أوروبا تنهي سياسة التقشف بضخ تريليون يورو في الأسواق

الانتعاش «في الطريق» وفرص الاستثمار جيدة

أوروبا تنهي سياسة التقشف بضخ تريليون يورو في الأسواق
TT

أوروبا تنهي سياسة التقشف بضخ تريليون يورو في الأسواق

أوروبا تنهي سياسة التقشف بضخ تريليون يورو في الأسواق

رحبت أوساط الاستثمار الأوروبية بقرار البنك المركزي الأوروبي اعتماد سياسة التيسير الكمي (Quantitative Easing) التي بدأت هذا الشهر مارس (آذار) بحجم أكبر من المتوقع بلغ 60 مليار يورو شهريا. وسوف يواصل البنك هذه السياسة حتى نهاية شهر سبتمبر (أيلول) من العام المقبل بحجم إجمالي يفوق التريليون يورو. وتتوجه هذه السيولة الهائلة إلى الأسواق الأوروبية لشراء السندات الحكومية والخاصة، وتهدف أساسا إلى إنعاش الاقتصاد الأوروبي من حالة التقشف والخمول التي حلت به منذ سنوات بسبب تشدد السياسات المالية.
ويعني تبني سياسة التيسير الكمي تغييرا جذريا في توجهات الاقتصاد الأوروبي من الانكماش إلى الانفراج، وانعكس أثرها الفوري على ارتفاع الأصول والأسهم الأوروبية وانخفاض قيمة اليورو إزاء الإسترليني والدولار. وسوف يستمر هذا التوجه خلال 19 شهرا على الأقل هي فترة تطبيق البرنامج، أو حتى تتحقق أهداف البرنامج، مما يعني أن أمام المستثمر الأجنبي فرصة استثمار جيدة في بدايات البرنامج الأوروبي قبل عودة الانتعاش في مرحلة قد تكون غير مسبوقة من النشاط الاقتصادي المتوقع منذ تطبيق العملة الأوروبية الموحدة.
مدير الاستثمار البريطاني لي غاردهاوس قال تعليقا على البرنامج الأوروبي إن أوروبا بها مجموعة من أفضل الشركات العالمية التي حققت إنجازات كبيرة حتى في ظل سياسة التقشف الأوروبية في السنوات الماضية إلى درجة أنها تفوقت على مؤشر فايننشيال تايمز (فوتسي) لكل الأسهم البريطانية والمؤشر الدولي أيضا.
وهنالك الكثير من السحب القاتمة التي تظلل الاقتصاد الأوروبي في الوقت الحاضر، منها تراجع نسب النمو الاقتصادي واحتمال خروج اليونان من منطقة اليورو، وما يتبع ذلك من تكهنات حول من ستكون الدولة التالية، وأيضا ظاهرة الانكماش السعري (Deflation) التي كادت تصل إلى الصفر مع تراجع الاستثمار وتجمد نشاط الاقتراض على رغم سعر الفائدة المنخفض الذي لا يزيد على النصف في المائة. وانعكس ذلك كله على انخفاض أسعار الأصول والعقارات الأوروبية.
وتعترض بعض الجهات المالية الألمانية على البرنامج لأنها تعتقد أنه لن يشجع الدول الأوروبية على اتباع سياسات مالية رشيدة وفق قواعد الالتزام بمعايير اليورو من موازنة الإنفاق بالدخل ضمن حيز ضيق من العجز.
وقد عبرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عن هذه المخاوف في حديثها أمام المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس في بداية هذا العام. ولكن هذه الأصوات تبدو منخفضة في المزاج الأوروبي العام الذي ضجر من سياسة التقشف التي قصمت ظهر بعض الدول اقتصاديا، ودفع بعضها - مثل اليونان - إلى التلويح بمغادرة اليورو بالمرة. كما أراد البنك المركزي الأوروبي أن يثبت أنه مستقل في سياساته وليس تابعا لوزارة الخزانة الألمانية كما يشاع عنه. وقد صوت مجلس البنك على سياسة التيسير الكمي بأغلبية ساحقة إلى درجة عدم الحاجة إلى عد الأصوات الموافقة.
السياسة الجديدة للتيسير الكمي تهدف إلى إلغاء مجمل سلبيات الاقتصاد الأوروبي الراهنة، وتوفير السيولة في الأسواق ورفع نسبة التضخم إلى الهدف المعلن، وهو 2 في المائة سنويا، وبوجه عام مواكبة التحسن الذي طرأ على الاقتصاد البريطاني بعد تطبيق بنك إنجلترا لسياسة تيسير كمي مماثلة وصلت بمؤشر الأسهم البريطانية إلى رقم قياسي حاليا يقترب من 7 آلاف نقطة.
