غيوم ميسو... هل تطرّف في اللعب بروايته الجديدة؟

الأديب الأكثر مبيعاً باللغة الفرنسية منذ 10 سنوات

غيوم ميسو
غيوم ميسو
TT

غيوم ميسو... هل تطرّف في اللعب بروايته الجديدة؟

غيوم ميسو
غيوم ميسو

الرواية الأخيرة للأديب الفرنسي الشهير غيوم ميسو «الحياة رواية»، أبصرت النور قبل أيام باللغة العربية، وصدرت عن دار «هاشيت - أنطوان» في بيروت. وكانت الدار نفسها قد ترجمت العام الماضي رواية ميسو «حياة الكاتب السرية» بعد أشهر من صدورها باللغة الفرنسية، وسبقتها «الصبية والليل». ويعود الاهتمام من قبل دور النشر في العالم، بجديد ميسو، إلى الشعبية الكبيرة التي يحصدها بين القراء الفرنسيين. فهو يعدّ الروائي الفرنكوفوني الأول، والأكثر مبيعاً منذ 10 سنوات. وقد حقق استمرارية في التحليق، نادراً ما يحصدها كاتب بالفرنسية. وصنف ميسو في فرنسا على أنه الأكثر قراءة خلال عام 2020، وطوال فترات الحجر؛ إذ باع نحو مليون ونصف المليون نسخة. وهو مترجم إلى أكثر من 44 لغة، ويقدر مبيعه العالمي بـ35 مليون نسخة في مختلف اللغات.
ميسو لا يزال في الخامسة والأربعين من عمره، يصدر كل سنة كتاباً، منذ نحو 20 سنة. «الحياة رواية»، هو مؤلفه رقم 18، فيما يستعد لإصدار روايته التاسعة عشرة في سبتمبر (أيلول) المقبل بالتزامن مع موسم الدخول الأدبي، كما أعلنت الدار العريقة التي تتولى طباعة كتبه «كالمان ليفي».
يبدو أن هذه الشهرة بدأت تطحن ميسو، فهو لا يجد الوقت لالتقاط أنفاسه. يحتاج أشهراً عدة في كل مرة ليبلور فكرته ويضع خطتها، ومن ثم يعكف على الكتابة. وعلى عكس ما يتخيل القراء، يقول: «أنا لست آلة تكتب. وإنما أعمل يومياً، من التاسعة صباحاً إلى السابعة مساء، كأي صاحب مهنة يتوجه إلى عمله مع إشراقة الضوء، كي أستطيع أن أنجز رواية كل سنة». هذا ربما ما يفسر اختياره موضوعَي روايتيه الأخيرتين حول الكتّاب وحياتهم. وهو موضوع روائي أثير لديه.
إذا كانت رواية «حياة الكاتب السرية» عن أديب قرر أن يعتزل وهو في عزّ شهرته ومجده الأدبي، وينسحب إلى مكان بعيد، ويرفض التحدث إلى أي أحد، ومع ذلك يبقى هناك من يطارده من الفضوليين، فإن روايته الجديدة، بطلاها الرئيسيان أديبان؛ رجل وامرأة، ومن خلالهما نكتشف الكثير حول ما يخبئه ميسو، وما يفكر به بصفته أديباً لمهنته خصوصيتها، وأسرارها، وطقوسها، التي يتمنى كثيرون معرفتها.
«الحياة رواية» هي عن الروائية الأميركية «فلورا كونواي»، التي تعيش في حي بروكلين النيويوركي. وذات يوم من شهر أبريل (نيسان) كانت تلعب مع ابنتها، ذات السنوات الثلاث، لعبة «الغميضة»، وحين فتحت عينيها، وأخذت تبحث عن صغيرتها لم تجدها، ورغم كل نداءاتها لها بأن اللعبة قد انتهت وعليها أن تخرج من مخبئها، فإن الطفلة لم تظهر. تلك كانت لحظات صاعقة. النوافذ في الشقة هي في الأساس محكمة الإغلاق ولا تفتح، والمفتاح لا يزال موجوداً في القفل العلوي من الباب الرئيسي، ولا يستطيع أصلاً طفل الوصول إليه، ووجوده دلالة على أن أحداً لم يفتح الباب من الداخل أو الخارج. لم تترك فلورا مكاناً في البيت إلا بحثت فيه؛ الشيء الوحيد الذي أكد مخاوفها هو عثورها على الفردة اليسرى من الحذاء المنزلي الذي كانت تلبسه الطفلة «كاري»، في الممر، فيما لم تعثر على الفردة الأخرى. الشرطة أيضاً لم تتمكن من أن تلتقط أي أثر لـ«كاري»، ولا أن تمسك بطرف أي خيط. فالكاميرات لم تسجل حركة مريبة، أو أثراً لداخل أو خارج من هذا المبنى القديم الذي تقع فيه شقة «فلورا».
