«تصحيح المسار»... بايدن يكمل ما بدأه أوباما في الشرق الأوسط

بايدن وأوباما في 2017 (أ.ب)
بايدن وأوباما في 2017 (أ.ب)
TT

«تصحيح المسار»... بايدن يكمل ما بدأه أوباما في الشرق الأوسط

بايدن وأوباما في 2017 (أ.ب)
بايدن وأوباما في 2017 (أ.ب)

قبل عشرة أيام، اتصل مستشار الأمن القومي الأميركي، جيك سوليفان، بنظيره الإسرائيلي، وأعاد عقارب الساعة إلى الوراء. بحسب العرض الأميركي للحوار، دعا سوليفان إلى «التعبير عن مخاوف الولايات المتحدة الخطيرة» بشأن أمرين: الإخلاء المعلق -بأمر من المحكمة- لعدد من العائلات الفلسطينية من منازلها في حي الشيخ جراح في القدس، والاشتباكات العنيفة التي وقعت في نهاية الأسبوع في الحرم القدسي بين الشرطة الإسرائيلية ومتظاهرين فلسطينيين. بعبارات أخرى، أكدت إدارة الرئيس جو بايدن علناً إعلاء المصلحة الوطنية الأميركية في منع عمليات إخلاء الشيخ جراح، بغض النظر عن إملاءات القانون الإسرائيلي -تماماً في الوقت الذي كانت «حماس» ترسل فيه صواريخ وأجهزة حارقة إلى إسرائيل لتبعث بالرسالة نفسها. كان هذا الجهد الواعي لوضع «رؤية واضحة» بين الولايات المتحدة وإسرائيل بمثابة عودة واضحة لنهج الرئيس باراك أوباما.
إن دعوة سوليفان تدعونا لإعادة فتح الجدال الذي لم يُحسم بعد، والذي بدأ حتى قبل أن يؤدي الرئيس جو بايدن اليمين الدستورية: هل يشق الرئيس الجديد طريقه في الشرق الأوسط أم أنه يسير على خطى أوباما؟ وحتى الآن، فإن أولئك الذين كانوا يخشون أن تصبح رئاسته ولاية ثالثة لأوباما قد ركزوا عيونهم الحذرة على روبرت مالي الذي اختاره الرئيس مبعوثاً لإيران. ففي أثناء خدمته في البيت الأبيض لأوباما، ساعد مالي في التفاوض على الاتفاق النووي الإيراني، وهو الذي سعى إلى التسويات مع طهران؛ هذه التسويات التي جاءت على حساب حلفاء أميركا في الشرق الأوسط. وفي مقالة لمجلة «فورين أفيرز»، كُتبت في 2019، أعرب مالي عن أسفه لأن أوباما فشل في التوصل إلى مزيد من هذه الإجراءات التيسيرية. وكتب مالي أن اتجاه سياسة أوباما جدير بالثناء، ولكن «اعتداله» كان عدواً لمشروعه. وكونه «أحد أنصار المنهج التدريجي»، فقد أشرف على «تجربة تم تعليقها في منتصف الطريق».
والآن، ينصح مالي -صاحب المقالة التي تقود المرء إلى تولي المسؤولية- بايدن بالمضي قدماً وبسرعة. ولكن من المؤكد أن الرئيس، وليس مبعوثه إلى إيران، هو الذي يحدد اتجاه السياسة ووتيرتها. وعلى مدار مسيرته المهنية في واشنطن التي امتدت لنصف قرن تقريباً، لم يوقف بايدن أبداً أياً من ملفات الراديكالية المتطرفة، وكذلك لم يفعل سوليفان، ولا وزير الخارجية أنطوني بلينكن. إن وجود هذا الزوج إلى جانب بايدن يشير لكثيرين إلى أن مالي لن يقوم بتوجيه دفة السياسة تجاه إيران. وبعد فترة وجيزة من الانتخابات، أشار أحد المخضرمين في واشنطن إلى أن «بلينكن وسوليفان هما بالتأكيد من الجناح الأكثر اعتدالًا في الحزب، وهذا أمر مطمئن».
وفي جلسة الاستماع بمجلس الشيوخ التي تمت في يناير (كانون الثاني) الماضي، واصل بلينكن طمأنته من خلال التعبير عن نيته إصلاح عيوب خطة العمل الشاملة المشتركة، المعروفة بالاتفاق النووي الإيراني. وفي الشهر التالي، ذكرت «فورين بوليسي» أن انقساماً حدث داخل الحكومة، حيث حقق سوليفان وبلينكن الآمال المعلقة عليهما. فعندما أيَّد مالي إعطاء «حوافز» لإيران لإقناعها بالعودة بسرعة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة، سيطر سوليفان وبلينكن على النقاش، من خلال «اتباع نهج أكثر تشدداً».
وخلال الشهر الماضي، أصبح هذا المسار أكثر صعوبة -كما كان من الصعب رؤيته. ففي 2 أبريل (نيسان)، أجرى مالي مقابلة مع قناة «بي بي إس» أثارت الدهشة في القدس والرياض، وفي الكونغرس. وقبل المحادثات النووية في فيينا، حيث كان الأوروبيون على وشك استضافة مفاوضات غير مباشرة بين مسؤولي بايدن وممثلين إيرانيين حول إحياء خطة العمل الشاملة المشتركة، أعرب مالي عن حرصه على رفع العقوبات الأميركية عن إيران، وضمان «تمتع إيران بالمزايا التي كان من المفترض أن تحصل عليها وتتمتع بها بموجب الاتفاق». وحول المقابلة، قال مسؤول إسرائيلي كبير لم يذكر اسمه: «إذا كانت هذه هي السياسة الأميركية، فنحن قلقون».
هذا وقد تعجب عملاء المخابرات الإسرائيلية بسبب تلك العبارة عندما قاموا بتخريب مولد طاقة في منشأة التخصيب النووي الإيرانية في نطنز. وبينما أضرت العملية ببرنامج إيران النووي، أشارت أيضاً إلى معارضة إسرائيل للموقف الأميركي في محادثات فيينا.
إن الأصوات التحذيرية في القدس لها ما يبررها، حيث كان البيان الصادر في الأول من مايو (أيار) الحالي من عباس عراقجي، كبير المفاوضين الإيرانيين في فيينا، بمثابة نقطة بداية. فقد ادعى أن المفاوضين الأميركيين وافقوا بالفعل من حيث المبدأ على إزالة العقوبات المفروضة على قطاع الطاقة الإيراني، وصناعة السيارات، والخدمات المالية، والصناعة المصرفية، والموانئ -من أجل إزالة، بعبارة أخرى، جميع العقوبات الاقتصادية الأكثر أهمية على الإطلاق التي فُرضت على إيران. إن التصريحات الأخيرة لمسؤولي إدارة بايدن لا تقدم لنا أي سبب لعدم تصديق عراقجي، والآن أصبح الرهان الذكي متمثلاً في إحياء كامل لخطة العمل الشاملة المشتركة في وقت قصير نسبياً.
لكن حتى الإسرائيليين لم يستوعبوا النطاق الكامل والحجم الكامل لتكيف بايدن مع إيران. والمشكلة لا تكمن في أن سوليفان وبلينكن يفشلان في كبح جماح مالي، بل في أنهما يسيران بخطى ثابتة معه. ويسود إجماع داخل الإدارة، ليس فقط على خطة العمل الشاملة المشتركة، ولكن على كل مسألة كبيرة تتعلق باستراتيجية الشرق الأوسط: يتفق الجميع، بداية من الرئيس إلى المسؤولين الأقل درجة، على ضرورة استكمال ما بدأه أوباما، مما يعني أن الأسوأ لم يأتِ بعد.
فإذا لم تكن السيطرة التي يمارسها مشروع أوباما على كل عقل في إدارة بايدن واضحة بالفعل، فذلك لأن الارتباك لا يزال يسود حول الطبيعة الحقيقية للمشروع. هل تشك في ذلك؟ إذن، أجرِ الاختبار القصير التالي المكون من سؤال واحد: إلى ماذا، على وجه التحديد، كان روبرت مالي يشير عندما تحدث عن «تجربة» أوباما نصف المكتملة؟
إذا أجبت بخطة العمل الشاملة المشتركة، فأنت على خطأ. وإذا قلت: تحسين العلاقات مع إيران، فإنك تحصل على درجات أعلى من ذلك بكثير، لكنك ما زلت لم تقدم الإجابة الصحيحة.
كتب مالي أن «الهدف النهائي» للرئيس كان «مساعدة الشرق الأوسط على إيجاد توازن أكثر استقراراً للقوى يجعله أقل اعتماداً على التدخل المباشر للولايات المتحدة أو طلب حمايتها»؛ هذه طريقة ملتوية للقول إن أوباما يحلم بنظام شرق أوسطي جديد، نظام يعتمد أكثر على الشراكة مع إيران.
وما زال الحلم مستمراً. ففي مايو 2020، بعد ستة أشهر من كتابة مالي مقاله في مجلة «فورين أفيرز»، كتب سوليفان، بصفته مستشاراً لحملة بايدن الرئاسية آنذاك، وشارك في كتابة مقاله الخاص الذي وضع استراتيجية للشرق الأوسط. ويتمثل الهدف الذي قام بشرحه في أن يكون «أقل طموحاً» من الناحية العسكرية «ولكن أكثر طموحاً في استخدام النفوذ والدبلوماسية الأميركية للضغط من أجل تخفيف التوترات. وفي نهاية المطاف، هي طريقة مؤقتة جديدة بين اللاعبين الإقليميين الرئيسيين». فإذا استبدلنا بكلمة «توازن» كلمة «تسوية مؤقتة»، وإذا أدركنا أن «خفض التصعيد» و«الدبلوماسية» يتطلبان تعاوناً مع إيران، فإن رؤية سوليفان مطابقة لـ«الهدف النهائي» لأوباما، كما وصفه مالي. وشدد سوليفان على هذا التكافؤ عندما عرف هدف خطته على أنه «تغيير دور الولايات المتحدة في نظام إقليمي ساعدت في إنشائه».
ويستحق هذا المشروع الخاص بإنشاء نظام شرق أوسطي جديد الذي يمتد الآن عبر إدارتين رئاسيتين أن نعطيه اسماً. إن «مبادرة أوباما - بايدن - مالي - بلينكن - سوليفان» خيالية مبهمة إلى حد كبير. وبدلاً من ذلك، نطلق عليها «تصحيح المسار». وهذا الأمر يجب أن يقع على عاتقنا، وفي هذا الوقت المتأخر؛ كما أن تسمية مشروع عمل يضم كثيراً من الموهوبين الذين يعملون بشكل أفضل على مدار عقد من الزمان يبدو أكثر من غريب بعض الشيء. فعادة ما يطلق الرؤساء مبادرات كبيرة، مثل هذه المبادرة مع منحها عنوان رئيسي، ويقومون بتجميل رؤيتهم بعشرات الخطب والمقابلات الأصغر. ويتم البحث عبثاً عن خطاب أوباما عن «نظام جديد في الشرق الأوسط».

