الصحافة الحزبية في المغرب... صمود وسط أعاصير التحول

الرقّاص: علاقة الحزب السياسي بصحيفته لم تعد كما كانت من قبل

الصحافة الحزبية في المغرب... صمود وسط أعاصير التحول
TT

الصحافة الحزبية في المغرب... صمود وسط أعاصير التحول

الصحافة الحزبية في المغرب... صمود وسط أعاصير التحول

تميّزت الصحافة المكتوبة المغربية تاريخياً بالسمة السياسية، وظل استمرار إصدار الصحف رهيناً بتموجات الواقع السياسي، الذي أفرز تقليداً تمثل في الترابط الحتمي بين مصير الصحيفة ومآل الحزب السياسي الناطقة باسمه، وهو ما جعل حياة هذه الصحف رهينة بملابسات الحياة السياسية والحزبية.
وعلى خلاف البلدان الغربية، التي اهتدت إلى إلغاء الصحف الحزبية منذ عقود من الزمن، فإن غالبية الهيئات السياسية المغربية ظلت محتفظة بمنابرها التي شكلت في الماضي عناوين كبيرة لتاريخ الصحافة بالمغرب. في ظل هذا الواقع أصبحت دراسة تاريخ أي حزب مغربي، تتطلب من الباحث أساساً دراسة مسار صحافته، وارتكازاً على العلاقة التاريخية والعضوية بين الحزب والصحيفة، وهو ما أفرز جدلية غاية في الإحكام بين الطابعين الصحافي والسياسي، كما جاء في كتاب «مجمل تاريخ المغرب»، للمفكر المغربي عبد الله العروي. وبذلك ارتبطت الصحافة المغربية في مجملها بالفضاء السياسي من جهة، وبالعمل الحزبي من جهة ثانية.

لقد ظلت وظيفة هذه الصحافة محكومة بدرجة أولى بمنطق الصراع السياسي بين النخب، وبهيمنة حزبية مشددة على الصحافة. وكانت الأولوية، منذ الحصول على الاستقلال إلى غاية منتصف عقد التسعينات من القرن الماضي، تعطى للعلاقة بين الحزب وأعضائه على حساب العلاقة بين الصحيفة والقراء. أي صحافة تخاطب المناضلين، وتنقل لهم تعليمات الحزب، وفق تصوّر هذا الأخير لحاجياتهم الإعلامية، بدلاً من صحيفة موجهة للجمهور الواسع.
وحقاً، فإن معظم الصحف المغربية إما تابعة للأحزاب أو لحساسيات سياسية أو اقتصادية ومالية، مما جعل الصحافة رهينة لتسيس مبالغ فيه. ولقد خضع تعامل الصحف مع الأحداث بالدرجة الأولى للتوجهات السياسية للحزب الناطقة باسمه. وهذا ما يفسر في غالب الأحيان تباين وجهات النظر والتأويلات التي يتعرض لها الحدث الواحد، رغم ظهور صحف ومجلات حاولت أن تنأى بنفسها عن التبعية للأحزاب.

