ماكرون يتوقع الأسوأ... والحريري يدرس الاعتذار

الرئيس الفرنسي يتعهد توفير الخدمات للبنانيين تحسباً لـ«أيام سوداء» تنتظرهم

العقد مستمرة أمام تشكيل الحكومة اللبنانية... والحريري يدرس الاعتذار (رويترز)
العقد مستمرة أمام تشكيل الحكومة اللبنانية... والحريري يدرس الاعتذار (رويترز)
TT

ماكرون يتوقع الأسوأ... والحريري يدرس الاعتذار

العقد مستمرة أمام تشكيل الحكومة اللبنانية... والحريري يدرس الاعتذار (رويترز)
العقد مستمرة أمام تشكيل الحكومة اللبنانية... والحريري يدرس الاعتذار (رويترز)

دعا مصدر سياسي مواكب لاستمرار انسداد الأفق أمام تشكيل حكومة جديدة في لبنان إلى عدم الاستخفاف بإعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنه يعمل مع شركاء دوليين لإنشاء آلية مالية تضمن استمرار الخدمات العامة اللبنانية الرئيسية في الوقت الذي تكافح فيه البلاد أزمة حادة، مشيراً إلى ضرورة التعامل بجدية مع المخاوف التي عبر عنها الرئيس الفرنسي حيال تعثر جهود تشكيل الحكومة وما يترتب على ذلك من تداعيات يمكن أن تؤدي إلى انهيار قاتل للبنان وقطع الطريق أمام من يحاول إنقاذه قبل الوصول إلى هذا المصير.
ولفت المصدر السياسي لـ«الشرق الأوسط» إلى أن ماكرون يسعى جاهداً لضمان استمرار الخدمات للبنانيين تحسباً لدخول بلدهم في دوامة الفراغ، رغم أنه تعهد بالدفاع عن جهوده لتشكيل حكومة من شأنها أن تقود الإصلاحات وتطلق العنان للمساعدات الدولية. وقال الرئيس الفرنسي، في مؤتمر صحافي أول من أمس، إنه أراد أن يحث اللبنانيين على الصمود لمواجهة الأسوأ الذي ينتظرهم، متعهداً في الوقت نفسه بوقوف فرنسا إلى جانبهم وبأنها لن تتركهم لوحدهم يواجهون الأيام السوداء بغياب الدولة وانحلال إداراتها ومؤسساتها.
واعتبر المصدر أن الخطورة المترتبة على ما أعلنه ماكرون تكمن في أنه بات الأعلم بما آلت إليه المفاوضات لتشكيل الحكومة والتي عادت إلى المربع الأول، من دون أن تحدث أي خرق يمكن التعويل عليه لمعاودة المشاورات. وقال إن سعيه إلى تأمين استمرار الخدمات يتلازم مع إصراره على توفير كل الشروط لرفع المعاناة عن المؤسسة العسكرية والقوى الأمنية الأخرى.
وقال إن ماكرون يصر على تأمين الحد الأدنى من الخدمات للبنانيين لتحصين الأمن الاجتماعي الذي من شأنه أن يريح المؤسسة العسكرية والقوى الأمنية الأخرى لتمكينها من الحفاظ على الاستقرار باعتبار أنها تبقى صمام الأمان لمنع إقحام البلد في فوضى تأخذه إلى المجهول فيما المنظومة الحاكمة عاجزة عن تشكيل حكومة مهمة وبات من الضروري التحضير لإجراء الانتخابات النيابية العامة في موعدها المقرر في ربيع العام 2022 لعلها تشكل نقطة للانطلاق نحو التغيير، وهذا ما تراهن عليه باريس، وهي قالت كلمتها في هذا الشأن على لسان وزير الخارجية جان إيف لودريان في زيارته الأخيرة لبيروت.
ويتابع المصدر السياسي أن باريس تكاد تكون قطعت الأمل بأن تتمكن المنظومة الحاكمة من إنقاذ لبنان إن لم تكن قد أصيبت بإحباط لا عودة عنه في رهانها على هذه المنظومة، مشيراً إلى أن سفيرة فرنسا لدى لبنان آن غريو باتت تركز على التعاون مع هيئات المجتمع المدني وتعمل على توفير المساعدات لعدد من المدارس والمستشفيات والجمعيات، وكأنها تراهن على أن الحراك الشعبي - رغم صعوبة توحيده - سيكون الناخب الأول الذي تتشكل منه الرافعة المطلوبة لإعادة إنتاج السلطة.
ويشير المصدر إلى أن ماكرون لم يقدم على خطوته الجديدة هذه إلا بعدما أدرك بأن مشاورات تأليف الحكومة تراوح في مكانها وهذا ما انتهت إليه اللقاءات المعقودة بين رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل وبين المعاونين السياسيين لرئيس البرلمان النائب علي حسن خليل والأمين العام لـ«حزب الله» حسين خليل في حضور مسؤول التعبئة والتنسيق في الحزب وفيق صفا.
