خريف 2015 وشتاء 2016.. الموسم الذي أبدع فيه الكبار وتألق ضمنه الشباب

أسبوع لندن.. قصات مبتكرة وأقمشة مترفة بإلهام من السبعينات

من عرض المخضرم بول كوستيلو
من عرض المخضرم بول كوستيلو
TT

خريف 2015 وشتاء 2016.. الموسم الذي أبدع فيه الكبار وتألق ضمنه الشباب

من عرض المخضرم بول كوستيلو
من عرض المخضرم بول كوستيلو

في فندق «وولدورف هيلتون» على بعد خطوات من «سومرست هاوس»، عرض المخضرم بول كوستيلوا تشكيلة بعنوان «جواهر في الضباب» عاد فيها إلى جذوره الآيرلندية، وشدت الأنفاس بجرأتها وألوانها وأحجامها. لا يختلف اثنان أنه صب فيها كل ما يمتلكه من خيال وإمكانيات، وكأنه يريد أن يعلم الصغار درسا في الثقة بالنفس ودقة التفصيل ويذكرهم أنه، قد يغيب لفترة، لكنه وجه لا تستغني عنه لندن الذي يشارك في أسبوعها منذ 30 عاما. الموسيقى التي اختارها كخلفية لعرضه كانت من وحي الفولكلور الآيرلندي، لكن ما عدا ذلك، لم يكن هناك أي شيء آخر له يربطها بالفولكلور. فالأحجام عصرية والقصات مبتكرة والأقمشة مترفة. أما الألوان، فحدث بلا حرج، فقد كانت تدخل السعادة على النفس، لأنها تذكر بالجواهر الثمينة، مثل الأخضر الزمردي، الأحمر الياقوتي والأزرق الزفيري، من جهة، ومن جهة ثانية، كانت تذكر بحديقة إيطالية متفتحة بالأزهار. فقد اعترف المصمم أنه استوحى الكثير من ألوانها من قرية كورينالدو، مسقط رأس الرسام رافائيل، في القرن الخامس عشر. رغم اقتراحه مجموعة كبيرة من المعاطف والقطع المنفصلة، إلا أن الغلبة كانت للفساتين، التي جاء بعضها بقصات الإمباير، بينما جاء بعضها الآخر منسدلا على شكل طبقات، وبأطوال تتباين بين القصير وبين الـ«ميدي»، لكن دائما بأحجام هندسية كبيرة ركز فيها المصمم على مكمن قوته: التفصيل الحاد. تتوالى القطع، وتعود بك حينا إلى حقب تاريخية بعيدة، وحينا إلى حقب ماضية يتذكرها كثير منا، مثل الثمانينات بأكتافها الضخمة وأكمامها المنفوخة، أو الستينات بأطوالها القصيرة وقصاتها التي تبتعد عن الخصر بعض الشيء. بيد أن كل هذه الرحلات إلى الماضي، لم تجعل كوستيلو يتواكل على إعجاب أو ولاء امرأة واحدة، بل استهدف كل نساء العالم، وكل الأجيال. فامرأة واحدة، على ما يبدو، لا تكفيه.
المصمم الشاب، جون بيير براغانزا، من جهته ظل وفيا لأسلوبه المتميز بالطيات وبالتلاعب بالأطوال غير المتناسقة. لكن هذا لا يعني أنه وقف (محلك سر)، ولم يطور أسلوبه، بل العكس. بإضافته طيات من الأوريغامي، وتفاصيل أخرى في الجوانب، أكد بأنه نضج وأصبح يعرف زبونته جيدا ويتفاعل معها، عوض أن يحاول أن يفرض عليها أسلوبه المتمرد. فقد كان لافتا للنظر أنه روض جموحه من دون أن يتنازل عن الأساسيات. والمقصود هنا أنه لم يركز فقط على المضمون الذي يبيع على حساب ابتكار الجديد، والدليل أن عرضه تميز بالتنوع الذي شمل بنطلونات مفصلة بأقمشة مترفة مثل الأورغنزا، وفساتين من الصوف مستقيمة وبسيطة تتخللها تفاصيل مبتكرة، كما هو الحال بالنسبة لقطعة تعطي الانطباع أنها 3 قطع، فمن الجانب تظهر على أنها معطف، ومن الخلف وكأنها جاكيت قصير مع تنورة، أما من الأمام، فهي فستان محدد على الجسم. هذه القطعة وحدها كانت تكفي لتذكرنا بإمكانيات برانغازا الإبداعية وقدراته على المراوغة لمواجهة متطلبات سوق متقلب.