مستقبل الصحافة الحزبية
إذا كان ارتباط الجريدة بالحزب يحد نسبياً من حريتها وحرية صحافييها لدفعها لتكييف خطها التحريري مع توجهات الحزب وعقيدته، إلا أن الحديث عن الصحف المملوكة لأحزاب سياسية أو عن مستقبلها، لا يمكن أن يكون موضوعياً ورصيناً من دون استحضار السياق السياسي والمهني والتاريخي للمغرب. وبالتالي، هنا لا بد من تحليل الموضوع ضمن مقاربة شمولية بلا خلفيات مسبقة أو أحكام جاهزة، أو أطروحات ماضوية باتت اليوم عقيمة، حسب ما يرى محتات الرقاص، مدير نشر جريدتي «بيان اليوم» باللغة العربية و«البيان» باللغة الفرنسية، التابعتين لحزب التقدم والاشتراكية المعارض (الشيوعي سابقاً). يعود تاريخ صدور الصحيفتين إلى عام 1972.
وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط» أوضح الرقاص - وهو أيضاً عضو في المكتب التنفيذي للفيدرالية المغربية لناشري الصحف أن مقاربة هذا الموضوع بالنسبة للحالة المغربية «ليست نفسها في جغرافيات إعلامية وسياسية عربية أخرى»، معرباً عن اعتقاده بأن «عدداً من المتكلمين في هذا الموضوع ببلادنا، لم يطلعوا على صحيفة حزبية منذ عقد الثمانينات من القرن الماضي. وبالتالي، فمقاربتهم للموضوع تبقى منجرة لذات الأدوات التحليلية السابقة، ومعتقلة في قوالب الزمن السياسي الذي مضى».
في سياق ذلك، ذكر الرقاص بأن عدداً من صحف الأحزاب التي لا تزال صامدة في الساحة حتى اليوم، وضمنها «البيان» و«بيان اليوم»، شهدت تحولات كثيرة، في الأشكال وفِي المضامين، مشدداً على «ضرورة استحضار كل هذه التحولات الهيكلية والأساسية في سياق التحليل».
وأردف قائلاً: «نحن نعمل اليوم ضمن مقاولة صحافية تصدر صحفاً مكتوبة أو إلكترونية. ولم يعد الأمر يتعلق بنشرات حزبية تنجز داخل المقرات الحزبية من طرف مناضلين متطوعين. والمقاولة اليوم تُدار ضمن شروط أي شركة خاصة، وتواجه الصعوبات، وتعمل بأدوات القطاع الخاص ذاتها، وتعرض منتوجها للسوق تماماً كما يفعل كل المقاولين».
إلا أن هذه الصحف العريقة، في نظر الرقاص، «مطالبة في الوقت ذاته بالاستمرار والتطور من داخل نموذج اقتصادي ومقاولاتي حديث وعصري، خاصة أن العمل المهني اليومي لا يظهر أن هناك أي فرق بين صحف، يمكن تسميتها سياسية، وأخرى خصوصية، بحكم ملكيتها. ذلك أننا جميعاً نبحث عن الأخبار ونعالجها ونعرضها للجمهور في التزام وتقيد بقواعد المهنة وأخلاقياتها»، فضلاً عن أن الصحافيين «هم أنفسهم ولا لوجود لصحافيين للصحف الحزبية فقط وآخرين للصحف الخاصة».
ويتابع مدير نشر صحيفتي «البيان» و«بيان اليوم» أن علاقة الحزب السياسي نفسه بصحيفته لم تعد كما كانت من قبل، بل صارت تدبر ضمن آليات التعاقد وأحكام قوانين الشركات. ويشير إلى أن ما يقتضيه قانون الصحافة من شروط تسري راهناً على كل المهنيين والمؤسسات الإعلامية من دون استثناء. غير أنه يستدرك قائلاً: «قد تكون الصحف السياسية ملتزمة بثوابت سياسية وفكرية محددة، ولا تتناقض معها... ولكن ذلك يمكن إدراجه ضمن مقتضيات خطها التحريري، وهو ما يفترض مبدئياً أنه يميز كل صحيفة بغض النظر عن مالكها أو الجهة الناشرة لها». ثم يذكر أن صحفاً خاصة بدورها تتقيد بـ«خطوط حمراء» لا تتجاوزها، سواءً في العلاقة مع المواضيع أو الأشخاص أو اتجاه المموّلين والسلطات السياسية.
ومن ثم، يتساءل «ألا يمكن اعتبار هذه الصحف الخاصة جداً، في هذه الحالة، قد تحولت إلى مطبوعات تنتصر لجهة سياسية أو سلطوية أو اقتصادية محددة؟».
محتات الرقاص يرى أن الصحف المغربية كلها تواجه اليوم أمام تحديات استمرارها «وهي مطالبة بصياغة نموذج اقتصادي جديد لتدبير منظومتها كلها. والتمييز هنا بين الصحف، بحسب الجهة الناشرة لها، يعتبر منهجية غير مجدية إطلاقاً». ويعبّر عن اعتقاده بأن المغرب في حاجة ماسة إلى صحافة ممتلكة لوضوح موقفها السياسي، ولديها المصداقية التاريخية والسياسية والمهنية والأخلاقية اللازمة، وذلك لكون الصحف الحزبية التي تطورت وتغيرت كثيراً اليوم بإمكانها تجسيد هذا النموذج لصحافة سياسية وطنية جادة ورصينة تواكب ديناميات الوطن وتنتصر لقضاياه الأساسية.
ويخلص الرقاص إلى القول إن البلاد مدعوة بدورها للانفتاح أكثر وتمتين تحولها وتأهيله، ولكن في الوقت نفسه مدعوة أيضاً لبلورة مخطط استراتيجي كبير للنهوض بقطاع الصحافة المكتوبة والإلكترونية بشكل عام وتنمية القراءة وسط الجمهور والشباب، وإسناد مقاولات القطاع لتعزيز استقرارها المادي والاقتصادي، ولتطوير منتوجها المهني، وتقوية دورها في المجتمع، وهذا في نظره هو «تحدي المرحلة في مهنتنا اليوم بالمغرب».