وفي هذا السياق، كشف مصدر في «الثنائي الشيعي» لـ«الشرق الأوسط» أن اللقاءات لم تحقق أي تقدم يمكن التأسيس عليه لمواصلة المشاورات، وقال إن باسيل يصر على أن يكون لرئيس الجمهورية ميشال عون حصة من 8 وزراء في حكومة من 24 وزيراً من دون أن يشارك في حكومة يمنحها الثقة، مضيفاً أن لا مشكلة في إعادة توزيع الحقائب الوزارية على الطوائف ولكن من دون حصول أي طرف على «الثلث الضامن».
وأكد المصدر نفسه أنه من غير الجائز، من وجهة نظر الرئيس المكلف سعد الحريري، أن يعطي عون 8 وزراء، فيما يقود باسيل المعارضة للحكومة. وأضاف أن «التيار الوطني» أصر في البداية على أن تكون وزارة الطاقة من حصة رئيس الجمهورية لكنه عاد وتنازل عنها مشترطاً أن لا تعطى لتيار «المردة» برئاسة النائب السابق سليمان فرنجية.
وأضاف أن مشكلة حقيبة الطاقة قد حلت وكذلك الحال بالنسبة لحقيبتي الداخلية والعدل، لكن باسيل يرفض أن يعطي جواباً يتعلق بمن يسمي الوزيرين المسيحيين في مقابل إصرار الحريري على تسميتهما لقطع الطريق على عون للاستثمار بامتلاك ثلث ضامن في الحكومة. وزاد أن باسيل اشترط تثبيت حصة عون بـ8 وزراء في الحكومة قبل التواصل مع عون للوقوف على رأيه. ورأى أن مجرد حصول عون على 8 وزراء من دون موافقته على أن يسمي الحريري الوزيرين المسيحيين يعني حكماً أنه يريد أن «يقضم بالمفرق الصلاحيات المناطة بالرئيس المكلف»، مضيفاً أن «لقاءات البياضة» (مقر باسيل قرب بيروت) هي في إجازة الآن ولن تعاود اجتماعاتها ما لم يعدل رئيس «التيار الوطني الحر» موقفه بالنسبة إلى تسمية الوزيرين المسيحيين.
ومع أن المصدر يتجنب الدخول في موقف عون وامتناعه عن الاشتراك في مشاورات التأليف بتفويضه باسيل متابعة هذه المشاورات بصلاحيات مطلقة، فإن مصادر مواكبة للقاءات البياضة تقول لـ«الشرق الأوسط» إن عون أوكل مهمة الحل والربط لـ«وريثه السياسي» (باسيل)، ما يعني أنه يتنازل بملء إرادته عن صلاحياته في الوقت الذي يدعي بأنه يريد استردادها. وتتابع هذه المصادر أن «صبر الحريري لن يطول إلى ما لا نهاية، وهو ينتظر أجوبة نهائية ليبني على الشيء مقتضاه على خلفية أنه ليس من يعطل الدولة ويترك إداراتها ومؤسساتها تنهار، فيما الأزمات تحاصر اللبنانيين، وبالتالي سيقول كلمته الفصل في الوقت المناسب لأنه لن يكون ميشال عون آخر صاحب الخبرة في التعطيل وشل مؤسسات الدولة... وإلا يكون قد عطل نفسه».
وعليه، يفترض أن يقوم الحريري بمروحة من الاتصالات والمشاورات تمهيداً للموقف الذي سيتخذه، ومن خياراته الاعتذار عن تكليفه بتشكيل الحكومة على أن يأتي من ضمن خطة سياسية، ليس للتفرغ لخوض الانتخابات النيابية فحسب، وإنما لمصارحة اللبنانيين بلا مواربة بكل شاردة وواردة كانت وراء اتخاذ خياره بالاعتذار ما لم تحمل الأيام القليلة المقبلة مفاجأة بتذليل العقبات التي تملي عليه التريث.
وبانتظار ما ستحمله الأيام المقبلة فإن الحريري اتخذ قراره بالتنسيق مع حلفائه من جهة وبالتشاور مع الرئيس نبيه بري الذي أطلق، من جهته، مبادرة للإسراع بتشكيل الحكومة. وليس واضحاً حتى الآن هل سيعود باسيل إلى مراجعة حساباته بالتخلي عن شروطه التي تعطل تشكيل حكومة الحريري. كما أنه غير واضح كيف سيتعامل «حزب الله» مع تلويح الحريري بالاعتذار، وهو تلويح يأتي بعدما «طفح الكيل» لدى رئيس الوزراء المكلف الذي يرفض أن يكون شريكاً في التعطيل.
ويبقى السؤال في ظل التعثر الذي يعيق تشكيل الحكومة ما إذا كان ماكرون أطلق إنذاره الأخير لاستحضار ضغط دولي للإسراع بتأليفها قبل أن يغرق البلد في انفجار كبير لا حدود له؟