في عرض أليس تامبرلي، فاجأت المصممة الحضور بإرسالها صوفي داهل، العارضة سابقا والكاتبة حاليا في آخر العرض بفستان أسود من المخمل تحته بنطلون من اللاميه الذهبي. فهذه العارضة تقاعدت، أو بالأحرى طلقت عروض الأزياء إلى أن أقنعتها تامبرلي بالمشاركة مستغلة صداقتهما. ورغم أهمية عودة صوفي داهل، وهي عارضة اشتهرت في التسعينات بمقاسات جسمها الممتلئة مقارنة بباقي العارضات، وأيضا بظهورها عارية في إعلان لعطر إيف سان لوران، فإنها لم تسرق الأضواء من التشكيلة. فهذه كانت تقطر بالجمال والأناقة، أخذتنا فيها المصممة في رحلة ممتعة إلى عدة أماكن وإلى ثقافات إثنية، من خلال قطع منفصلة وخفيفة نسقتها على شكل طبقات متعددة لاتقاء قرص البرد، وفي الوقت ذاته، يمكن التخلص من أي منها بسهولة حسب المكان والزمان. أي أنها موجهة لامرأة تسافر كثيرا إلى وجهات تختلف فيها أحوال الطقس وتحتاج إلى خزانة ملابس تلبي متطلبات حياتها الأنيقة. فساتين شفافة منسابة، وأخرى مطرزة تنسدل على الجسم في أقمشة مترفة وناعمة، وتنورات بأطوال مختلفة، تتباين بين الـ«ميدي» و«الماكسي»، كلها تغطي الركبة، سواء كانت موجهة للنهار أو المساء. كانت هناك أيضا قطعا من الصوف على شكل كنزات ومعاطف واسعة بياقات عالية زينتها شالات مستطيلة وطويلة مطرزة بألوان قوس قزح كان الغرض منها إضفاء المزيد من الحيوية عليها، خصوصا وأن ألوان الأزياء كانت هادئة، غلبت عليها درجات البني والأسود والرمادي والأزرق، ما جعل التطريزات ذات الإيحاءات الإثنية والدرجات المتوهجة مثل الأزرق الفيروزي والفوشيا والأصفر، حقنة مطلوبة. كل ما في العرض كان يضج بالأناقة والرومانسية البوهيمية إلى حد كبير، لأن كل إطلالة كانت تعطي الانطباع بأناقة لا مبالية، بقصاتها المنسدلة وأقمشته الهفهافة وحتى تطريزاتها الغنية.
جاسبر كونران، مصمم آخر يعرف كيف يدللنا بأزياء أنيقة وسهلة للاستعمال اليومي. يوم السبت الماضي، قدم تشكيلة تغلب عليها ألوان الخريف الطبيعية وبخطوط راقية مع نقشات هادئة مستوحاة من لوحات يابانية، وتحديدا من طبعات كونيسادا من القرن التاسع عشر، خص بها الحرير تحديدا. موسما بعد موسم، لا يبخل علينا المصمم المخضرم بتصاميم يريدها أن تميز المرأة وتشعرها بالثقة بالنفس، ويركز فيها على التفصيل الإنجليزي من دون أن ينسى إضافة لمسات أنثوية راقية. بعض العرض، صرح بأنه عندما يصمم للمرأة، فإنه يأخذ بعين الاعتبار أسلوب حياتها «هل تعمل؟ هل هي جادة؟ وعندما ستدخل أي مكان، هل ستبدو رائعة أم عادية؟». والجواب دائما يكون أنها يجب أن «تشعر بالثقة عندما تدخل أي مكان». تشكيلته الأخيرة تجسد هذه الثقة من خلال فساتين من الكشمير، وتنورات مستقيمة تغطي الركبة، وأخرى من الحرير تنسدل على الجسم بسخاء، طبعتها نقشات غرافيكية حينا، ونقشات مستلهمة من الفنان الياباني كونيسادا حينا آخر، تتسم بكثير من الرومانسية والعصرية في الوقت ذاته، حتى لا تبدو مغالية في الحنين إلى الماضي. ويبدو أن الراحة كانت أيضا مهمة بالنسبة له، لأنه ركز على هذا العنصر في كنزات واسعة وتنورات ببلسيهات منسدلة. تفسير المصمم أنه أراد «تشكيلة يمكن أن تستعملها المرأة بسهولة في كل مناسبات النهار». فالكشمير يمنحها الدفء، والحرير أنوثة راقية.