التكنولوجيا... وتحدي المهنية
على صعيد آخر، يقول عبد الجبار الراشيدي، الباحث في الإعلام والاتصال، في لقاء مع «الشرق الأوسط» إن الصحافة الحزبية «لعبت بالفعل أدواراً طلائعية في تحرير الوطن والمواطن، وكانت المعبر الأمين عن الحركة الوطنية التحررية المغربية. كذلك ساهمت خلال مرحلة الاستقلال في توطيد الديمقراطية والحريات العامة وحقوق الإنسان بالبلاد... رغم مختلف أشكال التضييق والمحاكمات التي تعرضت لها». إلا أنه يضيف أنها «تناضل اليوم من أجل البقاء في ظل المتغيرات المتسارعة المرتبطة بتكنولوجيا الإعلام والاتصال والتكيف مع متطلبات العصر الرقمي».
ويعتبر الراشيدي، وهو أيضاً مسؤول الإعلام وعضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال الذي يصدر صحيفتي «العَلَم» باللغة العربية (أسست عام 1946) و«لوبينيون» باللغة الفرنسية (عام 1964)، أن من بين مميزات الصحافة الحزبية «أنها ظلت عصيّة على التطويع أو الاختراق لما تمتلكه من حصانة سياسية وآيديولوجية، وهذا، في حين أصبحت سلطة المال و«لوبيات» الاقتصاد تلعب اليوم دوراً متصاعداً في صناعة الإعلام والرأي العام وامتلاك وسائل الإعلام. وهذا يشكل - في نظره - «خطراً على حرية الصحافة وعلى الديمقراطية بشكل عام».
ويستطرد الراشيدي ليشدد على أن الصحافة الحزبية بالمغرب «مطالبة بتطوير نفسها وإعادة صياغة علاقتها بالحزب، والانفتاح أكثر على مختلف الحساسيات السياسية والثقافية، وتعددية الرأي والتعبير، وبتبني خط تحريري ينقلها من نشرة حزبية إلى صحيفة مهنية منفتحة على مختلف تيارات المجتمع مع ضمان التعبير عن الخط السياسي للحزب في الحدود المعقولة... لكن بمهنية وحرفية عالية».
للعلم، إذا كانت الصحف الحزبية المغربية، كما هو شأن وسائل الإعلام الأخرى من صحافة مكتوبة خاصة وإلكترونية، تحظى بدعم مالي سنوي من الدولة مكنها على الأقل من المحافظة على الصدور، إلا أن هناك عاملاً آخر يساهم في استمرارية هذه الصحف. هذا العامل هو ما توفره الهيئات السياسية من تغطية مادية ومعنوية، بينما تشير المعطيات المتوفرة إلى تراجع في منسوب الإقبال على الصحف الحزبية من جمهور القراء الذي لا يعير بصفة عامة كثير الاهتمام للإعلام المكتوب، خلافاً لما كان عليه الشأن في السابق، قبل أن تغزو العولمة وبعدها الثورة الرقمية خلال الألفية الثالثة، فتأتي على الأخضر واليابس في عالم الصحافة والإعلام.
لقد فرض التطور التكنولوجي، على الصحف الحزبية المغربية إحداث نسخ إلكترونية إلى جانب صحافتها الورقية، بيد أن هذا لم يمنع استمرار الأزمة التي تعرفها الصحافة الحزبية، ومعها الورقية، والتي تعزى في جانب منها إلى عجز الخطاب الحزبي السائد عن الاستجابة لحاجيات الجمهور خاصة الشباب. ويضاف إلى ذلك المنافسة التي خلقتها في سنوات سابقة حيوية الصحف الخاصة وجرأتها في تناول المواضيع المطروحة، بينما ظلت نظيرتها الحزبية رهينة توجهات الهيئات السياسية المتحدثة بلسانها، مع معوقات أخرى موضوعية على رأسها تدنى نسب القراءة.
تجدر الإشارة إلى أن أبرز الصحف الحزبية في المغرب، فضلاً عن «العَلَم» و«لوبينون» و«بيان اليوم» و«البيان»، وصحف «الاتحاد الاشتراكي» و«ليبراسيون» (يصدرهما حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية اليساري المشارك في الحكومة) و«رسالة الأمة» (لسان الاتحاد الدستوري) و«الحركة» (التي تصدرها الحركة الشعبية) - وهما أيضاً حزبان مشاركان في الحكومة - و«المنعطف» (لسان حزب جبهة القوى الديمقراطي) بينما اهتدى حزب الأصالة والمعاصرة (معارضة برلمانية) أخيراً إلى تأسيس صحيفته واختار لها اسم «التراكتور» (أي الجرّار الزراعي) الذي هو أيضاً شعار الحزب.