روبرت مالي في فيينا الأسبوع الماضي

ويبدو واضحاً أن أوباما شعر أن مشروعه سيتقدم بشكل أفضل من خلال التخفي والتضليل، وليس من خلال براعة البيع العدائية. ويستخدم بايدن قواعد اللعبة نفسها، مع الحفاظ على فريق السياسة الخارجية لأوباما للولاية الثانية على حاله تقريباً. ويدرك هو ومساعدوه أن التشويش حول «الهدف النهائي» يجعل تحقيقه أسهل. وفي الواقع، يبدو أن التشويش هو أفضل صديق لتصحيح المسار.
إن فكرة كون الهدف «محسوب على التشويش» من شأنها أن تجعل منه ذكرى حزينة مناسبة لخطة العمل الشاملة المشتركة، إذا كان من المفترض خلط هذا الملف المميت. في 159 صفحة، تحتوي على خمسة ملاحق، مليئة بصفقات جانبية سرية، كانت هذه الخطة معبأة في ملف واحد يحتوي على أمور مشوِّشة من شأنها أن تبقي الجمهور الأميركي مرتبكاً على مدار السنوات الست الماضية. وعلى الرغم من أن خطة العمل المشتركة الشاملة ليست سوى عنصر واحد من مشروع أوباما الكبير، فإن دورها لا غنى عنه.
لنبدأ بما لم تقُم به خطة العمل الشاملة المشتركة. فعلى عكس ما ادعى واضعوها منذ عام 2015، فإن الخطة لم تمنع كل مسارات الوصول إلى سلاح نووي إيراني. كيف يمكن ذلك؟ إن ما يسمى «بنود انقضاء المدة» المنصوص عليها في الاتفاق -البنود التي تلغي جميع القيود ذات المعنى على برنامج إيران النووي- ستدخل جميعها حيز التنفيذ في أقل من عقد من الزمان. وستختفي بعض أهم القيود بحلول عام 2025. وبحلول عام 2031، سيكون لدى الجمهورية الإسلامية، في ظل حماية ومساعدة دولية، برنامج أسلحة نووية غير مقيد، يعتمد على قدرة على التخصيب النووي للاستخدام في الأغراض الصناعية. وعلى أساس هذه الحقيقة وحدها، أفضل ما يمكن للمرء أن يقوله عن الاتفاق هو أنه يشتري عقداً من التحرر من الابتزاز النووي الإيراني.
ولكن حتى هذا الادعاء المتواضع لم يصمد أمام إمعان النظر، إذ يسمح الاتفاق ببرنامج بحث وتطوير قوي، وعدم تدمير المنشآت (مثل المخبأ المحصن في الجبال في فوردو) التي هي بلا منازع جزء من برنامج نووي عسكري، وليس مدني. بمعنى آخر، تسعى إيران إلى تحقيق طموحاتها في الحصول على أسلحة نووية حتى خلال هذه الفترة من القيود المفترضة، وبرنامجها مستمر، كما يرى أي قارئ صحيفة، ليكون ذلك بمثابة أداة من أدوات الابتزاز.
إن إخفاقات الاتفاق صارخة لدرجة أن مسؤولي بايدن لا ينفون وجود المشكلة. وبدلاً من ذلك، يتظاهرون بوجود حل. إذن، ما خطتهم؟ «متابعة تنفيذ الاتفاق»! إنهم يزعمون أن خطة العمل الشاملة المشتركة هي المرحلة الأولى في عملية متعددة المراحل، مثل منتج وادي السيليكون الذي ينتظر الترقية.
وفي مقاله المنشور في «فورين أفيرز»، كان سوليفان أول من طرح فكرة «المتابعة». حينها، وعد بلينكن، خلال جلسة الاستماع في مجلس الشيوخ في يناير (كانون الثاني)، وفي أثناء انعقاد المؤتمر الصحافي في أول يوم له في المنصب، بالعمل من أجل «اتفاقية أطول وأقوى».
«الإطالة والقوة مع سوليفان وبلينكن!» سيكون شعاراً جذاباً إذا كان لدى الإصدار الثاني من خطة العمل الشاملة المشتركة فرصة على أرض الواقع. لكن إدارة بايدن تصر على أنها لن تثير فكرة اتفاقية أطول وأقوى حتى بعد الاستعادة الكاملة لخطة العمل الشاملة المشتركة الأولى. ومع ذلك، كما أشرنا، فإن خطة العمل الشاملة المشتركة الأولى تلغي بسرعة جميع القيود المهمة المفروضة على برنامج إيران النووي -بشكل دائم، وبموافقة دولية. فمن خلال منح طهران كل ما تريده مسبقاً، فإن خطة العمل الشاملة المشتركة الأولى تلغي خطة العمل الشاملة المشتركة الثانية.
ويدعي سوليفان وبلينكن أنهما أدركا العيوب البشعة لخطة العمل الشاملة المشتركة، حتى وهما يتعرقان ويكدحان لإحيائها من القبر حيث دفنها دونالد ترمب. وزاد الشعور بالراحة التي منحوها للعقول القلقة عندما، وفقاً لتقرير «فورين بوليسي» الصادر في فبراير (شباط) الماضي، خالفوا مالي، رافضين مطالبة إيران بأن ترفع الولايات المتحدة جميع العقوبات، في شرط مسبق للعودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة. لقد كنا نعتقد أن الرجال من أصحاب الفهم هم أيضاً رجال حقيقيون.
ولكن هذا التقرير صرف الأنظار الساهرة عن القصة الحقيقية: المساومة بين واشنطن وطهران التي بدأت في اللحظة التي تولت فيها الإدارة السلطة. فحتى قبل بدء مفاوضات فيينا في أبريل (نيسان)، كانت الرسائل تشق طريقها من طهران إلى واشنطن، من خلال وسطاء توسطوا بأفكار حول كيفية تخفيف الولايات المتحدة للعقوبات من دون رفعها رسمياً.
ونتيجة لذلك، قام سوليفان وبلينكن بتسليم حزمة الحوافز إلى طهران -الكثير منها. ولإعطاء بعض الأمثلة فقط، نذكر ما يلي: أسقطت إدارة بايدن الاعتراضات الأميركية على قرض من صندوق النقد الدولي بقيمة 5 مليارات دولار تم منحها لإيران؛ ألغت سياسة الأمم المتحدة في عهد ترمب التي أطلقت ما يسمى الآلية الانتقامية -وهي خطوة لإعادة فرض العقوبات الدولية على إيران بسبب انتهاكها للاتفاق؛ أفرجت عن أموال النفط الإيرانية المجمدة في كوريا الجنوبية والعراق وسلطنة عمان. وتنذر هذه الخطوات بنهاية وشيكة لنظام العقوبات، مما شجع الصينيين على شراء النفط الإيراني بمعدل أعلى بكثير من أي وقت مضى منذ عام 2017. وفي ظل هذه الخلفية، جاءت مقابلة مالي في 2 أبريل (نيسان) على قناة «بي بي إس» التي عبر فيها عن حرصه على رفع جميع العقوبات في أسرع وقت ممكن.
جاء حماس الإدارة لاستيعاب إيران إلى أقصى حد بمثابة صدمة لكثير من المراقبين، ومن بينهم السيناتور جيمس إينهوف من أوكلاهوما، العضو الجمهوري البارز في لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، الذي أصدر بياناً يتهم الإدارة بخرق كلمتها. لقد وصف إينهوف والإسرائيليون وعدد لا يحصى من الآخرين خطاب بلينكن بالخاطئ، بصفته خطة فعلية لاستخدام النفوذ الذي بناه ترمب لـ«إصلاح» الاتفاق النووي.
ولكي نكون منصفين، ذكر بلينكن دائماً أن الإدارة تعتزم العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة. وفي هذا الإطار، لم يكذب هو ولا سوليفان ولا أي مسؤول إداري آخر، لكنهم شجعوا الناس بشكل استراتيجي على الاعتقاد أن الأشياء التي يعرفونها لم تكن -ولن تكون- أبداً صحيحة.
لقد ذهبت خداعاتهم إلى ما هو أبعد من الأسئلة النووية الضيقة. وعلى عكس مزاعم الإدارة الأميركية، فإن خطة العمل الشاملة المشتركة تنهي جميع العقوبات الأكثر ضرراً على إيران -النووية وغير النووية على حد سواء. فبفضل أحد بنودها المبكرة، أنهت خطة العمل المشتركة الشاملة بالفعل حظراً دولياً على مبيعات الأسلحة التقليدية لإيران، مما أتاح لطهران سبلاً لتوسيع تعاونها الدفاعي مع روسيا والصين. ونظراً لأن «الحرس الثوري» سيزداد ثراءً من مبيعات النفط، فإن شراكاته الدولية ستزداد قوة أيضاً. وستتوسع شبكة الميليشيات المحيطة بإسرائيل وحلفاء أميركا العرب، وستصبح لدغتهم التي يتم إطلاقها بأسلحة دقيقة التوجيه أكثر سُمِّية. كما تتفاقم صعوبة احتواء مشروع إيران الإقليمي بسبب دعم الأصدقاء الأقوياء مثل روسيا والصين. إن هذا التحليل لا يمثل نظرية، ولكنه رأي مبني على الحس السليم.
إن عمليات الخداع المحيطة بخطة العمل الشاملة المشتركة لها هدف واضح: جعل الإدارة تبدو داعمة للاحتواء، بينما أنها -في الواقع- تنهيه. لكن لماذا يشعر المسؤولون مثل بلينكن وسوليفان بالارتياح تجاه مثل هذه الازدواجية؟ تتطلب الإجابة عن هذا السؤال الدخول في عقلية تصحيح المسار. تقدم مقالات «فورين أفيرز» بالتأكيد طريقة واحدة للدخول، ولكن الطريق المباشر للفهم يتمثل بالفعل في الدخول من خلال عقل باراك أوباما، مؤلف السياسة التي ينهجها بلينكن وسوليفان.
سوليفان وبلينكن في البيت الأبيض مارس الماضي
سوليفان وبلينكن في البيت الأبيض مارس الماضي
لقد تبلورت عقلية تصحيح المسار بالكامل في 31 أغسطس (آب) 2013، وهو اليوم الذي أزال فيه أوباما خطه الأحمر بشأن استخدام سوريا للأسلحة الكيماوية. وكان أوباما قد رسم الخط الأحمر للمرة الأولى للعمل العسكري الأميركي في صيف 2012، بعد تلقيه تقارير تشير إلى أن الديكتاتور السوري بشار الأسد كان إما يستخدم أو يستعد لاستخدام الأسلحة الكيماوية ضد المدنيين. ورداً على ذلك، حث بعض مستشاري أوباما على زيادة الدعم للمتمردين الساعين للإطاحة بالأسد. وبدلاً من ذلك، رسم أوباما خطه الأحمر، آملاً في أن تتمكن موسكو وطهران من كبح جماح الأسد، وحينها لن يكون البيت الأبيض مضطراً إلى اتخاذ إجراء. لكن بعد عام واحد تقريباً، حطم الأسد آمال أوباما بهجوم بغاز السارين أسفر عن مقتل مئات المدنيين، ربما أكثر من ألف.
ومع ذلك، كان أوباما مصمماً -كما كان دائماً- على منع التدخل الأميركي في سوريا، والتمسك بمساعدة موسكو وطهران. وسأل نفسه: ماذا لو كانت الولايات المتحدة قادرة على العمل في شراكة أكبر مع روسيا وإيران لتحقيق الاستقرار ليس فقط في سوريا، ولكن أيضاً في بؤر التوتر الأخرى؟ وبعد كل شيء، كان هناك بالفعل ترتيب أميركي ضمني مع إيران في العراق، على أساس العداء المتبادل المفترض للمتطرفين السنة. ألا يمكن توسيع هذا النموذج ليشمل الشرق الأوسط بأكمله؟ يمكن للشراكة مع روسيا وإيران أن تعمل على استقرار هذه المنطقة المضطربة. ومع ذلك، فإن شن هجوم على سوريا سيعزل كلاً من موسكو وطهران، ويلحق الضرر بحلم أوباما في إقامة نظام إقليمي جديد.
وفي حين كان الجيش الأميركي يستعد لتنفيذ ضربة ضد نظام الأسد، بحث أوباما عن ذريعة لإلغائها. وقد وجد ذلك عندما تذكر فجأة واجبه الدستوري في السعي للحصول على إذن من الكونغرس للعمليات العسكرية. عرف أوباما أن الجمهوريين في الكونغرس سيرفضون الإذن بعمل عسكري، مما يجعلهم مسؤولين عن محو خطه الأحمر. برفض الجمهوريين لتنفيذ الضربة ضد نظام الأسد، أخبر بن رودس، أحد مساعديه عضو دائرته المقربة، بأنهم «سيضعون خنجراً في قلب المحافظين الجدد؛ سيرى الجميع أنه ليس لديهم أصوات».
لم يكن لدى أوباما أي مصلحة في إضعاف الوفاق الروسي - الإيراني. وبدلاً من ذلك، سعى إلى عرقلة «ارتباط القوى» (باستخدام المصطلحات السوفياتية) التي كان يعتقد أنها كانت تحاصره. وشملت هذه القوى، بالإضافة إلى مجموعات متنوعة في السياسة الداخلية الأميركية، حلفاء تقليديين في الشرق الأوسط، مثل إسرائيل والمملكة العربية السعودية وتركيا -وجميعهم منزعجون، كل لأسبابه الخاصة، من القوة الصاعدة للوفاق الروسي - الإيراني.
ومن جانبه، فهم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين معضلة أوباما. وسرعان ما قدم ذريعة قبلها أوباما عن طيب خاطر. وتظاهر الاثنان معاً بتجريد الأسد من أسلحته الكيماوية. ونقول «تظاهر» لأن المبادرة الروسية - الأميركية المشتركة كانت واجهة بوتين التي تهدف إلى وضع وجه مشرف على انسحاب أوباما. وفي مقابل جائزة الامتناع الأميركي عن توجيه ضربة ضد سوريا، كان بوتين أكثر سعادة بتدمير بعض أسلحة الأسد الكيماوية.
لكن بعض من هذه الأسلحة فقط. لقد قامت منظمة حظر انتشار الأسلحة الكيماوية، والمجموعة التي نفذت السياسة الأميركية - الروسية المشتركة، بتدمير الأسلحة الكيماوية التي أعلنها الأسد رسمياً فقط. وبالطبع لم يصرح الأسد رسمياً بكل شيء، وهي حقيقة أصبحت غير قابلة للدحض في أبريل (نيسان) 2017، عندما شن الأسد هجوماً آخر بغاز السارين، قتل هذه المرة ما يقرب من 100 شخص.
لكن بالنسبة لأوباما، كان ردع الأسد دائماً مصدر قلق ثانوي. لقد حقق الآن ما رآه أكبر جائزة على الإطلاق؛ أي أنه فتح طريق لتسوية استراتيجية مع إيران، حليف روسيا في سوريا. وقد ذكر رودس لأحد المراسلين في نهاية رئاسة أوباما: «لو كانت الولايات المتحدة قد تدخلت بقوة أكبر في سوريا، لكانت هذه الظروف ألقت بظلالها، وسيطرت على مجريات الأمور في ولاية أوباما الثانية، وكان من المستحيل تحقيق خطة العمل الشاملة المشتركة».
ومع بقاء مثال سوريا ثابتاً في أذهاننا، أصبحنا أخيراً في وضع يسمح لنا بتحديد ماهية خطة العمل الشاملة المشتركة بشكل حقيقي واقعي، وليس على نحو مشوش. كما يفهم من قبل واضعيه، فإن الاتفاق يشمل جانبين في وقت واحد: أولاً، هو وسيلة لسحب البرنامج النووي الإيراني من المسارات الرئيسية للعلاقات الأميركية - الإيرانية ووضعه جانباً، وبالتالي خلق مساحة سياسية ودبلوماسية لتفاعل أكبر بين واشنطن وطهران -وهو شرط أساسي لبناء النظام الإقليمي الجديد الذي يطمح إليه تصحيح المسار.
ثانياً، هو أداة لمحو خيار الاحتواء في السياسة الخارجية الأميركية. وقد فسر كثير من المحللين إلغاء العقوبات غير النووية من قبل خطة العمل الشاملة المشتركة على أنه نتاج مساومة غير ذات كفاءة. وقيل لنا مراراً إن المفاوضين الإيرانيين الماكرين خدعوا أوباما الساذج المسكين الذي لا يبدو أنه يدور برأسه حول مفهوم النفوذ في المفاوضات.
على العكس من ذلك، خدع أوباما الذكي المحللين بإخفاء خطة العمل الشاملة المشتركة على أنها اتفاقية لحظر انتشار الأسلحة النووية. وفي الواقع، كان الاتفاق هجوماً مباشراً على السياسة الخارجية الأميركية التقليدية. لقد كان -ولا يزال- حصان طروادة مصمماً لإعادة تشكيل مكانة أميركا ودورها في الشرق الأوسط. وتتمثل مهمة سوليفان وبلينكن في دفع حصان طروادة إلى الميدان المركزي للسياسة الخارجية الأميركية، من خلال التلويح بمؤهلاتهم السياسية «الوسطية» والتسويق لها على أنها وسيلة احتواء غير كاملة، ولكنها قيّمة.
يعتمد مبدأ تصحيح المسار على الافتراض الخاطئ بأن إيران هي قوة الوضع الراهن، قوة تشترك في عدد من المصالح الرئيسية مع الولايات المتحدة. ووفقاً لهذه العقيدة، يركز الأميركيون المحافظون وأنصار إسرائيل على آيديولوجية إيران -الغارقة في التعصب الأعمى تجاه غير المسلمين بشكل عام، التي تعلن عن تطلعاتها في الإبادة تجاه الدولة اليهودية بشكل خاص- ولكنها ليست مفيدة بصفتها دليلاً عملياً لسلوك طهران. هذا ما علمنا إياه السيد أوباما في مقابلة عام 2014، عندما ادعى أن قادة إيران «استراتيجيون»، وهم أناس عقلانيون «يستجيبون لمبادئ التكاليف والفوائد... والحوافز».
وفي مقابلة أخرى، ذكر أوباما أنه كان على حلفاء الولايات المتحدة أن يتعلموا «مشاركة الجوار» مع إيران. لقد كان عداؤهم يمنع واشنطن من الوصول إلى الأبعاد الأكثر براغماتية لطابع الحكومة الإيرانية. تتغذي إسرائيل وتركيا والمملكة العربية السعودية على مخاوف وطموحات ضخمة تجذبهم إلى حروب الظل مع إيران. وبسبب الولاء المفرط لحلفائها، سمحت أميركا لنفسها بالانجرار إلى دعم حروبهم، مما أدى إلى توتر العلاقات الأميركية - الإيرانية من دون داعٍ، بينما أدى ذلك في الوقت نفسه إلى تفاقم الصراعات المحلية.
وفقاً لنظرية تصحيح المسار، ستساعد أميركا حلفاءها في حماية أراضيهم السيادية من الهجمات الإيرانية أو المدعومة من إيران، ولكن لن تتنافس مع إيران خارج حدودها. وفي المناطق المتنازع عليها في سوريا واليمن والعراق، ستجبر الولايات المتحدة الآخرين على احترام «الحصص» الإيرانية، وهو مصطلح كان أوباما ذات مرة يستخدمه لوصف مواقع القوة الإيرانية. وبالتالي، ومن الناحية العملية، ستستخدم أميركا نفوذها لإعلاء مصالح إيران على مصالح حلفاء الولايات المتحدة في المناطق الرئيسية من الشرق الأوسط.
وفي الداخل، بدت هذه السياسة مثيرة للجدل، على أقل تقدير، كما تتطلب تطوير تكتيكات لتمويه الميل نحو طهران. ويعد تقديم خطة العمل المشتركة الشاملة على أنها اتفاقية ضيقة للحد من الأسلحة من أهم هذه التكتيكات، لكن هناك تكتيكين آخرين جديرين بالملاحظة بشكل خاص.
الأول هو عناق الدب: وهو عبارة عن ضغط يمكن تقديمه للعالم الخارجي بصفته بادرة حب، لكنه يشل حركة متلقيه. أتقنت إدارة أوباما التحرك تجاه إسرائيل خلال مفاوضات خطة العمل الشاملة المشتركة. وتباهى المسؤولون الأميركيون بشكل روتيني بأنهم رفعوا العلاقات العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل إلى آفاق جديدة باهرة. وكي نكون منصفين، فإن هذا الادعاء ليس عارياً تماماً عن الصحة، وذلك بفضل المشاريع المشتركة، مثل نظام الدفاع الصاروخي المسمى (القبة الحديدية) الذي يسمح لإسرائيل بحماية أراضيها من الهجمات الصاروخية التي ترعاها إيران. ولكن إذا كانت القبة الحديدية هي المظهر المحب على ما يبدو لعناق الدب، فإن الجزء الذي يعيق الحركة كان تثبيطاً قوياً للعمليات العسكرية والاستخباراتية الإسرائيلية ضد برنامج إيران النووي وشبكتها العسكرية الإقليمية. لقد جعل أوباما كليهما يبدوان أقل أهمية من خلال الإشارة باستمرار إلى القبة الحديدية التي أصبحت أداة أميركية لإجبار إسرائيل على اتخاذ موقف أكثر سلبية في مواجهة قوة إيران المتزايدة وعدوانها المستمر.