«الشرق الأوسط» لاحظت تدشين الكثير من صناديق الاستثمار البريطانية نحو الأسواق الأوروبية بعد أن تجاهلتها طويلا. من هذه الصناديق صندوق «إتش إل الأوروبي» الذي يساهم في إدارته روجر كلارك. واختار كلارك تدشين الصندوق في بداية شهر مارس الجاري لمواكبة النمو المتوقع في الاقتصاد الأوروبي.
وفي إجابة عن سؤال: «لماذا يعتقد أن الآن هو وقت جيد للاستثمار في أوروبا؟»، قال كلارك: «في رأينا أن التوجهات السلبية في أوروبا خفضت الأسعار بنسب كبيرة، ولذلك فإن أوروبا الآن تمثل أرخص تقديرات للأصول بين الدول الصناعية».
وأضاف كلارك أن من المهم النظر إلى أبعد من عناوين الصحف والاستثمار للمدى الطويل، وللعلم لمن يخشى الوضع في اليونان فإنها لا تمثل إلا نسبة 2 في المائة فقط من الاقتصاد الأوروبي. ويرى كلارك أن بداية برنامج التسهيل الكمي من البنك المركزي الأوروبي هذا الشهر وبحجم 60 مليار يورو شهريا، وإجمالي 1.1 تريليون يورو تبدو مشجعة. وهو حجم هائل من الضخ المالي يماثل حجم الاقتصاد الإسباني، وهو رابع أكبر اقتصاد أوروبي، ويزيد 3 أضعاف عن البرنامج البريطاني المماثل.
وهو يقارن بما سبق وحدث في الدول التي طبقت برامج تيسير كمي مثل بريطانيا أو الولايات المتحدة واليابان، حيث انتعشت الأسواق بعدها، وهو يتوقع انتعاشا مماثلا في أوروبا. وقد قرر كلارك التعجيل بتدشين صندوق الاستثمار الأوروبي من شركته لكي يواكب بداية البرنامج الأوروبي للتيسير الكمي.
المستثمر الأجنبي يمكنه أن يدخل السوق الأوروبية من عدة مداخل أسهلها المشاركة في أكثر من 300 صندوق استثمار متاحة تتعامل في الأصول والخدمات الأوروبية، أو بالاستثمار المباشر في البورصات الأوروبية أو دخول المجال العقاري أو شراء الشركات الأوروبية. والمستثمر يبدو الآن في وضع أفضل من حيث القوة الشرائية، حيث إن اليورو تراجع الآن إلى أقل سعر له منذ 11 عاما إزاء الدولار. وفقد اليورو 8 في المائة من قيمته إزاء الإسترليني منذ بداية هذا العام.
ولكن التوجهات الإيجابية المتوقعة للاقتصاد الأوروبي يجب ألا تؤدي إلى اندفاع استثماري أعمى، حيث يحذر المصرفي الألماني مايكل كيمر، رئيس هيئة المصرفيين الألمان من احتمال بزوغ «فقاعات سعرية في بعض الأصول بناء على تقديرات خاطئة للمخاطر». وأوكل البنك المركزي الأوروبي إلى البنوك المركزية الوطنية في كل دولة مهمة شراء السندات الحكومية والأصول ولكن بحد أقصى هو ثلث حجم الديون الحكومية في كل دولة. كما لن تكون هناك شروط أو تسهيلات خاصة لليونان. وسوف يتعين على اليونان أن تلتزم بالمعايير الأوروبية الجديدة للبرنامج حتى يمكنها الاستفادة منه.
وقال رئيس البنك ماريو دراغي لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) إن الهدف المزدوج لسياسة التيسير الكمي هو وقف تراجع الأسعار في أوروبا وتحفيز الاقتصاد على النمو. وأشار دراغي إلى عاملي انخفاض أسعار النفط وتدني أسعار الفائدة على اليورو وأثرهما على تراجع الأسعار إلى معدلات سلبية في بعض الحالات هي الأقل تاريخيا.
من ناحية أخرى، كان التأثير الثالث المتوقع من سياسة التيسير الكمي هو انخفاض سعر صرف اليورو إزاء العملات الحرة الأخرى وبنسب وصلت إلى 20 في المائة مقابل الدولار الأميركي، وهو عامل مشجع لشركات التصدير الأوروبية، حيث تصبح منتجاتها أكثر تنافسية في أسواق العالم. من ناحية أخرى تصبح الواردات أغلى ثمنا، مما يضيف إلى نسب التضخم المحلية، وهو في الحالة الأوروبية الراهنة أمر مطلوب.