مقالات ذات صلة

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
الولايات المتحدة​ مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

«واشنطن بوست» تعلن تسريح ثلث موظفيها في جميع الأقسام

في ضربة قاسية لإحدى أعرق المؤسسات الصحافية... أعلنت صحيفة «واشنطن بوست» عن تسريح ثلث موظفيها بقسم الأخبار والأقسام الأخرى

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أكدت الجلسة الحوارية أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية إيصال الأخبار بشكل احترافي (المنتدى السعودي للإعلام)

خبراء: المنصات الحديثة تفرض على المؤسسات الصحافية مراجعة أدواتها

أكد خبراء إعلاميون أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض على المؤسسات الصحافية إعادة التفكير في أدواتها وأساليبها، مع الحفاظ على القيم المهنية وجودة المحتوى.

غازي الحارثي (الرياض) عمر البدوي (الرياض)

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
TT

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)

قالت كِندة إبراهيم، المديرة العامة الإقليمية لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، إن استراتيجية المنصة في المنطقة خلال عامي 2026 و2027 ترتكز على بناء «اقتصاد إبداعي مستدام» يحوّل المحتوى من نشاط رقمي إلى مسار مهني حقيقي، ويمنح المواهب المحلية أدوات النمو والوصول إلى الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأوضحت إبراهيم، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» على هامش حفل جوائز «تيك توك» الذي نُظم أخيراً، أن المنصة «لا تنظر إلى نفسها بوصفها منصة ترفيه فحسب، بل منظومة متكاملة تتحول فيها الإبداعات إلى مهن، والاهتمامات إلى مجتمعات رقمية، والقصص المحلية إلى محتوى قادر على الانتشار عالمياً مع الحفاظ على هويته الثقافية».

وأضافت أن هذه الاستراتيجية «تقوم على الاستثمار في أدوات صناعة المحتوى، وتوسيع فرص تحقيق الدخل المستدام، وتعزيز أنظمة الأمان، وبناء شراكات تمكّن المواهب المحلية من النمو داخل المنطقة وخارجها بثقة». وأردفت أن تركيز المنصة سيظل منصبّاً على أسواق رئيسية مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ومصر، إلى جانب أسواق واعدة أخرى تشهد زخماً متزايداً في ريادة الأعمال والإبداع الرقمي.

مؤشرات نضج المنظومة

في هذا السياق، رأت كندة إبراهيم أن نتائج حفل جوائز «تيك توك» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2025 «شكّلت مؤشراً واضحاً على نضج منظومة صناع المحتوى في المنطقة، بعدما شارك أكثر من 5.7 مليون مستخدم في التصويت، مما يعكس تحول الجمهور من مجرد متلقٍّ إلى شريك فاعل في صناعة المشهد الإبداعي».

