عسكرة القطب الشمالي... صراعات استراتيجية «حامية» على «صفيح بارد»

قاعدة «آركتيك تريفويل» الروسية في القطب الشمالي (أ.ب)
قاعدة «آركتيك تريفويل» الروسية في القطب الشمالي (أ.ب)
TT

عسكرة القطب الشمالي... صراعات استراتيجية «حامية» على «صفيح بارد»

قاعدة «آركتيك تريفويل» الروسية في القطب الشمالي (أ.ب)
قاعدة «آركتيك تريفويل» الروسية في القطب الشمالي (أ.ب)

برزت في الأيام الأخيرة مسألة لا تنال الكثير من الضوء في الإعلام العالمي على الرغم من أهميتها الاستراتيجية على مستوى العلاقات بين الدول الكبرى والرهانات الجيوسياسية والجيواقتصادية على المدى الطويل.
فقد سبق انعقاد اجتماع لـ«مجلس المنطقة القطبية الشمالية» في ريكيافيك، عاصمة آيسلندا، كلام مهم لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الذي قال إن القطب الشمالي هو منطقة نفوذ روسي، محذّراً الدول الغربية من امتلاك طموحات في المنطقة القطبية الشمالية.
وقدّ رد عليه نظيره الأميركي أنطوني بلينكن معبراً عن «مخاوف حيال مسألة زيادة بعض الأنشطة العسكرية في القطب الشمالي التي تزيد أخطار حصول حوادث (...) وتقوّض الهدف المشترك المتمثل بمستقبل سلمي ومستدام للمنطقة». وأكد أن «الأمر الذي يجب أن نتجنّبه هو عسكرة المنطقة».
في المقابل، رحّب بلينكن بخطة الاستثمار الدنماركية لتعزيز المراقبة العسكرية في غرينلاند وشمال المحيط الأطلسي، وقال خلال وجوده في كوبنهاغن: «نتشارك الالتزام بأمن القطب الشمالي ونرحب ترحيباً حاراً بقرار الدنمارك الأخير الاستثمار (...) في الدفاع عن القطب الشمالي وشمال الأطلسي بالتعاون مع حكومتَي غرينلاند وجزر فارو».
وكانت كوبنهاغن قد أعلنت في فبراير (شباط) عن استثمار بقيمة 1.5 مليار كورونة (200 مليون يورو) يشمل طائرات مراقبة مسيّرة فوق غرينلاند والأراضي الدنماركية المتمتعة بحكم ذاتي، ومحطة رادار في جزر فارو.
في أي حال، سيلتقي بلينكن ولافروف في ريكيافيك، مع ممثلي الدول الأخرى الأعضاء في هذه المنظمة التي تضم: كندا، الدنمارك (تمثل غرينلاند أيضاً)، فنلندا، آيسلندا، النرويج، روسيا، السويد، الولايات المتحدة. ويجب أن ننتظر لنرى ما سيحصل في لقاء اليوم (الأربعاء) والغد وأي بيان ختامي سيصدر عنه.