* الرأي المعارض
لا يتفق الجميع على أن سياسة التيسير الكمي هي العلاج المنتظر للمتاعب الاقتصادية الأوروبية، وظهر هذا جليا في منتدى دافوس الأخير عندما صرح لاري سمرز، الاقتصادي الشهير ووزير الخزانة الأميركي الأسبق، بأن البرنامج الأوروبي لن يكون له أي تأثير فعال في علاج المشكلات الاقتصادية الأوروبية على عكس البرنامج الأميركي.
والسبب، كما يشرحه سمرز، هو أن أحد أهداف البرنامج خفض أسعار الفائدة لدفع النمو الاقتصادي، وهي بالفعل منخفضة إلى أقصى درجة في أوروبا. وكانت أسعار الفائدة أعلى في أميركا عنها في أوروبا لدى بداية تطبيق البرنامج فيها. ويرى سمرز أن ما تحتاج إليه أوروبا فعلا هو برنامج إنفاق حكومي مباشر لدفع الاقتصاد وتشغيل الأيدي العاملة.
وفي دافوس، ردت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستين لاغارد على سمرز بالقول إن البرنامج الأوروبي ظهر تأثيره بالفعل مع بداية تطبيقه بانخفاض سعر اليورو، وهو أمر مشجع للصادرات والتوظيف. وهي تعتقد أن انخفاض قيمة اليورو يعد بداية طيبة وناجحة للبرنامج. واتفق الكثير من رؤساء الشركات الأوروبية مع لاغارد.
ولكن حتى رئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي قال في صدد وصف ما يتوقعه من تأثير البرنامج على الاقتصاد الأوروبي إن ما تحققه السياسة المالية هي وضع الأسس للنمو الاقتصادي. ولكن من أجل أن يتحقق هذا النمو لا بد من وجود الاستثمار، وهو بدوره يحتاج إلى الثقة وإلى الإصلاحات الهيكلية.
ومهما تكن الآراء المعارضة، فالأمر المؤكد هو أن أوروبا الآن في وضع اقتصادي أفضل مما كانت عليه قبل عدة أشهر، والتحدي الكبير لبرنامج التيسير الكمي الأوروبي هو إخراج منطقة اليورو من مرحلة الخمول الاقتصادي التي لحقت بها في السنوات الأخيرة والتي أدت بدورها إلى تراجع الثقة الشعبية في المؤسسات المالية الأوروبية وفي حكوماتها أيضا.

* التيسير الكمي ليس مجرد «طباعة بنكنوت»
تختلف سياسة التيسير الكمي عن طباعة أوراق نقدية بلا قاعدة إنتاجية لها كما حدث في بعض دول العالم الثالث وأدى إلى معدلات تضخم هائلة وهبوط في مستويات المعيشة؛ فالبنوك المركزية الأوروبية توجه النقد الإضافي إلى شراء أصول وسندات حكومية من السوق، وتوفر المزيد من السيولة النقدية للمصارف.
وتهدف سياسة التيسير الكمي إلى رفع ثقة البنوك في الإقراض إلى المستثمرين والمستهلكين على السواء، مما يرفع وتيرة النشاط الاقتصادي الإجمالي مع نسب هامشية من التضخم تكون مطلوبة للاقتصاد. وتعاني بعض الدول الأوروبية من خطر التضخم السلبي، أي الانكماش وتراجع الأسعار، مما يدفع إلى الإحجام عن نشاط الشراء على أساس أن السلع في المستقبل سوف تكون أرخص منها في الوقت الحاضر. ولكن مع نسبة تضخم معقولة هي 2 في المائة كهدف البنك المركزي الأوروبي، فإن نشاط الإنفاق والإقراض في السوق يعود إلى وتيرته الطبيعية ويستأنف الاقتصاد نموه.
هذه السياسة اعتمدتها اليابان في بدايات الألفية ولجأ إليها الاحتياطي الفيدرالي الأميركي ثم بنك إنجلترا بعد الأزمة المالية في عام 2008، وكان التأخير الأوروبي في اعتمادها بسبب اعتراض ألمانيا عليها على اعتبار أنها تمثل تساهلا في شروط عضوية اليورو والتزام الدول الأعضاء بالانضباط المالي.