وأوضحت أن تكريم 33 صانع محتوى ضمن 11 فئة شملت الترفيه والتعليم والتأثير الاجتماعي والرياضة والطعام والأزياء والابتكار، «يعكس اتّساع نطاق الإبداع وعمقه».

وتابعت قائلةً إن صناعة المحتوى في المنطقة «لم تعد مرتبطة بلحظة انتشار عابرة أو بنوع واحد من المحتوى، بل أصبحت منظومة حقيقية تبني مجتمعات رقمية وتسهم في تشكيل الثقافة».

واستطردت بأن «وصول 66 صانع محتوى إلى القوائم النهائية قبل بدء التصويت يؤكد وجود قاعدة واسعة ومتنوعة من المواهب في مختلف أنحاء المنطقة، وهو ما دفع (تيك توك) إلى تطوير برامج دعم جديدة لعام 2026، تشمل استثمارات أكبر في أدوات مثل (تيك توك استديو) و(تيك توك ون)، إلى جانب برامج متخصصة للمعلمين والفنانين وصناع المحتوى الرياضيين ورواة القصص».

كِندة إبراهيم، المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى "تيك توك" في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا.(الشرق الأوسط)

محركات النمو

من جهة ثانية، ذكرت كندة إبراهيم أن نمو «تيك توك» في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تقوده ثلاثة عوامل رئيسة تتمثل في: الاكتشاف، والمجتمع، وفرص الدخل المستدام.

ولفتت إلى أن «نظام التوصية القائم على الاهتمامات، وليس على عدد المتابعين، يتيح للأصوات الجديدة الظهور بسرعة، ويسمح للاهتمامات المتخصصة من التعليم والرياضة إلى الطعام والجمال، بأن تتحول إلى حركات ثقافية واسعة تقودها المجتمعات نفسها... وأدوات مثل (تيك توك ون)، والتعاون بين صناع المحتوى، أمور تسهم في تحويل التفاعل إلى علاقات أعمق وفرص دخل حقيقية، مما يدعم بناء منظومة إبداعية أكثر استدامة في المنطقة». ومن ثم، فإن المنصة -وفق كندة ابراهيم- «تقيس هذا النمو عبر مجموعة من المؤشرات، تشمل عدد المستخدمين النشطين، ووقت المشاهدة، والتفاعل المتكرر، ونشاط صناع المحتوى، وتبني أدوات تحقيق الدخل، إضافة إلى عدد الصنّاع الذين ينشرون محتوى بشكل منتظم، وسرعة وصول المواهب الجديدة إلى مجتمعاتها».

التعليم والترفيه

ورداً على سؤال عن طبيعة المحتوى، أكدت أن الترفيه لا يزال عنصراً أساسياً في تجربة «تيك توك»، لكنه لم يعد النوع الوحيد الذي يبحث عنه الجمهور... ذلك أن المحتويين التعليمي والمعرفي، إلى جانب محتوى ريادة الأعمال والتأثير الاجتماعي، قطاعات تشهد نمواً متزايداً، خصوصاً عبر مبادرات مثل «تعلم في تيك توك».

وأوضحت أن التعليم على المنصة لا يأتي بصيغة تقليدية، بل في قالب بسيط وسريع وممتع، يمزج بين الفائدة والترفيه، وهو ما يجعل المحتوى أكثر قرباً من الناس وأكثر قابلية للمشاركة والاستمرار.

منصة متعددة الأجيال

وفيما يتعلق بالفئات العُمرية، شددت المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، على أن «تيك توك» باتت «منصة متعددة الأجيال بطبيعتها». إذ تعتمد تجربة المستخدم على الاهتمامات لا على العمر، وبالتالي، «فإن كل مستخدم يجد محتوىً يناسبه، سواءً للترفيه أو التعلّم أو التعبير عن الذات، مما يجعل التجربة أكثر شمولاً وإنسانية».