القول بأن عرض «بربيري برورسم» من أهم العروض التي تنتظرها أوساط الموضة في لندن، وتستقطب نجوما من العيار الثقيل، أصبح من الكليشيهات. فعدا أنها أكبر دار أزياء بريطانية، بتاريخها وإمكانياتها، تؤكد أيضا أن سطوتها الجمالية والتجارية، في كل أنحاء العالم، تزيد موسما بعد موسم. يوم الاثنين الماضي كشفت عن تشكيلة أطلقت عليها عنوان «باتشوورك، رسمات وطبعات» ما من شك أنها ستسوق نفسها بسهولة، لأن كل قطعة فيها، كانت تُغري بالاستحواذ عليها وتطعيم خزانة خريف وشتاء 2015 بها. أهم ما فيها أنها تتمتع بفنية عالية أصبحت لصيقة بالمصمم كريستوفر بايلي، الذي حملنا هذه المرة إلى السبعينات، مستعملا تقنية الباتشوورك والشراشيب، التي ظهرت أيضا في حقيبة «باكيت»، والألوان المطفية مع بعض الترصيعات الزجاجية، إضافة إلى كم هائل من القطع المنفصلة التي تخاطب امرأة شابة وعصرية. طبعا لا يكتمل أي عرض لـ«بربيري» من دون المعطف الواقي من المطر، فهو تعويذتها التي تتفاءل بها وتعود إليها في كل موسم تطورها وتدخل عليها تفاصيل جديدة لتخاطب كل الأجيال والأذواق. هذه المرة جاء بنقشات متضاربة وبتقنية الباتشوروك، كما جاء بجلد الشامواه. بيد أن كريستوفر بايلي لم ينس أن دوره كمدير فني يعني أن يبتكر تعويذات جديدة تتوارثها أجيال قادمة، عوض الاستكانة لقطعة من الماضي، وإذا كانت أيقونية، وهذا ما أثبته في قطع مثل البُنش، رأيناها في الموسم الماضي لكنه عاد إليها ليرسخ مكانتها كقطعة أنيقة، كما في فساتين ناعمة من الموسلين أو الدانتيل شكلت تناقضا متناغما مع جلد الشامواه، الذي ساد في جاكيتات بشراشيب وفي معاطف وحقائب يد وأيضا في أحذية عالية الساق. استعمل أيضا تقنيات جديدة مثل تلك التي ظهرت في التبطين، وقال إنه استلهمها من تقنية إنجليزية قديمة اشتهرت بها منطقة ديرهام الواقعة بالقرب من مسقط رأسها، شرق يوركشاير. باستثناء قطع قليلة مفصلة بأسلوب كلاسيكي، كانت القصة تدور حول امرأة بوهيمية تعشق السفر، تميزت فيها القصات بخصور عالية وأطوال تغطي الركبة وتصاميم منسدلة لو عاشت الراحلة تابيثا غيتي لحملتها معها كلها في رحلة إلى مراكش.
«مالبوري» دار أزياء بريطانية أخرى تتمتع بإرث عريق، لكنها تمر بمرحلة حرجة من تاريخها منذ فترة. فرغم أنها أعلنت في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي أنها عينت جوني كوكا ليخلف إيما هيل التي تركت الدار بسبب عدم توافقها مع الرئيس التنفيذي السابق، إلا أنها أعلنت أيضا أنه لن يقدم تشكيلته الأولى لها حتى شهر يوليو (تموز) القادم، مشيرة إلى أنها لن تقدم عرضا بالمعنى التقليدي، بل ستكتفي باستعراض جديدها أمام وسائل الإعلام وصناع الموضة، بمواعيد مسبقة، وهو ما كان. معاينة تصاميمها عن قرب تؤكد بأنها تتمتع بحرفية عالية وبأن مكمن قوتها لا يزال مجال الإكسسوارات، لا سيما حقائب اليد، لكنها تحاول جادة أن تخترق مجال الأزياء وتحفر لها مكانة فيها. اقترح فريقها الكثير من المعاطف الجلدية المزينة أو المبطنة بصوف الخرفان، أو الصوفية المغزولة بتقنيات حديثة كان الغرض منها تنعيمها أكثر، فضلا عن كنزات من صوف الألبكة أو الكشمير. لكن اللافت فيها كان الطبعات المستلهمة من فن العمارة الجيورجية، حسب تصريح الدار، بينما بقيت الخطوط بسيطة ومضمونة تفتقد بعض الجرأة التي يمكن أن تميزها وتُدخلها ضمن الكبار فيما يتعلق بالأزياء على الأقل.
المضمون لم يكن يخطر ببال روكساندا إلينشيك عندما صممت تشكيلتها الصارخة بألوان قوس قزح وأقمشتها المتنوعة. كل ما فيها كان يصرخ بأنوثة أصبحت لصيقة بها، وتتميز بطول يلامس الكاحل، وياقات عالية وخصور نحيفة. وهي تصاميم تناسب المرأة الشرقية كما تناسب فتاة غربية شابة، بفضل خطوطها الهندسية البسطة بحكم أن المصممة درست الهندسة المعمارية أساسا، ما بدا واضحا في بعض الأحجام والأشكال، مثل فستان مستقيم بتنورة طويلة تتسع من تحت بشكل دائري يلف حول نفسه مع كل خطوة، ليذكرنا بأن الموضة في لندن بألف خير.



خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
TT

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

بين بريق المجوهرات وقصة حب وراء إبداعها، وأروقة مطعم أيقوني يحمل بين جدرانه تاريخاً وقصصاً لا تُنسى، صُوّرت مجموعة «ميسيكا» و«لابيروز» الجديدة لتغذي كل الحواس وتوقظ الذاكرة بمناسبة «عيد الحب». ورغم أن «ميسيكا» علامة شابة وُلدت منذ نحو 21 عاماً، و«لابيروز» مطعم باريسي يعود عمره إلى 260 عاماً، فإنه حدث بينهما تناغم عجيب والتحام يجمع التاريخ والحداثة.

نسجت فاليري خيوطاً بين الماضي والحاضر عبر علاقة حب طويلة بالألماس (ميسيكا)

بمناسبة «عيد الحب»، اختارت «ميسيكا» أن تقدم نسختها الجديدة والحصرية من خاتم «ماي توين توي آند موي (My Twin Toi & Moi)»، في مطعم «لابيروز»؛ والسبب أن المطعم يتعدى أنه مكان فاخر لتناول أشهى الأطباق، إلى ما هو أكثر. فإلى جانب أنه رمز للفن الباريسي في العيش، فقد اشتهر عبر الأجيال بخصوصية أجوائه التي احتضنت قصص الحب وأسراره على مدى قرون.

بدأت قصة «لابيروز» عام 1766 عندما تأسس في عهد لويس الـ15، وسرعان ما ترسّخ في ذاكرة المجتمع الباريسي مكاناً فريداً من نوعه، وعنواناً للقاء الأحبة. وفي عام 1850، وتحت إدارة جول لابيروز، أصبح من أوسع وجهات «لوتو باريس» رواجاً، مستقطباً أسماء لامعة مثل موباسان، وزولا، وفيكتور هوغو، ورودان، وسارة برنار. وهذا العام انضمت فاليري ميسيكا إلى هذه الباقة من المبدعين. هي أيضاً تعشق الأساطير وقصص التاريخ وتتقن صياغتها بلغتها الخاصة.

فاليري تخدش المرآة بخاتم «كونكورد» المرصع بماسة سوليتير بوزن 6 قراريط (ميسيكا)

اكتشفت فاليري أن في صالونات هذا المطعم الخاصة تُروى أسطورة تعود إلى القرن الـ19 مفادها بأن النساء كن يتعمدن خدش المرايا بالأحجار الكريمة، وتحديداً الألماس؛ لاختبار أصالتها. هذه الخدوش لا تزال شاهدة على تلك اللحظات حتى اليوم، وكان من الطبيعي أن تُحفّز خيال المصممة.

يحمل خاتم «ماي توين» الجديد نقشاً خاصاً «Messika x Lapérouse» ليُخلّد هذه الشراكة الفريدة بالذهب والألماس (ميسيكا)

وهكذا وُلدت فكرة استحضار الرابط الأبدي الذي يجمع بين المرأة والألماس من خلال إصدار جديد من تصميم «ماي توين» الأيقوني. جاء هذه المرة مصنوعاً من الذهب الوردي ويجمع بين حجرين من الألماس يزن كلّ منهما 0.60 قيراط؛ أحدهما مقطوع على شكل الكمثرى، والآخر على شكل الزمرد، موضوعين وجهاً لوجه في تناغم عصري يعبّر عن مفهوم «تُوَا إيْ مُوَا (أنت وأنا)». يستمد الخاتم طابعه الرومانسي من امتزاج شكلين متناقضين يكمل كلاهما الآخر، وتحيط بكل حجر هالة من الياقوت الأحمر، في تباين لوني جريء يُجسّد قوة الحب والترابط. كما يعبّر التصميم عن فلسفة «ميسيكا» في الانسجام عبر التناقض بدل التماثل.

نغمات من الأحمر العميق وأطباق شهية شكلت خلفية للألماس (ميسيكا)

تقول فاليري عن هذه الخطوة: «(لابيروز) يلمس قلبي منذ زمن طويل، فهو يجسّد وجهاً من وجوه باريس؛ تلك المدينة التي يسطع فيها الضوء كأنّه صندوق مجوهرات. ما يزيد من أهميته بالنسبة إليّ كيف تُشكّل الألماسات جزءاً من روحه. هذا إضافة إلى أن تاريخه يحمل طابعاً من الحرية والجرأة المبطّنة، وهو ما يتناغم تماماً مع هوية دار (ميسيكا). أردت عبر هذا التصميم أن أنسج خيوطاً بين الماضي والحاضر، وأن أُحيي هذا الطقس الرمزي للحب والألماس الذي خلّف أثره على مرآة الحُب بإحساس بالغ بالرهافة».

الألماس والحب... علاقة أبدية لعبت عليها المصممة (ميسيكا)

لتجسيد هذه المشاعر تعاونت مع المصوّرة أوليفيا هودري لكي تتواصل هذه القصة عبر سلسلة من الصور مستوحاة من عالم «لابيروز» برومانسيته وغموضه، وهو ما يُفسِر الخلفية التي تغلب عليها نغمات الأحمر العميق والعناصر الحسيّة.


كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
TT

كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)

عُشاق الموضة، كما في أغنية عبد الحليم حافظ، «حائرون... يفكرون... يتساءلون في جنون»: أي عرض كان أفضل من غيره في الأسبوع الماضي؟ ما بين عرض «سكياباريللي»، الذي بلغ فيه دانييل روزبيري أقصى درجات السريالية، وأول تشكيلة «هوت كوتور» لماثيو بلايزي في «شانيل» مطبوعة بالخفة والنعومة، وصولاً إلى «ديور» حيث اجتمع الإبداع بالوفاء.

