حكومة روحاني تتهم مرشحين للرئاسة بتبني مهاجمتها في الحملات الانتخابية

أحمدي نجاد تمسك بموقف المقاطعة إذا استبعد من خوض السباق... ومركز استطلاع حكومي يتوقع أدنى إقبال على الاقتراع

صورة نشرها موقع مجلس «صيانة الدستور» في أول اجتماع لدراسة طلبات الترشح أول من أمس
صورة نشرها موقع مجلس «صيانة الدستور» في أول اجتماع لدراسة طلبات الترشح أول من أمس
TT

حكومة روحاني تتهم مرشحين للرئاسة بتبني مهاجمتها في الحملات الانتخابية

صورة نشرها موقع مجلس «صيانة الدستور» في أول اجتماع لدراسة طلبات الترشح أول من أمس
صورة نشرها موقع مجلس «صيانة الدستور» في أول اجتماع لدراسة طلبات الترشح أول من أمس

اتهمت الحكومة الإيرانية بعض المرشحين للرئاسة بتبني التهجم على 8 سنوات من حكم الرئيس حسن روحاني في حملاتهم الانتخابية، في وقت تمسك فيه الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد بموقفه من مقاطعة الانتخابات إذا رفض مجلس «صيانة الدستور» طلبه لخوض السباق الرئاسي المقرر في 18 يونيو (حزيران) المقبل.
وقال المتحدث باسم الحكومة، علي ربيعي، في مؤتمره الصحافي، إنه «من المؤسف أن بعض المرشحين أسسوا حملتهم الانتخابية على أساس الهجوم على السنوات الثمانية الماضية، دون أخذ الحرب الاقتصادية والعقوبات غير المسبوقة وجائحة كورونا بعين الاعتبار».
واتهم هؤلاء المرشحين، دون أن يشير إلى أسماء، بأنهم دخلوا المعركة الانتخابية بتوجه سلبي، وقال: «نأمل أن نرى أيضاً برامج إيجابية للمرشحين»، معرباً عن تأييده لتوصيات «المرشد» علي خامنئي في خطابه الأخير، بشأن أولوية تحقق أقصى مشاركة، و«عدم التدخل في انتخاب الأشخاص». وحرص المتحدث على ما قاله خامنئي في هذا الصدد حرفياً.
وقال خامنئي، في خطاب متلفز الأسبوع الماضي: «لم أتدخل في انتخاب الأشخاص. في الفترات السابقة، كان بعض من ينوي الترشح يسألني عن رأيي، فكنت أقول لست موافقاً ولا معارضاً؛ أي لا رأي لي. لكن هذه المرة، لم أنطق حتى بهذا الأمر».
وعد ربيعي أن تصريحات خامنئي قطعت الطريق على «إيحاءات» لوسائل إعلام خارجية و«استغلال محتمل في الداخل»، معتبراً الانتخابات الرئاسية المقبلة «ضرورة للحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية» لإيران. وقال إن بلاده بحاجة إلى «أقصى مشاركة» في انتخاب الرئيس والحكومة المقبلة، وربط أهمية الموضوع بعوامل ثلاثة، هي: التطورات الإقليمية، والنظام العالمي الجديد، والموقع المناسب للمصلحة القومية الإيرانية.
وشدد على أن «التغلب على القضايا الداخلية، والحضور القوي في المجال الدولي، يتطلب حكومة قوية، وهو ما لن يتحقق إلا بمشاركة عالية». وبذلك، دعا الجميع إلى التعهد وبذل الجهد لتحقيق المشاركة القصوى، بحيث «ترى جميع فئات المجتمع مطالبها في سلة انتخابية، وتجليها في المرشحين».
وخاطب أيضاً هيئة التلفزيون ضمناً، بقوله: «من المؤكد أن التلفزيون وجميع وسائل الإعلام التي تستفيد بشكل مباشر أو غير مباشر من الميزانية العامة سيكون سلوكها منصفاً»، موضحاً: «يجب أن تمنح فرصاً متساوية للجميع، وتتجنب الإجراءات السلبية المباشرة وغير المباشرة».