السلامة والذكاء الاصطناعي

أما عن التحديات، فقالت إن «تيك توك» تولي أولوية قصوى لبناء بيئة رقمية آمنة وشفافة، خصوصاً مع الانتشار المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي. وشرحت كيف أن المنصة كانت أول جهة تطبّق تقنية «بيانات اعتماد المحتوى Content Credentials بالتعاون مع تحالف C2PA لتمييز المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي».

وأضافت أن أكثر من 37 مليون صانع محتوى استخدموا أداة وسم المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي منذ العام الماضي، كما جرى وسم أكثر من 1.3 مليار فيديو بعلامات مائية غير مرئية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية.

كذلك كشفت عن إطلاق صندوق بقيمة مليوني دولار لدعم محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى الانضمام إلى «Partnership on AI» لتعزيز التعاون على مستوى الصناعة. وشددت على أن هدف «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا هو مواكبة الابتكار، مع الحفاظ على بيئة آمنة ومسؤولة تحترم الخصوصية، وتعزز الثقة، وتدعم الإبداع الحقيقي الذي يعكس ثقافة وقيم مجتمعات المنطقة.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن المنصة كانت قد نظّمت اخيراً حفل جوائزها السنوي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا احتفاءً بأبرز صنّاع المحتوى في المنطقة الذين كان لهم تأثير متميز خلال عام 2025، وتم تكريم صنّاع المحتوى الذين ساهمت قصصهم وإبداعاتهم وتأثيرهم في رسم ملامح هذا العام على المنصة وخارجها.

تنامي المنصة

للعلم، تُعدّ «تيك توك» من المنصات الرقمية المتنامية العالم. وخلال السنوات الماضية عملت على طرح المحتوى بشكل مختلف من خلال الفيديوهات القصيرة. إذ تقوم فلسفة المنصة على نموذج اكتشاف قائم على الاهتمامات لا على عدد المتابعين، مما يمنح الأصوات الجديدة فرصة الظهور والانتشار السريع، ويتيح للمجتمعات الرقمية أن تتشكل حول متابعات مشتركة، سواءً في التعليم أو الرياضة أو الطعام أو ريادة الأعمال أو الفنون.

وفي منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، تتطلع «تيك توك» لأن تكون لاعباً رئيسياً في تشكيل الثقافة الرقمية، إذ تحوّلت إلى مساحة للتعبير عن الهوية المحلية، ومسرح للأفكار الجديدة، ومنصة لإطلاق المواهب الشابة.


«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة. وهذا الأمر يدفع الآن شركة «ميتا»، مالكة المنصة، إلى الرهان على الذكاء الاصطناعي بوصفه مساراً لاستعادة التفاعل عبر تحسين أنظمة التوصية وترتيب المحتوى، وتقديم تجربة أكثر تخصيصاً للمستخدمين.

لقد أشار تقرير أجرته «سوشيال إنسايدر» (وهي شركة متخصصة في تحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي وتقديم تقارير مؤشرات أداء)، خلال الشهر الحالي، إلى أن «متوسط معدلات التفاعل على (فيسبوك) بلغ 0.15 في المائة. وهي نسبة تعكس انخفاضاً تم تسجيله منذ مطلع عام 2025». وتبيّن المؤشرات التي استندت إلى تحليل بيانات نحو 70 مليون منشور عبر منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«فيسبوك» و«إكس» (تويتر سابقاً)، أنه لا يمكن فصل هذا التراجع عن التحولات الأوسع في سلوك المستخدمين، ولا عن المنافسة المحتدمة مع منصات تقدّم أنماطاً أكثر حيوية من المحتوى، وفي مقدمتها الفيديو القصير.

حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، أرجع انخفاض التفاعل على «فيسبوك» إلى عدة عوامل. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك) بات يعاني من هجرة جيلَي زد وألفا، وتحوّل المنصة إلى فئة عُمرية أكبر (في سن 35 سنة)، والسبب في ذلك أساساً وجود منافسين أكثر حيوية ومنصّات تقدّم أنماطاً جديدة من المحتوى مثل (تيك توك) و(إنستغرام)، حتى إن (فيسبوك) باتت منصة الآباء والأجداد».