عناق الدب هو أيضاً أداة لإلقاء الضوء على النقاد الذين يزعمون بدقة أن تصحيح المسار يمثل شجاعة سياسة الاحتواء. فالتوفير المستمر للمساعدات الأمنية الأميركية للحلفاء يسمح للإدارة بأن تدعي بشكل معقول أن الاحتواء ما زال قائماً وبصحة جيدة، وأن الولايات المتحدة بالفعل «تقاوم» أنشطة إيران المزعزعة للاستقرار، وأنها بعيدة عن التخلص من حلفائها القدامى، وأنها ملتزمة بسلامتهم.
ويتمثل التكتيك الثاني في خدعة القيم. فعندما تميل واشنطن نحو إيران، فإنها تخفي دوافعها الحقيقية بتصريحاتها حول النزعة الإنسانية السامية -فتتوقف عن أن تكون قوة عظمى. وبدلاً من ذلك، أصبحت ممرضة بين الدول، مستنكرة المعاناة الإنسانية، مرددة عبارات مثل: «لا يوجد حل عسكري لهذا الصراع». تحث خدعة القيم الحلفاء، وبشكل علني، على عدم التراجع أمام إيران، ولكن الانخراط في «النقاط الثلاث»: الدبلوماسية والحوار ووقف التصعيد. هذا الثلاثي الذي نشره أوباما للمرة الأولى في سوريا يتراجع الآن بشكل روتيني عن التعبير عنه على ألسنة مسؤولي بايدن الذين سايروا الخطة المقدمة في مقال سوليفان في «فورين أفيرز»، إذ إنهم منشغلون في تشجيع حلفاء أميركا على الجلوس والتفاوض مع الإيرانيين.
جانب من مفاوضات إعادة إحياء الاتفاق النووي في فيينا
جانب من مفاوضات إعادة إحياء الاتفاق النووي في فيينا
وقد قال حسن نصر الله مطلع الشهر الحالي: «نحن ندعم أي حوار إيراني مع قوى دولية أو إقليمية أو عربية، ونعده مفيداً في تهدئة التوتر في المنطقة». إن زعيم «حزب الله» اللبناني، أكثر الميليشيات المدعومة من إيران فتكاً في العالم العربي، يوافق بشدة على خطة سوليفان. ولمَ لا يقوم بذلك؟ فالدبلوماسية والحوار ووقف التصعيد تحول إيران ووكلاءها إلى شركاء أميركا في شكل «دبلوماسية السلام»، ويحولون أولئك الذين يسعون لاحتوائهم إلى أعداء للسلام متعطشين للدماء.
الآن، وبعد أن أصبح بإمكاننا رؤية ما وراء الحيل اللطيفة التي تخفي الأهداف الحقيقية لتصحيح المسار، يمكننا تحديد ضروراتها الاستراتيجية الأربع بلغة بسيطة سهلة: أولاً، السماح لطهران ببرنامج أسلحة نووية غير مقيد بحلول عام 2031. ثانياً، إنهاء العقوبات المفروضة على النظام الاقتصادي والمالي الإيراني. ثالثاً، تنفيذ سياسة استيعاب إيران ومخالبها في العراق وسوريا واليمن ولبنان. رابعاً، فرض تلك السياسة على أقرب حلفاء أميركا. وإذا اتبعت الولايات المتحدة هذه الوصايا، فسيحدث نوع من التوازن الإقليمي الطبيعي. إن الولايات المتحدة، كما يذهب التفكير، ستخرج نفسها أخيراً من قاعدة الحرب التي فرضها عليها الحلفاء التقليديون، بأجندتهم المعادية لإيران. وبعد ذلك، سيكون التواصل الدبلوماسي مع إيران هو الأداة الأساسية اللازمة للحفاظ على الاستقرار الإقليمي (إذا كنت تشك في هذا الأمر، فامنح مقالات مالي وسوليفان في «فورين أفيرز» قراءة أكثر تعمقاً).
يستند تصحيح المسار، بعبارة ملطفة، إلى نظرية جوفاء. إنه يخطئ في ذكر طبيعة الجمهورية الإسلامية ونطاق طموحاتها. فالنظام الذي قاد هتافات «الموت لأميركا» على مدى الأربعين سنة الماضية هو نظام رجعي عنيد، إذ ترى الجمهورية الإسلامية نفسها قوة عالمية زعيمة للعالم الإسلامي، وتطمع في الهيمنة على الخليج الفارسي -والشرق الأوسط بأكمله في الواقع. لكن الأداة الوحيدة التي امتلكتها لتحقيق أهدافها هي التخريب الإقليمي.
إن آية الله خامنئي، رئيس هذا المشروع الضخم، هو سيد الفوضى. وبعد النفط، يُعد عنصر التصدير الرئيسي للجمهورية الإسلامية هو الميليشيا الإرهابية التي يقودها «الحرس الثوري» الإيراني -وهي الصادرات الوحيدة التي تنتجها إيران باستمرار على مستوى منقطع النظير. لقد أخطأ مالي وسوليفان تماماً عندما جادلوا، في الواقع، بقولهم إن الحلفاء يغرقون الولايات المتحدة في صراع مع إيران. ليس الحلفاء، بل الجمهورية الإسلامية هي التي تملأ العالم العربي بالميليشيات الإرهابية، وتسلحها بأسلحة دقيقة التوجيه، وتصف التحالف الذي تقوده بـ«محور المقاومة». إنها تفعل ذلك لسبب واحد بسيط: إنها تسعى في الخارج إلى تدمير النظام الأميركي في الشرق الأوسط.
فشبكة الميليشيات الإيرانية والبرنامج النووي جعلاها قوية بما يكفي لتكون عاملاً رئيسياً في كل ركن مضطرب في الشرق الأوسط، ولكن ليس بالقوة الكافية لبناء نظام بديل. وهنا يكمن تناقض غريب في مشروع خامنئي. ولا يمكن لإيران في الواقع الاحتفاظ بالمناطق المتنازع عليها أو استقرارها من دون موقف أميركي مفيد.
هذا التناقض نفسه يربك تصحيح المسار الذي يعتقد واضعوه أن الشراكة مع إيران هي تذكرة عبور لإنهاء التدخلات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط. لكن تجارب كل من العراق وسوريا أثبتت مغالطة هذه الرؤية. ففي عهد أوباما، عندما سحبت الولايات المتحدة قواتها من العراق، زاد نفوذ إيران بشكل كبير. وما الذي حدث؟ انتشرت الميليشيات المدعومة من إيران مثل الأعشاب عبر الأرض، وخلقت الفوضى التي أعقبت ذلك الفراغ الذي ملأه تنظيم داعش، مما أجبر أوباما على إعادة التدخل عسكرياً -ولكن الآن مع الخدمة العسكرية الأميركية، في الواقع، بصفتها قوة جوية لميليشيات إيران. لم ينهِ أوباما التدخلات العسكرية، لقد بدّل جوانبها وجهاتها.
لقد حدثت عملية مماثلة في سوريا. فمن أجل إنقاذ نظام الأسد، لم تكن إيران بحاجة فقط إلى تدخل الجيش الروسي لتعزيز موقفها ضد قوات المعارضة السورية، ولكن إلى مساعدة الولايات المتحدة. لقد أبقى أوباما كلاً من تركيا وإسرائيل في مأزق، بينما قتل الروس والإيرانيون والميليشيات الإيرانية أكثر من 500 ألف شخص، وهجَّروا 10 ملايين آخرين من منازلهم.
لقد اختبر أوباما وموظفوه -الذين هم الآن موظفو بايدن- بالفعل إمكانات تصحيح المسار. لقد جلبت المعاناة والموت فقط، ناهيك من الضعف العام للموقف الأميركي.
وتفسر السياسة الداخلية جزئياً الاعتقاد الذي تمارسه هذه النظرية الفارغة على العقول اللامعة. كان تصحيح المسار هو المبادرة المميزة لباراك أوباما الذي بقي إما الرجل الأقوى في السياسات الديمقراطية أو في المرتبة الثانية. وبفوزه بالرئاسة، يصبح بايدن زعيم الحزب اليوم، لكنه مدين بكثير من شعبيته الشخصية، بالإضافة إلى الفوز نفسه، لرئيسه السابق.
ينص المخطط التنظيمي لوزارة الخارجية على أن مالي مسؤول عن رفع التقارير إلى وزير الخارجية. ما لا يكشفه المخطط التنظيمي هو أن مالي، بصفته حارس شعلة أوباما في إيران، يقدم تقاريره إلى بلينكن عبر أوباما في الحقيقة. أما سوليفان، فيرفع تقاريره إلى بايدن مباشرة، لكن قدرته على الخروج عن أجندة أوباما محدودة بحقيقة بسيطة من حقائق الحياة. فكما لاحظ سوليفان نفسه في مقابلة أجراها في ديسمبر (كانون الأول): «لقد وصلنا إلى نقطة تكون فيها السياسة الخارجية هي السياسة الداخلية، والسياسة الداخلية هي السياسة الخارجية».
فاز بايدن في المجمع الانتخابي بـ45 ألف صوت فقط، موزعة على ثلاث ولايات بهامش ضئيل للغاية. ولا يزال بحاجة ماسة إلى دعم أوباما الذي يستطيع وحده أن يربط الحزب الديمقراطي بجناحه التقدمي وجناح كلينتون. وعلاوة على ذلك، إذا كانت القوة هي القدرة على إقناع الشخص بأن نجاحه في المستقبل يتطلب إبقاءه سعيداً في الوقت الحاضر، فإن لدى أوباما كثيراً من السلطة المباشرة على سوليفان. إذا كان سوليفان يطمح إلى العمل وزيراً للخارجية أو وزيراً للدفاع يوماً ما، فهو يعلم أن أوباما سيظل وسيطاً قوياً في السياسة الديمقراطية لفترة طويلة بعد مغادرة بايدن المشهد السياسي.
إن الثقل السياسي لتصحيح المسار لا ينبع فقط من الدعم الشخصي لأوباما، ولكن أيضاً من دعم التقدميين. فهو يوازن بين سياسة احتواء إيران وطريق يقود إلى حرب لا نهاية لها، ويحول سياسة تكييف إيران إلى طريق السلام. إنه يختزل تعقيدات الشرق الأوسط إلى حكاية أخلاقية مانوية تضع التقدميين في مواجهة أعدائهم الأسطوريين من المسيحيين الإنجيليين و«المحافظين الجدد» والصهاينة. ويصور تصحيح المسار هؤلاء الأعداء على أنهم متآمرون مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ويخططون لإبقاء أميركا غارقة في الشرق الأوسط.
إن الدور الذي يلقيه «تصحيح المسار» لإسرائيل يخضع لتدقيق شديد. فقد دعا سوليفان، في مقاله المنشور في «فورين أفيرز»، إلى منع حلفاء الولايات المتحدة من جعل السياسة الأميركية «رهينة المطالب الإقليمية المتطرفة» فيما يتعلق بخطة العمل الشاملة المشتركة. ومع ذلك، امتنع سوليفان عن ذكر إسرائيل، الدولة الأكثر صخباً وفاعلية في تقديم مثل هذه المطالب. هذا الإغفال، بالطبع، ليس من قبيل الصدفة.
ويجب أن نقول إن التقدمية المعاصرة أقل حماسة للصهيونية. ويتمثل أحد أهدافها العزيزة في تقليص الدعم الأميركي لإسرائيل، ويساعدها تصحيح المسار على تحقيق هذا الطموح -لكنها تفعل ذلك بشكل خبيث. فهي تمتنع عن جعل معادتها للصهيونية صريحة خوفاً من إثارة معارضة المشروع بين الأميركيين المؤيدين لإسرائيل إلى حد كبير. ولكن من خلال تطوير العلاقات مع إيران، فإن تصحيح المسار بحكم الضرورة يقلل من مكانة الدولة اليهودية.
وستعتمد كيفية رد إسرائيل على هذا التقليص من مكانتها على كيفية حل أزمتها الداخلية الطويلة التي ميزتها أربعة انتخابات في غضون عامين. ومن المؤكد أن كارهي نتنياهو في إدارة بايدن سيسعدون إذا أطيح به من السلطة، وخلفه شخص لديه خبرة أقل في السياسة الخارجية مثل يائير لبيد. يعتقد البيت الأبيض أن إسرائيل ما بعد نتنياهو ستعمل على تلبية مطالبها الرئيسية. ومع ذلك، إذا ظل نتنياهو في السلطة (أو إذا خلفه شخص لديه التصرف نفسه تجاه إيران)، فلن يقبل الإسرائيليون بسهولة الدور المتناقص الذي كلفهم به تصحيح المسار.
وفي حين يتحرك بايدن بسرعة لوضع نتنياهو (أو خليفة له التفكير نفسه) في عناق الدب، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي ينحني ويلوي ويهز، وأحياناً يلقي مرفقاً حاداً ويركل بساقه. وسينفي كل من بايدن ونتنياهو، كل بحسب أسبابه المحلية، عمق الصراع. فالابتسامات العريضة، وأمارات الصداقة، وكثير من حركات الأقدام المذهلة (كلها تم إنتاجها لصالح الكاميرات) ستحول مباراة المصارعة هذه إلى رقصة تانغو ملتوية.
وستنتقل رقصتهما عبر خمس نقاط ساخنة -وهي التوترات الخمس التي لا يمكن حلها بين القدس وواشنطن التي يخلقها «تصحيح المسار». النقطة الأولى تتمثل بالطبع في خطة العمل الشاملة المشتركة، فالإسرائيليون من جانبهم سيحاولون منع الخلاف من تعكير جو التعاون بشكل عام، لكنهم لن يمتنعوا عن كشف عيوب الاتفاق للعالم، خاصة للكونغرس. ومن ثم، تنفث خطة العمل المشتركة الشاملة جواً من عدم الثقة في العلاقات الأميركية - الإسرائيلية سيزداد قوة مع استمرار إسرائيل في القيام بأعمال سرية داخل إيران، وسيكون رد فريق بايدن -كما رأينا بالفعل- هو الحث على ضبط النفس، وبالتالي توليد نقطة الاشتعال الثانية.
وقد كان الهدف الأساسي للعمليات الإسرائيلية السرية تاريخياً تخريب برنامج إيران النووي، ولكن في الآونة الأخيرة عملت أيضاً بصفتها وسيلة للإعلان عن عيوب خطة العمل الشاملة المشتركة، وفضح الغش الإيراني. وتعمل الحملة الإسرائيلية السرية الآن أيضاً بصفتها دعاية، إذ تُظهر معارضة تصحيح المسار الخاص ببايدن. وقد تزامن التخريب الأخير لمحطة الطاقة النووية في نطنز، وهو مثال على ذلك، ليس فقط مع المفاوضات في فيينا حول خطة العمل الشاملة المشتركة، ولكن أيضاً مع زيارة وزير الدفاع لويد أوستن إلى القدس. لقد أحرجت العملية واشنطن، لا سيما من خلال دحض ادعائها أن الطريقة الوحيدة لمنع الحرب هي إضفاء الشرعية على برنامج إيران النووي. وإذا كان بإمكان إسرائيل الضئيلة تخريب أكثر منشآت إيران أماناً من تلقاء نفسها من دون إشعال فتيل حرب، فما الذي يمكن أن تنجزه أكثر بمساعدة نشطة من الولايات المتحدة؟
من جانبها، ردت إدارة بايدن على الإحراج بإصدار توبيخ خاص لإسرائيل، فيما دعت إلى مزيد من التنسيق وسياسة «اللا مفاجآت» المتفق عليها. وهناك ديناميكية مماثلة تظهر على نقطة الاشتعال الثالثة -أي الاشتباك بين واشنطن والقدس بشأن الهجمات الإسرائيلية على أهداف عسكرية إيرانية في سوريا وأماكن أخرى في المنطقة. وقد أسس اجتماع عُقد في أبريل (نيسان) بين سوليفان ونظيره الإسرائيلي مئير بن شبات «مجموعة عمل مشتركة بين الوكالات» للتركيز على تهديد الصواريخ الإيرانية دقيقة التوجيه التي توفرها طهران لحلفائها الإقليميين. وسيصور البيت الأبيض مجموعة العمل على أنها جهد موحد لـ«صد» إيران، لكنها في الواقع أداة لمراقبة إسرائيل وتقييدها.
ومع تصاعد الضغط من واشنطن لدعم الدبلوماسية والحوار ووقف التصعيد، ستبحث إسرائيل عن شركاء يمكنهم مساعدتها، سواء في احتواء إيران أو في إقناع الولايات المتحدة بالتخلي عن تصحيح المسار. وهناك عوائق كثيرة للتنسيق الفعال بين الرياض والقدس، ولكن السعوديين يظلون المرشح الأكثر ترجيحاً، حيث لا تزال هناك فرصة في فرض الظروف المشتركة تنسيقاً أوثق بين الطرفين. لكن فريق بايدن سيرصد العلاقات بين الرياض والقدس، ويقوم بالحظر عند الضرورة -وبالتالي خلق نقطة الاشتعال الرابعة.
ومرة أخرى، كانت إدارة أوباما هي التي صاغت النموذج لمثل هذا الحظر. ففي عام 2012، عندما تزايدت مخاوف واشنطن من احتمال قيام إسرائيل بشن هجوم على المنشآت النووية الإيرانية، قام أربعة دبلوماسيين أميركيين ومسؤولون في المخابرات العسكرية بإطلاع مجلة «فورين بوليسي» بشأن التعاون المزعوم بين أذربيجان وإسرائيل استعداداً للهجوم. وقال مسؤول مجهول الهوية: «لقد اشترى الإسرائيليون مطاراً، والمطار يسمى أذربيجان». ونفى المسؤولون في باكو بشكل قاطع هذا التقرير الذي كان من المحتمل أن يكون مزيفاً. لكن الهدف كان ترهيب إسرائيل وأي من شركائها المحتملين المناهضين لإيران، وليس نشر معلومات صادقة.
أما النقطة الساخنة الأخيرة، فستكون القضية الفلسطينية. فمع تصاعد التوترات مع إسرائيل بشأن إيران، ستنفذ الإدارة خدعها القيمية، منتقدة إسرائيل لاختيارها طريق «الحرب». ولكن الأمر سيتعلق بالقضية الفلسطينية، حيث سيلقي فريق بايدن أقسى توبيخ علني. إن هذه القضية تساعد في تمويه الغضب الأميركي بشأن سياسة إسرائيل المستقلة تجاه إيران، وتقديمها بدلاً من ذلك على أنها صراع صالح على «القيم».
ولم تضيع الإدارة وقتاً في إحياء صراع القيم هذا. ففي 7 أبريل (نيسان)، استأنف بلينكن التمويل الأميركي للقيادة الفلسطينية الذي قطعته إدارة ترمب، بما في ذلك تمويل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين المثير للجدل، قائلاً إنه «يتوافق مع قيم ومصالح حلفائنا» (على النحو المحدد فقط من قبل إدارة بايدن، وأهمل أن يضيف المزيد). وسرعان ما أوضح غلعاد إردان، سفير إسرائيل في الولايات المتحدة والأمم المتحدة، أن «إسرائيل تعارض بشدة النشاط المعادي لإسرائيل والمعادي للسامية الذي يحدث في منشآت الأونروا».
إن رفع القضية الفلسطينية إلى قمة العلاقات الأميركية - الإسرائيلية سيقلل بشكل أكبر من فرصة حدوث انفراج ثنائي سعودي - إسرائيلي. وأي جهود لدفع الاتفاقات الإبراهيمية، أو لإحباط سياسة البيت الأبيض تجاه إيران، ستُقابَل بتوبيخ بأن إسرائيل تحاول الانتقاص من العدالة للفلسطينيين. وقد يكون إطلاق جولة أخرى من المفاوضات الإسرائيلية - الفلسطينية أحد الطرق لفريق بايدن لإضفاء المعقولية على هذا الادعاء. ومع ذلك، ونظراً لفشل الجولات السابقة، قد يختار بايدن بدلاً من ذلك بدء محادثات مع الإسرائيليين والفلسطينيين حول كيفية الحفاظ على حل الدولتين في غياب عملية سلام. وحيال إجراء أي محادثات من هذا القبيل، فإن مطالبة إسرائيل باتخاذ إجراءات مستحيلة ستتدفق بقوة، مما يسمح لواشنطن بأن تتظاهر بأنها نصيرة الحقوق الفلسطينية ضد الإسرائيليين المتمردين.
عناصر ميليشيا تابعة لإيران في العراق
عناصر ميليشيا تابعة لإيران في العراق
ومع تمهيد المسرح على هذا النحو، فإن غرفة صدى الأصوات «المستقلة» في وسائل الإعلام ستوجه لوماً شديداً لإسرائيل، سيكون فريق بايدن قد كتبه، لكنه سيفضل عدم تقديمه بشكل مباشر. ففي جريدة «نيويورك تايمز»، في 27 أبريل (نيسان)، كتب مدير وكالة المخابرات المركزية لأوباما، جون برينان، أنه «يجب على الولايات المتحدة أن تطلب من القادة الإسرائيليين التوقف عن بناء المستوطنات الاستفزازية و... الممارسات الأمنية القمعية». وكان هذا تحذيراً مبكراً. ومع تصاعد حدة التوترات بين القدس وواشنطن، ستصف أصوات أعلى من صوت برينان الإسرائيليين بأنهم دعاة حرب فاسدون قساة، لا يخربون فقط دبلوماسية السلام، ولكن أيضاً التراث الأميركي.