ونوه ربيعي بأن الحكومة «لم تقدم أحداً ليكون ممثلاً عنها في الانتخابات»، في إشارة إلى ترشح إسحاق جهانغيري نائب الرئيس الإيراني، مؤكداً: «أكرر أن تسجيل أعضاء الحكومة في الانتخابات لم يكن قراراً تنظيمياً، وأي من هؤلاء دخل السباق الانتخابي بطلب شخصي، وأنا واثق أنهم لم ينسقوا بعضهم مع بعض، ولم يكونوا على علم بتحركهم».
بموازاة ذلك، أعلن حزب «الاعتدال والتنمية»، فصيل الرئيس الإيراني حسن روحاني، أنه سيختار ويعلن المرشح المدعوم في الانتخابات بعد إعلان مجلس «صيانة الدستور» القائمة النهائية للمرشحين. وقال متحدث باسم الحزب لـوكالة «إيسنا» الحكومية إن أولوية حزبه «استقطاب أقصى مشاركة من جميع فئات الشعب الإيرانية، وإجراء انتخابات مهيبة».
وقال المتحدث باسم مجلس صيانة الدستور، عباس كدخدائي، لوكالة «أسوشيتدبرس» إن الموافقة على مجموعة متنوعة من المرشحين للانتخابات الرئاسية الإيرانية قد تساعد في تعزيز الإقبال على التصويت، وسط مخاوف من السلطات من عزوف الإيرانيين عن التوجه إلى صناديق الاقتراح.
وحذر المركز الحكومي لاستطلاعات الرأي (إسبا)، المحلق بوكالة «إيسنا»، من احتمال انخفاض نسبة المشاركة إلى 39 في المائة، وهي الأدنى منذ ثورة عام 1979.
وقال كدخدائي إن «وجود مرشحين من توجهات متنوعة يمكن أن يضيف إلى المشاركة»، لكنه أكد أن أعضاء المجلس لن يتأثروا بالتصريحات النارية للمرشحين. وأضاف: «مجلس صيانة الدستور لن يقيم أبداً المؤهلات بناء على مجرد تصريحات تحتوي على انتقادات واحتجاج، خاصة الانتقادات اللفظية».
وتأتي هذه المخاوف بعدما شهدت الانتخابات التشريعية، العام الماضي، أدنى نسبة إقبال بلغت 42.5 في المائة في عموم البلاد، بينما في طهران لم تتخطى 25 في المائة، وهي أدنى نسبة مشاركة منذ عام 1979. وشهدت الانتخابات الرئاسية الإيرانية لعام 2017 إقبالاً وصل إلى 73 في المائة، حسب الإحصائية الحكومية. وتشير الأرقام الرسمية إلى أن 59.3 مليون شخص سيكونون مؤهلين للتصويت في انتخابات 18 يونيو (حزيران) المقبل.
وقال كدخدائي إن «التوقعات العامة والاجتماعية والسياسية دائماً ما ترغب في إقبال كبير». ومع ذلك، فإنه من وجهة النظر الحقوقية والقانونية «لا تؤدي المشاركة المنخفضة إلى أي مشكلات قانونية» فيما يتعلق بمصداقية الانتخابات.
ومن جانبه، قال أمين عام مجلس «صيانة الدستور» الذي ينظر في طلبات الترشيح إنه «يجب أن يعلم الناس أننا نحمل عبئاً ثقيلاً»، وأضاف: «لا يمكننا أن نقول شيئاً إلا بالقانون الذي حدد شروط الترشح للرئاسة، وهي شروط صعبة».
وقال صادق آملي لاريجاني، عضو «صيانة الدستور» شقيق المرشح علي لاريجاني، إن المجلس «سيدرس الملفات بمنتهى الدقة والحيادية ومراعاة الأخلاق والدين»، لافتاً إلى أن دراسة الطلبات تتم وفق المعلومات عن خلفية الأشخاص، موضحاً أن عملية البت بأهلية المرشحين المطروحة تتعلق بأن «نكون مقتنعين أننا توصلنا لكل الشروط التي يحرزها الشخص الذي نوافق على أهليته».