خلايا «الانتقالي» المنحلّ تهاجم مبنى محافظة شبوة

تجمع في مدينة عتق لأنصار «الانتقالي» رافقه مهاجمة مبنى محافظة شبوة (إكس)
تجمع في مدينة عتق لأنصار «الانتقالي» رافقه مهاجمة مبنى محافظة شبوة (إكس)
TT

خلايا «الانتقالي» المنحلّ تهاجم مبنى محافظة شبوة

تجمع في مدينة عتق لأنصار «الانتقالي» رافقه مهاجمة مبنى محافظة شبوة (إكس)
تجمع في مدينة عتق لأنصار «الانتقالي» رافقه مهاجمة مبنى محافظة شبوة (إكس)

شهدت مدينة عتق، مركز محافظة شبوة اليمنية، الأربعاء، اشتباكات مسلحة رافقت مظاهرة نظمها أنصار المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، وهو ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، فيما اتهمت اللجنة الأمنية العليا عناصر خارجين عن القانون بالوقوف وراء محاولة اقتحام ديوان عام المحافظة، والاعتداء على أفراد الأمن.

وأدانت اللجنة الأمنية في شبوة، بأشد العبارات، في بيان رسمي ما وصفته بـ«العمل الإجرامي المسلح» الذي أقدمت عليه عناصر «مندسة، وخارجة عن النظام، والقانون»، متهمة إياها باستهداف أفراد الوحدات الأمنية، والعسكرية بالذخيرة الحية، ومحاولة اقتحام مبنى السلطة المحلية بالقوة.

وأفادت مصادر محلية بأن التوتر بدأ مع تحرك مجموعة من المحتجين باتجاه مبنى السلطة المحلية، في حين تدخلت قوات الأمن لتفريقهم، قبل أن تتطور الأحداث إلى مواجهات مسلحة أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى، وسط تضارب في الأرقام، والروايات حول هوية الضحايا، وعددهم.

الأمن في شبوة اتهم مندسين في مظاهرة «الانتقالي» بإطلاق النار (إكس)

سكان ونشطاء تداولوا مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي تُظهر محتجين يرفعون أعلام «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل، وصور قياداته، بينما بدت مجاميع مسلحة ترافقهم في شوارع المدينة. وبحسب روايات متداولة، حاولت مجموعة الصعود إلى سطح مبنى المحافظة لإنزال العلم اليمني، ما فاقم التوتر في محيط الموقع.