وبالنسبة للمجتمع المؤيد لإسرائيل، يمثل تصحيح المسار تحدياً فكرياً وسياسياً. فمن الناحية الفكرية، يفرض إعادة التفكير فيما يشكل سياسة مؤيدة لإسرائيل. ومن الناحية التقليدية، يجتاز الموقف هذا الاختبار الحقيقي إذا كان يدعم العلاقات الثنائية القوية، بما في ذلك توفير المساعدة العسكرية الأميركية. ولكن مؤيدي تصحيح المسار، من خلال ضمان التفوق العسكري النوعي لإسرائيل، وحقها في الدفاع عن نفسها، والتأكيد لفظياً على القوة الدائمة للروابط الأميركية - الإسرائيلية، يجتازون بسهولة هذا الاختبار، حتى مع تمكينهم لإيران في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وتزويدها بطريق الوصول إلى سلاح نووي. ولإعطاء مصطلح «مؤيد لإسرائيل» تعريفاً يلبي التحدي الحالي، ويتطلب الدعوة إلى احتواء إيران، وليس فقط الدفاع عن إسرائيل، ومن أجل استراتيجية سلام تركز على المملكة العربية السعودية.
وبالنسبة للديمقراطيين اليهود على وجه الخصوص، يفرض هذا التعريف تحدياً سياسياً شديداً. سيهاجم التقدميون ووكلاء بايدن هذا التعريف لمصطلح «مؤيد لإسرائيل» على أنه النسخة «الترمبية» التي تعني بالنسبة لهم التنصل من القيم الأميركية، واختيار الحرب على الدبلوماسية، وتبييض «الجرائم» السعودية، ومساعدة المستوطنين الإسرائيليين على «استعمار» الأراضي الفلسطينية.
ولن يتردد بعض مؤيدي الإدارة في اتهام اليهود بإرسال رجال ونساء أميركيين بالزي العسكري للموت من أجل إسرائيل. وفي عام 2018، عندما قام الموساد بتحريك الأرشيف النووي من طهران، غرد كولين كال، الأستاذ في جامعة ستانفورد مستشار الأمن القومي السابق لبايدن، بأن العملية الإسرائيلية «بالتأكيد لها أجواء مخيفة في العراق قبل عام 2003». وبعبارة أخرى، كانت عملية المخابرات الإسرائيلية، وهي إنجاز هوليوودي، مؤامرة يهودية لجر أميركا إلى حرب لصالح إسرائيل. كال الآن هو وكيل جو بايدن للدفاع عن السياسة، وثالث أقوى شخص في البنتاغون. وخلال عملية التصديق في مجلس الشيوخ، دافع أنصار كال عنه ضد الاتهام بأنه يحمل تحيزاً ضد إسرائيل، من خلال الإشارة إلى أنه، في عهد أوباما، ساعد في دفع التعاون الأميركي - الإسرائيلي حول القبة الحديدية!
وبينما يناقش المجتمع المؤيد لإسرائيل ما يشكل سياسة معقولة، يستعد الجناحان الأيمن والأيسر للقتال، دخول لسوليفان وبلينكن، ويتنقلان بين الفصائل المتشاحنة رافعين أذرعهما في مناشدة للتهدئة. ويمتلك الثنائي بالضبط ما يلزم لتشكيل طريق ثالث بين «الحد الأقصى للضغط» الذي يمارسه ترمب وإعادة تنظيم أوباما -طريقة كلينتونية من شأنها أن تربع الدائرة، وتشبك الإبرة، وتمكِّن من ركوب حصانين في وقت واحد. يقولون لهم: لا تتشاجروا بعضكم مع بعض، ولا تقسموا مجتمعكم. كن مطمئناً، نحن نساندك، وليست لدينا أوهام بشأن إيران، وإن التزامنا بأمن إسرائيل يظل ثابتاً.
ألن يكون من الجيد تصديق ذلك كله؟ لسوء الحظ، هذه الطريقة الثالثة هي عبارة عن أسطورة -وأسطورة خطيرة في هذا الإطار. إنه شراء للوقت وحسن النية لإدارة لا تستحق أياً منهما، وهي تسابق لإنهاء ما بدأه أوباما.
تصحيح المسار أمر ذكي بما يكفي ليكون غبياً على نطاق واسع. عندما يشير مالي إلى رئاسة أوباما على أنها تجربة نصف مكتملة، فإنه يعني، بشكل أكثر تحديداً، أن الولايات المتحدة فشلت في إجبار حلفائها في الشرق الأوسط على التكيف مع إيران. وفي مقاله بـ«فورين أفيرز»، أوضح أن واشنطن يجب أن تتوقف عن «منح شركائها تفويضاً مطلقاً»، و«تمكين أعمالهم الأكثر عدوانية» الموجهة ضد إيران ووكلائها. ويشرح مالي أن الحليف الذي يحتاج إلى إلغاء الشيك المفتوح هو المملكة العربية السعودية، والساحة التي يجب البدء بها هي اليمن. لقد كتب صراحة أنه يجب على واشنطن الضغط على الرياض من أجل «إنهاء الصراع».
وفي مقاله بـ«فورين أفيرز»، أخذ سوليفان هذه الفكرة إلى أبعد من ذلك، ووضع خطة للضغط على الرياض لإنهاء الحرب في اليمن، وأوضح أنه يجب على الولايات المتحدة أن تخبر السعوديين بعبارات لا لبس فيها أن الفشل في إنهاء التدخل سيعرض الضمان الأمني الأميركي للمملكة العربية السعودية للخطر. وفقاً لسوليفان، يجب على واشنطن «الإصرار على بذل جهود دبلوماسية سعودية جادة حسنة النية لإنهاء حرب اليمن، وخفض التصعيد مع إيران، في جزء من الشروط التي تحتفظ بموجبها بمجموعة مكملة للقوات الأميركية المنتشرة في المملكة العربية السعودية». وللحفاظ على هذه «التهدئة»، يجب على الولايات المتحدة الضغط على الرياض للدخول في «حوار» مع طهران.
من الواضح أن خطة إعطاء السعودية عناق الدب لتكسير الأضلاع كانت قائمة قبل انتخاب بايدن بفترة طويلة. فبمجرد أن تولى الفريق الجديد منصبه، لم يضِع الوقت في الضغط. وفي 27 يناير (كانون الثاني)، أعلنت الإدارة تجميد مبيعات الأسلحة. وفي 4 فبراير (شباط)، أعلنت إنهاء دعم العمليات «الهجومية» في اليمن. وفي 5 فبراير (شباط)، أعربت عن نيتها إزالة الحوثيين، وكيل إيران في اليمن، من قائمة الإرهاب؛ وفي 16 فبراير (شباط)، أوفت بوعدها.
إذا أخذنا ورقة من كتاب لعب أوباما في سوريا، فقد اعترفت إدارة بايدن باليمن على أنه مجال مصلحة إيراني بحكم الأمر الواقع. ومع ذلك، فإن شعار حركة الحوثيين «الله أكبر، الموت لأميركا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام» لم يتم التصويت عليه بشكل جيد بين غالبية الناخبين الأميركيين. ولإخفاء حقيقة أن سياساتها تمكن الحوثيين والإيرانيين، استخدمت إدارة بايدن خدعة القيم.
وعن الهدف من قرار رفع التصنيف الإرهابي عن الحوثيين، شرح بلينكن أنه للتخفيف من «الوضع الإنساني المزري في اليمن»، وقال إن الإدارة توصلت إلى القرار لأنها استمعت إلى الأمم المتحدة والجماعات الإنسانية وأعضاء الكونغرس من الحزبين، وجميعهم حذروا من أن تصنيف الحوثيين إرهابيين «يمكن أن يكون له تأثير مدمر على وصول اليمنيين إلى السلع الأساسية، مثل الطعام والوقود».
إن خدعة القيم في اليمن تمت على نطاق واسع، إذ لا تحتفل أميركا بنفسها فقط باعتبارها ممرضة، بل تصور السعودية بصفتها وحشاً شريراً. ففي 26 فبراير (شباط)، أصدرت إدارة بايدن تقريراً استخباراتياً رفعت عنه السرية عن مقتل جمال خاشقجي. وجاء التقرير الذي زعم «موافقة» ولي العهد على الاغتيال رداً على أي تطورات جديدة؛ لقد جلبت الإدارة الملف الذي يبلغ من العمر عامين فقط من أجل استخدامه فزَّاعة في سلسلة القيم.
ومن جانبه، فإن ولي العهد لم يكن لديه أدنى شك بشأن السبب الحقيقي لهذه القذيفة. وقد قال في مقابلة تلفزيونية كبيرة في نهاية أبريل (نيسان): «نسعى إلى إقامة علاقات جيدة مع إيران... نحن نهدف إلى رؤية إيران مزدهرة. نحن نعمل مع شركائنا في المنطقة للتغلب على خلافاتنا مع إيران».
ولكن في 7 مارس (آذار)، بعد أسبوعين من صدور تقرير خاشقجي، صمتت قيم الإدارة الأميركية بشكل واضح. ففي ذلك اليوم، احتج عشرات المهاجرين الإثيوبيين في مركز احتجاز في صنعاء باليمن على ظروفهم المعيشية التي لا تطاق، وحاصر حراسهم الحوثيون المتظاهرين في عنبر، وطلبوا منهم أداء «صلواتهم الأخيرة»، وألقوا قنابل يدوية على المبنى. وذكر أحد الناجين أنه «تم تحميص الناس أحياء... كان عليّ أن أخطو على جثثهم للهروب». لم يُسمع في واشنطن أي صوت عن هذا الهجوم، ناهيك من الحملة العسكرية للحوثيين في اليمن التي تضاعفت بفضل الضوء الأخضر لأميركا.
ومن خلال مكافأة العدوان الإيراني، لا تجلب الإنسانية المزيفة لتصحيح المسار إلا قدراً أكبر من المعاناة للأشخاص الذين تتظاهر بأنها تخفف من معاناتهم. وتضمن السياسة المقدسة ببساطة أن تتمتع إيران بقاعدة عربية دائمة لشن ضربات ضد أهم حليف عربي لأميركا، المملكة العربية السعودية.
إن الميل نحو إيران في اليمن له أيضاً تداعيات شريرة على التنافس بين أميركا وأكبر منافس لها في العالم اليوم. لقد وقعت الصين وإيران مؤخراً «شراكة استراتيجية» لمدة 25 عاماً تنقل مئات الملايين من الدولارات إلى إيران، وتساعد طهران على توسيع برنامجها للطاقة النووية، وتحديث موانئها، وتطوير قطاع الطاقة لديها. كما يتضمن الاتفاق تعاوناً أكبر في مجال الدفاع ونقل التكنولوجيا العسكرية الصينية. وفي الوقت نفسه، تعمل بكين على تحديث قاعدتها البحرية في جيبوتي، وبناء رصيف يمكنه استيعاب حاملات الطائرات على بعد 20 ميلاً من اليمن عبر مضيق باب المندب الذي يتحكم في المداخل المؤدية إلى قناة السويس من المحيط الهندي. ويوماً بعد يوم، تزداد احتمالية قيام تحالف صيني - إيراني قادر على السيطرة على المضيق.
ويعكس توسيع تعاون طهران الاستراتيجي مع بكين فور انتخاب بايدن التعاون مع موسكو الذي أعقب استكمال خطة العمل الشاملة المشتركة في عام 2015. إن الشراكات الدولية المتنامية لإيران، التي هي في حد ذاتها نتاج تصحيح المسار، تعزز فقط تصميم طهران على تدمير نظام الأمن الإقليمي الأميركي. الجمهورية الإسلامية قوة لا تهدأ؛ سيحصل خامنئي على كل تنازل تقدمه أميركا، ثم يطالب بالمزيد -بالدم.
بايدن بين سوليفان وبلينكن
بايدن بين سوليفان وبلينكن
ومع ذلك، فإن مؤيدي تصحيح المسار يعرضون سياستهم بثقة تامة، كما لو أن تفوق أسلوبهم قد تم إثباته- وكأننا نستطيع جميعاً أن نرى أن صيغتهم ستخرج أميركا من قاعدة حربها، وتؤدي إلى استقرار الشرق الأوسط، وتحمي مصالح أميركا، وتحمي أقرب حلفائها. الادعاء ليس فقط عارياً من الصحة، ولكن ببساطة لا يوجد أي أساس إثباتي له -صفر. إذا كان هناك أي دليل، فإن مؤيدي تصحيح المسار سيقدمون حجتهم بأمانة وصراحة، ويتوقفون عن الاختباء خلف جدارٍ عالٍ من الخداع اللطيف.
الثقة المطلقة نفسها تميز أيضاً موقف فريق بايدن تجاه حملة «الحد الأقصى من الضغط» لترمب التي يسخر منها بصفتها متهورة غير متماسكة غير فعالة. ففي عهد ترمب، تكبد الاقتصاد الإيراني خسائر فادحة. ولم تندلع المظاهرات المناهضة للنظام في كل مدينة إيرانية كبرى في عام 2019 فحسب، بل اندلعت احتجاجات مماثلة في العراق، واستهدفت بشكل مباشر أو غير مباشر وكلاء إيران هناك. لكن سياسة «الحد الأقصى من الضغط» التي انتهجها ترمب كانت أكثر بكثير من مجرد فرض عقوبات اقتصادية. لقد تضمنت أيضاً العمل العسكري الأميركي المباشر، ودعم العمل العسكري من قبل الحلفاء، والعمليات السرية الأميركية أحادية الجانب، ودعم العمليات السرية للحلفاء -ويعمل تصحيح المسار على إنهائها جميعاً بشكل مفاجئ.
أما الأمر الأكثر إثارة للإعجاب على الإطلاق، فكانت الضربة التي وجهها ترمب إلى «الحرس الثوري» الإيراني، وهو العنصر الأكثر رعباً في نظام يحكم بشكل متزايد من خلال الخوف وحده. أنهى ترمب الوهم الذي أفاد إيران بشكل كبير، بأن وكلاءها كانوا جهات فاعلة مستقلة، وليسوا أذرعاً مباشرة لـ«الحرس الثوري». توجت سياسة تحميل إيران المسؤولية المباشرة بمقتل قاسم سليماني، قائد «فيلق القدس» التابع لـ«الحرس» ثاني أقوى رجل في إيران.
وفي غضون ذلك، صعّد الإسرائيليون (على الأرجح) حملتهم السرية للتخريب وجمع المعلومات الاستخبارية ضد برنامج إيران النووي. وفي وقت سابق من رئاسة ترمب، ألحقوا أضراراً بعشرات المنشآت الإيرانية الحساسة، واستولوا على أرشيفها النووي. وفي عملية دراماتيكية، قتلوا رئيس البرنامج النووي الإيراني محسن فخري زادة. وعلى حد علمنا، لم تعتقل إيران أي عملاء إسرائيليين.
ومن خلال اختراق دفاعات إيران، مزقت إسرائيل -بدعم من إدارة ترمب- تبرير أوباما الرئيسي لخطة العمل الشاملة المشتركة، من خلال إظهار أن الولايات المتحدة قادرة على إدارة التحدي الإيراني، بما في ذلك البعد النووي، بالتزام عسكري أميركي خفيف نسبياً. إن الشبكات التي تخرب البرنامج النووي داخل إيران ليست أميركية، بل إسرائيلية. ومن خلال دعم حليف أميركا، لم ينجرف ترمب في صراعات غير مرغوب فيها، وقام بتمكين الآخرين من تنفيذ أعمال أميركا بالنيابة عنها.
حذا ترمب حذو جميع رؤساء الولايات المتحدة قبل أوباما الذين تصوروا الشرق الأوسط طاولة مستطيلة، حيث تجلس أميركا وحلفاؤها التقليديون في جانب، وخصوم أميركا، بما في ذلك إيران وروسيا، في الجانب الآخر. وفي إطار هذا المفهوم العريق، بدت مهمة الولايات المتحدة ذات شقين: التوسط بين الحلفاء الذين يمثلون كثيراً من الانقسامات، ودعمهم ضد الجانب الآخر.
وكان «الحد الأقصى للضغط» شكلاً من أشكال الأمن الجماعي، وشجع على توثيق التعاون بين الحلفاء الأميركيين، وبالتالي لعب دوراً رئيسياً في الاتفاقات الإبراهيمية واتفاقيات السلام التي أدت إلى توسيع العلاقات الثقافية والاقتصادية والعسكرية بين إسرائيل والبحرين والإمارات العربية المتحدة والمغرب والسودان -وكلها قريبة من المملكة العربية السعودية؛ لا أحد كان ليطبع العلاقات مع إسرائيل لو عارضت الرياض هذه الخطوة. كانت الخطوة المنطقية التالية في العملية، والجائزة الاستراتيجية للجهد، هي أن يقوم الرئيس الأميركي المقبل بدفع التقارب الإسرائيلي - السعودي.
ومن المستحيل المبالغة في قيمة اتفاق سلام سعودي - إسرائيلي كامل للولايات المتحدة أو حتى خطوات مهمة في هذا الاتجاه. فقد أعلنت هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) أن عقيدة التعصب الراديكالي قد ترسخت داخل العالم الإسلامي أكثر مما كنا نعتقد، وهي عقيدة تسعى إلى عزل المجتمعات الإسلامية عن التأثيرات غير الإسلامية. ويرى الإماراتيون، اللاعبون الرئيسيون في الاتفاقات الإبراهيمية، السلام مع إسرائيل جزءاً من جهد متعدد الجوانب لدحض هذه النظرة غير المتسامحة للإسلام والتاريخ الإسلامي. إن المملكة العربية السعودية هي أقوى دولة عربية، وبفضل وصايتها على مكة المكرمة والمدينة المنورة، تعد واحدة من أكثر الدول نفوذاً في العالم الإسلامي بأسره. كما أنها كانت لفترة طويلة حصناً للفقه الإسلامي المحافظ والتمسك الحرفي بالقرآن. إذا كانت الدولة التي يصلي المسلمون نحوها خمس مرات في اليوم، والتي يقوم نحو مليوني شخص بالحج إليها سنوياً، قد طورت علاقات ودية مع الدولة اليهودية، فإن الآثار المترتبة على العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين في كل مكان ستكون عميقة.
ومع ذلك، فقد منعت إدارة بايدن مسؤوليها حتى من استخدام مصطلح «الاتفاقات الإبراهيمية» التي تمقتها تحت تأثير تصحيح المسار. ولأن الاتفاقيات تحظى بشعبية سياسية، حتى في الأوساط الديمقراطية، ستمتنع الإدارة عن التعبير عن اشمئزازها بصراحة، وستبحث عن كل فرصة للادعاء بأنها تبدو إيجابية فيما يخص تطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل.
لكن في الواقع، ليس لدى فريق بايدن أي نية لتوسيع الاتفاقات الإبراهيمية التي يعد وجودها وصمة عار في سجل الديمقراطيين. إنه يدحض العقيدة التي تدعو إليها إدارة أوباما بأن السلام بين إسرائيل والعالم العربي يجب أن يبدأ باتفاق فلسطيني - إسرائيلي.
والأهم من ذلك أن الاتفاقات تشكل أيضاً تهديداً لعملية تصحيح المسار نفسها. فقد نتج فك الجمود السعودي - الإسرائيلي جزئياً عن الشعور بالتهديد المشترك بينهما بشأن صعود إيران، وعدم موثوقية الضمانات الأمنية الأميركية المتزايدة. وستصبح الشراكة القوية بين الرياض والقدس لا محالة العقدة الأساسية لمعارضة تصحيح المسار من داخل نظام التحالف الأميركي. وربما تكون الرغبة في إنهاء أي نقاش غير خاضع للرقابة حول توسيع الاتفاقات الإبراهيمية سبباً إضافياً لقيام إدارة بايدن بتكريس أيامها الأولى في السلطة لانتقاص محمد بن سلمان علناً، والضغط عليه بشكل خاص لمصلحة طهران. «لا تجرؤوا على مساعدة إسرائيل»، كان أمراً ضمنياً آخر حمله إلى الرياض «هجوم القيم» الأميركي على خلفية قضية خاشقجي.
عندما تولى بايدن منصبه، واجه مفترق طرق: على أحد المسارين وقف تحالف متعدد الأطراف مصمم على احتواء إيران، وكان له سجل حافل بالنجاحات، وخطط لأشياء أفضل آتية، كما أظهر العمل التخريبي الأخير في نطنز. وكان الأعضاء البارزون في التحالف يطلبون من بايدن العمل ضد عدو مشترك، ولكن أيضاً لتعزيز تعاون أكبر، وربما حتى اتفاقية سلام رسمية بين السعودية وإسرائيل. وعلى المسار الآخر، وقفت الجمهورية الإسلامية مكروهة من قبل شعبها، وفي الواقع من قبل معظم الناس في الشرق الأوسط. ولم تقدم سوى الرسالة الحقيرة نفسها التي لطالما تبنتها. وكانت جميع القوى الخبيثة في الشرق الأوسط تقف إلى جانبها، إما تتطلع مباشرة إلى طهران من أجل القيادة أو تزدهر على الفوضى التي تزرعها.
اختار بايدن إيران، مما أدى إلى كسر نظام التحالف الأميركي، وتراجع قضية السلام. كما حقق اختياره انتصاراً للصين وروسيا اللتين تعملان مع إيران، كلٌ على طريقته الخاصة، من أجل تراجع أميركا. في محاولة شاذة لتحرير نفسها من حلفائها، تلوث الولايات المتحدة عشها.