تحدي نجاد
وتمسك الرئيس الإيراني السابق، محمود أحمدي نجاد، بموقفه من العزوف عن المشاركة في الانتخابات، إذا ما رفض مجلس صيانة الدستور طلبه.
وقال أحمدي نجاد في تصريحات للصحافيين: «لقد تم رفضي مرتين، لكنني التزمت الصمت احتراماً للناس والثورة والبلاد. والآن إذا أرادوا رفضي، فمن المؤكد لن أشارك في الانتخابات، ولن أعترف بها، ولكني لا أوافق أيضاً على الوقفات الاحتجاجية والعنف»، مضيفاً: «ما إن قلت لن أشارك حتى أظهر بعضهم روحه الاستبدادية»، وحذر من أن «تفتعل العناصر الفاسدة التي تعشش في الأجهزة الأمنية قضية تريد أن تكتبها باسم الناس وباسمنا. هذا حق الناس، لماذا يحددون دائرة انتخاب الناس دون سبب، ويرفضون المرشحين؟ لماذا يجب أن أشارك؟».
إلى ذلك، عقد ممثلون من لجنة «وحدة المحافظين» وائتلاف «القوى الثورية» المحافظة اجتماعاً مشتركاً أمس، لمناقشة سبل تقارب الخطوات الانتخابية. وقال المتحدث باسم لجنة «وحدة المحافظين»، منوشهر متكي، وزير الخارجية الأسبق، في هذا الصدد: «شدد الجانبان على تعزيز الوحدة والاتساق في الانتخابات، مؤكدين على الدعم الشامل المشترك لترشيح رئيس القضاء، إبراهيم رئيسي».
وقال الناشط المحافظ، النائب السابق، حسين نقوي حسيني، لموقع «نامه نيوز»، إن مستشار «المرشد» الإيراني ممثله في المجلس الأعلى للأمن القومي لم يتخذ قراراً بالانسحاب لصالح إبراهيم رئيسي، متوقعاً أن يبقى جليلي في الانتخابات حتى اليوم الأخير.

تكرار سيناريو 2013
جاء إجماع المحافظين على دعم رئيسي في وقت اقترب فيه الإصلاحيون أكثر من رئيس البرلمان السابق المحافظ علي لاريجاني. ورجح الناشط الإصلاحي، علي محمد نمازي، عضو اللجنة المركزية في حزب «كاركزاران»، فصيل الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني، تكرار سيناريو انتخابات 2013، بعدما دعم الإصلاحيون روحاني ضد المرشحين المحافظين، في أعقاب رفض أهلية هاشمي رفسنجاني.
وصرح نمازي لموقع «نامه نيوز»: «إذا القوى الإصلاحية تم حذفها، أو أظهرت الاستطلاعات أن مرشحهم لن يحصل على الأصوات المطلوبة، فإن جزءاً من الإصلاحيين من الممكن أن يكرروا تجربة 2013، ويدعموا لاريجاني».
وقال لاريجاني، في تغريدة على «تويتر»، إن «من يعد الناس بالجنة يقول كذباً؛ يجب أولاً إطفاء نار جهنم»، وأضاف: «حل المشكلات المعقدة لا يحتاج إلى (سوبرمان)، وإنما مدير».
وفي الأثناء، نفى منصور حقيقت بور، مستشار لاريجاني، صحة ما ورد في ملصق دعائي عن تشكيلة الحكومة التي يخطط لها رئيس البرلمان السابق، وقال: «لقد قرر، الأربعاء الماضي، خوض الانتخابات، كيف تمكن بهذه السرعة من الوصول إلى التشكيلة؟!»، حسب ما أوردته وكالة «إيسنا» الحكومية.
وقال حقيقت بور: «لم يتم اختيار رئيس الحملة الانتخابية بعد، إذن لم يقدم أي قائمة عن الحكومة المتوقعة؟!». ووصف ما يتداول عن تقديم لاريجاني «التشكيلة الحكومية الثالثة لروحاني» بأنها تصرف «خبيث»، وقال: «واثق أن لاريجاني سيقدم تشكيلة نشطة ذات كفاءة».
وجاء نشر الملصق غداة تداول ملصق حول تشكيلة مزعوم لإبراهيم رئيسي، الأمر الذي نفت صحته وسائل إعلام مقربة من رئيسي.
وترجح أغلب وسائل الإعلام الإيرانية أن تكون المنافسة النهائية محصورة بين لاريجاني ورئيسي، في ظل الشكوك بشأن موافقة «صيانة الدستور» على طلب جهانغيري. ويتوقع أن ينقسم المرشحين إلى فريقين، خلف كل من لاريجاني ورئيسي، وهو ما يعني تكرار ظاهرة «مرشح الظل» التي يهدف فيها المرشحون إلى دعم مرشح نهائي لأحد التيارين الأساسيين في البلاد، خاصة في المناظرات التلفزيونية.
وتساءلت صحيفة «شرق» الإصلاحية حول ما إذا كانت ظاهرة «مرشح الظل» ليست إلا «خداع» للرأي العام، مشيرة إلى أن سعيد جليلي «هو أشهر مرشح ظل في الانتخابات المقبلة، وسيكون مرشح ظل لإبراهيم رئيسي». وعدت أن الهدف من ترشحه هو أن يقلب أجواء المناظرات التلفزيونية لصالح رئيسي، أو يركز على الهجوم على الحكومة.
وقالت صحيفة «جمهوري إسلامي» إن «الهجمات المضادة من قبل المرشحين للرئاسة بعضهم ضد بعض تنذر بـ(حرب قذرة)». وعدت أن الفرق بين انتخابات هذا العام والاستحقاقات السابقة هو أن «الأساليب الشائعة في الإنترنت شهدت قفزة، ومنحت المرشحين وأنصارهم تسهيلات غير عادية». وأضافت: «لقد بدأوا بالفعل حرباً دعائية بعضهم ضد بعض، وما يتضح من النبرات أن هناك حرباً قذرة جداً في الطريق إلينا». وما يقلق المسؤولين في البلاد، بحسب الصحيفة، أنه يتعين عليهم تحمل «الحرب الدعائية القذرة»، إلى جانب المعاناة الاقتصادية وجائحة كورونا.



