الانعكاسات الفنية للانقلابات العربية في رواية عراقية عن ممثلة مشهورة

«سعاد والعسكر» لنجم والي

الانعكاسات الفنية للانقلابات العربية في رواية عراقية عن ممثلة مشهورة
TT

الانعكاسات الفنية للانقلابات العربية في رواية عراقية عن ممثلة مشهورة

الانعكاسات الفنية للانقلابات العربية في رواية عراقية عن ممثلة مشهورة

يبدو أن فترات الحظر في المنازل هي الأكثر جذباً لقراءة الروايات، فللرواية طقسها الخاص في القراءة، ومناخها. وقراءة الرواية تخضع أيضاً لوعي القارئ، وتطوره، فقد كنتُ، مثلاً، لا أحب الروايات العربية، وذلك لشدة تأثري بروايات «ماركيز». فبعد أن قرأته وضعت رواياته جداراً بيني وبين النتاج العربي والعراقي تحديداً في الرواية، وفي القصة القصيرة، ولكن بمرور الأيام وجدتُ أننا أمة تحكي، بل إنها لا تملك غير الحكي، فهو أحد سبل بقائها وانتشارها، نحن نحكي ونحكي بشكل جيد، ولدينا من المواقف والقضايا ما يشكل سحراً خاصا في السرد.
لهذا فقد ركنتُ إلى السرد العربي والعراقي، فوجدتُ فيه من السحر الكثير، وفيه من الصراخ، وتعرية الجوانب المجتمعية، والسياسية الكثير أيضا.
آخر الأعمال التي ركنتُ لها، وسافرت معها لمدة أسبوع، هو رواية «سعاد والعسكر» للروائي العراقي نجم والي المغترب في ألمانيا.
إنَّ ما يميز أعمال «نجم والي» أن العسكر أخذوا حصة كبيرة في اشتغالاته السردية منذ روايته الأولى «الحرب في حي الطرب» التي أدان فيها مبكرا الحرب العراقية الإيرانية، وصرخ عالياً بوجه الحرب التي استبدل بها حي للغجر يغنون، ويرقصون، ويأكلون، من خلال شخصية أحد الجنود الهاربين. ويعود هذه المرة بروايته الجديدة «سعاد والعسكر»، 2021. دار سطور في بغداد، لجوء العسكر ولكن في منطقة أخرى، تشكل أيضاً إدانة للنظم العسكرية الانقلابية، وكأنَّه في هذه الرواية من خلال شخصية سعاد المظلومة، ومن خلال شخصية «سليم عدلي أو جمال عباس، أو الذي لا يعرفون اسمه» الشخصية المخابراتية العسكرية الظالمة، أراد أنْ يختصر أزمنة مرت على هذه الشعوب، ويدين تجربة الانقلابات التي حدثت في العالم العربي أواسط القرن الماضي، كما أن فيها خيطاً من الحنين للنظم الملكية التي أسقطها العسكر، وشكل فيما بعد حكوماته الجمهورية أو الوطنية. ولكنها جمهوريات بوليسية ضيقت على الناس حرياتها، واستثمرت في ميدان الفن، ولكنه استثمار لجسد الفنانات كما تسرده الرواية، حيث تبنى العسكر فنانة اسمها «سعاد» أواسط القرن الماضي في مصر، ومن ثم أوغلوا في هذا التبني بحيث جعلوا منها مصدرا للابتزاز السياسي مع كبار الرؤساء والزعماء. وكان الهدف من وراء ذلك هدفاً وطنياً كما أبلغوها، وإنها تقدم خدمة لوطنها، ولكنهم في الوقت نفسه كانوا يصورون لها كل سهراتها الخاصة، ويسجلون لها كل أحاديثها مع العشاق المفروضين عليها. والمفارقة التي تعمدها الروائي هو اسم الضابط المسؤول عن سعاد الذي يصور لها مغامراتها الليلية حيث سماه «سليم عدلي أو جمال عباس» وهو في الواقع يقوم بعملية معاكسة لعملية السلامة أو العدالة، وكأن نجم والي يعيدنا إلى فكرة العرب قديما، في أن يسمّوا الأشياء بعكس طبيعتها، فالمريض يسمّونه سليماً، والأعمى بصيرا، وهو من باب التفاؤل كما تروي لنا المدونة السردية العربية. وبهذا فقد وضع اسم «سليم عدلي» لأبخس مهنة يقوم بها، حيث تسلط على رقاب عدد من الفنانات دون عدالة وشكل منهن رابطة باسم «نساء فرقان» حيث الاسم اسم ديني، فيما كانت الواجبات المنوطة على عاتق هؤلاء النسوة من الفنانات هي واجبات للإيقاع بالسياسيين أو الزعماء الكبار من الرؤساء كما تروي الرواية.
اشتمل غلاف الرواية الذي يعد عتبة مهمة على صورة تقترب كثيرا من صورة الفنانة المعروفة «سعاد حسني» فيما مسح المصمم كلمة العسكر بشريط أسود وأبقى كلمة سعاد فقط، وكأن مخرج الكتاب بتوصية من الروائي أراد أن يحذف العسكر من كل حياتنا أو أن هذا الشريط الأسود هو إعلان عن موت العسكر تبشيرا بموتهم مستقبلاً، ولولا أن الصفحة الثانية بعد الغلاف مكتوب عليها سعاد والعسكر لما عرفنا اسم الرواية.
الرواية اشتملت على عوالم سردية متنوعة، وكلما توغل القارئ في صفحاتها اشتبك السرد أعلى فأعلى، وصعد التشويق إلى أعلى مناسيبه، ذلك أن الروائي تلاعب بخيوط الرواية، وأربك القارئ من خلال هذا التلاعب، فالقارئ وقع في حيرة التصنيف الإجناسي للعمل، رغم أنه مكتوبٌ في صفحة الغلاف رواية، إلا إنَّ هذه الرواية بسبب سحر السرد فيها مزجت بين مجموعة أشكال ما بين المذكرات، والسيرة الذاتية، وما بين الراوي العليم أو كلي العلم، وما بين الراوي المساير للأحداث، بحيث تشعر أن الراوي يتفاجأ كما يتفاجأ القارئ. وحتى السيرة الذاتية نفسها تنقسم إلى سيرته الذاتية الخاصة أي سيرة الروائي بلحمه ودمه، حيث يشير بوضوح في صفحات الرواية الأولى إلى أنه (قدم من برلين حيث تسلم دعوة من معهد غوته لعقد ندوة في القاهرة 2008) وفعلاً فالكاتب مقيم في برلين، وقدم محاضرة في القاهرة في هذه الأوقات التي ذكرها، ثم يمر على فنادق ومقاه ومطاعم مررنا جميعا بها، بعد ذلك يلتقي بصديق أميركي له، يسلمه دفاتر خاصة بحبيبته «سعاد» التي انتحرت في لندن، في يوم انتحار الفنانة سعاد حسني نفسه، وفي المكان نفسه، يسلمه الدفاتر بسرية تامة خوفاً من بطش السلطات العسكرية التي تلاحقه، ومن هذه التفصيلة تبدأ مذكرات الفنانة سعاد حسني من أول أغنية لها أمام الملك حتى آخر أغنية، حيث رددت الأغنية الأولى نفسها، وانتحرت بعد ذلك (أنا سعاد أخت القمر... بين العباد حسني انتشر.....طولي شبر ووجهي بدر... صوتي سحر... كلي بشر).
على مدار 370 صفحة من القطع المتوسط تدور أحداث الرواية ساردة تفاصيل حياة هذه الفنانة التي اسمها سعاد، ولكنها على خلاف اسمها أيضا، فهي غير سعيدة كما توضح خيوط السرد، حيث أُجبرت على العمل مع الأجهزة الأمنية كما في الرواية، وبقيت طوال ثلاثين عاما تحت سلطتهم يوجهونها حيث شاءوا هي ومجموعة أخرى من الفنانات، إلى أنْ هربت إلى لندن، وأفل نجمها، وتردت صحتها، وبدت تلك السندريلا الجميلة عبارة عن برميل منفوخ من السمنة، أثَّر على نفسيتها، فاعتزلتْ العالم في شقة في لندن.
رغم إدانته الواضحة للعسكر في العالم العربي وهيمنته على مقدرات عدد من البلدان، وهيمنة أجهزة المخابرات على مفاصل مهمة من مفاصل الدول ومنها الفن، فإنه عمل روائي فني بامتياز، حيث بقيت كل خيوط الرواية بيد الروائي، ولم ينس حدثاً من أحداثها، ففي اللقطة الأولى غنت سعاد أمام الملك وعمرها ستة أعوام، وأعطى الملك أباها ألف جنيه ليدخلها المدرسة ويصرف على تعليمها، ولكنه لم ينفق عليها درهما واحدا. كان هذا في الصفحات الأولى من العمل، بقيت حتى آخر الصفحات تتذكر الملك وكلماته لها، وتتذكر حتى الأكل الذي أكله الملك في تلك الاحتفالية، وتحلم أنْ تأكل ما أكله لتموت بالطريقة نفسها التي مات فيها الملك في مطعم في إيطاليا، حيث يحب أن يأكل وجباته المفضلة من المحار وجراد البحر وشرائح من لحم العجل مع البطاطس المحمرة: «كم بودها أنْ تذهب يوما إلى المطعم ذاته وتجلس لتأكل الوجبة نفسها التي تناولها الملك، أليس هو الذي بدأت مشوار حياتها معه كفنانة، فلماذا لا تنهي حياتها على الطريقة نفسها التي انتهى إليها؟».
إذن رواية تدور حول فنانة بدأت طفلة في حفل أقامه الملك في أواسط القرن العشرين، ومن ثم حدث انقلاب على الملك ليسيطر العسكر على مقاليد الحكم، لتبدأ رحلة جديدة لهذه الفنانة تحت هيمنة العسكر، والأجهزة الاستخباراتية، لتصبح فيما بعد نجمة البلاد الأولى، وحلم كل السياسيين في التقرب منها. بعدها تذوي وتهرب إلى لندن وتموت منتحرة.
بيَّن علاقة الغرب والشرق، وضع الروائي ثلاث شخصيات أجنبية، واحدة عجوز بريطانية «المسز روز» وأخرى أسترالية شابة عشقت صحافيا مصريا فتركها بعد ستة أشهر، وبقيت تندب حظها وتبكي فقط، وآخر سيمون سيروس الذي يصبح قطب الرواية وسبب نشر دفاتر بطلة العمل «سعاد»... هذا الشاب الأميركي سيتزوج سعاد ومن المصادفات أن يحتفل بزواجه في بغداد في فندق المنصور ليلة وصول كادر تصوير فلم «القادسية». الشخوص الأجانب في العمل هذا هم أكثر عطفاً على سعاد من أبناء جلدتها، وحتى من أهلها الذين لا يظهرون في العمل إلا بوصفهم مستهلكين لأموالها، بينما العجوز البريطانية «المسز روز» منحت سعاد شقتها في لندن لتقيم فيها مجاناً، فيما حاول سيروس الأميركي أن يحافظ على سعاد بكل ما استطاع من قوة، ولكن سعاد انتحرت بعد أن سافر سفرة عمل سريعة خارج لندن، فاضطر لأن يعود إلى مصر ليقتل الضابط «سليم عدلي» الذي شكل عقدة سعاد الأزلية.
هل في الرواية من رسائل أراد نجم والي أن يوصلها من خلال رسم الشخصيات التي ظهرت؟ فمعظم الشخصيات المحلية هي شخصيات عدوانية وانتهازية ما عدا الشخصيات الأجنبية كما قلنا؟
هل في الرواية من رسائل تحن إلى الزمن الملكي في البلدان التي تحولت إلى ما يسمى الحكومات الوطنية؟
هل الرواية فقط لسرد سيرة فنانة مشهورة لا أكثر؟ أم أن الروائي اتخذ من هذه الفنانة قناعاً لحركة الفن والثقافة تحت ظل العسكر؟
الرواية أوردت قائمة من الأسماء الصريحة منها صدام حسين وكيف أنه تعلق بسعاد حسني وصرح للصحافيين بأنه يحبها، وكيف جاءت إلى بغداد لتمثل في فيلم القادسية وكانت برفقته لأيام، وكيف أنها أخذت منه معلومات حول حرب الخليج القادمة، معلومات واقعية ولكن السرد يسحبها لمنطقته السحرية فتشتبك الشخصيات الحقيقية بالشخصيات الورقية، وتتداخل الأماكن السردية بالأماكن التي نعيش فيها، فيما يتنازل التاريخ عن حقائقه ووضوحه ليكون طفلاً طيعا بيد الروائي، يأخذه للأماكن وللأحداث التي يريد تسجيلها. فالروائي يُدين العسكر، ولكنه يمرر رسائله من خلال تصرفات الجنرالات الكبار والضباط الثانويين، ويتعرى الواقع العربي ولكن على لسان أبطاله، الذين يضخ على ألسنتهم وجهة نظره التي يريد تمريرها، بحيث يقنع متلقيه بوجهة النظر هذه من دون أن يحشر نفسه بإلقاء المواعظ أو الشكوى، وهذه مهارة فنية في النقد داخل المتن الجمالي.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».