مزيح مُتنوع بدا فيه «الأسبوع» كأنه سباق أفكار أكثر منه عروضاً لفساتين وإكسسوارات تستعرض أساليب جديدة تحترم جينات كل دار... بل كشف عن ثنائية واضحة هيمنت على «الأسبوع»: سريالية كما في «سكياباريللي« في مقابل رومانسية كما تجلّت في «ديور». وفي كل الحالات، يبدو هذا الموسم كأنه يبحث عن معنى الاستمرارية.

أحجام كبيرة لكن مدروسة وتفاصيل تحفز الحواس وتوقظها كانت أكثر ما ميز تشكيلة جوناثان آندرسون (ديور)

اختلاف الأساليب جعل «أسبوعاً» كان إلى عهد قريب يخاطب شريحة قليلة جداً من النساء وراهن البعض على نهايته منذ عقد من الزمن يغلي بالأفكار... وهذا ما جعله يصمد في وجه الأزمات الاقتصادية التي مرت عليه... تجعله أحياناً يخفت، لكن جذوته لا تنطفئ. الفضل يعود هنا إلى مصممين مسكونين برغبة جامحة في الابتكار وزبونة جديدة تتوق إلى فرض ثرائها بأي ثمن.

باقة قدمها غاليانو إلى آندرسون أطلقت شرارة الإبداع في الأشكال والألوان (أ.ف.ب)

في التسعينات من القرن الماضي كانت هذه الزبونة تتوق إلى التفرد أكثر مما تتوق إلى استعراض جاهها؛ مما فتح الأبواب أمام مصممين بريطانيين لدخول الساحة الباريسية، مثل جون غاليانو والراحل ألكسندر ماكوين، وفيبي فيلو... وغيرهم. الخَضّة الفنية التي حدثت في تلك الحقبة شبيهة بما يحدث في الموسم الحالي. فنحن هنا نتابع دخول مصممين شباب بيوت أزياء كبيرة كانت في أمسّ الحاجة إلى دمائهم الفائرة لِخَضّها وإعادة الحيوية إليها، من ماثيو بلايزي في دار «شانيل» إلى جوناثان أندرسون في دار «ديور»، من دون أن ننسى الأميركي دانييل روزبيري، الذي نجح منذ أكثر من 6 سنوات في وضع بصمته على دار «سكياباريللي». فكما فعل غاليانو وماكوين في التسعينات، يتعامل روزبيري مع «سكياباريللي»، وجوناثان آندرسون وماثيو بلايزي وغيرهما مع الـ«هوت كوتور» بوصفه منصة لتفجير المخيلة. ليس من الضروري أن تقدم أزياء تقوم على الجمال وحده؛ بل بإمكانها أن توقظ مشاعر مربكة تستفز الناظر وتجعله يُفكِر أيضاً.

عهد جوناثان آندرسون الجديد

متابعة لما اقُترح خلال «الأسبوع»، ستجعل ما عُرض لـ«ربيع وصيف 2026» باقياً محفوراً في الذاكرة بوصفه من أعلى المواسم دسماً من ناحية الإبداع، أو على الأقل هذا ما يقوله كثيرون بعد عرض أول تشكيلة من هذا الخط لجوناثان آندرسون، المدير الإبداعي لـ«ديور»... كانت أقرب إلى سيمفونية تغذي كل الحواس؛ لم يخرج فيها عن الإيقاع التاريخي للدار، وفي الوقت ذاته لم يتقيد به حرفياً.

لم يخرج المصمم عن الإيقاع التاريخي للدار وفي الوقت ذاته لم يتقيد به حرفياً (ديور)

يذكر أن الإعجاب به هنا لم يقتصر على الأزياء والإكسسوارات فقط، بل كسب القلوب وامتنان شريحة كبيرة من عشاق الموضة؛ لأنه أعاد الاعتبار إلى المصمم جون غاليانو... صرَح بأنه ملهمه وقدوته وأستاذه. أما سبب الامتنان؛ فيعود إلى أن الحنين إلى عهد غاليانو هو في جوهره حنين إلى الجرأة الإبداعية والخيال الجامح. بالنسبة إلى كثيرين، دخلت «ديور» بعد خروجه في عام 2011 مغضوباً عليه، حالة استقرار تجاري، لكنها فقدت تلك الصدمة البصرية التي تعيد تعريف الـ«هوت كوتور» بوصفه مساحة للسرد التاريخي والمغامرة.

في بودكاست أجراه جوناثان آندرسون مع عمران أميد، مؤسس موقع «بيزينس أوف فاشون (Business Of Fashion)»، قال إن جون غاليانو كان ولا يزال بالنسبة إليه نجماً ساطعاً، بدليل أن اسمه كان في مرحلة من المراحل مرادفاً لاسم الدار. أما على المستوى الشخصي، فعلّق بأن غاليانو علّمه، وهو لا يزال طالباً، أن «يحلم بالحجم الكبير». بعد التخرج استمات باحثاً عن رقم هاتفه على أمل أن يتدرّب لديه. في ذلك الوقت، كان غاليانو في ذروة مجده، فيما كان هو مجرد شاب في بداية الطريق، يراقب من بعيد ويختزن تلك التجربة في ذاكرته المهنية.