صفر تخصيب... «جرعة سُم» قد تقتل مفاوضات مسقط

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
TT

صفر تخصيب... «جرعة سُم» قد تقتل مفاوضات مسقط

صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي (أ.ف.ب)

رغم وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب محادثات مسقط بأنها «جيدة جداً»، ومع كسر الشكل التفاوضي لمجرد حصول لقاء مباشر بين الوفدين الإيراني والأميركي، فإن القراءة الأكثر شيوعاً في واشنطن تميل إلى التشاؤم أكثر.

والسبب ليس ما قيل داخل الغرف بقدر ما لم يتغير خارجها: طبيعة الفجوة الاستراتيجية، وتناقض «الخطوط الحمراء»، وسقف التوقعات الذي ترفعه التهديدات العسكرية والعقوبات، ثم يعود ليصطدم بواقع نظامٍ يتقن كسب الوقت وإدارة التفاوض كأداة لتخفيف الضغط لا كطريقٍ لإنهائه.

المحادثات التي جرت في مسقط بوساطة سلطنة عمان استمرت ساعات طويلة وانتهت بتصريحات عامة من الطرفين عن «أجواء إيجابية» و«بداية جيدة»، مع توقع جولة تالية الأسبوع المقبل، بحسب ما أعلنه ترمب. وقال إن إيران «تريد إبرام صفقة»، وإن المباحثات ستُستكمل «مطلع الأسبوع المقبل».

وأشار «أكسيوس» إلى أن لقاءً مباشراً حصل بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ومبعوثي الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. لكن هذا «التقدم الشكلي» لم يبدد الشكوك حول أن الجولة قد تكون افتتاحاً لمسار طويل من الجولات، أي ما تخشاه واشنطن وحلفاؤها تحديداً.

صورة مركبة لاستقبال وزير خارجية عُمان البوسعيدي نظيره الإيراني عراقجي (يمين) ثم استقباله ويتكوف وكوشنر قبل بدء المباحثات في مسقط أمس (إ.ب.أ)

عقدة «الصفر»

جوهر التشاؤم يبدأ من سؤال واحد: ما الحد الأدنى الذي سيعتبره الطرفان «صفقة»؟ في المقاربة الأميركية التي يكررها ترمب، هناك مطلب مُبسط ومطلق: «لا سلاح نووي» ويُترجم عملياً لدى فريقه إلى خط أحمر على التخصيب.

في المقابل، ترى طهران أن التخصيب جزء من السيادة ورمز للاستقلال، وتعتبر التنازل عنه هزيمة سياسية داخلية لا تقل كلفة عن العقوبات نفسها. هذه الثنائية (صفر مقابل حق) تجعل مساحات التسوية ضيقة بطبيعتها: حتى لو وجد حل تقني وسط (نسب وسقوف ورقابة)، فإن الغلاف السياسي لكل طرف يدفعه إلى التصلب.

الصحف الأميركية تناولت هذه المعضلة، ولخص تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز» المعضلة برقم واحد: «صفر»، بوصفه التعريف العملي لمطلب «صفر تخصيب»، محذّراً من أن الإصرار عليه قد يتحول إلى «جرعة سم» قد تقتل التفاوض مهما كانت الأجواء الإيجابية.

السبب الثاني للتشاؤم مؤسسي بحت: مَن يملك القرار النهائي في طهران؟ حتى لو تفاوض عباس عراقجي بمرونة، يبقى اختبار أي تفاهم هو قدرته على عبور مراكز القوة وصولاً إلى المرشد علي خامنئي. وهذا ليس تفصيلاً؛ إنه ما يجعل الدبلوماسية مع إيران بطيئة بطبيعتها، وأحياناً «مجزّأة» إلى رسائل متناقضة بين ما يقوله المفاوض وما تسمح به دوائر القرار.