* مايكل دوران زميل رفيع في معهد هدسون بواشنطن، وتوني بدران زميل باحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات



واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
TT

واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)

بالتزامن مع مسار المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن برعاية أميركية، شهد الكونغرس تحركاً مختلفاً من نوعه؛ إذ صعّد من الضغوطات على الجيش اللبناني لتنفيذ وعوده بنزع سلاح «حزب الله» تحت طائلة تجميد المساعدات الأميركية المقدمة للجيش، والتي يوافق عليها المجلس التشريعي سنوياً.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر خاصة رفيعة المستوى داخل الكونغرس، أن الحزب الجمهوري «سئم من سماع وعود صادرة عن الجيش اللبناني بنزع سلاح (حزب الله) من دون القيام بالمجهود لتحقيق ذلك».

وتابعت المصادر، التي رفضت الكشف عن اسمها لعدم التأثير على المداولات الداخلية الجارية في الكونغرس، بالقول: «حان الوقت الآن للقيام بعملٍ جاد. وعلى الجيش اللبناني أن يبرهن على جديته».

وذكّرت المصادر بأن تمويل الجيش الذي يقره الكونغرس يصرف من أموال دافع الضرائب الأميركي، مؤكدة أنه وفي ظل تزايد التدقيق في كيفية إنفاق أموال دافعي الضرائب الأميركيين في عهد ترمب، يريد المشرعون التأكد من أن «كل دولار يُصرف يجب أن يخصص لغايةٍ مجدية».

ترمب خلال خطاب «حالة الاتحاد» في الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

ضغوطات متزايدة على الجيش

جاء ذلك بعدما كانت مواقف مشابهة صدرت على لسان شخصيتين نافدتين في مجلس الشيوخ، هما رئيس لجنة القوات المسلحة، الجمهوري روجر ويكر، الذي قال في منشور على منصة (إكس): «على الكونغرس ألا يدعم الجيش اللبناني ما لم يتحرّك لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل وعلى الفور».

واعتبر ويكر أن «مقتل عنصرٍ فرنسي على يد (حزب الله) في جنوب لبنان بعد أيام من موافقة إسرائيل على وقف إطلاق النار، يشكل اختباراً حاسماً للجيش اللبناني»

وبعد يوم من تصريح ويكر، انضم إليه رئيس لجنة العلاقات الخارجية الجمهوري جيم ريش الذي قال: «لقد آن الأوان كي يتخذ الجيش اللبناني خطوات ملموسة لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل». ولم يتوقف ريش عند هذا الحد بل تطرق إلى ملف الإصلاحات، مطالباً الحكومة اللبنانية بالإيفاء بوعودها «المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي». وختم بلهجة حاسمة: «لقد انتهى عهد التراخي وخطط الإنقاذ غير المشروط». كلمات واضحة وقاسية، تدل على نفاد صبر المشرعين من الوعود التي قطعتها الدولة اللبنانية بنزع سلاح «حزب الله» من جهة، وفرض إصلاحات اقتصادية من جهة أخرى.

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يتفقّد موقع تفجير منشأة لـ«حزب الله» في الجنوب (أرشيفية - مديرية التوجيه)

موقف قائد الجيش

إلى ذلك، تتزايد الشكوك في واشنطن حول أداء قائد الجيش رودولف هيكل في ملف نزع سلاح الحزب. وفيما تتحفظ غالبية المسؤولين الأميركيين عن الدعوة لإقالته علناً، حرصاً على عدم التدخل في الشؤون الداخلية، فإن السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام ليس من هؤلاء المتحفظين. فقد أعلنها بوضوح هذا الأسبوع في مقابلة مع «فوكس نيوز»؛ إذ قال: «لا أثق بالجيش اللبناني في نزع سلاح (حزب الله). يجب استبدال قائد الجيش الجنرال هيكل قبل أن تكون هناك خطة موثوقة لنزع سلاح الحزب».

وشدد غراهام على أن أي اتفاق سلام في لبنان لن يحصل «ما لم يكن هناك مسار موثوق لنزع سلاح الحزب». وكان هيكل أثار بلبلة في أروقة الكونغرس خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن في فبراير (شباط) الماضي، بعد إلغاء زيارته الأولى إثر تصريحات مثيرة للجدل عن إسرائيل، ولقائه بغراهام. حينها خرج السيناتور الجمهوري المقرب من ترمب غاضباً بسبب رفض هيكل، على حد قوله، الاعتراف بأن «حزب الله» منظمة إرهابية. وقال غراهام: «التقيتُ للتو بشكلٍ مقتضب جداً بقائد الجيش اللبناني، الجنرال رودولف هيكل. سألته بشكلٍ مباشر ما إذا كان يعتبر (حزب الله) منظمة إرهابية. فأجاب: لا، ليس في السياق اللبناني. وعلى إثر ذلك، أنهيتُ الاجتماع».