وتحدث ناشطون عن إلقاء قنبلة متفجرة باتجاه حراسة بوابة المبنى، ما أدى إلى إصابة عدد من الجنود المكلفين بحمايته، فيما أشارت روايات أخرى إلى أن القوات أطلقت النار في الهواء لتفريق الحشود قبل أن تتطور المواجهات إلى تبادل إطلاق نار.

وفي حين لم تورد السلطات الرسمية توضيحاً عن عدد الضحايا، قال الإعلام الموالي لـ«الانتقالي» إن 4 قتلى سقطوا، كما أصيب 28 آخرون، وسط اتهامات لعيدروس الزبيدي -الذي كان هرب إلى أبوظبي الشهر الماضي- بمحاولة زعزعة الاستقرار في المحافظات اليمنية الجنوبية، والشرقية عبر موالين له.

توضيح أمني

وفي خضم هذه التطورات، أصدرت اللجنة الأمنية بمحافظة شبوة بياناً أدانت فيه الأحداث، وقالت إن عناصر مندسّة، وخارجة عن النظام، والقانون، اعتدت على أفراد الوحدات الأمنية، والعسكرية، واستهدافهم بالذخيرة الحية، مع محاولة اقتحام ديوان عام المحافظة بالقوة.

وأكدت اللجنة في بيان لها أن هذا التصرف المدان يمثل اعتداءً سافراً على مؤسسات الدولة، وهيبتها، وتهديداً مباشراً للأمن، والاستقرار في المحافظة، محملةً العناصر المشبوهة المسؤولية القانونية الكاملة عن تبعات هذه الأعمال الإجرامية، وما أسفرت عنه من سقوط ضحايا، ومصابين نتيجة استخدام القوة المسلحة بصورة متعمدة، في تحدٍ خطير للقوانين النافذة، واستخفاف واضح بحرمة الدم اليمني، والسلامة العامة.

قوات أمنية أمام مبنى الإدارة المحلية لمحافظة شبوة في مدينة عتق (إكس)

وشددت اللجنة الأمنية على أن الحق في التعبير، والتظاهر السلمي مكفول بالقانون، إلا أن حمل السلاح، والاعتداء على رجال الأمن، واستهداف المنشآت الحكومية يُعد من الجرائم الجسيمة التي يعاقب عليها القانون، ولن يتم التساهل معها تحت أي ظرف، أو مبرر.

وأعلنت اللجنة مباشرتها إجراءات ملاحقة العناصر المتورطة في هذا الاعتداء، وضبط كل من يثبت تورطه في التحريض، أو التمويل، أو التخطيط، أو التنفيذ، وتقديمهم للعدالة لينالوا جزاءهم الرادع وفقاً للقانون.

تشديد على رفض الفوضى

وأكد البيان أن الأجهزة الأمنية والعسكرية في شبوة ستتخذ كافة التدابير، والإجراءات اللازمة لحماية مؤسسات الدولة، وصون الأمن العام، ولن تسمح بفرض الفوضى، أو تقويض السكينة العامة.

وحملت اللجنة الأمنية المسؤولية الكاملة لكل من سعى إلى جرّ المحافظة نحو مربع العنف، والفوضى، محذرةً من مغبة الاستمرار في مثل هذه الأعمال التي لن تؤدي إلا إلى مزيد من الخسائر، والمساءلة القانونية الصارمة.

ودعت اللجنة كافة المواطنين إلى الالتزام بالنظام، والقانون، وعدم الانجرار خلف الدعوات المشبوهة، والتعاون مع الأجهزة المختصة للحفاظ على أمن المحافظة، واستقرارها، مجددة عزمها الثابت على فرض النظام، وسيادة القانون، والتزامها بحماية الأرواح، والممتلكات، والتعامل بحزم ومسؤولية مع أي تهديد يمس أمن المحافظة.