هذا المعنى ظهر حتى في الخطاب الأميركي الداخلي: افتتاح التفاوض لا يُعامل كإنجاز بحد ذاته، بل كمرحلة لاختبار «النية» و«القدرة على الالتزام». وفي مثل هذه البيئة، أي تنازلٍ يُقرأ داخل إيران على أنه رضوخ تحت التهديد، خصوصاً مع الحشد العسكري، الذي قد يدفع النظام إلى التصلب بدل المرونة.

شراء الوقت؟

يُفترض أن الجمع بين «الجزرة والعصا» يُسرّع التفاهم. لكن في الحالة الإيرانية غالباً ما ينتج أثراً مزدوجاً: يرفع ضغطاً اقتصادياً ونفسياً قد يدفع طهران للعودة إلى الطاولة. وفي الوقت نفسه يمنحها حافزاً لاستخدام الطاولة لتخفيف الضغط دون حسم الملفات، أي استراتيجية «إدارة الأزمة» لا حلّها.

هنا يتقاطع تشاؤم المنتقدين مع ما نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، في افتتاحية تتهم إيران بالعودة إلى أسلوب «المماطلة التفاوضية»: جولات متتابعة من دون تنازلات جوهرية، مع رفضٍ لإنهاء التخصيب أو نقلِه للخارج، ورفضٍ، بحسب الافتتاحية، لمنح ضمانات أو عمليات تحقق كافية بعد الضربات السابقة على منشآت نووية.

وفي يوم المحادثات نفسه، تزامن المسار الدبلوماسي مع مزيد من ضغط «العصا»: عقوبات أميركية جديدة مرتبطة بـ«أسطول الظل» النفطي الإيراني. هذا التزامن قد يكون رسالة تفاوضية، لكنه أيضاً يسهّل على طهران تسويق روايتها بأن واشنطن تفاوض «تحت التهديد»، ما يبرر تشدداً داخلياً.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصل إلى مقر المحادثات في مسقط (الخارجية الإيرانية - أ.ف.ب)

«نطاق» الملفات

حتى لو انحصرت الجولة على الملف النووي، فإن التناقض البنيوي قائم: واشنطن، وفق ما نُقل، كانت تميل إلى مسارين، نووي و«أوسع» يشمل الصواريخ والشبكات الإقليمية، بينما أعلن عراقجي أن النقاش يقتصر على النووي فقط. هذا يعني أن أي «تقدم» نووي، إن حصل، قد يُستهلك سياسياً داخل واشنطن إذا بدا أنه يتجاهل ملفات يعتبرها صقور الإدارة والكونغرس جزءاً من «السلوك الإيراني» لا يمكن فصله عن النووي. لذلك يأتي التشاؤم أيضاً من داخل واشنطن: حتى لو تحقق اتفاق تقني، قد لا يملك الغطاء السياسي الكافي ليصمد، هذا من دون الحديث عن إسرائيل.

ومن دون الغرق في تفاصيل مسقط، يمكن تلخيص معيار النجاح في الجولة المقبلة بـ3 إشارات لا تحتاج إلى بيانات مطولة: لغة واضحة حول التخصيب، تتجاوز مفردات «الحق» أو «الصفر» كشعارات، بل صيغة عملية قابلة للقياس والتحقق والجدولة. إطار تحقق عبر عودة جدية للرقابة والوصول، لأن أي اتفاق بلا تحقق سيُعامل كهدنة مؤقتة لا كصفقة. تسلسل العقوبات مقابل الخطوات، بحيث إذا لم تُحسم آلية رفع أو تعليق العقوبات مقابل خطوات نووية محددة، ستبقى كل جولة مجرد «استماع متبادل».

لهذا، تبدو مفارقة مسقط منطقية: يمكن لترمب أن يصف المحادثات بـ«الجيدة» لأنها فتحت باباً مباشراً وأعادت اختبار الدبلوماسية تحت سقف التهديد. لكن التشاؤم يسود لأن الاختبار الحقيقي ليس الجوّ، بل القدرة على كسر عقدة الصفر، وتأمين التحقق، ومنع إيران من تحويل التفاوض إلى مساحة زمنية آمنة لإعادة التموضع، وهي مهارة راكمتها طهران تاريخياً، وتخشى واشنطن اليوم أن تعود إليها بحلتها المعتادة.


