بين «برلين 1» عام 2020 و«برلين 2» عام 2021، تغيّرت أمور كثيرة في ليبيا. ورغم أن مخرجات المؤتمرين متطابقة إلى حد كبير، مثل الالتزام بحظر السلاح وعدم إرسال مرتزقة أجانب والدفع بالحل السياسي، إلا أن تطورات مهمة عديدة حصلت بين التاريخين، أهمها بلا شك انكسار هجوم «الجيش الوطني» على طرابلس، وتشكيل سلطة ليبية جديدة موحدة ومعترف بها دولياً.
هذه جولة على أبرز المواضيع الإشكالية «المستعصية» التي ما زالت تعترض الحل الليبي، رغم توافقات «برلين 2»:
- المرتزقة
أسفر مؤتمر «برلين 2» عن اتفاق على ضرورة إخراج المقاتلين الأجانب من ليبيا. لكنّ آليات تنفيذ ذلك ما زالت غامضة. فقد أُعلن أن تركيا وروسيا اتفقتا، فيما بينهما، على البدء بإخراج المقاتلين السوريين من ليبيا على دفعات، على أن تضم الدفعة الأولى 300 من كل جانب. وسيمثّل ذلك علامة رمزية فائقة الدلالة تدعم السلطات الليبية الجديدة في مسعاها لبسط سيادتها على ليبيا. لكن رغم رمزية هذه الخطوة، فإنها تبقى محدودة جداً، إذا لم يتم استكمالها بجدول زمني محدَّد لإخراج جميع المرتزقة والمقاتلين الأجانب من ليبيا. فالحقيقة أن هؤلاء السوريين الـ600 من الجانبين، يمكن أن يعودوا إلى ليبيا برحلتين فقط لطائرات نقل الركاب. كما أنهم ليسوا سوى «نقطة في بحر» المرتزقة والمقاتلين الأجانب في ليبيا والذين يقدَّرون بالآلاف، بينهم سوريون وتشاديون وسودانيون وتونسيون... وروس من «مجموعة فاغنر» الأمنية.
وحتى ولو تم الاتفاق فعلاً على إخراج المرتزقة وبوشر في ذلك، ستبقى إشكالية أساسية تتعلق بدور المؤسسة الأمنية التركية في غرب ليبيا. فكما هو معروف، استغلت تركيا مخرجات «برلين 1» وقامت تماماً بعكس ما نص عليه. فبدل الالتزام بحظر الأسلحة وعدم إرسال المقاتلين الأجانب، أقامت تركيا جسراً جوياً وبحرياً نقل آلاف المقاتلين الأجانب (السوريين) وأطناناً من الأسلحة بما في ذلك طائرات «درون» ومنظومات صواريخ وأجهزة تشويش متطورة إلى غرب ليبيا. وساهم التدخل العسكري التركي آنذاك في قلب موازين «معركة طرابلس» وألحق الهزيمة بـ«الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر ومعه «مجموعة فاغنر» التي كانت تنتشر في بعض مناطق غرب ليبيا (يصر «الجيش الوطني» على نفي وجودها). في مؤتمر «برلين 2» كانت تركيا أكثر صراحة في كشف حقيقة موقفها، إذا صدرت مخرجات المؤتمر مع تسجيل تحفظ رسمي تركي على البند المتعلق بإخراج المقاتلين الأجانب. فتركيا ترفض اعتبار جنودها في ليبيا أجانب، علماً بأن هذا الموقف عبّر عنه مسؤولون أتراك في الأيام التي سبقت «برلين 2» من خلال تأكيدهم أن الارتباط بينهم وبين الليبيين «يعود إلى 500 سنة»، في إشارة إلى حقبة سيطرة العثمانيين على ليبيا، وهي حقبة يأمل بعض القادة الأتراك بلا شك بإعادة إحيائها.
وواضح جداً الآن أن تركيا لا تنوي التخلي عن ورقتها الليبية، إذ عوض تحضير الأرضية للانسحاب من ليبيا (هي وبقية الأطراف الأجنبية) فإنها تقوم بتثبيت قواعدها العسكرية وتتولى تدريب قوات غرب ليبيا وتسلحها لتجعل منها قوة محترفة موازية لقوات الشرق، أو حتى أقوى منه.
وكان لافتاً على هامش «برلين 2» أن المسؤولين الأميركيين حرصوا على مداراة الموقف التركي حتى من خلال رفضهم استخدام كلمة «مرتزقة» لوصف المقاتلين السوريين (أصروا على كلمة «مقاتلين أجانب»). وربما يعود ذلك إلى رغبتهم في استخدام الورقة التركية في مواجهة روسيا، علماً بأن الأميركيين يرفضون اعتبار «مجموعة فاغنر» شركة أمنية خاصة بل يؤكدون أنها تمثّل الكرملين.