*تعريف
تحققت الخطوة الأولى نحو تشكيل «مجلس المنطقة القطبية الشمالية» عام 1991 عندما وقّعت الدول الثماني خطة استراتيجية لحماية البيئة في القطب الشمالي. وفي العام 1996 أنشأ إعلان أوتاوا المجلس ليكون منتدى لتعزيز التعاون والتنسيق والتفاعل بين دول المنطقة، بمشاركة مجتمعات السكان الأصليين والآخرين، للتعامل مع قضايا مثل التنمية المستدامة والبيئة.
الملاحَظ أن هذه المنظمة نشأت بعد وقت قليل من انهيار الاتحاد السوفياتي وانتهاء الحرب الباردة. وكان معظم الباحثين الذين كتبوا في السنوات الأولى من تلك الفترة يشيدون بالاستقرار الجيوسياسي والتعاون البنّاء في القطب الشمالي، وذلك في ظل غياب تنافس القوى العظمى في المنطقة، معتبرين أن ذلك يشكل نموذجاً للعلاقات بين الدول في «العالم الجديد». إلا أن صعود الصين واعتبارها أنها دولة قريبة جغرافياً من القطب الشمالي، والعسكرة الروسية لمياه القطب، والتقارب بين روسيا والصين، وضعت المنطقة مجدداً في حلبة التنافس بين القوى العظمى.
وكانت الإدارة الأميركية قد حرصت قبل توقيع معاهدة إنشاء المجلس على إدراج ملاحظة تقول: «لا يجوز لمجلس القطب الشمالي أن يتعامل مع المسائل المتعلقة بالأمن العسكري». وبعد 23 عاماً من ذلك، اعترف وزير الخارجية الأميركي السابق مايك بومبيو في كلمة ألقاها في اجتماع المجلس في فنلندا عام 2019 بأن الظروف تغيرت و«أصبحت المنطقة ساحة للنفوذ والتنافس. يجب على دول القطب الشمالي الثماني التكيف مع المستقبل الجديد».
عام 2018، أصدرت الصين وثيقتها الأولى حول استراتيجيتها الخاصة بالقطب الشمالي، وتحدثت عن «طريق الحرير القطبي» كجزء من مبادرة «الحزام والطريق» التي تنفذها في أنحاء عدة من العالم وتشمل مشاريع تعاون مع الدول الراغبة في إنشاء البنى التحتية.
في موازاة ذلك، تعمل روسيا على تعزيز وجودها العسكري والتجاري في القطب الشمالي من خلال إنشاء قواعد عسكرية جديدة، وتجديد القواعد القديمة، وتوسيع أسطولها من كاسحات الجليد والغواصات التي تعمل بالطاقة النووية.
بالتالي يمكن القول إن سباق السيطرة على الموارد في أقصى شمال العالم يكتسب زخماً. بل إنه ازداد حماوة بسبب التغيرات المناخية، لأن ذوبان الجليد في القطب جعل من الممكن الوصول إلى مزيد من موارد الطاقة والممرات المائية، علماً أنه من المعروف أن ثمة احتياطات كبيرة من النفط والغاز والمعادن في المنطقة. وبالتالي من السذاجة الاعتقاد أنه من الممكن المضي بسياسة التعاون التي كانت قائمة قبل ربع قرن أو نحوه هناك، فالتنافس بين القوى العظمى لا يحكمه التعاون، بل ديناميكيات الاعتبارات الأمنية والمصالح الاقتصادية، علماً ان هناك قوتين عظميين تُعتبران قطبيتين حقاً (الولايات المتحدة وروسيا)، وثالثة (الصين) أقحمت نفسها في المعادلة بطريقة أو بأخرى.

*رهان صيني
من ينظر إلى الوضع العالمي ككل لا بد أن يرى أن ميزان القوى العالمي يميل شيئاً فشيئاً نحو الصين. فالحصة الأميركية من التجارة العالمية والناتج المحلي الإجمالي آخذة في الانخفاض. كذلك، تميل واشنطن إلى التراجع عن التزاماتها العالمية وتنكفئ إلى حد ما نحو الداخل، فيما تتحدى الصين بشكل متزايد هيمنة الولايات المتحدة. وهكذا نرى أن بحر الصين الجنوبي في طريقه لأن يصبح بحر الصين بغض النظر عن اعتراضات الدول المشاطِئة.
في موازاة ذلك، تعمل بكين بسرعة على سد الفجوة العسكرية مع واشنطن، وتنهض بقوّة لافتة من التداعيات الاقتصادية لجائحة «كوفيد - 19». ومع تحول ميزان القوى الاستراتيجي، أصبحت الصين أكثر جرأة وحزمًا في الوقت نفسه. وتسعى إلى الحصول على مكانة دولية أكبر، ليس فقط في المحيطين الهندي والهادئ بل أيضًا في أجزاء أخرى من العالم، منها القطب الشمالي حيث تهدد مصالح الولايات المتحدة، خصوصاً في غرينلاند وآيسلندا. ففي الأولى تستثمر الصين في الموارد المعدنية، وفي الثانية تركز جهودها على الطاقة الحرارية الأرضية (الجوفية)، بالإضافة إلى مشروع مشترك في مجال المعلوماتية مع فنلندا لتطوير «طريق حرير البيانات».
وتخشى واشنطن أن تعزز الصين اقتصاد غرينلاند إلى درجة تجعل هذه تفكر في الاستقلال عن الدنمارك، الأمر الذي يهدد النفوذ الأميركي في تلك البلاد الباردة القريبة من الولايات المتحدة التي تملك قاعدة جوية عسكرية مهمة في قرية تدعى تول.