وتابع غراهام بلهجة غاضبة: «ما دام هذا الموقف قائماً لدى الجيش اللبناني، فلا أعتقد أننا نملك شريكاً موثوقاً به». كلام يتردد وراء أبواب مغلقة في الكونغرس، حيث علمت «الشرق الأوسط» من بعض المشرعين، أن «ما يهم الآن هو نزع سلاح (حزب الله)».

الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل (رئاسة الجمهورية)

المفاوضات المباشرة «إيجابية»

فيما يحذر البعض من هذه الضغوط والدعوات لغياب بدائل للجيش اللبناني، تقول المصادر في الكونغرس لـ«الشرق الأوسط»: «صحيح أنه لا يوجد بديل رائع. لكن هذا لا يعني أنه ينبغي علينا الاستمرار في تقديم المساعدات بشكل أعمى». وتشدد المصادر على ضرورة وضع شروط قاسية للإفراج عن المساعدات.

وبتزامن هذه التحركات التشريعية مع المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، يراقب الكونغرس هذا المسار الإيجابي، على حد تعبير المشرعين الذين أعرب عدد منهم عن تأييدهم الشديد لما يسعى البيت الأبيض لتحقيقه من خلال هذا المسار. ويعترف أعضاء الكونغرس بأن الملف اللبناني معقد، لكن مع التشديد على أن المسار الذي اعتمدته الإدارات السابقة لم ينجح في تحقيق أهدافه، ومن هنا ضرورة النظر في تغيير النهج المعتمد سابقاً.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة افتتاح الجولة الأولى من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل (غيتي)

دور للقيادة المركزية

ومما يسترعي الاهتمام، أن إعلان الرئيس الأميركي عن عودة لبنان إلى أجندة الاستراتيجيات الأميركية ونيته «جعل لبنان عظيماً مجدداً»، ترافق مع تكليف وزير الخارجية ماركو روبيو ونائبه جي دي فانس وقائد القيادة الوسطى دان كاين بالعمل مع إسرائيل ولبنان معاً على «تحقيق سلام مستدام». ولعلّ أهم نقطة في هذا التصريح هي تكليف كاين، فيما اعتبره البعض دليلاً على أن القيادة العسكرية الأميركية سوف تكون منخرطة بشكل مختلف هذه المرة في دعم الجيش اللبناني.

وهذا ما تحدث عنه السفير الأميركي السابق إلى لبنان دايفيد هايل الذي قال إن «أحد الدروس التي تعلمتها أميركا من العام الماضي هو أن دور القيادة المركزية الأميركية في مجموعة المراقبة كان محدوداً؛ إذ كانت القوات تراقب فقط».

وأضاف، في ندوة عقدها معهد الشرق الأوسط في واشنطن وحضرتها «الشرق الأوسط»: «نحن بحاجة إلى ما هو أكثر من المراقبة، وهذا لا يعني أننا سنقوم بفرض السيادة اللبنانية، فهذا تناقض بحد ذاته. يجب أن يكون الجيش اللبناني هو الجهة المنفذة، لكن يمكننا أن نكون أكثر انخراطاً، ليس فقط من خلال التجهيز وتقديم المساعدات، بل أيضاً عبر تقديم المشورة وتوفير المعلومات الاستخباراتية بشكل أكثر نشاطاً». وأعطى هايل مثالاً على ذلك فقال: «لو كان هناك ضابط أميركي برتبة رائد أو نقيب داخل المكاتب، فإن أصدقاء لبنان داخل الجيش الذين لا ينتمون إلى ما يُعرف بـ(الدولة العميقة) سيشعرون بالتمكين، وسيشعرون بأن لديهم دعماً حقيقياً؛ لأن العلاقة على مستوى الأفراد بين الجيش الأميركي والجيش اللبناني ممتازة. وهذا النوع من الحضور يمكن أن يمنح اللبنانيين الثقة والدافع للقيام بمهامهم».

إصلاحات وعقوبات

ليست مسألة الجيش اللبناني القضية الوحيدة على رادار المشرعين الأميركيين؛ فضرورة فرض الإصلاحات الاقتصادية تتصدر المطالب في واشنطن، وهذا ما أشار إليه السيناتور ريش بوضوح عندما دعا الدولة اللبنانية إلى الإيفاء بوعودها المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي.

وعن ذلك فسرت المصادر خلفية التصريحات لـ«الشرق الأوسط»، فاعتبرت أن «فشل الدولة اللبنانية في إحراز تقدم فعلي في الإصلاحات المصرفية يخلق منفذاً كبيراً يسمح لـ(حزب الله) بالحفاظ على نفوذه»، وتشدد على ضرورة أن تمضي الدولة قدماً «في الإصلاحات التي لا يبدو أنهم مستعدون لتنفيذها». وتضيف: «نحن أمام حلقة مفرغة. وإذا كانت الطبقة السياسية اللبنانية غير مستعدة لتحمّل المسؤولية وترجمة أقوالها إلى أفعال، فلماذا نستمر في إنقاذها؟ أعتقد أنهم يعرفون تماماً ما المطلوب منهم، لكنهم ببساطة لا يبدون استعداداً للقيام به».

وعلمت «الشرق الأوسط» أن تركيز أعضاء الكونغرس البارزين ينصبّ على دور رئيس مجلس النواب نبيه بري، فهم يراقبون خطواته لمعرفة مدى تجاوبه مع المطالب الأميركية. وأكدت المصادر أن برّي «يدرك موقف الحكومة الأميركية»، مضيفة إن كان هناك الكثير من الحديث على مرّ السنوات عن فرض عقوبات على الذين يعرقلون الإصلاحات. لذلك، «لن نستغرب رؤية خطوات في هذا الاتجاه في حال عدم التجاوب».

جنود من الجيش اللبناني ينتشرون في موقع غارة جوية إسرائيلية في بيروت (أ.ب)

تمويل الجيش زمنياً

فيما تعمل لجان الكونغرس بشكل حثيث على تحديد أولويات التمويل في موازنات الدفاع، يعمل بعض المشرعين على تجسيد مواقفهم في تعديلات تتم إضافتها على مشاريع القوانين النهائية التي سيقرها المجلس التشريعي.

ومنذ عام 2006، قدّمت الولايات المتحدة أكثر من 2.5 مليار دولار من المساعدات العسكرية إلى الجيش اللبناني، بهدف تعزيز أمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، ودعم الجيش بوصفه مؤسسة تابعة للدولة. وتشمل المساعدات في عهد ترمب الثاني أكثر من 117 مليون دولار أُعلن عنها في يناير (كانون الثاني) 2025، تهدف إلى دعم الجيش اللبناني في الحفاظ على وقف إطلاق النار مع إسرائيل وتنفيذ قرار مجلس الأمن 1701.

كذلك وافقت الإدارة في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 على تقديم 230 مليون دولار لقوات الأمن اللبنانية، منها 190 مليون دولار للجيش اللبناني، و40 مليون دولار لقوى الأمن الداخلي. وذلك بعد حزمة أمنية منفصلة بقيمة 14.2 مليون دولار أعلنت عنها وزارة الحرب الأميركية في 10 سبتمبر (أيلول)، وشملت معدات تهدف إلى «تعزيز قدرات الجيش اللبناني على تفكيك مخازن الأسلحة والبنى التحتية العسكرية للجماعات غير الحكومية، بما في ذلك وكيل إيران الإرهابي (حزب الله)»، بحسب بيان صادر عن الوزارة.


«داعش» يغيّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا

TT

«داعش» يغيّر أولوياته ويسعى لرفع «تكلفة الحكم» في سوريا

صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب)
صورة مقاتل من «داعش» وزعتها وكالة «أعماق» التابعة للتنظيم، في الباغوز السورية في 2019 (أ.ب)

انتقلت سوريا منذ مطلع العام الحالي من مرحلة الاضطرابات الداخلية، سواء في الشمال الشرقي أو مناطق الساحل والجنوب، إلى مرحلة هدوء نسبي ومحاولات فرض هيكلية أمنية وسياسية جديدة تجسدت ملامحها بشكل أساسي في الملف الأمني والاتفاق مع تنظيم «قسد». لكن هذه التحولات وضعتها أمام سباق غير معلن مع تنظيم «داعش» في أكثر من حاضنة اجتماعية وبقعة جغرافية على امتداد سوريا. فقد برز تنظيم «داعش» أخيراً كعامل عدم استقرار يسعى لاستعادة موطئ قدم له عبر استغلال حالة عدم السيطرة الأمنية بشكل كامل، كما أنه لا يزال يجد بيئة آيديولوجية وميدانية يسعى لاستغلالها عبر خطاب هجومي وعمليات أمنية مركزة زادت حدتها منذ منتصف فبراير (شباط) الماضي، وتراجعت إلى حد ما في الأسبوع الأول من مارس (آذار)، ثم عادت ونشطت أخيراً.

وتُعد منطقة الجزيرة السورية، الممتدة بين دير الزور والرقة والحسكة، الساحة الرئيسية لاختبار قدرات التنظيم في 2026. إن سيطرة دمشق على مناطق شرق الفرات، في نهاية يناير (كانون الثاني) عقب إعادة تموضع القوات الأميركية ثم انسحابها كلياً، وقبلها انسحاب قوات «قسد» إلى مناطق أخرى، خلقت واقعاً أمنياً جديداً يحاول التنظيم توظيفه لصالحه.

سيدة تعبر بمنطقة مدمرة وسط مدينة الرقة التي كانت تحت سلطة تنظيم «داعش» (أرشيفية- أ.ف.ب)

وأدى الانسحاب الأميركي أو إعادة التموضع في بعض القواعد بشرق سوريا في قاعدتي خراب الجير ورميلان إلى حالة من «الارتباك العملياتي» المؤقت في خطوط السيطرة.

وأشارت تقارير نُشرت في مجلة «النبأ» الأسبوعية الصادرة عن التنظيم، إلى تصعيد في الهجمات التي استهدفت نقاطاً وحواجز أمنية حكومية، حيث تنوعت بين العبوات الناسفة والهجمات المسلحة المباشرة. وكان التنظيم نفّذ نحو 22 هجوماً في مختلف مناطق سوريا خلال شهر مارس 2026 وحده، مستهدفاً مواقع عسكرية ومدنيين.

قدرة الوصول لأهداف نوعية

يُعد الهجوم على عناصر الفرقة 86 التابعة لوزارة الدفاع في دير الزور وعلى نقاط تمركز وتحصينات للفرقة بالقرب من منطقة البانوراما عند المدخل الجنوبي للمدينة، مؤشراً على قدرة التنظيم على الوصول إلى أهداف عسكرية نوعية في عمق مناطق السيطرة الحكومية أو مهاجمة البنية التحتية. فقد تحول التنظيم بالكامل إلى أسلوب حرب العصابات، حيث تعمل مجموعات صغيرة متنقلة في المناطق الصحراوية الممتدة، مستغلة الطبيعة الجغرافية التي لا تزال توفر ملاذاً آمناً نسبياً لعناصر وقيادات التنظيم رغم كثافة الغارات الأميركية على مواقع في تلك المناطق.

قطيع من الماشية أمام قافلة من الآليات العسكرية الأميركية التي المنسحبة من سوريا على طريق دمشق- عمّان في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ويمثل الخطاب الإعلامي لتنظيم «داعش» الذي بثته مؤسسة «الفرقان» لـ«أبو حذيفة الأنصاري»، يوم الخميس 5 فبراير 2026، محاولته لإعادة تعريف نفسه كقوة «مقاومة شرعية وحيدة» في مواجهة النظام السياسي الجديد. ومن خلال تصريحات الأنصاري وما نشرته مجلة «النبأ»، في العدد 531 الصادر يوم الخميس 12 فبراير، يظهر أن التنظيم انتقل من سياسة «الترقب والمراقبة» إلى «الهجوم الفكري الشامل» من خلال توظيف الخطاب الديني.

وكان المتحدث باسم التنظيم أعلن عن بدء «مرحلة جديدة من العمليات» تستهدف بشكل مباشر بنية الحكم في دمشق، ما يوحي بتحول التنظيم من حرب الدفاع عن الجيوب الصحراوية إلى حرب استنزاف في جغرافية المدن والمراكز السيادية. وركزت مجلة «النبأ» في أعدادها الأخيرة على مهاجمة حكومة دمشق الجديدة، واصفة إياها بأنها «نسخة محدثة من الردة»، مع تركيز خاص على شخص الرئيس السوري أحمد الشرع الذي لا تزال المجلة تعرّفه باسمه الحركي السابق أبو محمد الجولاني.

التشكيك في الكفاءة العسكرية

يرى التنظيم في تحول الشرع من قائد فصيل جهادي إلى رجل دولة في دمشق «الخيانة العظمى» للمشروع «الجهادي» العالمي. في محاولة لاستقطاب العناصر التي لا تزال تلتزم منهج «السلفية الجهادية» داخل «هيئة تحرير الشام» والفصائل الأخرى التي تشعر بالإحباط من سياسات الاحتواء والدمج في «الجيش السوري الجديد»، أو «التساهل» مع ضباط ومسؤولي النظام السابق المسؤولين عن انتهاكات طالت السوريين خلال فترة الحرب الداخلية، إلى جانب ما يتعلق بـ«المسوغات الشرعية» لانضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة.

عنصر أمن سوري يقف أمام قافلة من الآليات العسكرية الأميركية التي المنسحبة من سوريا على طريق دمشق- عمّان في 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ومن خلال تكثيف عملياته أخيراً، ومنذ النصف الأول من فبراير ثم بدرجة أقل في أوائل مارس، يبدو أن التنظيم يسعى إلى «التشكيك في قدرة الحكومة على فرض الأمن والاستقرار؛ وتجاوز البعد العقائدي إلى التشكيك في الكفاءة العسكرية للقوات الحكومية الحديثة التشكيل»، محاولاً فرض رؤية جديدة تفيد بأن «وجود الشرع في الحكومة حاجة أميركية لاستمرار الحرب على التنظيم»، زاعماً أنه يمكن أن يكون بديلاً مقبولاً لا يساوم على القيم الإسلامية، مقابل مكاسب سياسية أو رفعه من لائحة التنظيمات الإرهابية أو السعي للاعتراف الدولي مقابل تنازلات في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية.

الرهان على التناقضات

يراهن التنظيم على «التناقضات الاجتماعية» التي قد تنتج عن عودة سلطة دمشق إلى مناطق كانت لسنوات تحت إدارة ذاتية أو نفوذ دولي كما كان الحال في شمال شرق سوريا تحت حكم «قسد»، وعموم الشمال السوري الذي خضع لسنوات لسيطرة فصائل الجيش الوطني الحليف لتركيا. ويستغل «داعش» المخاوف العشائرية من السياسات المركزية، محاولاً تقديم نفسه كـ«ملاذ» أو «حليف سري» ضد التجاوزات الأمنية المفترضة. كما أن انشغال الدولة السورية بتتبع «فلول النظام البائد» والميليشيات المعارضة في الساحل والسويداء يمنح التنظيم مساحة أكبر للحركة في الشرق. ورغم انحسار سيطرته الجغرافية، لا يزال «داعش» يمتلك القدرة على «البقاء» التي تعتمد على المرونة الهيكلية والقدرة على التجنيد رغم تراجع مستوياتها، إلى جانب أن التنظيم لا يزال يملك ما يكفي من القدرات المالية لإدامة زخم استمراريته.

عناصر من قوات الأمن السورية عند بوابة مخيم «الهول» الذي يضم عائلات عناصر من «داعش» شمال شرقي سوريا يوم 21 يناير 2026 (إ.ب.أ)

وتتمثل نقاط قوة التنظيم في اللامركزية المطلقة حيث مُنحت للولايات الفرعية بعد انكفاء دور القيادة المركزية المتمثلة في اللجنة المفوضة وإدارة الولايات البعيدة بعد مقتل «خليفة» التنظيم الرابع أبو الحسين الحسيني الهاشمي، ما يسمح لها بالتجنيد والتنفيذ دون الحاجة لانتظار أوامر مركزية قد تتعرض للاعتراض الاستخباراتي. كذلك نجح التنظيم في إعادة إنشاء «مضافات مصغرة» وقواعد دعم في مناطق وعرة في صحراء حمص تعرض عدد منها لغارات أميركية خلال هذا العام؛ أبرزها سلسلة الغارات على جبل العمور شمال غرب تدمر أواخر يناير، ما يجعل تطهيرها بالكامل يتطلب جهداً عسكرياً يفوق قدرات الدوريات العادية.

وأعلنت الولايات المتحدة تنفيذ 10 غارات جوية بين 3 و12 فبراير، استهدفت أكثر من 30 هدفاً في أنحاء سوريا، كان لمحافظة حمص نصيب كبير منها، خاصة في بادية السخنة ومحيط حقول الغاز بريف حمص الشرقي، وهو ما يعيد طرح تساؤلات ومخاوف الآن بعد الانسحاب الأميركي الأخير.

التجنيد في المخيمات

يركز «داعش» حالياً على استقطاب «الجيل الجديد» من المراهقين والشباب الذين نشأوا في مخيمات النزوح أو في ظروف اقتصادية منهارة. يعتمد هذا التجنيد على استخدام منصات مشفرة وتطبيقات حديثة للوصول إلى الشباب بعيداً عن أعين الرقابة الأمنية. إضافة إلى استغلال الخطاب الطائفي والسياسي لتعزيز شعور المجتمعات «السنية» بالتهميش في ظل التوازنات الجديدة بدمشق.

في المقابل، يواجه التنظيم تحديات وجودية تتمثل في التنسيق العسكري غير المسبوق بين الحكومة السورية والتحالف الدولي. إن انضمام دمشق لجهود مكافحة الإرهاب الدولية قد حرم التنظيم من ميزة «اللعب على التناقضات» بين القوى الدولية. كما أن الجغرافيا الصحراوية لم تعد عامل دعم كما في السابق بسبب التطور الهائل في تقنيات الرصد الحراري والطائرات المسيّرة التي تتبعها القوات الحكومية والتحالف.

لكن التنظيم يراهن على فشل الحكومة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي أو نيل الاعتراف الشعبي الكامل في المناطق التي كانت تسيطر عليها فصائل أخرى. واجتماعياً، يحاول «داعش» العبث بالنسيج العشائري في دير الزور، مستغلاً حوادث مثل اعتقال قادة محليين مرتبطين بالنظام السابق أو النزاعات على الموارد النفطية في محافظة دير الزور لتعزيز حالة الفوضى التي تسمح له بالتمدد.

نقل عائلات تنظيم «داعش» من الباغوز إلى مراكز احتجاز بإدارة «قسد» في 2019 (أ.ف.ب)

تغير ميزان «المبادرة الميدانية»

منذ حملة «التطهير الأمني» التي أعلنتها وزارة الداخلية السورية أواخر فبراير بالتنسيق مع وحدات من الجيش السوري، تغيّر ميزان المبادرة الميدانية بشكل ملحوظ. شملت الحملة عمليات تمشيط واسعة في ريف حماة الشرقي والبادية الوسطى، إضافة إلى مداهمات في محيط حلب والساحل السوري. خلال الأسبوع الأول من مارس، أعلنت الأجهزة الأمنية إحباط عملية كبرى كانت تستهدف مواقع عسكرية داخل مدينة حلب، وتفكيك ثلاث خلايا نائمة في مناطق الساحل وريف حمص. هذه الضربات أضعفت شبكة الدعم الداخلي للتنظيم وأربكت قنوات الاتصال بين مراكزه الميدانية والقيادات العليا.

ومع حلول منتصف مارس، بدأت تظهر مؤشرات «الانحسار العملياتي» بوضوح؛ إذ تراجعت الهجمات إلى مستويات لم تُسجّل منذ أواخر عام 2024. في تلك المرحلة، رصدت المصادر الميدانية انتقال بعض المجموعات الصغيرة نحو المناطق الريفية على أطراف الرقة ودير الزور، في محاولة لإعادة التموضع بعيداً عن الضغط الأمني المتصاعد. في المقابل، تكشف تقارير محلية عن لجوء عدد من عناصر التنظيم إلى طلب «تسويات» مع السلطات السورية تحت ضغط نقص التمويل وشح الموارد الغذائية والطبية داخل الجيوب المتبقية.

الأمن السوري يقتحم منزل أحد المتورطين في خلية «داعش» في قرية السفيرة شرق حلب (الداخلية السورية)

البحث عن «بيئة حاضنة»

ويشير الباحث زين العابدين العكيدي، وهو من أبناء مناطق شرق الفرات، إلى أن «(داعش) كان يستغل سابقاً تذمّر العشائر العربية من (قسد)، لكن اليوم المناطق التي بقيت تحت سيطرة (قسد) بعد الاتفاق الأخير هي مناطق كردية بالكامل تقريباً، وبالتالي لن تكون أرضية مناسبة لنشاط التنظيم»، وهو ما يفسر انتقاله للعمل في مواقع أخرى.

ويؤكد العكيدي أن هناك إقبالاً ملحوظاً على الانضمام إلى صفوف التنظيم، واصفاً ذلك بالأمر الخطير، رغم امتلاك الحكومة السورية خبرة سابقة في تتبع خلايا «داعش».

ويضيف أن «إقفال ملف مخيم الهول، الذي يضم عائلات التنظيم، إلى جانب سيطرة الحكومة على شرق الفرات، قد يعيق تأثير دعاية (داعش) في التحريض على قتال الدولة لتجنيد المتعاطفين معه».

لكنه يشدّد على أن وضع الجزيرة السورية «صعب جداً من الناحية الأمنية، مع صعوبة العيش، وسوء الخدمات، وانتشار تجارة المخدرات، وكلها هوامش يلعب عليها التنظيم».

ويكشف العكيدي أن جهات مقرّبة من «داعش» ذكرت أن إنهاء ملف مخيم الهول «مشروط بتوقف هجمات التنظيم ضد الحكومة السورية».

أما العقيد في الجيش السوري محمد العامر، فقال لـ«الشرق الأوسط» إن هناك «واجهات عشائرية» في شرق سوريا لديها صلات مع التنظيم، وعملت «كوسيط بين القوات السورية وبعض العناصر لإقناعهم بترك التنظيم بعد إخضاعهم لمراجعات فكرية».

وأوضح أن بعض هؤلاء وُضعوا في السجون، فيما يخضع آخرون للمراقبة، وقال: «نستخدم كل الطرق لإنهاء وجود (داعش) في سوريا، ولا سيما عبر العمل الأمني والاستخباراتي، وضرب خلايا التنظيم وتفكيكها».

قدرة إزعاج ورفع تكلفة الحكم

ويبدو أنه مهما بذلت السلطات من جهود فإن قدرة «داعش» على «إزعاج» دمشق، ولو بالحد الأدنى، ستظل قائمة. ولا يطمح التنظيم حالياً للسيطرة على الأرض كما في السابق، بقدر ما يطمح لجعل تكلفة الحكم باهظة سياسياً وأمنياً. وقد يكون التنظيم في واقعه غير قادر على فرض السيطرة على قرى أو مدن أو حتى الدخول في اشتباكات واسعة مع القوات الأمنية.

اعتقال عنصر من «داعش» من قوى الأمن في البوكمال شرق دير الزور (أرشيفية - الداخلية السورية)

واللافت أن الهجمات المحدودة التي نُفّذت خلال الأسبوع الأخير من مارس، جاءت أقرب إلى الأسلوب الدفاعي أكثر من الهجومي؛ إذ تميزت باستهداف دوريات صغيرة أو نقاط مهجورة في أطراف البادية، ما يعكس تراجع القدرة التنظيمية على التخطيط المتماسك. هذا التحول يشير إلى أن التنظيم بات يركّز على الحفاظ على الوجود الرمزي أكثر من السعي وراء مكاسب ميدانية ملموسة.

الاختباء وإعادة البناء

وحتى الخامس من أبريل (نيسان) الحالي، تشير المعطيات إلى أن التنظيم دخل في مرحلة «الكمون»، المتمثلة في الانسحاب الجزئي من خطوط المواجهة، وإعادة ترتيب القيادة وتقييم الخيارات المستقبلية. ويُحتمل أن تكون هذه المرحلة تمهيداً لسياسة يمكن تسميتها «الاختباء وإعادة البناء»، ويعتمدها التنظيم عادةً عقب خسائر كبيرة، كما في العراق عام 2007، ريثما يجد ثغرات جديدة في المنظومة الأمنية.

ويرى مراقبون أن استمرار تراجع المستوى المعيشي وارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية والخدمات الأساسية، قد يعزز من إمكانية استغلال التنظيم هذا الواقع لمزيد من التجنيد في صفوفه. لكن نجاح حكومة دمشق في بناء «جيش وطني» موحد ودمج الفصائل وحصر السلاح بيد الدولة والسيطرة عليه قد يسحب البساط من تحت أقدام التنظيم، خاصة إذا ترافق ذلك مع استقرار معيشي في مناطق شرق الفرات والجزيرة. فلا شك أن تنظيم «داعش» فقد في 2026 «هالة التمكين» لكنه لم يفقد «إرادة القتال»، وليس هجومه على الرئيس السوري وحكومة دمشق إلا اعترافاً ضمنياً بخطر الدولة الجديدة على وجوده.

اختبار مزدوج

وفي المحصلة، يبدو أن الانخفاض النسبي في نشاط التنظيم لا يمكن تفسيره بعامل واحد فقط، بل هو نتاج تراكمي لجملة من المتغيرات الأمنية والميدانية والاقتصادية التي تقاطعت لترسم ملامح مرحلة جديدة من الصراع. فالحملة المكثفة التي شنتها القوى الأمنية السورية أحدثت خللاً أكيداً في بنية التنظيم الداخلية، وأجبرته على الانسحاب الجزئي من بعض مناطق نفوذه، لكن هذا الانسحاب لا يُقاس فقط بضعف القدرة الهجومية، بل أيضاً بظهور مؤشرات على إعادة الترتيب الداخلي، وتراجع الاعتماد على أسلوب الهجمات التقليدية المباشرة.

في المقابل، تشير بعض المؤشرات الميدانية إلى أن التنظيم لم يفقد تماماً قدرته على التكيّف؛ إذ لا تزال خلاياه الصغيرة نشطة في أطراف البادية ومناطق التماس بين دير الزور والرقة. مثل هذه المؤشرات قد توحي بأن المرحلة الحالية تمثل انتقالاً مؤقتاً يعيد من خلاله تقييم خياراته وتوجيه جهوده لإعادة بناء شبكاته الداخلية بعيداً عن الملاحقة المباشرة.

عناصر من قوات الأمن السورية (أ.ف.ب - أرشيفية)

فالتجارب السابقة تُظهر أن «داعش» اعتاد استغلال فترات الانكماش لإعادة التموضع والاستفادة من أي اضطرابات أمنية أو سياسية، كما أن الظروف الإقليمية المحيطة قد تتيح له إعادة فتح خطوط الإمداد أو التواصل مع مجموعات فرعية تسهّل استعادة النشاط تدريجياً.

ضمن هذا الإطار، تبدو المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً لقدرة الأجهزة الأمنية السورية على الحفاظ على المكاسب الميدانية التي حققتها منذ فبراير الماضي، ومن جهة أخرى اختباراً لقدرة التنظيم نفسه على الصمود أمام الضغوط المتعددة التي يتعرض لها. فإمّا أن يواصل حالة الكمون ويتحول تدريجياً إلى كيان هامشي محدود التأثير، أو أن يُعيد الظهور بشكل متقطع عبر عمليات نوعية صغيرة تهدف لإعادة إثبات الحضور دون الدخول في مواجهة مفتوحة.

وفي كلتا الحالتين، تشير المعطيات الحالية إلى أن الأشهر القادمة ستشكّل مرحلة مفصلية في رسم طبيعة التهديد الأمني في شمال ووسط سوريا، بما يحدد ملامح المواجهة القادمة بين الدولة والتنظيم.


إعادة هيكلة القطاع الوظيفي في سوريا تدفع عائلات تحت خط الفقر

سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
TT

إعادة هيكلة القطاع الوظيفي في سوريا تدفع عائلات تحت خط الفقر

سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)
سيدة سورية تشارك في تظاهرة "الحقوق والكرامة" المطالبة بتحسين الاوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)

منذ تغيّر النظام في سوريا قبل أقل من عامين تقريباً والسلطات الجديدة تعمل على إعادة هيكلة تركة «القطاع الوظيفي» الثقيلة، التي ورثتها من النظام السابق، لكن يبدو أنها لا تمتلك حتى الآن خطة واضحة لذلك.

وتجد الحكومة الحالية نفسها في مواجهة تركيبة معقدة من «فائض موظفين» كبير، يتكون من شريحتين؛ الأولى «هشة فقيرة» شكلت الوظيفة الحكومية بالنسبة إليها ضماناً لمصدر العيش، واستغلها النظام السابق لكسب الولاء، والثانية فرضتها رؤوس الفساد لاعتبارات متعددة سياسية وطائفية وأمنية، إضافة إلى الكسب المادي بطبيعة الحال.

وفي سياق محاولات الحكومة الحالية لإصلاح القطاع الوظيفي، أصدرت الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية في أغسطس (آب) 2025 القرار رقم «2533» بعدم تجديد العقود السنوية للموظفين «المؤقتين»، في حال انتهاء مدتها أياً كان نوعها إلا في ضوء الحاجة الماسّة، وبموافقتها حصراً، وذلك بعد أن كانت تُجدد تلقائياً.

من تظاهرة "القانون والكرامة" المطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية، في ساحة يوسف العظمة وسط دمشق في 17 أبريل (رويترز)

مع البدء بتنفيذ القرار مطلع عام 2026، وجد عشرات آلاف العاملين أنفسهم خارج الوظيفة، وبالتالي من دون أي دخل. ويتنوع هؤلاء بين أشخاص عاديين باحثين عن عمل وأُجبروا على دفع رشى لمسؤولين وأصحاب نفوذ لتوظيفهم، بحكم أن ذلك كان الوسيلة شبه الوحيدة المتاحة لتأمين الرزق، وبين عشرات الآلاف من الموالين للنظام السابق الذين تم توظيفهم خدمة له، يضاف إليهم أعداد بالآلاف أيضاً خلال سنوات الحرب نتيجة توظيف ذوي من قضوا في القتال إلى جانب النظام كمكافأة لهم.

وتشير تقديرات رسمية إلى أن عدد العاملين في القطاع العام يتراوح حالياً بين 1.2 و1.4 مليون موظف، من دون أن تذكر أعداداً واضحة لمن يعملون بعقود سنوية والدائمين، لكن مصادر غير رسمية تتحدث عن أن عددهم يقدر بعشرات الآلاف ليس أكثر.

استياء وترقب

منذ تطبيق القرار «2533» بات يسود في المحافظات موقف شعبي يمكن وصفه بـ«الهجين»؛ إذ يجمع بين استمرار «التأييد» للقيادة والسلطات الجديدة، وبين حالة «استياء» تم التعبير عنها باحتجاجات واعتصامات وإضرابات عن العمل، بسبب إنهاء تجديد عقود موظفين، وتدني الرواتب عموماً وسط أزمة اقتصادية خانقة.

وزاد من حالة الاستياء العام استمرار الارتفاع الهستيري لعموم الأسعار، وأجور الخدمات الأساسية من كهرباء، وإنترنت، ومواصلات، ووصول الحال بأعداد كثيرة من الأسر إلى انعدام القدرة على التحمل، إضافة إلى تزايد نسبة البطالة، في حين حذرت تقارير أممية من أن أكثر من 90 في المائة من سكان سوريا يعيشون تحت خط الفقر.