موالون للمجلس الانتقالي الجنوبي المنحل يرفعون صور الزبيدي (إكس)

وكانت اللجنة الأمنية استبقت هذه الأحداث ببيان أكدت فيه التزامها الكامل بالحفاظ على الأمن، والاستقرار، وحماية المكتسبات الوطنية التي تحققت في المحافظة، مشددة على ضرورة احترام القانون، والنظام في جميع الفعاليات، والأنشطة العامة.

وقالت إنها تحترم الحريات العامة، وحق الرأي، والتعبير السلمي، مع التأكيد على أن ممارسة هذه الحقوق يجب أن تكون ضمن الأطر القانونية، والتشريعية، حفاظاً على السلم الاجتماعي، والأمن العام.

وفي حين حذرت اللجنة الأمنية في شبوة من قيام أي فعالية غير مرخصة، أو تنفذ من دون التنسيق مع الجهات المختصة، دعت جميع المواطنين، والمكونات المجتمعية إلى تغليب المصلحة الوطنية، والالتزام بالقوانين المنظمة للأنشطة، والفعاليات، لضمان حماية المكتسبات الوطنية، وصون السلم الاجتماعي.


توتّر متصاعد بين الحوثيين وجناح «المؤتمر» في صنعاء

قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
TT

توتّر متصاعد بين الحوثيين وجناح «المؤتمر» في صنعاء

قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)
قيادات في جناح حزب «مؤتمر صنعاء» خلال فعالية سابقة (الشرق الأوسط)

أفادت مصادر يمنية مطّلعة بتصاعد حدة التوتر بين الجماعة الحوثية وحزب «المؤتمر الشعبي العام» (جناح صنعاء)؛ على خلفية استمرار رفض قيادة الحزب المشاركة الصورية في حكومة الانقلاب الجديدة، التي تأخّر إعلان تشكيلها، رغم مرور أكثر من أربعة أشهر على مقتل رئيسها السابق أحمد الرهوي وعدد من الوزراء، في غارة إسرائيلية استهدفت صنعاء.

يأتي هذا التوتر في سياق سياسي واقتصادي معقد، حيث تزداد الضغوط الداخلية على الجماعة، في ظل أوضاع معيشية صعبة وعجز عن إدارة المرحلة أو تقديم معالجات حقيقية للأزمات المتراكمة.

وكشفت مصادر سياسية في صنعاء عن استمرار رفض قيادة جناح «المؤتمر الشعبي» المشاركة في أي حكومة لا تقوم على شراكة حقيقية وصلاحيات واضحة، وعَدَّت أن أي انخراط شكلي لن يسهم في معالجة الأزمات المتفاقمة التي يكابدها اليمنيون في مناطق سيطرة الحوثيين.

القيادي بحزب «المؤتمر» صادق أبو راس خلال فعالية في صنعاء (الشرق الأوسط)

وأوضحت المصادر، لـ«الشرق الأوسط»، أن موقف الحزب «نابع من تجربة سابقة أثبتت أن الشراكة الصورية لا تصنع استقراراً أو تنمية»، مشيرة إلى أن جناح الحزب، المتحالف شكلياً مع الجماعة منذ الانقلاب، لا يرغب في الاستمرار بوصفه غطاء سياسياً لقرارات لا يشارك في صياغتها أو تحمُّل تبِعاتها.

وطبقاً للمصادر نفسها، فإن الخلافات الحالية لا تقتصر على توزيع الحقائب الوزارية، بل تمتد إلى طبيعة القرار السياسي وآلية إدارة مؤسسات الدولة في صنعاء، وغياب الضمانات المتعلقة باستقلال الحكومة المفترضة، وقدرتها على ممارسة مهامّها بعيداً عن هيمنة القادة والمشرفين الحوثيين.

أزمة أعمق

وتشير هذه المعطيات إلى أزمة أعمق تتعلق بتوازنات السلطة الانقلابية داخل صنعاء، حيث يرى مراقبون أن إعادة تشكيل الحكومة الحوثية تمثل اختباراً حقيقياً لمدى استعداد الجماعة لإشراك حلفائها في صنع القرار، أو الاكتفاء بإعادة إنتاج صيغة حكم تتركز فيها الصلاحيات الفعلية خارج الأُطر المؤسسية المعلَنة.