كانت تشكيلته لـ«ربيع وصيف 2026» أقرب إلى سيمفونية تغذي كل الحواس (ديور)

نجح التلميذ ولم ينس مُلهمه، لا سيما أنه بات يتنفس إرثه في كل مكان داخل «ديور». عندما انتهى من تصميم مجموعته الأولى من خط الأزياء الجاهزة في العام الماضي، دعاه للأتولييه، ليعرضها أمامه ويسمع رأيه فيها. لم يتأخر غاليانو. حضر وأحضر معه كيساً مليئاً بالحلويات والسكريات من محل «تيسكو» الشعبي، وباقة سيكلامين، أو زهور «بخور مريم» مشبوكة بشريط أسود. هذه الباقة تحوَلت إلى الشرارة التي أشعلت كل شيء في مجموعة الدار لـ«ربيع وصيف 2026».

الإبداع والوفاء

باقة قدمها غاليانو لآندرسون أطلقت شرارة الإبداع في الأشكال والألوان (ديور)

يشرح جوناثان، وفق ما جاء في البيان الصحافي الذي وزعته الدار، أن مجموعته لـ«ربيع وصيف 2026»، بألوانها والتواءاتها والتفافاتها حول الجسم، ليست حنيناً أو اقتباساً حرفياً من الماضي، بل هي «عدسة تفسيرية يعاد من خلالها تفكيك الحاضر وإعادة تجميع عناصره لفتح احتمالات جديدة لتخيله»، مشيراً إلى أنه لا يحاول أن يكون بديلاً لقدوته، بل أن يكون استمراراً له. فـ«ديور»، وفق قوله، «ضخمة لا يمكن وضعها ضمن قالب نهائي، بل يجب التعامل معها على أنها عملية إبداعية مستمرة، تتغير وتتطور مع كل مصمم».

الحب بالورود والأزهار

من هذا المنظور يبدو استحضار الورود امتداداً طبيعياً لذاكرة الدار وليس مجرد خيار جمالي، إذا أخذنا في الحسبان علاقة المؤسس كريستيان ديور بالورود والأزهار. وحتى إذا نسينا، فإن عطور الدار تُذكرنا بهذه العلاقة الأبدية، كذلك أول عرض قدمه راف سيمونز للدار بعد توليه قيادتها الإبداعية بعد خروج غاليانو. غرس مليون وردة في جدران وسقف «متحف رودان» وامتدت هذه الورود إلى التصاميم التي أخذت أشكال ورود متفتحة ومُلتفة من كل الجوانب.

استحضار الورود كان امتداداً طبيعياً لذاكرة الدار وليس مجرد خيار جمالي (ديور)

أعاد سيمونز التجربة في تشكيلته لـ«ربيع وصيف 2016»، حيث صمم ديكورها على شكل تلة علوّها نحو 59 قدماً وغطتها نحو 300 ألف وردة ديلفينيوم باللون الأزرق البنفسجي.

وفق «ديور»، فـ«إننا عندما نستلهم من الطبيعة، فإنها تُعلِمنا أنها لا تُقدّم خلاصات نهائية قاطعة، بل تكشف عن أنظمة في حركة دائمة؛ تتطوّر، وتتكيّف، وتتواصل عبر الزمن». ووفق هذا المنطق، تأتي الأزياء الراقية مختبراً للأفكار وللحرفية على حد سواء، بحيث تتحوّل التقنيات العريقة من ذاكرة الماضي إلى معرفة حيّة نابضة.

فساتين تتراقص بشكل دائري كأنها أزهار تؤدي رقصات صوفية أو اشتاقت إلى أن تُحكى من جديد في انسجام تام بين الجسد والأنا (ديور)

أما كيف ترجم آندرسون هذه الأفكار، فمن خلال فساتين تتراقص بشكل دائري كأنها أزهار تؤدي رقصات صوفية، أو اشتاقت إلى أن تُحكى من جديد، في انسجام تام بين الجسد والأنا. ومع كل حركة، تفتتح حواراً آخر مع أعمال فنانة الخزف ماغدالين أودوندو، التي تعاون معها المصمم لخلق أشكال باستدارات جديدة، ستشكل إضافة لمفردات الدار من دون المساس بأسسها الراسخة.

جون غاليانو... الحاضر بقوة

حضور غاليانو العرض وجلوسه جنب آنّا وينتور؛ عرابة الموضة، كان كافياً لإعادة النقاش بشأن الإرث والمسؤولية وإمكانية البناء على الماضي بدل تفكيكه بنية إعادة بنائه من الصفر، لمجرد استعراض المهارات. فأشكال الورود هنا لم تكن مجرد زخرفة، بل لغة حب، تلخصت في باقة صغيرة قدمها أستاذ لمعجب، وجعلت حضوره جزءاً مؤثراً في سردية هذه اللحظة المؤثرة من تاريخ الدار.

أثره وتأثيره ظهرا أيضاً في الفلسفة العامة لمجموعة أظهر فيها آندرسون أنه يتشارك مع غاليانو قناعة أساسية مفادها بأن الـ«هوت كوتور» لا يُبنى على «الجمال السهل»، بل على فكرة قادرة على إرباك المتلقي ودفعه إلى إعادة النظر فيما يعرفه واعتاده. فوفق رأي آندرسون، يمكن أن تكون الصدمة أداة للبيع؛ لأن الأفكار، لا الصيغ الجاهزة، هي التي تصنع القيمة طويلة الأمد للدار.