الشولي يشير إلى «تحول (فيسبوك) لإحراق المحتوى؛ إذ تتعرّض الحسابات العادية لنحو 1500 منشور محتمل خلال أقل من 8 ساعات، ما أدى إلى مفهوم انهيار السياق والاتجاه نحو التلوث في الكم مع إغفال النوع». ويضيف: «هو بالأساس يدخل في إطار فلسفة الاقتصاد، بتحويل انتباه المستخدمين وجعلها عملية نادرة، تتنافس عليها الشركات المعلنة، الأمر الذي أدى لتحول المنصة لسوق من الإعلانات، مع انعدام المحتوى». ويلفت إلى أن «الكمية الهائلة من المنشورات ولّدت فقراً في الانتباه، كما يقول هربرت سايمون، الذي أسس لفكرة اقتصاد الانتباه».

جدير بالذكر أن مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ«ميتا»، كان قد ألمح إلى نية الشركة الدفع باتجاه مزيد من الأدوات والاستخدامات المعززة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما عدّه خبراء «رهاناً لتعويض تراجع التفاعل». وكشفت «ميتا» عقب إعلانها أحدث تحديثات الأداء عن دور أنظمتها المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحسين ترتيب المحتوى وزيادة الصلة داخل الخلاصات.

عودة إلى الشولي، فإنه يرى صعوبة في إيجاد تغيير ملموس بشكل كامل على «فيسبوك»؛ إذ يقول: «المنصة بحاجة لإعادة نظر في شكلها الحالي وطبيعة عملها... والأهم من ذلك استقطابها لجمهور الشباب؛ إذ لدى (فيسبوك) نحو 3 مليارات مستخدم نشط شهرياً، منهم 2 مليار ناشطون بشكل يومي، ولكن معدل الأعمار الأكثر نشاطاً هم الأكبر بالعمر، وهذه مشكلة عنق الزجاجة التي تعاني منه (فيسبوك) طوال السنوات العشر الماضية».

ويضيف أن «الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في استهلاك المحتوى من قبل المستخدمين؛ لكن داخل حيز الحسابات النشطة فقط». وهو لا يعتقد بارتفاع أعداد الحسابات النشطة أكثر مما عليه الآن.

من جهة ثانية، وفق البيانات الرسمية لـ«ميتا»، أسهمت تحسينات ترتيب الخلاصات والفيديو على «فيسبوك» خلال الربع الرابع من عام 2025 في زيادة مشاهدات منشورات الخلاصة والفيديو العضوية بنسبة 7 في المائة، مع تسجيل نمو في وقت مشاهدة الفيديو على أساس سنوي داخل الولايات المتحدة. كذلك زادت المنصة من عرض المقاطع القصيرة المنشورة في اليوم نفسه بنسبة تجاوزت 25 في المائة مقارنة بالربع الثالث من العام ذاته.

وهنا ذكرت دعاء عمار، الصحافية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «فيسبوك» لم تنجح في جذب الشرائح الأصغر سناً. ولفتت إلى التغيّر في تفضيلات الخوارزمية، قائلة: «في السابق كانت خوارزمية (فيسبوك) تعرض ما ينشره أصدقاؤك وأقاربك، أما الآن فتحاول (فيسبوك) استنساخ (تيك توك)». وأردفت دعاء عمار أن «الخوارزمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ما تشاهده على أساس اهتمامك الحالي، وليس بناء على مَن تتابعهم»، معتبرة أن هذا قلّل «الحميمية» التي كانت قبل ذلك دافعاً أساسياً للتفاعل بالتعليقات والمشاركة.

وبالنسبة لرهان «فيسبوك» على الذكاء الاصطناعي، رأت دعاء عمار أن «المشكلة تكمن في أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي مصممة لزيادة التفاعل بأي ثمن، ما قد يؤدي على سبيل المثال إلى انتشار الأخبار المضللة أو حبس المستخدم في فقاعة من المحتوى الذي يوافق مزاجه فقط؛ ما قد يخلق استقطاباً مجتمعياً حاداً». ومن ثم «التفاعل يجب أن يكون هدفاً مقيداً وليس الهدف الوحيد... والحد الفاصل هو عندما يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة لتحسين التفاعل، إلى محرّك غير خاضع للمساءلة لزيادة هذا التفاعل».


«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.