وبما أن «برلين 2» ترك للأتراك والروس حرية التوافق بينهم على إخراج مقاتليهم الأجانب، فإن هذا الوضع يوحي بـ«سيناريو سوري» جديد في ليبيا. ففي سوريا، لا يكتفي الأتراك والروس بالتنسيق بخصوص «مناطق خفض التصعيد»، بل يقومان بتسيير دوريات مشتركة في مناطق التوتر. لكن لا بد من الإشارة هنا إلى أن الصورة في ليبيا معاكسة تماماً لسوريا. فالقواعد التركية في البلد الأخير تقام رغماً عن «الحكومة الشرعية» المعترف بها من الأمم المتحدة، بينما تقول أنقرة إنها في ليبيا بناءً على اتفاق مع الحكومة المعترَف بها من الأمم المتحدة (حكومة الوفاق). والعكس يصح بالطبع في ما يخص روسيا، إذا إنها في سوريا بدعوة من «الحكومة الشرعية» لكنها ليست كذلك في ليبيا.
- الانتخابات
تنص مخرجات «برلين 2» على السير نحو الانتخابات المقررة في ليبيا في 24 ديسمبر (كانون الأول) هذا العام. لكن الكثير من الأمور ما زالت غامضة في ما يخص هذه الانتخابات. فليس واضحاً حتى الآن هل ستتم تشريعياً ورئاسياً في الوقت ذاته، أم أن البرلمان الجديد هو من سينتخب رئيس ليبيا المقبل. وإذا كانت الآلية الدستورية للانتخابات غير جاهزة بعد، فإن هناك أصواتاً واضحة في غرب ليبيا تصر على رفض أن تكون الانتخابات الرئاسية مباشرة من الشعب، بل إنها تهدد بالحرب من جديد لمنع وصول «ديكتاتور» جديد إلى السلطة ولو من خلال صناديق الاقتراع. والمعترضون هنا يرفضون تحديداً القبول بترشح سيف الإسلام القذافي، نجل العقيد الليبي الراحل، أو المشير خليفة حفتر. ورافضو سيف الإسلام يبررون رفضهم له بكونه يمثل عودة لعهد والده، واحتمال أن يلجأ للانتقام من الذين ثاروا ضده وقلبوا نظام حكمه في «انتفاضة 17 فبراير (شباط)» 2011. بالإضافة إلى كونه مطلوباً من المحكمة الجنائية الدولية بمزاعم التورط في قمع الانتفاضة وجلب المرتزقة الأجانب. ونقلت «التايمز» البريطانية أخيراً تأكيده أنه سيترشح للرئاسة في الانتخابات المقبلة. لكن الحقيقة أن مكان سيف مجهول منذ إعلان «ثوار الزنتان» الإفراج عنه قبل سنوات. أما المشير حفتر فلم يعلن رسمياً بعد ترشحه لرئاسة ليبيا، لكن يُعتقد على تطاق واسع أنه قد يكون راغباً في ذلك. غير أن «نكسة طرابلس» بانكسار هجومه على العاصمة العام الماضي أضرت كثيراً بصورته، كما أن أطرافاً فاعلة في غرب ليبيا تستخدم هجومه الفاشل لتبرير رفضها قبول ترشحه لانتخابات ديسمبر.
وحتى الآن لم يحدد مجلس النواب الليبي الطريقة التي ستتم بها الانتخابات المقبلة، رئاسياً ونيابياً، لكن المفترض إعلان ذلك بحلول 1 يوليو (تموز). وتوحي مخرجات «برلين 2» بأن هناك رغبة، تقودها الولايات المتحدة، في الدفع نحو حصول الانتخابات في موعدها. وإذا ما فشل مجلس النواب في الاتفاق على القاعدة الدستورية للانتخابات، فإن الاتجاه سيكون نحو تكرار سيناريو ملتقى الحوار الليبي المؤلف من 74 عضواً والذي انتخب في جنيف في وقت سابق من هذه السنة مجلساً رئاسياً جديداً برئاسة محمد المنفي، وحكومة جديدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، خلفاً لحكومة الوفاق السابقة برئاسة فائز السراج.
- توحيد المؤسسة العسكرية
ما زالت خطوات توحيد المؤسسة العسكرية الليبية تراوح مكانها، في ظل انقسام واضح بين الأطراف الليبية وداعميها الخارجيين. ففي حين تصر أطراف في غرب ليبيا، بدعم تركي علني (وأميركي خفيّ) على استبعاد المشير حفتر من دوره في قيادة الجيش، يبدو حفتر بمثابة «رقم صعب» في المعادلة ليس من السهل الاستغناء عنه، رغم خسارته غرب ليبيا. ويشير المدافعون عنه إلى الدور الأساسي الذي لعبه في منع سقوط ليبيا في أيدي الجماعات الإسلامية المسلحة من خلال إطلاقه «عملية الكرامة» التي نجحت، رغم الصعاب الكثيرة، في إعادة بناء جزء من القوات النظامية وطرد جماعات بعضها يتبع «داعش» و«القاعدة» من كامل شرق البلاد بعدما كانت متحصنة في مدنه الكبرى (مثل بنغازي ودرنة). لكن انتصارات حفتر في الشرق لم تتكرر في الغرب نتيجة تدخل تركيا. بل إن هناك اعتقاداً بأن وضعه كان يمكن أن يكون أكثر سوءاً لو لم يضع المصريون خطاً أحمر يمتد من سرت إلى الجفرة، ما أوقف الهجوم المدعوم من الأتراك في اتجاه شرق ليبيا.