*البُعد الروسي
كان المحيط المتجمد الشمالي خاضعاً للعسكرة إلى أقصى الحدود خلال الحرب الباردة. ونشر كل من الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة أسلحة «الردع» النووي على الأطراف الشمالية للقطب. ويكفي النظر إلى الخريطة لإدراك الأهمية الاستراتيجية العسكرية للمحيط المتجمد الشمالي، فهو يجمع جغرافياً بين الولايات المتحدة وروسيا وبالتالي لا بد لكل من الطرفين أن يملكا في المنطقة ما يضمن لهما ردعاً متبادلاً و«يحرس» مصالحهما الاقتصادية.
وإذا سأل سائل كيف يمكن اعتبار روسيا نداً للولايات المتحدة في تلك المنطقة أو غيرها فيما حجم اقتصادها أصغر بكثير من حجم الاقتصاد الأميركي (أو الصيني)، فإننا يجب أن نضع في الاعتبار أن روسيا لطالما امتلكت قوة عسكرية أكبر بأضعاف مضاعفة مما يسمح به اقتصادها، وهي تعتمد على قوة «العضلات» العسكرية للتمكن من تغذية شرايينها الاقتصادية وتوسيع نفوذها العالمي، أو على الأقل ترسيخه حيث هو موجود. وعندما يتعلق الأمر بمنطقة القطب الشمالي، فإن روسيا هي القوة العسكرية والاقتصادية العظمى بلا منازع. وقد عسكر الروس القطب بوتيرة سريعة. ولئن كان وجودهم العسكري هناك ذا طبيعة دفاعية بالدرجة الأولى، فإن القدرات الهجومية ليست غائبة عن الساحة حكمًا.
وتُعتبر قاعدة «آركتيك تريفويل» درّة التاج العسكري الروسي في القطب الشمالي. وهي قائمة في أرخبيل فرانتس يوسف لاند حيث تهبط الحرارة إلى ما دون 40 درجة مئوية تحت الصفر في الشتاء، وتضم عدداً كبيراً من الصواريخ والرادارات ويمكن لمدرجها التعامل مع جميع أنواع الطائرات، بما في ذلك القاذفات الاستراتيجية ذات القدرات النووية.
الرهانات كبيرة إذاً في منطقة حساسة تتلامس فيها مصالح دول تتنافس في ساحات عدة، ولا يتوقع أكبر المتفائلين أن تؤدي لقاءات الأربعاء والخميس في ريكيافيك إلى تحقيق الوئام والتفاهم والإنضواء تحت لواء حماية البيئة والحيوانات القطبية، فموارد الطاقة وما في جوف الأرض والممرات البحرية هي المرمى الحقيقي في هذا الملعب وكل ملعب.



الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

الجيش الصيني «يراقب» سفينتين أميركيتين تعبران مضيق تايوان

سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)
سفينة حربية تابعة للبحرية الأميركية في بنما (أرشيفية - أ.ف.ب)

قال الجيش ​الصيني، عبر حسابه الرسمي على موقع «وي تشات»، اليوم (السبت)، إنه ‌تابع ورصد ‌عبور مدمرة ‌الصواريخ ⁠الموجهة ​الأميركية «فين» وسفينة «ماري سيرز» لمسح المحيطات عبر مضيق تايوان يومَي 16 و17 ⁠يناير (كانون ‌الثاني).

وقال متحدث باسم قيادة المسرح الشرقي لجيش التحرير الشعبي الصيني، في البيان، إن الجيش ​لا يزال «في حالة تأهب ⁠قصوى في جميع الأوقات... للدفاع بحزم عن السيادة والأمن الوطنيين».