الذهب يتراجع 14 % في مارس رغم الحرب... فهل تخلَّى عن وظيفته التقليدية؟

داخل أحد متاجر الذهب في السعودية (تصوير: تركي العقيلي)
داخل أحد متاجر الذهب في السعودية (تصوير: تركي العقيلي)
TT

الذهب يتراجع 14 % في مارس رغم الحرب... فهل تخلَّى عن وظيفته التقليدية؟

داخل أحد متاجر الذهب في السعودية (تصوير: تركي العقيلي)
داخل أحد متاجر الذهب في السعودية (تصوير: تركي العقيلي)

رغم التوترات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، كان أداء الذهب مخالفاً للقواعد الاقتصادية، فقد سجَّل أكبر تراجع شهري منذ أكتوبر (تشرين الأول) في 2008، بانخفاض أكثر من 14 في المائة خلال مارس وحده، في أكبر تراجع شهري منذ أكثر من 17 عاماً، وهو ما يطرح تساؤلات حول ما إذا كان المعدن النفيس تخلَّى عن وظيفته التقليدية كـ«ملاذ آمن» في وقت الأزمات، أم أن تحولات أعمق في سلوك المستثمرين والسياسات النقدية بدأت تعيد رسم خريطة الأصول الآمنة.

وقد تقاطع هذا المشهد غير المألوف عادة مع ارتفاع لافت للدولار الأميركي بواقع 2 في المائة منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في أواخر فبراير (شباط) الماضي؛ رغم أن المعدن الأسود احتفظ بمكاسب تقارب 5 في المائة منذ بداية الربع الأول. ولكن ما الأسباب التي دفعت إلى هذه المعادلة الجديدة؟

يرى رئيس قسم خدمات الاستثمار في بنك «يونيون بانكير بريفيه» فهد إقبال، أن الضغوط التي تعرض لها الذهب تعود إلى عاملين رئيسيين، في مقدمتها توجه المستثمرين خلال فترات الاضطراب إلى تسييل الأصول التي حققت أداءً قوياً.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الذهب الذي كان من بين أفضل الأصول أداءً خلال العامين الماضيين، أصبح هدفاً طبيعياً لعمليات البيع بهدف تعويض خسائر أو تلبية متطلبات الهامش؛ مشيراً إلى أن هذه الديناميكية ليست جديدة؛ إذ تكررت في أزمات سابقة مثل عامي 2008 و2020.

أما العامل الثاني -حسب إقبال- فيتمثل في ارتفاع تكاليف الطاقة، والذي عزز توقعات التضخم، ودفع الأسواق إلى تسعير احتمالات رفع أسعار الفائدة من قبل البنوك المركزية، ما شكَّل ضغطاً مباشراً على الذهب بوصفه أصلاً لا يدر عائداً.

داخل أحد متاجر الذهب في السعودية (تصوير: تركي العقيلي)

الدولار وعوائد السندات

من جهته، أرجع الرئيس الأول لإدارة الأصول في «أرباح المالية» محمد الفراج، التراجع إلى تضافر مجموعة من العوامل الاقتصادية، في مقدمتها الارتفاع القوي في عوائد السندات الأميركية التي باتت توفر بديلاً استثمارياً أكثر جاذبية مقارنة بالذهب.

وأشار لـ«الشرق الأوسط» إلى أن توقعات تشديد السياسة النقدية من قبل «الاحتياطي الفيدرالي» عززت من قوة الدولار، ما جعل الذهب أكثر تكلفة لحائزي العملات الأخرى، ودفع المستثمرين إلى البيع لجني الأرباح بعد موجات الصعود السابقة.

وأوضح الفراج أن هذا الهبوط يمكن اعتباره «تصحيحاً صحياً وطبيعياً» ضمن دورة السوق؛ خصوصاً بعد الارتفاعات القياسية التي سجلها الذهب في الأعوام الماضية، لافتاً إلى أن التراجعات التي تتراوح بين 10 و20 في المائة غالباً ما تسهم في إعادة التوازن بين العرض والطلب.

بدوره، قال رئيس تداول المبيعات العالمية في شركة «إي دي إس إس» نيل كين، إن أحد أبرز أسباب التراجع يتمثل في التحول المفاجئ في توقعات الأسواق بشأن أسعار الفائدة. وأوضح أن الأسواق انتقلت من ترقب خفض الفائدة إلى تسعير سلسلة من الزيادات المحتملة، ما غيَّر بشكل جذري من جاذبية الذهب، مضيفاً أن هذا العامل، إلى جانب قوة الدولار، شكَّل ضغطاً مزدوجاً على المعدن النفيس.