رئيس الأركان الإيراني: فرض الحرب علينا سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع

رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
TT

رئيس الأركان الإيراني: فرض الحرب علينا سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع

رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)
رئيس الأركان عبد الرحيم موسوي يلقي خطاباً في طهران (أرشيفية - دفاع برس)

نقلت وسائل إعلام إيرانية عن رئيس هيئة الأركان، اللواء عبد الرحيم موسوي، قوله إن بلاده لن تبدأ الحرب أبداً، لكنها لن تتردَّد لحظة في الدفاع الحاسم عن أمنها القومي في حال تعرُّضها لأي تهديد.

وأضاف أن أي عمل عسكري يهدف إلى فرض الحرب على إيران سيؤدي إلى اتساع نطاق الصراع وتفاقم الأزمة في جميع أنحاء المنطقة، محذراً من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليميَّين.

وأكد رئيس الأركان، بحسب الإعلام الإيراني، أن إيران تحتفظ بحقها الكامل في الرد، وأن قواتها المسلحة في جاهزية تامة للتعامل مع أي تطورات أو تهديدات محتملة.

وجاءت تصريحات موسوي غداة مفاوضات عُقدت مع واشنطن في مسقط.


الصحف الإيرانية: مفاوضات مسقط... الدبلوماسية على إيقاع الردع

رجل إيراني يطالع العناوين على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)
رجل إيراني يطالع العناوين على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)
TT

الصحف الإيرانية: مفاوضات مسقط... الدبلوماسية على إيقاع الردع

رجل إيراني يطالع العناوين على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)
رجل إيراني يطالع العناوين على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)

عكست الصفحات الأولى للصحف الإيرانية الصادرة صباح السبت، مقاربات متشابهة لجولة المفاوضات التي جرت في مسقط يوم الجمعة بين إيران والولايات المتحدة، حيث هيمنت ثنائية القوة الميدانية والدبلوماسية المشروطة على العناوين الرئيسية، مع اختلاف في الزوايا والأسلوب بين الصحف.

وأجمعت الصحف الصادرة في طهران، عقب مفاوضات الجمعة، على تقديم الحوار من موقع قوة، وحصر جدول الأعمال بالملف النووي، وربط الدبلوماسية بالجاهزية العسكرية، مع تباين في النبرة بين الخطاب الآيديولوجي لمؤسسة الحكم، والمقاربة الحكومية التي تدعو إلى ضبط التوقعات، وعدم تحويل المفاوضات إلى ساحة صراع داخلي، أو رهان مطلق على النتائج.

الصفحة الأولى لصحيفة «إيران» الحكومية على كشك لبيع الصحف في طهران اليوم (إ.ب.أ)

وإلى جانب الصحف التي ركزت على التفاوض من موقع القوة والجاهزية العسكرية، حضرت صحيفة «إيران»، الناطقة باسم الحكومة، بعنوان رئيسي هو «بداية جيدة»، في إشارة إلى انطلاق محادثات مسقط.

وقدمت الصحيفة صورتين متقابلتين في صدر صفحتها الأولى، تظهران لقاء وزير الخارجية الإيراني مع نظيريه العماني والأميركي، معتبرة أن الجولة الأولى تشكل انطلاقة إيجابية حذرة.

غير أنها أرفقت العنوان المتفائل بمقاربة تحذيرية في افتتاحية حملت عنوان «المفاوضات ليست ساحة للصيد الجناحي - السياسي»، وكتبت أن قرار التفاوض مع واشنطن هو قرار صادر عن مؤسسة الحكم في الجمهورية الإسلامية ككل، وليس قراراً حكومياً أو جناحياً. وأكدت أن تأمين مصالح البلاد عبر التفاوض هو مهمة الحكومة ووزارة الخارجية ضمن هذا الإطار.

إيراني يقرأ عناوين الأخبار لصحف معروضة للبيع على كشك في شارع وسط طهران اليوم (إ.ب.أ)

وأضافت الصحيفة أن ربط جميع شؤون البلاد، أو ما يسمى «حياة وموت الدولة»، سواء في بعدها الإيجابي أو السلبي، بمسار المفاوضات، ليس طرحاً صحيحاً ولا فرضية قابلة للدفاع، محذرة من تحويل المفاوضات إلى أداة للمزايدات الداخلية أو التجاذبات السياسية. وشددت على أن التفاوض هو إحدى أدوات إدارة المصالح الوطنية، لا بديلاً عن بقية عناصر القوة أو المسارات السياسية والاقتصادية للدولة.