في موازاة ذلك، تتحدث مصادر حزبية عن تصاعد حالة التذمر داخل أوساط «المؤتمر الشعبي» من استمرار ما تصفه بـ«التضييق» على النشاط السياسي والتنظيمي للحزب، بما في ذلك القيود المفروضة على الاجتماعات والفعاليات، وهو ما يفاقم فجوة الثقة بين الطرفين، ويضعف فرص التوافق في المدى المنظور.

عنصران حوثيان خلال تجمُّع دعا له زعيم الجماعة بصنعاء (إ.ب.أ)

وعلى وقْع استمرار تعثر إعلان الحكومة غير المعترف بها دولياً، برزت، خلال الأيام الأخيرة، انتقادات لاذعة من ناشطين وكُتاب محسوبين على الجماعة الحوثية، عبّروا فيها عن استيائهم من التأخير المستمر في تشكيل الحكومة، وعدُّوا أن هذا التعطيل ينعكس سلباً على الأوضاع المعيشية، ويزيد حالة الإرباك الإداري والاقتصادي.

وأشار بعض هؤلاء إلى أن تأخر تشكيل الحكومة «لم يعد مبرراً»، وأن استمرار المشاورات دون نتائج ملموسة «يزيد من حالة الإحباط، ويعكس ارتباكاً في إدارة المرحلة»، وفق ما نقلته مصادر محلية.

وذهب آخرون إلى اتهام قيادات داخل الجماعة بالمماطلة، والإبقاء على مؤسسات الدولة في حالة شلل، بما يسمح بإدارة الملفات الحساسة عبر قنوات غير رسمية.

Your Premium trial has ended


القمع الحوثي يحرم ملايين اليمنيين من المساعدات الأممية

الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
TT

القمع الحوثي يحرم ملايين اليمنيين من المساعدات الأممية

الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)
الحوثيون تسببوا في حرمان الملايين من المساعدات الغذائية (إعلام محلي)

قدّم برنامج الأغذية العالمي مساعدات غذائية ونقدية لأكثر من ثلاثة ملايين شخص في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في وقت يواصل فيه الحوثيون منع البرنامج من العمل بحرية في مناطق سيطرتهم، ما أدى إلى حرمان ملايين اليمنيين من مساعدات توصف بأنها منقذة للحياة، وفق ما أكدته تقارير أممية وإعلام محلي.

وبحسب أحدث تقارير البرنامج، فقد استفاد حتى نهاية عام 2025 نحو 3.2 مليون شخص في 118 مديرية ضمن مناطق الحكومة من المساعدات الغذائية العامة، توزعت بين حصص عينية لنحو 2.4 مليون مستفيد، وتحويلات نقدية لنحو 800 ألف شخص.

وأوضح التقرير أن اختيار نمط المساعدة – عينية أو نقدية – استند إلى كفاءة الأسواق المحلية، وتفضيلات المستفيدين، واعتبارات لوجيستية وأمنية.

أكثر من 19 مليون يمني بحاجة إلى مساعدات غذائية هذا العام (الأمم المتحدة)

في المقابل، تتصاعد المخاوف من تدهور الوضع الإنساني في مناطق سيطرة الحوثيين، خصوصاً بعد اقتحام مكاتب منظمات أممية واعتقال عشرات العاملين فيها، الأمر الذي دفع بعض الوكالات إلى تعليق أو تقليص أنشطتها.

وترى مصادر إنسانية أن القيود المفروضة على حركة العاملين والإمدادات أدت إلى تقويض قدرة المنظمات على الوصول إلى الفئات الأشد ضعفاً.

وأفاد برنامج الأغذية العالمي بأن معظم الأسواق في مناطق الحكومة اليمنية أظهرت أداءً متوسطاً إلى عالٍ، لا سيما من حيث توافر السلع الغذائية، وتنوعها، ومرونة سلاسل التوريد، وإمكانية الوصول، وجودة الغذاء.