«سكياباريللي» تعود للإحساس

بينما اختار آندرسون مساراً عاطفياً يميل إلى الحلم أكثر، تعامل دانيال روزبيري، المدير الإبداعي في دار «سكياباريللي»، مع مفهوم الصدمة في خط الـ«هوت كوتور» بشكل دخل فيه مناطق الألم والنشوة.

يقول روزبيري إنه كثيراً ما يُسأل عن جدوى هذا الخط، «وردِّي ببساطة أنه ليس للحياة اليومية؛ بل هو مساحة تتيح لي التواصل مع ذلك الشاب بداخلي الذي اختار الخيال على الطرق المضمونة... فهو بالنسبة إليّ دعوة إلى التوقف عن التفكير العقلاني، والعودة إلى الإحساس».

نحتت طبقات التول الملون تحت الدانتيل عمقاً بصرياً وضبابية لونية (سكياباريللي)

بين الألم والنشوة

أطلق على هذه المجموعة لـ«ربيع وصيف 2026» عنوان «الألم والنشوة»... ألم الولادة ونشوة الاكتشاف، مما انعكس في «كل تفصيل فتحه المصمم على بوابات الإحساس عندما تقع العين على الفن وتتأمله» وفق ما جاء في البيان الصحافي للدار.

في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، وخلال زيارة خاصة إلى «كنيسة سيستينا (Sistine Chapel)» في روما، عاش المصمم لحظة تجلٍّ وهو يرفع عينيه إلى السقف.

شدّته رسومات أنجزها حشد من الفنانين، ثم يأتي مايكل أنجلو في عام 1508 ليضع لمساته ويُغير كل شيء... «في تلك اللحظة»؛ يقول روزبيري، «توقف التفكير وبدأ الإحساس، فبعد 40 عاماً، جاء أنجلو برؤية جامحة وصاخبة بصرياً ليقلب مسار الفن إلى الأبد. كانت أيضاً هشّة ورومانسية بامتياز، يمتزج فيها الألم بالنشوة، امتزاجاً مروّعاً وبديعاً. فمايكل أنجلو لم يشرح؛ فقط أذن للناظرين بفتح باب الإحساس عند تأمّل الفن».

الصحوة الإبداعية

صحوة المصمم الإبداعية ظهرت في ذيول عقارب وإبر سامة وأسنان أفاعٍ... اندمجت في تصاميم تثير التوتر وتحفز على التفكير (سكياباريللي)

في لحظة التجلي هذه، قرر المصمم، ولأول مرة منذ سنوات، أن يتوقف عن التفكير في كيف يجب أن يبدو الشيء... «بدأت أُنصت إلى ما أشعر به في لحظات الإبداع. لم يعد النبض العاطفي يتمحور حول الشكل، بل حول الإحساس: كيف نشعر ونحن نعمل على إنجازه؟ يا لها من راحة... ويا لها من صحوة إبداعية» ظهرت في خطوط حادة تحولت إلى ذيول عقارب وإبر سامة وأسنان أفاعٍ اندمجت في تصاميم تثير التوتر وتحفز على التفكير.

استلهم روزبيري الألوان من طيور الجنة: الوردي والأزرق والزعفراني... وكذلك بعض الأشكال (سكياباريللي)

لكن المصمم يُؤكد أنها ليست تمرداً مطلقاً على الواقع؛ بل هي أيضاً احتفال بالمهارة الجماعية في المشاغل، وحرفية جسّدت ذروة الخيال والمهارة. الدانتيل المقصوص مثلاً نُفِذ بأسلوب نحتي ثلاثي الأبعاد، والريش، بنوعيه الحقيقي والاصطناعي، لُوّن وغُمِس في الراتينغ قبل أن يزين بالكريستال، فيما منحت طبقات التول الملون تحت الدانتيل عمقاً بصرياً وضبابية لونية. أما الألوان فمُستلهمة عموماً من ألوان طيور الجنة؛ الوردي، والأزرق، والزعفراني. بالنسبة إلى الإكسسوارات، وهي من العناصر القوية التي تفخر بها الدار وتميزها، فجاءت برؤوس طيور اصطناعية مصنوعة من ريش حريري، ومناقير راتينغية، وعيون لؤلؤية، إلى جانب رموزها الأيقونية مثل ثقب المفتاح.

ما نجح فيه روزبيري، وجوناثان آندرسون في «ديور»، أنهما لم يجعلا الصدمة، باختلاف لغتها، نقيضاً للحلم، بل جعلاها طريقاً للوصول إلى القلب.