وفي تغطيتها الخبرية، ربطت «إيران» استمرار المفاوضات بمدى التزام الطرفين، معتبرة أن «استمرار الحوار واتخاذ قرارات متقابلة يعتمد على سلوك الأطراف»، من دون رفع سقوف سياسية أو الدخول في خطاب تصعيدي، مع إبراز دور سلطنة عُمان بوصفها وسيطاً، والتأكيد على أن الحكم على المسار لا يزال مبكراً.

صحيفة «همشهري» التابعة لبلدية طهران تبرز صورة المفاوضين الإيرانيين

في المقابل، تصدرت صحيفة «همشهري» التابعة لبلدية طهران، المشهد بعنوان «اقتدار في الميدان وقدرة في الدبلوماسية»، مبرزة صورة الوفد الإيراني في مسقط، ومقدمة الجولة على أنها جاءت بعد فشل الضغط العسكري الأميركي. وربطت الصحيفة بوضوح بين المسار التفاوضي ورفع الجاهزية العسكرية، حيث حضر الحديث عن الصاروخ الإيراني في العمود الأيسر للصفحة الأولى، باعتباره أحد عناصر الردع التي تشكّل خلفية مباشرة لأي حوار سياسي.

«عصر الردع الهجومي»

أما صحيفة «فرهيختغان» التي يرأس إدارة تحريرها علي أكبر ولايتي، مستشار المرشد الإيراني، فاختارت عنوان «المفاوضة في الميدان»، وقدمت المفاوضات باعتبارها محطة تأتي بعد عام من التوتر وتجربة حرب الـ12 يوماً، مشددة على أن الدبلوماسية الإيرانية تتحرك بذاكرة مفتوحة تجاه تجارب الماضي.

وطرحت الصفحة الأولى تساؤلات حول محاولات إعادة إنتاج مسارات الضغط السابقة، مقابل تأكيد أن طهران تدخل الحوار من دون التخلي عن خيارات أخرى إذا فُرضت عليها شروط غير مقبولة.

وذهبت صحيفة «جام جم» التابعة للتلفزيون الرسمي، إلى خطاب أكثر تعبئة تحت عنوان «عصر الردع الهجومي»، حيث أبرزت الصواريخ والتأهب العسكري بوصفهما السند الأساسي للمفاوضات، وربطت بين تطور القدرات العسكرية وارتفاع القدرة التفاوضية، مقدمة الأمن القومي وتوازن الردع إطارين حاكمين لأي تفاوض مع الولايات المتحدة.

من جهتها، عنونت صحيفة «آكاه» المحافظة المشهد بعبارة «اقتدار في الميدان وقدرة في الدبلوماسية»، مع صورة جماعية للوفد الإيراني، معتبرة أن جولة مسقط جاءت بعد إخفاق سياسة التهديد والضغط، وقدّمت المفاوضات بوصفها نتيجة اضطرار واشنطن للعودة إلى طاولة الحوار بعد فشل الخيارات الأخرى.

صحيفة «طهران تايمز» التابعة لمؤسسة «الدعاية والتبليغ الإسلامي» تحت عنوان «بداية جيدة لمحادثات إيران - أميركا لكن الطريق لا يزال غير واضح» (إ.ب.أ)

ومن المؤسسة نفسها التي تصدر صحيفة «آكاه»، قدمت صحيفة «طهران تايمز» الصادرة بالإنجليزية، قراءة أكثر توازناً، معتبرة أن الجولة تمثل «بداية جيدة للمحادثات، لكن الطريق لا يزال غير واضح»، مع إبراز استمرار انعدام الثقة بين الطرفين. وفي الوقت نفسه، أفردت مساحة بارزة للحديث عن تعزيز الوضع الهجومي الإيراني عبر نشر صاروخ «خرمشهر - 4»، مقدمة ذلك رسالةً موازية للمفاوضات.

أما صحيفة «قدس» المحافظة، فركزت على البعد السياسي الخارجي، بعنوان بارز عن «استقلال أوروبا... فعلياً على الورق»، مشككة في جدوى الدور الأوروبي. ورافقت العنوان صورة الوفد الإيراني مع عبارة «دبلوماسية بإصبع على الزناد»، في إشارة إلى أن الحوار يجري مع بقاء أدوات الردع حاضرة، مع تأكيد حصر جدول الأعمال بالملف النووي، ورفض إدراج الصواريخ أو القضايا الإقليمية.