ورغم ذلك، تستمر الاتصالات بين المؤسسة العسكرية في الشرق وقوات الجيش في الغرب من خلال ما يعرف بـلجنة «5 زائد 5» المنبثقة عن مؤتمر «برلين 1». وتبحث هذه اللجنة تثبيت وقف النار الساري منذ أكتوبر (تشرين الأول) العام الماضي وفتح الطريق الساحلية بين شرق ليبيا وغربها (طريق سرت – مصراتة).
- الموقف الأميركي و«عقدة حفتر»
بعدما كانت إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب سعيدة، كما يبدو، بالمشير حفتر، ووافقت حتى على هجومه على طرابلس بشرط أن يكون سريعاً، كما قال مستشار الأمن السابق جون بولتون، تبدو الإدارة الجديدة على نقيض سابقتها، فهي تسير في السياسة التي رسمها السفير الحالي في ليبيا ريتشارد نورلاد الذي بات أيضاً مبعوثاً خاصاً إلى ليبيا (بالإضافة إلى منصب السفير). وليس سراً أن علاقة نورلاند ليست على ما يرام مع حفتر، وهو يقول علناً إنه عمل على إحباط هجوم المشير على طرابلس منذ تعيينه سفيراً عام 2019. وقد وجّه جوي هوود، القائم بأعمال مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى، انتقادات صريحة لحفتر في ندوة صحافية عقدها الخميس ورفض فيها هجوم «الجيش الوطني» الأخير في جنوب البلاد، رغم أن المبرر المعلن لهذا الهجوم كان مكافحة الإرهاب، بعد شن خلايا تابعة لـ«داعش» هجومين على الأقل أحدهما كان عبارة عن تفجير انتحاري أسفر عن مقتل ضابط كبير في الجيش. وقال هود في حديثه عن هجوم حفتر وإعلان إغلاق الحدود مع الجزائر وهي منطقة ينشط فيها «داعش»: «إن الأعمال الأحادية مثل إغلاق الحدود الدولية ليس لها دعم من المجتمع الدولي، ونحن نعتقد أنها تؤدي إلى نتيجة عكسية للانتقال السياسي. بموجب ملتقى الحوار السياسي الليبي، المجلس الرئاسي هو من يقوم بأعمال قائد الجيش الليبي بموجب التشريع الليبي. إن ما يسمى الجيش الوطني الليبي دعم خريطة الطريق للعملية السياسية حتى الآن، وهو بحاجة إلى أن يواصل القيام بذلك، بما في ذلك احترام الانتخابات الوطنية المقبلة في ديسمبر».
ويأتي الكلام الأميركي ليعزز الشرخ بين سلطات طرابلس وقوات الجيش الوطني، وهو شرخ ظهر جلياً في امتناع الحكومة الجديدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة عن المشاركة في عرض عسكري ضخم نظمه حفتر في شرق ليبيا بمناسبة ذكرى عملية الكرامة، ومشاركتها، في المقابل، بعرض عسكري نُظّم في مصراتة، ما أوحى بأن حكومة الغرب موالية للقوات التي تدربها تركيا. وتعزز هذا الشرخ أيضاً عندما أطلق حفتر عملياته في الجنوب بعد هجمات «داعش» الأخيرة، إذ أعلن أعضاء المجلس الرئاسي أن قيادة الجيش الليبي تعود لهم وليس لحفتر، معلنين معارضتهم تحريكه قواتهم في الجنوب.
بين «برلين 1» و«برلين 2»... هل باتت العُقد الليبية «المستعصية» قابلة لحل؟
جولة لـ«الشرق الأوسط» على ملفات المرتزقة والانتخابات وتوحيد المؤسسة العسكرية وخلاف الأميركيين مع حفتر
وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن (يسار) ورئيس الحكومة الليبية عبد الحميد الدبيبة ووزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش في برلين أول من أمس (أ.ف.ب)
بين «برلين 1» و«برلين 2»... هل باتت العُقد الليبية «المستعصية» قابلة لحل؟
وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن (يسار) ورئيس الحكومة الليبية عبد الحميد الدبيبة ووزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش في برلين أول من أمس (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة








