تحرك أوروبي لمواجهة «إرهاب الدولة» في بيلاروسيا

موسكو ومينسك ترفضان الاتهامات الغربية وتدعوان إلى «عدم تسييس» حادثة الطائرة

طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» أجبرت على الهبوط في مينسك وكان بين ركابها ناشط معارض اعتقل فور وصولها (إ.ب.أ) - المعارض رامان براتاسيفيتش الذي كان على متن الطائرة (رويترز)
طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» أجبرت على الهبوط في مينسك وكان بين ركابها ناشط معارض اعتقل فور وصولها (إ.ب.أ) - المعارض رامان براتاسيفيتش الذي كان على متن الطائرة (رويترز)
TT

تحرك أوروبي لمواجهة «إرهاب الدولة» في بيلاروسيا

طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» أجبرت على الهبوط في مينسك وكان بين ركابها ناشط معارض اعتقل فور وصولها (إ.ب.أ) - المعارض رامان براتاسيفيتش الذي كان على متن الطائرة (رويترز)
طائرة ركاب تابعة لشركة «رايان إير» أجبرت على الهبوط في مينسك وكان بين ركابها ناشط معارض اعتقل فور وصولها (إ.ب.أ) - المعارض رامان براتاسيفيتش الذي كان على متن الطائرة (رويترز)

تطابقت مواقف موسكو ومينسك أمس، في مواجهة ردود الفعل الغربية الحادة بسبب قيام السلطات البيلاروسية بإجبار طائرة مدنية على الهبوط في مطار العاصمة أول من أمس، واعتقال معارض بارز كان على متنها. وأكدت بيلاروسيا أنها «تصرّفت بشكل قانوني عندما اعترضت الطائرة بعد تلقيها إنذاراً بوجود قنبلة على الطائرة»، ونددت بالاتهامات الغربية التي تشتبه في أن تكون مينسك غيّرت مسار الطائرة لتوقيف الصحافي المعارض رامان براتاسيفيتش. وأفاد بيان أصدرته الخارجية البيلاروسية بأنه «ليس هناك أدنى شكّ في أن تصرفات هيئاتنا المختصة كانت بالتوافق مع القواعد الدولية»، ووصفت المواقف الغربية بأنها «اتهامات لا أساس لها، من جانب الدول الأوروبية التي تقوم بتسييس الحادثة». وكانت مقاتلة بيلاروسية اعترضت أول من أمس (الأحد)، طائرة ركاب تابعة لشركة «راين إير»، بين ركابها براتاسيفيتش الذي اعتقل عند وصوله إلى مينسك؛ ما أثار استنكار الدول الأوروبية والولايات المتحدة. واعتبر الاتحاد الأوروبي تصرف مينسك «غير مقبول»، وقد أعربت دول عدة أعضاء مثل ألمانيا وفرنسا وبولندا عن الموقف نفسه، في حين طالب الأمين العام لحلف الناتو بالتحقيق في «الحادثة الجدية والخطرة». كما طالب وزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن بإجراء تحقيق في الحادث والتحويل القسري لرحلة طيران من أجل اعتقال الصحافي المعارض رامان براتاسيفيتش، مطالباً بـ«إطلاقه فوراً». ويعرف براتاسيفيتش بمعارضته الشديدة للرئيس ألكسندر لوكاشينكو، الذي يحكم البلاد بقبضة من حديد من أكثر من ربع قرن. وأثار الحادث موجة انتقادات واسعة ووصفته بلدان أوروبية بأنه يعكس بشكل مباشر «إرهاب الدولة» الذي تقوم به مينسك. وسرعان ما برز أمس، موقف روسي داعم لبيلاروسيا التي تعد أقرب حليف لموسكو في الفضاء السوفياتي السابق. وقال وزير الخارجية سيرغي لافروف إنه «لا ينبغي التسرع في إطلاق أحكام على الحادثة، وتوجد كثير من الأمثلة على إجبار طائرات الركاب على الهبوط في دول أخرى». وأوضح الوزير الروسي أن «أشهر هذه الحوادث كان في عام 2013، عندما أجبرت النمسا، بإصرار من الولايات المتحدة، طائرة رئيس بوليفيا على الهبوط، ولم تقدم أي اعتذار لاحقاً. وفي عام 2016 تم إجبار طائرة الخطوط الجوية البيلاروسية على العودة إلى مطار كييف، بعد دقائق من إقلاعها، لأن المخابرات الأوكرانية أبدت اهتمامها بمواطن أرميني كان على متنها... وتم إخراج هذا المواطن من الرحلة، وواصلت الطائرة رحلتها أيضاً دون أي اعتذار». وشدد لافروف على أن موسكو «تدعو إلى عدم التسرع في تقييم حادثة الهبوط الاضطراري» للطائرة في مينسك، مذكراً بأن وزارة الخارجية البيلاروسية أكدت استعداد سلطات البلاد للعمل بشفافية والالتزام بجميع القواعد الدولية واستقبال خبراء دوليين، إذا لزم الأمر. ورأى لافروف أن «هذا نهج معقول تماماً».
وقال بلينكن إن الولايات المتحدة «تندد بشدة بالتحويل القسري لرحلة طيران بين دولتين عضوين في الاتحاد الأوروبي». وأوضح أن «هذا العمل المروع الذي اقترفه نظام لوكاشينكا عرّض للخطر حياة أكثر من 120 راكباً، بينهم مواطنون أميركيون»، مضيفاً أن «التقارير الأولية التي تشير إلى تورط أجهزة الأمن البيلاروسية واستخدام الطائرات العسكرية البيلاروسية لمرافقة الطائرة مقلقة للغاية وتتطلب تحقيقاً كاملاً». وقال: «نحن ننسق استجابتنا بشكل وثيق مع شركائنا، بما في ذلك المسؤولون في الاتحاد الأوروبي وليتوانيا واليونان»، لافتاً إلى أنه «بالنظر إلى الدلائل على أن الهبوط الاضطراري كان مبنياً على ادعاءات كاذبة، فإننا نؤيد الاجتماع في أقرب وقت ممكن لمجلس منظمة الطيران المدني الدولي لمراجعة هذه الأحداث». وشدد على أن «الإعلام المستقل ركيزة أساسية لدعم سيادة القانون ومكون حيوي في المجتمع الديمقراطي»، مندداً بـ«المضايقات والاعتقال التعسفي الذي يمارسه نظام لوكاشينكا ضد الصحافيين». وقال: «نحن نقف مع الشعب البيلاروسي في تطلعاته نحو مستقبل حر وديمقراطي ومزدهر وندعم دعوته للنظام باحترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية». ورأى رئيس الوزراء البولندي ماتيوز مورافسكي أن الحادثة تعكس «إرهاب دولة» من جانب بيلاروسيا. وأدرج قادة الاتحاد الأوروبي مسألة فرض عقوبات على بيلاروسيا على جدول أعمال قمّتهم أمس. وكانت مينسك أعلنت أنها غيّرت مسار الطائرة بسبب «تهديد بوجود قنبلة»، في وقت قالت فيه منظمة «نكستا» الإعلامية إن الهبوط الاضطراري جاء إثر «شجار» بدأه عملاء مخابرات بيلاروسيون في الطائرة ادعوا وجود قنبلة على متنها. ونقلت وكالة أنباء «بيلتا» الرسمية في وقت لاحق عن سلطات مطار مينسك، أن التهديد بوجود قنبلة لم يكن صحيحاً. وكانت الاستخبارات البيلاروسية أدرجت في وقت سابق، المعارض الذي تم اعتقاله على قائمة «الأفراد الضالعين في أنشطة إرهابية». وترأس رومان براتاسيفيتش سابقاً تحرير شبكة «نكستا» الإعلامية التي لعبت دوراً رئيسياً في موجة الاحتجاجات الأخيرة ضد إعادة انتخاب لوكاشينكو الذي يشغل منصب الرئيس منذ عام 1994. وقال رئيس تحرير «نكستا» الحالي تاديوس جيكزان، إن عملاء استخبارات بيلاروسيين كانوا في الطائرة. وأوضح: «عندما دخلت الطائرة المجال الجوي البيلاروسي، بدأ العناصر شجاراً مع طاقم (راين إير) زاعمين وجود قنبلة في الطائرة». ووفق صور من موقع «فلايت رادار 24» المتخصص، تم اعتراض طائرة «البوينغ» فوق الأراضي البيلاروسية على مسافة قصيرة من الحدود مع ليتوانيا.
وأدانت زعيمة المعارضة البيلاروسية سفيتلانا تيخانوفسكايا اللاجئة في ليتوانيا اعتقال الناشط، وأكدت عبر «تويتر» أن رومان براتاسيفيتش يواجه عقوبة الإعدام، علماً بأن بيلاروسيا هي الدولة الوحيدة في أوروبا التي لا تزال تطبق عقوبة الإعدام.
أما الرئيس الليتواني غيتاناس نوسيدا الذي منحت بلاده وضع اللاجئ لرومان براتاسيفيتش، فقد اتهم النظام البيلاروسي بالوقوف وراء هذا «العمل الخسيس». وحذرت المملكة المتحدة بيلاروسيا من أنها تواجه «عواقب وخيمة»، وقال وزير خارجيتها دومينيك راب: «ننسق مع حلفائنا» حول هذا الموضوع.
وسارت بعض بلدان أوروبا خطوة إضافية بانتظار تنسيق موقف غربي قوي، إذ أعلن وزير النقل في لاتفيا تاليس لينكيتس، أن شركة الطيران الوطنية اللاتفية، قررت عدم التحليق فوق أراضي بيلاروسيا. وهو موقف انضمت إليه ليتوانيا وبولندا.
في غضون ذلك، برزت تصريحات مرحبة بالخطوة البيلاروسية في مجلس الدوما (النواب) الروسي، وأثنى النائب في الدوما فياتشيسلاف ليساكوف على «مهنية الاستخبارات البيلاروسية» في احتجاز الناشط المعارض رومان براتاسيفيتش في مطار مدينة مينسك. واعتبر النائب أن ما حدث يمثل «تحذيراً جدياً لأصحاب شبكات إلكترونية كثيراً ما تحرض الناس على صدام مباشر مع عناصر الأمن من أجل مصالحها السياسية والمالية».



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».