«المنطقة الرمادية»

وفي مقاربة تحليلية مغايرة، عنونت صحيفة «شرق» الإصلاحية صفحتها الأولى بـ«الدبلوماسية في المنطقة الرمادية»، ونأت بنفسها عن الحسم المسبق للنتائج. وكتبت أن استمرار المسار الحالي قد يفتح الباب أمام التوصل إلى إطار تفاهمي لجولات لاحقة، لكنها ربطت بعاملين حاسمين؛ هما طبيعة القرارات التي تتخذ في طهران ومدى توافر الإرادة السياسية لدى الطرف الأميركي، معتبرة أن المفاوضات لا تزال تتحرك في مساحة غير محسومة.

صحف معروضة للبيع على كشك في شارع وسط طهران اليوم (إ.ب.أ)

حسابات حذرة

من جهتها، ركزت صحيفة «اعتماد» في تغطيتها لمحادثات مسقط على توصيف الجولة الأولى بأنها «بداية جيدة» للحوار غير المباشر بين واشنطن وطهران، لكنها رأت أنه لا يعني تجاوز مرحلة الاختبار أو ضمان استمرار المسار.

واعتبرت الصحيفة أن المحادثات تمثل خطوة افتتاحية تهدف إلى جس النيات وتحديد إطار العمل، وليس تحقيق نتائج نهائية سريعة.

وأشارت «اعتماد» إلى أن استمرار الحوار مرهون بقدرة الطرفين على ضبط سقف التوقعات والالتزام بطابع تفاوضي تدريجي، مؤكدة أن الحكم على مسار المفاوضات يجب أن يبنى على ما ستسفر عنه الجولات اللاحقة.

وأظهرت القراءة الحذرة للصحيفة توازناً بين الإشارة إلى إيجابية الانطلاق، والتنبيه إلى أن مسار التفاوض لا يزال في بدايته، وأن نتائجه ستتحدد وفق السلوك العملي للأطراف خلال المرحلة المقبلة.

الميدان والدبلوماسية

أما صحيفة «جوان»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، فقد شددت على تلازم المسارين العسكري والدبلوماسي تحت عنوان «تكامل الميدان والدبلوماسية في مواجهة العدو»، معتبرة أن «يد التفاوض على الطاولة، فيما إصبع الردع على الزناد».

وأشارت إلى زيارة رئيس هيئة الأركان إلى إحدى المدن الصاروخية التابعة لـ«الحرس الثوري»، ووجود الصاروخ الباليستي «خرمشهر - 4» بقدرات عملياتية عالية وقوة تدميرية كبيرة، بوصفه أحد أعمدة منظومة الردع الإيرانية، معتبرة ذلك رسالة مباشرة بأن طهران تدخل الدبلوماسية من موقع اقتدار، لا من موقع ضعف.

وفي سياق أكثر حدة، أفردت صحيفة «كيهان» افتتاحيتها لمفاوضات مسقط بعنوان «أميركا غير قابلة للثقة، ويجب أن تبقى الأصابع على الزناد». وكتب رئيس تحريرها حسين شريعتمداري، أن واشنطن اضطرت للقبول بإطار التفاوض الذي حددته طهران، والقائم على حصر النقاش بالملف النووي، مشيراً إلى تقارير تؤكد خروج الملفات الصاروخية والإقليمية من جدول الأعمال.

ونقلت «كيهان» عن وزير الخارجية عباس عراقجي، قوله إن «انعدام الثقة يشكل تحدياً ثقيلاً أمام المفاوضات»، وربطت ذلك بتحذيرها من تكرار تجارب سابقة لم تلتزم فيها واشنطن بتعهداتها. كما نشرت افتتاحية بعنوان «الحرب الإقليمية... الكابوس الأكبر لواشنطن وتل أبيب»، ربطت فيه بين مسار التفاوض واحتمالات التصعيد.

وذهبت كيهان أبعد من ذلك في أحد تقاريرها، معتبرة أنه «ليس مستبعداً أن يقدم الكيان الإسرائيلي على تصفية ترمب نفسه»، مشيرة إلى دور جاريد كوشنر، صهر ترمب ومستشاره المقرب، وواصفة إياه بأنه يتمتع بنفوذ واسع داخل البيت الأبيض، ويؤدي دوراً محورياً في صياغة خطابات الرئيس الأميركي وتعيينات إدارته.

وختمت الصحيفة طرحها بالتساؤل عمن تتجه إليه ولاءات كوشنر، معتبرة أن استمرار ترمب، في حال انتهاء «دوره الوظيفي»، قد يشكل عبئاً أمنياً على إسرائيل، في طرح يعكس النبرة التصعيدية التي طبعت مقاربة كيهان لمفاوضات مسقط.