ولم يصدر بعد تعليق من وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) على بيان الجيش الصيني.


هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
TT

هل يكون القطب الشمالي البارد مسرحاً لحرب «عالمية» ساخنة؟

بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)
بطاريتا صواريخ «باستيون» المضادة للسفن قرب قاعدة ناغورسكوي في القطب الشمالي (أ.ب)

كندا، الدنمارك (تمثل غرينلاند أيضاً)، فنلندا، آيسلندا، النرويج، روسيا، السويد، الولايات المتحدة.

تشكل الدول الثماني «مجلس المنطقة القطبية الشمالية» الذي اتفقت على إنشائه في 1991، وأعلنت ولادته رسمياً بعد خمس سنوات، بهدف التعاون في حماية البيئة الهشة في الأركتيك (Arctic)، وهي كلمة يونانية الأصل (Arktos) وتعني الدب. ويرجع ذلك إلى موقع كوكبة نجوم «أورسا مايجر»، (الدب الأكبر)، فوق منطقة القطب الشمالي.

جندي دنماركي خارج مقر قيادة القطب الشمالي في نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

أصرت الولايات المتحدة قبل توقيع معاهدة إنشاء المجلس (تُعرف بـ«إعلان أوتاوا») على أن تُدرجَ في النص جملة تقول: «لا يجوز لمجلس القطب الشمالي أن يتعامل مع المسائل المتعلقة بالأمن العسكري». إلا أن الجغرافيا الشمالية كانت على الدوام محطَّ تنافس ومطامع. وأسهم صعود الصين القريبة جغرافياً من القطب الشمالي، والعسكرة الروسية لمياه المنطقة، والتقارب بين روسيا والصين، والأهم الاحترار المناخي، في وضع المنطقة في صلب التجاذب والطموحات الجيوسياسية والجيواقتصادية.

عسكرة القطب الشمالي... صراعات استراتيجية «حامية» على «صفيح بارد»

أدى الاحترار المناخي -ولا يزال- إلى ذوبان مساحات ضخمة من الجليد في القطب الشمالي، وبالتالي انفتاح ممرات مائية كانت عصيَّة على السفن، وهذا يعني وجود ممرات جديدة للتجارة البحرية، وإمكان الوصول إلى الموارد الطبيعية التي تختزنها الأرض البيضاء. من هنا رأينا خطوات العسكرة تتسارع في المنطقة التي قال عنها وزير الخارجية الأميركي سابقاً، مايك بومبيو، في عام 2019، إن ظروفها تغيرت و«أصبحت ساحة للنفوذ والتنافس. يجب على دول القطب الشمالي الثماني التكيف مع المستقبل الجديد». وفي المقابل قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بعد ذلك بسنتين، قبيل اجتماع للمجلس القطبي في ريكيافيك عاصمة آيسلندا، إن القطب الشمالي هو منطقة نفوذ روسي.

زورق الدورية «كنود راسموسن» التابع للبحرية الدنماركية يرسو في مرفأ نوك عاصمة غرينلاند (رويترز)

غرينلاند والقطب

تعود هذه المسألة إلى الواجهة بقوة مع كل المعمعة المحيطة بقضية أكبر جزيرة في العالم: غرينلاند التي يريدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، غيرَ مكتفٍ بالقاعدة العسكرية الأميركية الموجودة فيها، وغير واثق بقدرة الدنمارك، صاحبة السيادة على الجزيرة، على الدفاع عنها، ولا بقدرة حلف شمال الأطلسي (ناتو) على الوقوف في وجه روسيا والصين.

كان غريباً ما قاله ترمب لصحيفة «نيويورك تايمز» تفسيراً لرغبته في الاستحواذ على غرينلاند، فالأمر «مطلوب نفسياً لتحقيق النجاح». وقد ورد في تعليق لصحيفة «لوموند» الفرنسية على هذا الكلام أن «من بين كل المبررات التي يمكن أن تقال لتسويغ انتهاك سيادة دولة حليفة، بدءاً من التهديدات الجيوسياسية الروسية والصينية، مروراً بوفرة المعادن الاستراتيجية (في الجزيرة)، وصولاً إلى إنشاء درع مضادة للصواريخ لحماية الولايات المتحدة، يبدو هذا السبب الأكثر انسجاماً مع طبيعة هذا الرئيس، وهو ما يجعله مقلقاً على نحو خاص».

فلنترك الراهن قليلاً ونرجع إلى سجل الماضي:

التوسُّع الإقليمي للولايات المتحدة وبعض عمليات الشراء

ليست رغبة واشنطن في ضم غرينلاند بالأمر الجديد؛ بل يحفل تاريخ الولايات المتحدة بالتوسع الجغرافي:

- في عام 1803، اشترت الولايات المتحدة من فرنسا منطقة لويزيانا، مقابل 15 مليون دولار، فتضاعفت مساحة البلاد.

- في 1819 عُقدت صفقة شراء فلوريدا من إسبانيا عبر تسوية ديون، وأصبحت إقليماً أميركياً عام 1821.

- في 1845 ضمَّ الأميركيون جمهورية تكساس المستقلة، وهذا ما أدى لاحقاً إلى الحرب الأميركية المكسيكية.

- في 1848 تنازلت المكسيك لجارتها الشمالية عن كاليفورنيا وأجزاء من الغرب الأميركي مقابل 15 مليون دولار.

- في 1867 اشترت الولايات المتحدة ألاسكا من روسيا مقابل 7.2 مليون دولار، بهدف تحقيق توسُّع استراتيجي واقتصادي. وصار هذا الإقليم ولاية في عام 1959. وقد اكتُشف النفط فيها في عام 1968، وبلغ الإنتاج ذروته في الثمانينات، مع وجود احتياطات كبيرة لم تُستغلّ بعد.

- ضمَّت أميركا هاواي في عام 1898 بعد إسقاط الملَكية بدعم أميركي، وأصبحت ولاية في 1959.

- شراء الفلبين وغوام وبورتوريكو في 1898 من إسبانيا مقابل 20 مليون دولار، بعد الحرب الأميركية الإسبانية، وقد استقلت الفلبين في عام 1946.

- اشترت الولايات المتحدة جزر فيرجن (الجزر العذراء) من الدنمارك في عام 1917 مقابل 25 مليون دولار ذهباً. وكانت وراء ذلك أسباب استراتيجية وعسكرية؛ إذ خشيت واشنطن أن تستولي ألمانيا على الجزر أثناء الحرب العالمية الأولى، فتتعرض للخطر خطوط الملاحة في البحر الكاريبي؛ خصوصاً قناة بنما التي تربط هذا البحر بالمحيط الهادئ. ومُنح سكان الجزر الجنسية الأميركية عام 1927، في عهد الرئيس وودرو ويلسون.

- في عام 1946 حاول الرئيس هاري ترومان شراء غرينلاند من الدنمارك بمبلغ 100 مليون دولار ذهباً لأسباب عسكرية واستراتيجية خلال بدايات الحرب الباردة، ولكن الدنمارك رفضت البيع. وحافظت الولايات المتحدة على وجود عسكري قوي هناك بالاتفاق مع الدنمارك.

جنود ألمان هبطت طائرتهم العسكرية في غرينلاند حيث سيتمركزون تعزيزاً لدفاعات الإقليم التابع للدنمارك (أ.ف.ب)

ثروات غرينلاند

تبلغ مساحة غرينلاند مليونين و160 ألف كيلومتر مربع، يعيش فيها أقل من 57 ألف نسمة، نحو 50 ألفاً منهم من السكان الأصليين. ويتركز أكبر تجمع سكاني في العاصمة نوك (نحو 20 ألف نسمة).

بقيت الجزيرة مستعمرة دنماركية من 1721 إلى 1953 حين أُدخلت تعديلات على الدستور الدنماركي، صارت بموجبها غرينلاند إقليماً ذا حكم ذاتي.

تتمتع غرينلاند بثروة كبيرة من الموارد الطبيعية، ولكن جزءاً كبيراً من هذه الثروة لا يزال غير مستغل بشكل كبير بسبب موقعها النائي، ومناخها القاسي في المنطقة القطبية، والمخاوف البيئية.

وتحتوي الجزيرة على بعض أكبر احتياطيات العالم من المعادن النادرة التي تُعد أساسية في مجالات الإلكترونيات والطاقة المتجددة والتقنيات العسكرية. ويُعد مشروع كفانيفيلد (Kvanefjeld) المتوقف حالياً من أهم المشاريع الغربية في هذا المجال، إلا أنه يحتاج إلى مخطط واضح وتمويل كبير.

إضافة إلى المعادن، ثمة احتياطيات محتملة من النفط والغاز الطبيعي في المياه البحرية؛ خصوصاً في المناطق الغربية والشرقية، ولكن عمليات الحفر والتنقيب مكلفة ومثيرة للجدل بسبب الهشاشة البيئية. وعلاوة على ذلك، لا توجد خارج العاصمة نوك أي بنية تحتية للطرق تقريباً في غرينلاند، كما أن المرافئ العميقة المحدودة لا تستوعب الناقلات الكبيرة وسفن الحاويات.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أخطار ورهانات

أورد موقع المعهد البحري الأميركي -وهو منظمة مستقلة مكرَّسة لدراسة الشؤون البحرية والملاحية- أن «القطب الشمالي كان مختلفاً عن أي مكان آخر من الكرة الأرضية. فقد كان ملاذاً للبحث العلمي؛ حيث تعاونت الدول القطبية الثماني (بما في ذلك روسيا والولايات المتحدة) تعاوناً سلمياً. غير أن كل ذلك تلاشى في السنوات الأخيرة بفعل التسارع الكبير في ذوبان الجليد القطبي، وما ترتب عليه من فتح الباب واسعاً أمام مختلف الأنشطة التجارية؛ وكذلك بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا؛ وتنامي الاهتمام الصيني بطريق الحرير القطبي».

ويضيف الموقع: «يبدو أن التحوُّل في الطرق البحرية الشمالية -بما يتيح للسفن التجارية عبور أقصر طريق يربط بين المحيطين الهادئ والأطلسي- مرشَّح لأن يصبح واقعاً خلال عقد من الزمن. كما أن نحو نصف احتياطيات العالم من النفط والغاز تقع تحت أرض القطب الشمالي ومياهه، إضافة إلى كميات معتبَرة من المعادن النادرة الحيوية التي تُعد مكونات أساسية في كل كومبيوتر وهاتف محمول، وسيارة تعمل بالبطاريات».

يلخص ترمب نظرته إلى غرينلاند بقوله: «امتلاك غرينلاند أمرٌ حيوي لأمن الولايات المتحدة، ولأمنها الاقتصادي. إنه ضرورة مطلقة، ولا أستطيع أن أؤكد أننا لن نلجأ إلى استخدام وسائل الإكراه العسكري أو الاقتصادي».

لا شك في أن ترمب والصين يراقبان بشغف ثروات غرينلاند. فاحتكار الصين شبه العالمي لنحو 50 من أصناف «المعادن الحيوية» يواجه تحدياً من غرينلاند التي يمكنها توفير 30 منها من خلال اثنين من أكبر مناجم العناصر الأرضية النادرة في العالم. وهنا تبدو الصين والولايات المتحدة على حد سواء متحمستين لتقديم الخبرات والاستثمارات المطلوبة في تلك الأرض الجليدية.

ومع كون روسيا المستفيد الأول من الطرق البحرية الموعودة في القطب، يمكن فهم حماستها ولغتها الحاسمة والجازمة حيال القوى الأطلسية. وفي السياق، قال الرئيس فلاديمير بوتين في خطاب ألقاه في 27 مارس (آذار) 2025، خلال زيارته مدينة مورمانسك بمناسبة تدشين غواصة نووية جديدة، إن «الولايات المتحدة ستواصل دفع مصالحها الجيواستراتيجية والعسكرية- السياسية والاقتصادية في القطب الشمالي. كما أن التنافس الجيوسياسي والصراع على النفوذ في هذه المنطقة يتصاعدان». وأعرب عن قلقه «إزاء ازدياد وتيرة عمل دول (الناتو) على جعل أقصى الشمال منصة محتملة لنزاعات مستقبلية، وتدربها على استخدام القوات العسكرية في هذه الظروف. سنرد على كل ذلك».

