«وكلاء» إيران في العراق يهددون الولايات المتحدة بأسلحة متطورة

نفذوا أكثر من 300 هجوم ضد المصالح الأميركية

TT

«وكلاء» إيران في العراق يهددون الولايات المتحدة بأسلحة متطورة

تشتبه السلطات الأمنية الأميركية في ضلوع الميليشيات العراقية المدعومة من إيران في شن عدة هجمات بالطائرات المسيرة ضد أهداف أميركية ذات حساسية داخل العراق، في محاولة منها لتفادي الدفاعات الأميركية، حسب تقرير لصحيفة {نيويورك تايمز}.
وتتعامل الولايات المتحدة مع التهديدات سريعة التطور من قبل وكلاء الحكومة الإيرانية في العراق بعد قيام الميليشيات المتخصصة في تشغيل أكثر الأسلحة تطوراً، بما في ذلك الطائرات المسيرة المسلحة، بتوجيه الهجمات ضد عدد من أكثر الأهداف الأميركية حساسية في العراق، فراراً من مواجهة الدفاعات الأميركية.
وكانت تلك الميليشيات، عبر 3 مرات على الأقل خلال الشهرين الماضيين، قد استعانت بالطائرات المسيرة صغيرة الحجم المحملة بالمتفجرات التي تنطلق ضد الأهداف وتصطدم بها، في هجمات يجري تنفيذها في أوقات متأخرة من الليل على القواعد الأميركية في العراق، بما في ذلك القواعد التي تستخدمها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، وقيادة وحدات العمليات الخاصة، وفقاً لتصريحات مسؤولين أميركيين نقلتها «نيويورك تايمز».
- هجمات انتقامية مضادة
وتستعين الحكومة الإيرانية التي أنهكتها سنوات طويلة من العقوبات الاقتصادية الأميركية القاسية بالميليشيات الموالية لها في العراق في تصعيد الهجمات، وتكثيف الضغوط الممارسة على الولايات المتحدة، وعلى القوى الدولية الأخرى، بُغية التفاوض بشأن التخفيف من تلك العقوبات، في جزء من محاولات إحياء الاتفاق النووي لعام 2015. ويقول المسؤولون العراقيون والأميركيون إن إيران قد صممت هجمات الطائرات المسيرة المسلحة للإقلال من الخسائر التي ربما تدفع الحكومة الأميركية إلى تنفيذ هجمات انتقامية مضادة.
وصرح الجنرال كينيث ماكنزي جونيور، القائد الأعلى للقوات الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، لوكالة «أسوشيتد برس» الإخبارية، الشهر الماضي، بأن الطائرات المسيرة المسلحة تشكل تهديداً خطيراً، وأن القوات الأميركية تعمل على قدم وساق من أجل ابتكار الوسائل المناسبة لمكافحة تلك الهجمات الجديدة. وقال مايكل مولوري، الضابط الأسبق لدى وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية كبير مسؤولي سياسات الشرق الأوسط في وزارة الدفاع الأميركية، إنه من خلال التقنيات التي يوفرها «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري» الإيراني، وهو الذراع الخارجية المعنية داخل أجهزة الأمن والاستخبارات الإيرانية، صارت الطائرات المسيرة المسلحة أكثر تطوراً، وذات تكلفة منخفضة نسبياً. وأضاف مولوري أن «الطائرات المسيرة من المشكلات الكبيرة، وهي من أخطر التهديدات التي تواجه الجنود الأميركيين في العراق الآن».
وصرح مسؤول كبير في الأمن القومي العراقي بأن الطائرات الإيرانية المسيرة تمثل تحدياً كبيراً حالياً، غير أنها ليست سوى أداة من الأدوات، وليست هي جوهر المشكلة. وأضاف المسؤول الذي تحدث شريطة حجب هويته: «إنها إحدى وسائل ممارسة الضغوط. الحكومة الإيرانية في حالة إنهاك اقتصادي كبيرة. وكلما زادت المعاناة، ارتفعت حدة هذه الهجمات. ويكمن جوهر المشكلة في حالة الصراع الدائر بين الولايات المتحدة والحكومة الإيرانية».
- 300 هجوم
كانت إيران قد استخدمت الميليشيات الموالية لها في العراق منذ عام 2003 في التأثير على السياسات العراقية، وتوجيه التهديدات ضد الولايات المتحدة الأميركية خارج حدودها. ومنذ أواخر عام 2019، كانت الميليشيات العراقية المدعومة من إيران قد نفذت أكثر من 300 هجوم مختلف ضد المصالح الأميركية في العراق، الأمر الذي أسفر عن سقوط 4 أميركيين، ونحو 25 مواطناً آخرين، أغلبهم من العراقيين، وذلك وفقاً لتقدير الموقف الصادر عن وكالة الاستخبارات الدفاعية الأميركية في أبريل (نيسان) من العام الحالي. وعلى مدار العام الماضي، لوحظ انتشار جديد للجماعات المسلحة التي لم تكن معروفة من قبل، مع إعلان بعض منها مسؤوليته عن الهجمات الصاروخية على الأهداف الأميركية في العراق.
