالأحرى محاولة لإدارة مأزق: إبقاء العصا مرفوعة من دون استخدامها فوراً، ومنح الوسطاء فرصة قصيرة، وطمأنة الأسواق والحلفاء، مع الحفاظ على صورة الرئيس الذي يستطيع العودة إلى القصف «في أي لحظة».


«مجموعة السبع» تشدد على فتح هرمز وإيقاف القتال

 سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)
سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)
TT

«مجموعة السبع» تشدد على فتح هرمز وإيقاف القتال

 سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)
سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو الحالي وقد أدت الحرب إلى حصار فعلي للمضيق الحيوي الذي يمر عبره نحو 20 % من صادرات النفط العالمية في زمن السلم (أ.ف.ب)

جدَّد وزراء مالية «مجموعة السبع» تأكيدهم على إعادة فتح مضيق هرمز لمواجهة الاختلالات ‌العالمية ⁠الجارية، بينما دعا ممثل الولايات المتحدة إلى إجراءات «أكثر صرامة» لتعطيل ما وصفها بـ«شبكات التمويل الإيرانية».

ويحاول الغرب منذ أسابيع التوصل إلى أفكار عملية لتحرير الملاحة في مضيق هرمز، الذي يتعرض لحصار مزدوج من واشنطن وطهران، لكن التباينات السياسية بين أوروبا والولايات المتحدة تعوق التوصل إلى أرضية مشتركة.

وقال بيان مشترك عن المجموعة، عقب اجتماعها في باريس الثلاثاء، إن دولها ملتزمة «بالتعاون متعدد الأطراف من ⁠أجل التصدي للمخاطر ‌التي ‌تهدد الاقتصاد ‌العالمي».

ودعا وزراء ‌كندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان وبريطانيا والولايات ‌المتحدة جميع الدول إلى تجنب فرض قيود تعسفية على الصادرات. جميع الدول إلى تجنب فرض قيود تعسفية على الصادرات.

كريستين لاغارد لدى وصولها للمشاركة في اجتماع وزراء مالية ومحافظي البنوك المركزية لمجموعة السبع بباريس (أ.ف.ب)

ودعا وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الثلاثاء، حلفاء بلاده إلى اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لتعطيل شبكات ‌التمويل ‌الإيرانية، وقال ‌إن ⁠بلاده ستحذف الأسماء «⁠التي عفا عليها الزمن» من قائمة العقوبات لتسهيل مهمة المؤسسات ⁠المالية في القضاء ‌على مخططات ‌تمويل الإرهاب تعقيداً.

وخلال ‌كلمة معدة للإلقاء في مؤتمر لمكافحة تمويل ‌الإرهاب عقب اجتماع وزراء مالية ومسؤولين ماليين ⁠من ⁠دول مجموعة السبع في باريس، أكَّد بيسنت أن المشاركين بحاجة إلى «الوقوف معنا بكل قوة» ضد إيران.

وأكد بيسنت، في تصريحاته للصحافيين، أن الولايات المتحدة مصممة على تطبيق سياسة «الضغط الأقصى» لوقف تمويل النشاطات العسكرية والإرهابية الإيرانية، مشيراً إلى أن هذا النهج يهدف إلى إضعاف قدرات إيران من دون الاعتماد فقط على الخيارات العسكرية.

وأكد بيسنت أن «وزارة الخزانة ستحدث هيكل عقوباتها، لجعل الأمر أكثر فاعلية، لأن أعداءنا يتكيفون ويبتكرون ‌من خلال إنشاء شركات وهمية جديدة»، على حد تعبيره.

وعقب الاجتماع، أظهر ‌موقع ‌وزارة ​الخزانة الأميركية ⁠الثلاثاء ​أن ⁠الولايات ⁠المتحدة ‌فرضت ‌عقوبات ​جديدة على ‌إيران.

من جهته، قال وزير المالية الكندي، فرانسوا فيليب، في تصريحات للصحافيين، إن «مجموعة السبع متحدة بشأن ضرورة فتح هرمز وإيقاف القتال».

المرور الآمن

أكد البيان الختامي التزام المجموعة بضمان استقرار أسواق الطاقة ودعم الدول الأكثر هشاشة من خلال تعزيز دور صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، كما حثَّ البيان على «العودة السريعة إلى حرية المرور الآمنة» عبر مضيق هرمز، الذي لا تزال الملاحة فيه مقيدة بشدة بعد الحصار الفعلي الذي فرضته إيران في بداية الصراع.

وقال مراقبون إن اجتماع الدول السبع تعامل بارتياح مع إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، وقف هجوماً كان مخططاً له ضد إيران الثلاثاء والاستجابة لطلب الدول الخليجية لمحاولة إعطاء الدبلوماسية فرصة للتوصل إلى اتفاق يحد من البرنامج النووي الإيراني.

وناقش وزراء المالية قضايا أخرى تتعلق بضرورة تنويع سلاسل الإمداد للعناصر الأرضية النادرة والمعادن الحيوية، لتقليل الاعتماد على الصين.

وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور لدى وصوله إلى اجتماع مجموعة السبع في باريس (أ.ب)

وشارك في الاجتماع ممثلون عن دول خليجية في بعض الجلسات لمناقشة الأزمة، كما شاركت كل من سوريا وأوكرانيا في أجزاء من المناقشات أيضاً، إلى جانب مسؤولين من البرازيل والهند وكوريا الجنوبية.

وينظر إلى إشراك طيف أوسع من الدول في النقاشات المتعلقة بمستقبل الملاحة في الشرق الأوسط، إلى أنه انعكاس لحاجة ملحة لكسر الجمود السياسي، والبحث عن خيارات بديلة، وزيادة الضغط على طرفي الحصار في «هرمز»؛ واشنطن وطهران.

ويقول محللون إن اجتماع المجموعة في باريس قد يعطي الرئاسة الفرنسية دفعة دبلوماسية للتوصل إلى مقاربة مشتركة من شأنها إعادة فتح هرمز، رغم الخلافات في النهج بين الولايات المتحدة، التي تركز على الخيار العسكري والعقوبات، والنهج الأوروبي الذي يركز على تحقيق توازن بين الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية.

غير أن المناقشات، التي وصفها وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور بأنها «صعبة»، عكست تحديات حقيقية في توحيد السياسات عبر ضفتي الأطلسي، مع ميل الإدارة الأميركية إلى تطبيق شعار «أميركا أولاً» في بعض الملفات.