وأشار كين لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المستثمرين يلجأون في أوقات تراجع الأصول عالية المخاطر إلى تسييل مراكزهم الرابحة، بما في ذلك الذهب، لتغطية خسائرهم في استثمارات أخرى، وهو ما ساهم في تسريع وتيرة الهبوط.

حساسية الأسواق للتوترات الجيوسياسية رغم أن التوترات الجيوسياسية عادة ما تدعم الذهب، فإن الأسواق بدت أقل تفاعلاً مع التطورات الأخيرة، وهو ما يثير تساؤلات حول تغير سلوكها.

وفي هذا السياق، يرى كين أن الأسواق أصبحت أقل انفعالاً بالتصريحات السياسية المتضاربة، ولكنها لا تزال تضع الجيوسياسية في صلب حساباتها، مؤكداً أن أي انفراج دبلوماسي قد يحدث تحركات حادة في مختلف الأصول.

لكن آراء الخبراء حول طبيعة هذا التراجع تباينت؛ إذ يرى الفراج أنه تصحيح صحي ضمن دورة السوق، في حين يعتبر كين أن ما يحدث قد يتجاوز ذلك، في ظل ما وصفه بـ«صدمة تضخمية» مستمرة، وضغوط على أسواق الأسهم العالمية. أما إقبال، فيؤكد أن التراجع الحالي لا يعني فقدان الذهب لمكانته كملاذ آمن؛ بل يعكس ضغوطاً مرتبطة بالسيولة، دون تغيير النظرة الإيجابية طويلة الأجل تجاه المعدن.

رغم الأداء الأخير، يتفق معظم المحللين على أن الذهب لم يفقد دوره التاريخي، ولكنه أصبح أكثر حساسية للمتغيرات النقدية وسلوك المستثمرين. ويشير كين إلى أن الذهب بات في بعض الفترات يتصرف بشكل أقرب إلى الأصول عالية المخاطر، نتيجة المكاسب الكبيرة التي حققها في السنوات الأخيرة، وزيادة نشاط المضاربين في سوق المعادن.

في المقابل، يؤكد إقبال أن الذهب لا يزال يحتفظ بجاذبيته في بيئات الركود التضخمي والتباطؤ الاقتصادي، وهي عوامل لم تختفِ من المشهد العالمي.

مجموعة من متاجر الذهب في السعودية (تصوير: تركي العقيلي)

العملات الرقمية... منافس حقيقي أم مبالغة؟

على صعيد آخر، يبرز التساؤل حول دور العملات الرقمية، وعلى رأسها «البتكوين»، كبديل محتمل للذهب في أوقات الأزمات. ويرى الفراج أنه رغم تنامي حضورها، فإنها لا تزال تعاني من تقلبات تحدّ من قدرتها على منافسة المعدن اللامع الذي يتمتع بسيولة عالية وتاريخ طويل كأداة تحوط.

ويتفق كين مع هذا الطرح؛ مشيراً إلى أن العملات الرقمية لا تزال أقرب إلى الأصول المضاربية، ولا توجد مؤشرات حالياً على قدرتها على إزاحة الذهب من موقعه في أوقات الأزمات.

في ظل هذا المشهد المعقد، يبقى مسار الذهب مرهوناً بعدة عوامل، في مقدمتها توجهات السياسة النقدية الأميركية، وتحركات الدولار، إلى جانب تطورات المشهد الجيوسياسي.

ويرجح المحللون أن أي تراجع في توقعات رفع الفائدة أو حدوث انفراج دبلوماسي قد يمنح الذهب فرصة للتعافي، في حين أن استمرار الضغوط الحالية قد يبقيه تحت الضغط على المدى القصير.


ارتفاع أسعار الوقود بالولايات المتحدة لأعلى مستوى منذ عام 2022

شاشة تعرض أسعار البنزين في محطة وقود بولاية كاليفورنيا يوم 3 مارس 2026 (رويترز)
شاشة تعرض أسعار البنزين في محطة وقود بولاية كاليفورنيا يوم 3 مارس 2026 (رويترز)
TT

ارتفاع أسعار الوقود بالولايات المتحدة لأعلى مستوى منذ عام 2022

شاشة تعرض أسعار البنزين في محطة وقود بولاية كاليفورنيا يوم 3 مارس 2026 (رويترز)
شاشة تعرض أسعار البنزين في محطة وقود بولاية كاليفورنيا يوم 3 مارس 2026 (رويترز)

ارتفعت أسعار الوقود في الولايات المتحدة، لتتخطى 4 دولارات في المتوسط للغالون الواحد من البنزين العادي، فيما يعدّ أعلى مستوى لها منذ عام 2022، في الوقت الذي يستمر فيه ارتفاع أسعار الوقود عالمياً بسبب حرب إيران.