سكان مناطق مدمرة تنتظر الإعمار في دير الزور السورية (أ.ب)

وفي ما اعتُبر خطوة إسعافية، ومحاولة لامتصاص حالة الاستياء في الأوساط الشعبية التي طالما تطلعت إلى تحسين أوضاعها المعيشية بعد التغيير، عمّمت الحكومة منذ فترة، بحسب مصادر حكومية لـ«الشرق الأوسط»، قراراً على هيئات ومؤسسات عامة ينص على «تمديد عقود عمل الموظفين السنوية ثلاثة أشهر»، من بينها «الهيئة العامة للبحوث العلمية والزراعية في سوريا».

وجاء القرار بعدما تبلّغ قبل نحو شهرين «846 موظفاً وموظفة في (الهيئة) يعملون بعقود سنوية (مؤقتة)، بالتوقف عن العمل»، بموجب القرار «2533».

ووفق معلومات «الشرق الأوسط»، يتوزع هؤلاء على 308 من العاملين والعاملات في مركز «الهيئة» بمحافظة اللاذقية (غرباً)، و185 في طرطوس (غرباً)، و204 في الغاب (ريف حماة)، و60 في حمص (وسطاً)، و65 في مركز القنيطرة (جنوباً)، و13 في ريف دمشق، و8 في «إدارة بحوث القطن»، إضافة إلى 6 في حماة.

مستقبل غامض

تحدثت «الشرق الأوسط» مع موظفة تبلّغت قرار طردها من «الهيئة العامة للبحوث» حيث تعمل منذ خمس سنوات، فقالت: «لم يبدد قرار التمديد حالة القلق اليومي بسبب عدم وضوح الأفق، والخوف من فقدان مصدر العيش».

وتتساءل السيدة التي فضّلت عدم الكشف عن اسمها، والتي تعيش مع ابنة وحيدة لها، خلال حديثها لـ«الشرق الأوسط»: «ماذا سيحدث بعد انتهاء فترة التمديد؟ هل سينهون عملنا أو سيثبتوننا؟ هل سنُمنح تعويضات؟ للأسف لا أحد يجيبنا، ونحن أمام مستقبل غامض!».

طفلان يلهوان في حي تين ترما المدمّر والمحاذي لدمشق مطلع أبريل (أ.ب)

ومع ظهور علامات توتر عليها تقول السيدة: «رغم الاحتجاجات والاعتصامات، ومشهد المشاركين وهم يتحدثون عن مصابهم وكأنهم طيور مذبوحة، مددوا ثلاثة أشهر فقط!»، مشددة على أنه لو «كان هناك حكومة يهمها المواطنون، لوجب تثبيتنا».

ومع ارتفاع الأسعار أخيراً باتت أسرة سورية مؤلفة من ثلاثة أشخاص تحتاج لنحو 500 دولار أميركي شهرياً، في حين لا يتجاوز متوسط راتب الموظف في القطاع العام 170 دولاراً بعد مرسوم الزيادة الأخير.

وعلى الرغم من ذلك، تتمسك أعداد كبيرة من هؤلاء بالوظيفة انطلاقاً من أن «الرمد أفضل من العمى»، على ما يقول المثل الشائع.

وفي مشهد يعكس الحاجة الملحّة وندرة فرص العمل، يظهر على بعد أمتار من لقائنا بالسيدة مخبز تجمع حوله العشرات وهم يحملون كميات من الخبز لإعادة بيعها. وتقول السيدة: «نصف الشعب تحول إلى بائعي خبز، وقسم كبير يعمل في جمع البلاستيك من حاويات القمامة، وبعضهم يبحث فيها عن بقايا طعام».

سوريون في المصرف المركزي بدمشق في ظل التفاؤل برفع الاتحاد الأوروبي جميع عقوباته الاقتصادية المتبقية على سوريا في 2025 (أ.ف.ب)

«فائض موظفين»

يوضح معاون المدير العام لـ«الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية في سوريا»، ملحم العبدالله، أن ما يجري للعاملين المؤقتين في «الهيئة» سببه تركة «فائض الموظفين» التي خلفها النظام السابق، والحكومة الحالية تتحمل تبعاتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يؤكد العبدالله أن «الهيئة» لديها فائض حقيقي وواضح في مراكز محافظتَي اللاذقية وطرطوس، والغاب، وبعضهم موظف منذ 15 عاماً، وكان يُفترض تثبيتهم بعد مضي خمس سنوات بموجب قانون أصدره النظام السابق.

ويبدي العبدالله تعاطفاً مع هؤلاء الموظفين، ويقول: «للأسف الغالبية العظمى من الطبقة الهشة، ومنهم من ذوي الاحتياجات الخاصة، جرى تعيينهم عن طريق وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل!».

وخلال اعتصامات ووقفات احتجاجية نفذوها ولقاءاتهم مع المسؤولين، تساءل العاملون عن المعايير التي اعتُمدت لاستمرار عدد من الموظفين في عملهم وإنهاء عقود آخرين، وكذلك عن أسباب صدور تعميم قبل قرار التمديد لثلاثة أشهر لمراكز اللاذقية وطرطوس والغاب، نصّ على استمرار كافة العاملين في تلك المراكز في عملهم.

وفي هذا الصدد، غمز عاملون في مراكز أخرى بأن من ضمن أسباب صدور التعميم لمراكز اللاذقية وطرطوس والغاب ربما «تحسّب السلطات» من ضغوط قد تمارسها دول تطالب بـ«حماية الأقليات».

بيد أن العبدالله يؤكد أن ذلك التعميم «ليس له تلك الأبعاد»، وأن المعايير التي تم اعتمادها هي «دراسات أجرتها لجان تم تشكيلها من اختصاصيين في المراكز، واستندت على (التقييم) الخاص بكل عامل، وحاجة كل مركز».

«حكم إعدام للعائلات»

في ظل مخاوف العاملين على مصيرهم، يتحدث العبدالله عن «احتمال إعادة تدوير لهم في ظل النقص في عدد العمال والخبراء والاختصاصيين في كثير من مراكز (الهيئة) الواقعة في المحافظات الشمالية والشرقية».

بالنسبة لموظفة أخرى في «الهيئة» جرى إبلاغها بالالتحاق بالعمل بعد قرار التمديد، فإن «عملية التدوير» هي «أمر ممكن» إذا كان النقل إلى مراكز قريبة، كأن يُنقل الموظف من مركز دمشق إلى مركز بريفها أو إلى القنيطرة، مع توفير وسائل نقل من قبل «الهيئة». ولكن التدوير يكون بمنزلة «تعجيز» إن جرى نقل الموظف من مركز في جنوب البلاد إلى أقصى الشمال أو الشرق؛ لأن «الراتب لن يكفي لإيجار منزل حتى».

حركة المارة في ساحة المرجة وسط دمشق (رويترز)

واللافت أن قرارَي التوقيف والتمديد لم يشملا كافة المتعاقدين؛ فإحدى الموظفات بعقد سنوي في «الإدارة العامة للشؤون المدنية» التابعة لوزارة الداخلية، فُصلت هي و479 آخرون من عملهم في أبريل (نيسان) 2025 بقرار فجائي صادر عن معاون وزير الشؤون المدنية، ولم تتبلّغ الموظفة بتمديد عقدها ثلاثة أشهر. وما زاد من مصيبتها أن قرارات إنهاء العمل شملت زوجها أيضاً العامل في المؤسسة العامة للكهرباء، ما أدى إلى فقدان العائلة كافة مصادر العيش.

«حكم بالإعدام على العائلة»، تصف السيدة ما جرى معها ومع زوجها، لافتة إلى أن زوجها أُصيب على أثر ذلك بـ«جلطة دماغية»، ولا يزال يعاني من تداعياتها الخطيرة.

تحديات الهيكلة الإدارية

تكشف تحديات إعادة الهيكلة التي واجهها الاقتصاد السوري مفارقات جوهرية تهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والنمو المستدام، وفق المستشار الاقتصادي زياد عربش.

ويوضح عربش لـ«الشرق الأوسط» أن «أولى المفارقات تكمن في أن عودة المهجّرين تفترض زيادة الطلب على الخدمات العامة إلى نحو الضعف، خاصة في مجالات التعليم والصحة، الأمر الذي يتطلب توظيف المزيد من الكفاءات رغم وجود (فائض وظيفي) موروث. فهذا يتطلب إعادة تأهيل عوضاً عن الصرف». ويوضح عربش أنه «مع وجود (موظفين أشباح) وقع العبء على الموظفين الحقيقيين الذين استمروا في تقديم الخدمات لأعداد أكبر من المستفيدين، كتأمين التعليم لخمسة ملايين طالب، في حين عمدت وزارات عديدة إلى رفد المؤسسات بعشرات آلاف الموظفين».

المفارقة الثانية، بحسب عربش، أن القطاع العام ليس وحده الذي يحتاج إلى إعادة تأهيل، بل القطاع الخاص أيضاً، ويقول: «بدلاً من التركيز على مزيد من الكفاءة في كلا القطاعين، يتم بيع أصول المؤسسات العامة قبل هيكلتها، لا بل إن تفكيك مؤسسات الدولة ينتهك المبادئ العامة ودور الدولة كضامن للعقد الاجتماعي».

أما المفارقة الثالثة، فهي وجود بطالة مقنّعة، مقابل نقص حاد في الكفاءات الرقمية المطلوبة لآلاف فرص العمل في قطاعات تعتمد بشكل أساسي على التحول الرقمي، و«خصوصاً مع الحديث عن الاستثمارات في السياحة والاتصالات، وبناء المرافق لجذب الرأسمال العربي المهاجر، وهذا كله يتطلب استراتيجية انتقالية تجمع بين الشفافية والتدريب لتحويل المفارقات إلى محركات نمو»، بحسب عربش.

أنيت شماس من الوزارة الألمانية للتعاون الاقتصادي والتنمية تزور أحد المراكز الثمانية المنتشرة في أنحاء سوريا للتدريب على المهارات ودعم سبل العيش (الأمم المتحدة)

ويستبعد عربش أن تتخلى الحكومة تماماً عن هؤلاء الموظفين المتعاقدين، لكنها تواجه تحدياً حقيقياً. ويقول: «صحيح أن النظام السابق ترك إرثاً مشيناً بعد عقود مما يسمى إصلاح القطاع العام (والذي لم يكن إلا غطاء لنهبه)، وواجهت السلطة الجديدة اليوم (موظفين أشباحاً) مسجلين على سجلات الرواتب دون وجودهم، لا بل إن البعض كان له عدة رواتب في عدة مؤسسات للدولة... لكن التعميم غير مبرر، ففي اليوم التالي للتحرير استمرت المؤسسات في تقديم الخدمات دون انقطاع للمياه أو الكهرباء، وتابع ملايين الطلاب دراستهم».

تباينات الرواتب

المعاناة والقلق لا يقتصران على الموظفين الحكوميين المتعاقدين، بل يطولان «المثبتين» الذين استمروا في أداء عملهم في الوزارات والمؤسسات الحكومية خلال السنوات الماضية.

وتتمثل معاناة هؤلاء، وفق عدد منهم، في وجود فروقات كبيرة بين رواتبهم الشهرية، ورواتب موظفين قدموا من الشمال السوري والمهاجر.

موظف في مؤسسة حكومية بدمشق، مضى على عمله أكثر من 20 عاماً، لا يتجاوز راتبه الشهري حالياً 170 دولاراً، يؤكد أن زملاء جدداً له في نفس المكتب قدموا من الشمال حيث عملوا في «حكومة الإنقاذ» التي كانت تتبع «هيئة تحرير الشام»، يتقاضون نحو 500 دولار، في حين تصل مرتبات رؤساء أقسام لنحو 1000 دولار، والمديرون الجدد الذين قدموا من تركيا يتقاضون أكثر من 3000 دولار.

ويقول الموظف الذي فضّل عدم ذكر اسمه واسم المؤسسة، إن الأمر يتسبب في «غصة كبيرة له وللآلاف من زملائه، ويشعرهم باستمرار فقدان العدالة».

ويوضح مصدر حكومي حالي في دمشق، كان موظفاً لدى «حكومة الإنقاذ» في الشمال السوري قبل التحرير، أن الأخيرة كان لديها سلم رواتب وفق قانون العاملين رقم «53»، وهو مماثل لقانون العاملين رقم «50» المعمول به في مناطق سيطرة النظام السابق.

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويذكر المصدر لـ«الشرق الأوسط» أن «رواتب (الإنقاذ) في تلك الفترة كانت تبدأ من 125 دولاراً وتصل إلى 500 دولار، كما كان يوجد رواتب أعلى، وهذا التفاوت موجود حتى وفق القانون رقم (50)».

ويرى المصدر أن هذا التفاوت في الرواتب أمر طبيعي في هذه المرحلة الانتقالية، وسيتم معالجته تدريجياً مع صدور «قانون الخدمة المدنية الجديد» بعد انطلاق عمل مجلس الشعب.

ووفقاً للمصدر، فإن «عملية الدمج بين الكيانات الموجودة في الدولة معقدة، وقد تستغرق وقتاً طويلاً؛ لأن حكومة النظام السابق كانت تعمل وفق القانون (50)، و(الإنقاذ) وفق القانون (53)، و(الإدارة الذاتية) الكردية وفق قانون خاص بها».

حلول عملية

المستشار الاقتصادي عربش، وخلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، قال إن مسألة وجود فارق في رواتب موظفين في مرتبة واحدة «تهدد العقد الاجتماعي وتفاقم المفارقات الثلاث السابقة».

ويوضح أن «وجود رواتب منخفضة (مثل 200-300 دولار) مقابل 500-700 دولار لبعض الموظفين الجدد يولّد توتراً، ويقوّض الاستمرارية المؤسساتية؛ ولذلك يُفترض أن تجعل الحكومة هذه القضية أولوية لتعزيز الوحدة الوطنية، مدعومة بضغط دولي واستثمارات».

وفي رأيه، فإن معالجة مشكلة الفارق في رواتب الموظفين تتطلب «نهجاً تدريجياً، مع التركيز على الشفافية والكفاءة».

ويذكر عربش أن النهج التدريجي للمعالجة يتضمن عدة طرق، هي «توحيد جداول الرواتب بصيغة موحدة بناءً على الخبرة والموقع، مع زيادة تدريجية للمثبتين (20 في المائة سنوياً لثلاث سنوات مثلاً)، ممولة بإيرادات الاستثمارات في قطاعات الطاقة والفوسفات والسياحة».

قوات الأمن في مواجهة محتجين يطالبون بتحسين الأوضاع المعيشية في دمشق في 17 أبريل (أ.ب)

ويمكن معالجة الأمر من خلال حوافز أداء، كربط نسبة من الراتب بمؤشرات واضحة، ما يحفز الكفاءة، وكذلك من خلال تعويض انتقالي بتقديم منح للمثبتين في أكثر المناطق فقراً لسد الفجوة، وبرامج تدريب مشتركة لتبادل الخبرات.

وأيضاً «يمكن معالجة الأمر من خلال رصد رقمي، كاعتماد تطبيق (حقيبة الراتب الشفاف) لمراقبة الفوارق، وهو مستوحى من نموذج نفذته السعودية سابقاً».

وهذه الطرق، بحسب عربش، تحوّل الفائض الوظيفي قوة في الموارد البشرية، مع تقاطع هيكلة القطاع الخاص باعتماد مسارات النهوض التكنولوجي والمؤسساتي؛ بمعنى أن تتحول عدة موارد إلى كفاءات رقمية للاستثمارات. لكن إلى أن تتم هذه العملية وغيرها، أو أن توضع خطط بديلة للتعامل مع تحديات الإدارة العامة والأعباء الاقتصادية للأسر السورية، يبقى أن عدداً لا يستهان به من المعيلين والمعيلات فقدوا مصدر دخلهم الوحيد، وزادوا هوامش الفقر الممتدة كل يوم.