تلجأ «فلورا» لكاتب آخر، رومان أوزورسكي، الموجود في باريس لحل لغز اختفاء طفلتها. لكنه هو الآخر، في هذا الوقت بالذات له مشكلاته الخاصة؛ إذ يسعى جاهداً للاحتفاظ بحضانة ابنه الوحيد، بعد انفصاله عن زوجته. يكتشف أن سعادته في العمق ليست في الكتابة، كما كان يعتقد، وإنما في علاقته الحميمة بابنه الذي سينتقل به إلى أميركا. هذا الجمع بين أديبين، مناسبة لصاحب الرواية، ليكتب عن حياة الأدباء، وما يشعرون به؛ متاعبهم، هواجسهم، ومشكلاتهم. ويكرر ميسو في مقابلاته الأخيرة أن هذه الرواية كانت وسيلته ليجيب من خلالها عن أسئلة القراء التي ترد إليه باستمرار، حول كيف يكتب؟ بماذا يشعر؟ كيف يحضّر لموضوعاته؟ ما مصادر الوحي في حياته؟ وأسئلة أخرى كثيرة. والحقيقة أن الروائيين في القصة، من خلال مهارتهما العملية يكتشفان أن بمقدورهما فك لغز الاختفاء الغامض للطفلة «كاري».
إضافة إلى الأديب «رومان»، وابنه الذي له دوره كذلك، شخصية أخرى في الرواية هي «فونتين» ناشرة «فلورا» الفرنسية، التي تحوم حولها الشكوك، بسبب بعض تصرفات مريبة، تجعلها في مدار الاتهام.
وميسو المتتلمذ على كتابات أغاثا كريستي، وهي من بين الكتّاب الذين قرأهم بشغف كبير في طفولته، لا ينقصه الحس البوليسي في رواياته، ويعرف كيف يؤجج الإثارة. فقد ربط بين قلم بدأت تكتب به «فلورا»، ورؤيتها أحلاماً تزورها في نومها، ليتبين في النهاية، وبعد تحليل مخبري، أن القلم ليس هو مصدر ما تراه، وإنما الحبر الذي ظهر في المختبر أنه يحوي الماء والألوان ودم طفلتها كدلالة أولى على موتها.
على عكس روايات ميسو السابقة، التي كانت تزدرد من القراء ازدراداً، اشتكى قراؤه هذه المرة من أنه بالغ في اللعب، وتطرف في محاولة التجديد، وأنه وهو يحاول أن يجعلهم يعيشون بين قارتين، وهو يتنقل بين باريس ونيويورك، وبين الواقع والخيال، بدا لهم أنهم يفقدون الخيط، ولا يعرفون من الذي يروي، وما الذي يحدث. لكن من يتحلى بالصبر ويصل إلى الصفحات الأخيرة، يكتشف ما يشبه الضوء الذي يأتيه ساطعاً في النهاية.
فالرواية تشبه في تركيبتها مسرحية من ثلاثة فصول؛ كل فصل منها يكاد يجعلك تتساءل عن الذي قبله. وميسو، في الحقيقة، يطلق العنان أيضاً لنوع من التناص، حين يلحظ القارئ أن شيئاً من رواية سابقة له هي «فتاة من ورق» تظهر أمامه وهو يقلب الصفحات، أو أن شيئاً من رواية «حياة الكاتب السرية» يلوح له في هذه القصة الجديدة. ولا يتوانى الكاتب عن ضخ الاستشهاد مستعيناً بعبارات لكتاب وأدباء معروفين، وهو ما أخذه عليه بعض القراء أيضاً.
أستاذ الاقتصاد الذي حقق حلمه بأن يصبح روائياً يقص على الناس الحكايات، لم يعد يخفي في روايتيه الأخيرتين، من خلال أبطاله ومقابلاته، ضيقه من مطحنة التسويق. بطلة الرواية الجديدة الروائية «فلورا»، تكره الصحافيين، ثم إنها تكره القراء أيضاً، لأنهم لا يجيدون اختيار الكتب، وتعبر عن كرهها الناشرين، وتجد أن عالم النشر مليء بالحسد. هل هي أفكار ميسو أنطقها بطلته، أم مجرد لعبة روائية ذهب بها إلى النهاية؟
رغم الانتقادات، فإن هذه الرواية أبقت ميسو الأول على لائحة المبيع، وينتظر عشاقه بفارغ الصبر روايته المقبلة، ودور النشر في العالم تترقب، لتترجم ما يكتبه الشاب الموهوب وهو يخلط؛ بين الخيال والواقع، الغرائبية والبوليسية، العقلانية مع رشّة من السوريالية، وينطلق من ملاحظات وتجاريب صغيرة في حياته الشخصية، ليبني عليها حكايات لا تزال تفتن القراء.



لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».