ووفق إحصاء نادي السيارات «إيه إيه إيه»، فإن متوسط سعر غالون البنزين العادي يبلغ في الوقت الحالي 4.02 دولار، بزيادة أكثر من دولار على سعره قبل اندلاع الحرب.

وكانت آخر مرة دفع فيها سائقو السيارات بالولايات المتحدة هذا المبلغ بصورة مجمعة، في محطات الوقود قبل نحو 4 أعوام، مع بداية الحرب الروسية - الأوكرانية.

يذكر أن هذا السعر هو متوسط وطني، بما يعني أن السائقين في بعض الولايات يدفعون منذ فترة ما يزيد على 4 دولارات للغالون.

يذكر أن أسعار النفط الخام - المكون الرئيسي للبنزين - ارتفعت بشكل كبير وتذبذبت سريعاً، منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حرباً مشتركة ضد إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي.


المصانع الصينية تسجل أسرع معدل توسع في عام وسط ضغوط الحرب والطاقة

موظف يتفقد لوحة دوائر كهربائية في مصنع بمدينة شنتشن بمقاطعة قوانغدونغ الصينية (رويترز)
موظف يتفقد لوحة دوائر كهربائية في مصنع بمدينة شنتشن بمقاطعة قوانغدونغ الصينية (رويترز)
TT

المصانع الصينية تسجل أسرع معدل توسع في عام وسط ضغوط الحرب والطاقة

موظف يتفقد لوحة دوائر كهربائية في مصنع بمدينة شنتشن بمقاطعة قوانغدونغ الصينية (رويترز)
موظف يتفقد لوحة دوائر كهربائية في مصنع بمدينة شنتشن بمقاطعة قوانغدونغ الصينية (رويترز)

أظهر مسح رسمي يوم الثلاثاء، أن نشاط المصانع في الصين نما خلال مارس (آذار) بأسرع وتيرة في 12 شهراً، مدفوعاً بتحسن الطلب المحلي والخارجي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة من اضطرابات سلاسل التوريد وتقلبات أسعار الطاقة الناجمة عن حرب الشرق الأوسط.

قفز مؤشر مديري المشتريات الصناعي إلى 50.4 نقطة من 49 نقطة في فبراير (شباط)، متجاوزاً التوقعات عند 50.1 نقطة، ليعود إلى منطقة التوسع بعد أشهر من الانكماش. ويعكس هذا التحسن ارتياحاً مؤقتاً لصانعي السياسات، لكنه لا يلغي المخاوف من أن ارتفاع أسعار النفط قد يعرقل استمرار النمو.

وقال تشي وي تشانغ، كبير الاقتصاديين في شركة «بينبوينت» لإدارة الأصول: «التوقعات للربع الثاني غير واضحة، بالنظر إلى التأثير السلبي الناجم عن ارتفاع أسعار الطاقة»، مضيفاً أن السوق تزداد قلقاً من تباطؤ النمو العالمي وتعطيل سلاسل التوريد.

واستمر قطاع التصدير في دفع النمو خلال يناير (كانون الأول) وفبراير، بعد أن حققت الصين فائضاً تجارياً قياسياً بلغ 1.2 تريليون دولار العام الماضي، بدعم الطلب العالمي على الإلكترونيات وأشباه الموصلات. وأكدت وزارة التجارة أن الزخم سيستمر رغم الاضطرابات الجيوسياسية.

كما ارتفع مؤشر مديري المشتريات للقطاعات غير الصناعية -الخدمات والبناء- إلى 50.1 نقطة من 49.5 نقطة، مما يعكس تحسناً نسبياً في الأنشطة الاقتصادية غير التصنيعية.

ويرى محللو بنك «إيه إن زد» أن بيانات مؤشر مديري المشتريات تشير إلى أن نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأول سيتجاوز على الأرجح 4.5 في المائة، وهو الحد الأدنى لهدف بكين لهذا العام. لكن استمرار الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة يضعان علامات استفهام حول قدرة الاقتصاد على الحفاظ على هذا الزخم.