أسبوع باريس للهوت كوتور ربيع وصيف 2026... النجمات يصنعن البريق في باريس

المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
TT

أسبوع باريس للهوت كوتور ربيع وصيف 2026... النجمات يصنعن البريق في باريس

المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)

لا يزال أسبوع الهوت كوتور لربيع وصيف 2026 بباريس مستمراً في إتحاف عشاق الموضة بأجمل الأزياء وأكثرها ابتكاراً. فهذا الموسم يختلف عما تابعناه لسنوات، بفضل دخول مصممين شباب إلى بيوت أزياء كبيرة بدأوا يضخونها بديناميكية غابت عن الساحة طويلاً. من ماثيو بلايزي في دار «شانيل» إلى جوناثان أندرسون في «ديور» وهلم جرا من الأسماء الشابة، التي أكدت لحد الآن قدرتها على إبداع قطع تحاكي اللوحات الفنية، معتمدين على مهارات ورغبة في التميز عوض الاعتماد على إحداث الصدمات لمجرد خلق الجدل.

سفيرات دار «شانيل» بينلوبي كروز شارلوت أوف موناكو ونيكول كيدمان (شانيل)

لكن الملاحظ أن هذا الأسبوع، ومنذ انطلاقه، شهد غزواً غير مسبوق لنجمات وسيدات المجتمع، مثل ريهانا ونيكول كيدمان وبنيلوبي كروز ولورين سانشيز، زوجة الملياردير جيف بيزوس وهلم جرا.

قد يقول البعض إن الأمر عادي بحكم أن بيوت الأزياء تستضيف هؤلاء للحصول على مزيد من البريق في أسبوع قائم أساساً على البريق والتميز. وهذا صحيح لكن الجديد هذه المرة أن التغطيات الصحافية تكاد تتجاهل ما يجري على منصات عروض الأزياء في كثير من الأحيان لتُسلط الضوء على ما يجري خارجها أو في الصفوف الأمامية، بدليل التغطيات على وسائل التواصل تحديداً.

أصبح وجود نجمات في الصفوف الأمامية مسألة وجودية بالنسبة لبيوت الأزياء الكبيرة خاصة (رويترز)

النادي النخبوي يفتح أبوابه للعالم

هذا المشهد يعكس سؤالاً قديماً متجدداً: هل وجود النجمات يطغى على أهمية عروض الأزياء أم أنه يُغذيها ويمنحها حياة أبعد من المنصة؟ الجواب عن هذا السؤال يمكن أن نجده في تغير الزمن من جهة، وثقافة «الهوت كوتور» من جهة أخرى. فرغم الطابع النخبوي لهذا الخط وعدد زبوناته المحدود، فإنه لم يعد حدثاً مغلقاً كما كان عليه في السابق. فقد تبنى منذ سنوات استراتيجية التواصل مع جمهور أكبر عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن انتبه صناع الترف أن صورة واحدة لشخصية مشهورة وهي تصل إلى العرض أو تجلس في الصف الأمامي قد تحقق انتشاراً يفوق تأثير عرض كامل.

المصممون تقبلوا هذا الأمر أيضاً، فالحرفية العالية واحترام معايير الإبداع والاستثمارات الكبيرة التي يتطلبها هذا الخط، لا تساوي شيئاً إذا لم تصل ثمراتها إلى جمهور يحلم بها ويرغب في اقتنائها، أو على الأقل الانتماء على نادي التميز ولو من خلال عطر أو أحمر شفاه أو حقيبة يد.

لورين سانشيز رفقة زوجها جيف بيزوس مؤسس شركة «أمازون» لدى وصولهما عرض «سكياباريللي» (غيتي)

من هذا المنظور، فإن هذا الغزو المكثف هذا الموسم جزء من خطة مدروسة، تتداخل فيها الأدوار بين السفيرة الرسمية للدار مثل نيكول كيدمان والأميرة شارلوت أوف موناكو والنجمة الإسبانية بنيلوبي كروز كسفيرات لدار «شانيل» وبين الزبونة الجديدة مثل لورين سانشيز التي باتت تفرض حضورها في هذه العروض، وبين النجمة المؤثرة مثل ريهانا. هذه الأخيرة مثلاً اضطرت إلى تأخير عرض «ديور» ما يقرب الساعة انتظاراً لوصولها.

للزمن الجديد متطلباته

النجمة ديمي مور في عرض «سكياباريللي» (سكياباريللي)

هذا الكم من النجوم والاهتمام المتزايد بهم في هذا الموسم يتزامن مع التغيرات التي تشهدها الموضة ككل. فدار «فالنتينو» تقدم أول عرض لها بعد رحيل مؤسسها فالنتينو غارافاني، بينما قدَّمت دار «جيورجيو أرماني» عرضاً ذكَّر الكل بغيابه وكأنهم كانوا قبل ذلك يقاومون الإحساس بفقده. إضافة إلى كل هذا، فإن تصدر مصممين شباب المشهد في وقت عصيب بسبب تراجع الإيرادات، يُحتِم تقبل أن هذه الشخصيات بكل ما تثيره من ضجيج إعلامي ضرورية، كونها تلعب دور الوسيط بين الرؤية الإبداعية وبين جمهور واسع. لذلك فإن الاستثمار في حضور أسماء لامعة هو جزء من استراتيجية تعزز الصورة على المدى البعيد.