وتعكس الدقة الملحوظة في استخدام الطائرات المسيرة المسلحة في الهجمات المنفذة خلال العام الحالي حالة من التصعيد العسكري من مستوى هجمات صواريخ الكاتيوشا الأكثر شيوعاً التي صنفها المسؤولون الأميركيون تحت فئة المضايقات. وكانت تلك الهجمات الصاروخية التي تنطلق من منصات الإطلاق المتحركة تستهدف مقر السفارة الأميركية داخل المنطقة الخضراء في بغداد، فضلاً عن القوات العسكرية الأميركية التي تضم أكثر من 2500 جندي أميركي، رفقة الآلاف الآخرين من المتعاقدين العسكريين الأميركيين.
وعلى صعيد منفصل، يقول بعض المحللين الأميركيين إن الميليشيات الإيرانية المسلحة تستهدف حالياً المواقع العسكرية دون غيرها، حتى أنها لا توجه الهجمات ضد مستودعات الطائرات الأميركية التي تتمركز فيها الطائرات المسيرة الأميركية المتطورة من طراز «كيو 9 ريبر»، وطائرات المراقبة المروحية التي تشغلها الجهات المتعاقدة مع جيش الولايات المتحدة، وذلك في محاولة لتعطيل أو تحييد قدرات الاستطلاع الأميركية الحاسمة المهمة في مراقبة التهديدات العسكرية في العراق.
وكانت الولايات المتحدة قد استعانت بالطائرات المسيرة من طراز «ريبر» في توجيه أكثر ضرباتها العسكرية حساسية، بما في ذلك عملية اغتيال قاسم سليماني، القائد المهم في أجهزة الأمن والاستخبارات الإيرانية، رفقة أبو مهدي المهندس، المسؤول الكبير في الحكومة العراقية قائد إحدى الميليشيات الشيعية الموالية لإيران، في بغداد في يناير (كانون الثاني) من العام الماضي.
- تحليق منخفض
وأفاد مسؤولون آخرون بأنه في حين شرعت الحكومة الأميركية في إقامة الدفاعات المعنية بمواجهة الصواريخ والمدفعية وأنظمة قذائف الهاون في منشأتها داخل العراق، كانت الطائرات الإيرانية المسيرة تواصل التحليق على ارتفاعات منخفضة للغاية لا تستطيع الدفاعات الأميركية الحديثة اكتشافها. وقبيل منتصف الليل من مساء 14 أبريل (نيسان) الماضي، استهدفت غارة إيرانية بالطائرات المسيرة موقعاً تابعاً لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في مدينة أربيل في شمال العراق، وذلك وفقاً لإفادة 3 مسؤولين أميركيين من المطلعين على مجريات الأمور، ووقع الهجوم داخل مجمع المطار في أربيل.
ولم ترد أي أنباء عن وقوع إصابات جراء ذلك الهجوم، غير أنه أثار حالة كبيرة من القلق في أوساط وزارة الدفاع والبيت الأبيض بسبب الطبيعة السرية للمنشأة الأميركية، فضلاً عن التطور المصاحب لتنفيذ تلك العملية. هذا وقد أثار هجوم مماثل بالطائرات المسلحة المسيرة، جرى تنفيذه خلال الساعات الأولى من صباح يوم 8 مايو (أيار) الماضي ضد قاعدة عين الأسد الجوية مترامية الأطراف في محافظة الأنبار الغربية العراقية، حيث تحتفظ الولايات المتحدة بطائرات «ريبر» المسيرة الخاصة بها، قلق ومخاوف القادة الأميركيين من التكتيكات المتغيرة لدى الميليشيات الشيعية العراقية الموالية لإيران.
ولم يسفر الهجوم عن وقوع ضحايا بين أفراد القوات، غير أنه ألحق بعض الأضرار بمستودع من مستودعات الطائرات الأميركية، تماماً كما أفاد العقيد واين ماروتو، الناطق الرسمي باسم التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، في العراق. وبعد مرور 3 أيام على ذلك الهجوم، شهد مطار عسكري آخر في منطقة الحرير شمال مدينة أربيل، تستخدمه قيادة العمليات الخاصة المشتركة فائقة السرية في الجيش الأميركي، هجوماً آخر بالطائرات الإيرانية المسيرة. وقال مسؤولو التحالف إن الطائرة المسيرة المحملة بالمتفجرات قد سقطت وتحطمت، ولم تتسبب في وقوع إصابات أو إلحاق الأضرار، غير أنها رفعت من وتيرة المخاوف ذات الصلة.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.