مقر القنصلية الأميركية في نوك عاصمة غرينلاند (أ.ب)

وسط «المعمعة» الأميركية– الصينية– الروسية، يبدو الموقف الأوروبي نابعاً من الهلع: أولاً من حرب محتملة في تلك المساحات البيضاء، وثانياً من جدية ترمب وعزمه تملُّك غرينلاند غير آبه بحلفائه في «الناتو» ولا بأصدقائه الأوروبيين الذي لا يؤمن بقدرتهم على ضمان أمن غرينلاند، مع ما يعنيه ذلك من تخلي الولايات المتحدة عن «العائلة الغربية» التقليدية، راسمة خطوطاً جديدة في الخريطة الجيوسياسة العالمية.

لعلَّ ما يجسِّد الخوف الأوروبي ما قالته إيبَّا بوش، نائبة رئيس وزراء السويد التي أبدت خشيتها من أن يأتي دور بلادها الغنية بالموارد الطبيعية بعد غرينلاند. وإذا كانت السويد قلقة فماذا عن كندا التي تعرضت قبل أشهر لهجوم كلامي من ترمب، حضها فيه بقوة على الانضمام إلى الولايات المتحدة!

إنه عالم جديد فعلاً ترتسم ملامحه بسرعة، ويرتفع فيه منسوب التوتر وعدم اليقين، وتغلظ لهجة التخاطب السياسي مع قرقعة سلاح في خلفية المشهد... على أمل التعقُّل.


ترمب يهدد بفرض رسوم جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته بشأن غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

ترمب يهدد بفرض رسوم جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته بشأن غرينلاند

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الجمعة، أنه قد يفرض رسوماً جمركية على الدول التي لا تؤيد خطته القاضية بالاستيلاء على غرينلاند، علماً بأنها تتبع الدنمارك، العضو في حلف شمال الأطلسي «ناتو».

وقال ترمب، خلال اجتماع لمناقشة الملف الصحي في البيت الأبيض: «قد أفرض رسوماً على الدول إذا كانت لا تؤيد (الخطة في شأن) غرينلاند؛ لأننا نحتاج إلى غرينلاند (لأغراض) الأمن القومي»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ووصلت بعثة عسكريّة أوروبيّة، الخميس، إلى غرينلاند، غداة لقاء في واشنطن بين مسؤولين أميركيّين ودنماركيّين وغرينلانديّين، خلص إلى وجود «خلاف جوهري» حول الجزيرة الدنماركية ذات الحكم الذاتي.

وأعلنت الدنمارك، الحليف التقليدي للولايات المتحدة داخل حلف «الناتو»، أنّها تُعزز وجودها العسكري في غرينلاند، رداً على الانتقادات الأميركية لعدم إيلائها أهمية كافية للجزيرة القطبية الشمالية.

ويوم الأربعاء، هبطت طائرتان دنماركيتان تنقلان جنوداً في الجزيرة.

وعقب ذلك، أعلنت فرنسا والسويد وألمانيا والنرويج وهولندا وفنلندا وبريطانيا إرسال قوة عسكرية إلى الجزيرة، للقيام بمهمة استطلاع تندرج في سياق مناورات «الصمود القطبي» التي تُنظمها الدنمارك.

وقالت مصادر دفاعية من دول عدة إنّ هذه التعزيزات العسكرية الأوروبية المتواضعة، والتي تتمثل في 13 جندياً ألمانياً، على سبيل المثال، وجندي واحد لكل من هولندا وبريطانيا، تهدف إلى إعداد الجيوش لتدريبات مستقبلية في القطب الشمالي.

غير أن البيت الأبيض عَدَّ، الخميس، أن هذه الخطوة لن تُغيّر شيئاً في خطط ترمب. وقالت الناطقة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت: «لا أعتقد أن نشر قوات أوروبية يؤثر على عملية صنع القرار لدى الرئيس، كما أنّها لا تؤثر أبداً على هدفه المتمثل في ضم غرينلاند».