وأشار البرنامج إلى أن التدخلات القائمة على السوق، بما في ذلك التحويلات النقدية، ما تزال ممكنة على نطاق واسع، وهو ما يتيح للأسر شراء احتياجاتها مباشرة من الأسواق المحلية.

غير أن التقرير حذّر من استمرار مخاطر تقلب الأسعار وضعف جودة بعض الخدمات، إضافة إلى قابلية سلاسل التوريد للتأثر بانقطاعات طرق الإمداد، خصوصاً في مناطق تماس مثل مأرب وتعز ولحج وأبين. وتبقى هذه المناطق عرضة للتوترات الأمنية التي قد تعرقل حركة البضائع وترفع تكاليف النقل.

منظمات الأمم المتحدة غادرت مناطق سيطرة الحوثيين بعد اقتحام مكاتبها ونهبها (الأمم المتحدة)

وكانت آخر تقييمات مؤشر كفاءة السوق قد أُجريت في عامي 2020 و2022 وشملت جميع المديريات الواقعة تحت سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً. وقد وفّرت تلك التقييمات مؤشرات مهمة حول قدرة الأسواق على استيعاب التحويلات النقدية دون التسبب في ضغوط تضخمية، ما ساعد البرنامج في تحديد أنسب آليات الدعم.

لكن البرنامج أقر بأن الأساسيات الاقتصادية تغيّرت بشكل ملحوظ منذ آخر تقييم، ما خلق حالة من عدم اليقين بشأن استقرار سلاسل التوريد والمنافسة والبنية التحتية والقدرة الشرائية للأسر. ولهذا أنجز تقييماً محدثاً لمؤشر وظائف السوق بدأ العمل به في يناير (كانون الثاني) 2026.

ويشير التقرير الأممي إلى أن الأسواق اليمنية تعمل في بيئة شديدة التقلب، تتداخل فيها عوامل الاقتصاد الكلي مثل التضخم وتقلبات أسعار الصرف والاعتماد الكبير على الواردات، مع ديناميكيات الصراع وانعدام الأمن وتدفقات المساعدات الخارجية وضعف البنية التحتية والكوارث الطبيعية المتكررة.

وأكد أكثر من 80 في المائة من التجار الذين شملهم الاستطلاع أن عدم استقرار الأسعار يمثل مصدر قلق رئيسياً، مشيرين إلى ارتفاع تكاليف السلع الأساسية. ويرى البرنامج أن هذا المستوى المرتفع من عدم القدرة على التنبؤ بالأسعار يقوض القدرة الشرائية للأسر، ويؤثر مباشرة على الأمن الغذائي وثقة السوق.

ويعكس هذا التقلب هشاشة الاقتصاد اليمني، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الواردات الغذائية والوقود، فضلاً عن تأثير ارتفاع تكاليف النقل وعدم اليقين بشأن السياسات المالية. ويحتاج أكثر من 19 مليون يمني إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية هذا العام، وفق تقديرات أممية، ما يجعل أي اضطراب إضافي في الأسواق عاملاً مضاعفاً للأزمة.

وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى تحول مهم حدث في نهاية أغسطس (آب) الماضي، حين فرض البنك المركزي في عدن ضوابط صارمة على سوق العملة، وفكك أسواقاً غير مشروعة بدعم من مساعدات خارجية.

وأسهمت هذه الإجراءات في خفض سعر الصرف إلى نحو 1624 ريالاً يمنياً مقابل الدولار، ما انعكس تراجعاً نسبياً في أسعار المواد الغذائية والوقود في مناطق الحكومة.

غير أن خبراء اقتصاديين يحذرون من أن استدامة هذا التحسن تبقى رهناً باستمرار الدعم الخارجي واستقرار الإيرادات العامة، في ظل الانقسام المالي القائم بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين.

ويؤكد برنامج الأغذية العالمي أن فاعلية التحويلات النقدية تظل مرتبطة باستقرار الأسعار، إذ إن أي موجة تضخمية جديدة قد تقلص أثر الدعم المقدم للأسر الأشد احتياجاً.