الصحافة الحزبية في المغرب... صمود وسط أعاصير التحول

الرقّاص: علاقة الحزب السياسي بصحيفته لم تعد كما كانت من قبل

الصحافة الحزبية في المغرب... صمود وسط أعاصير التحول
TT

الصحافة الحزبية في المغرب... صمود وسط أعاصير التحول

الصحافة الحزبية في المغرب... صمود وسط أعاصير التحول

تميّزت الصحافة المكتوبة المغربية تاريخياً بالسمة السياسية، وظل استمرار إصدار الصحف رهيناً بتموجات الواقع السياسي، الذي أفرز تقليداً تمثل في الترابط الحتمي بين مصير الصحيفة ومآل الحزب السياسي الناطقة باسمه، وهو ما جعل حياة هذه الصحف رهينة بملابسات الحياة السياسية والحزبية.
وعلى خلاف البلدان الغربية، التي اهتدت إلى إلغاء الصحف الحزبية منذ عقود من الزمن، فإن غالبية الهيئات السياسية المغربية ظلت محتفظة بمنابرها التي شكلت في الماضي عناوين كبيرة لتاريخ الصحافة بالمغرب. في ظل هذا الواقع أصبحت دراسة تاريخ أي حزب مغربي، تتطلب من الباحث أساساً دراسة مسار صحافته، وارتكازاً على العلاقة التاريخية والعضوية بين الحزب والصحيفة، وهو ما أفرز جدلية غاية في الإحكام بين الطابعين الصحافي والسياسي، كما جاء في كتاب «مجمل تاريخ المغرب»، للمفكر المغربي عبد الله العروي. وبذلك ارتبطت الصحافة المغربية في مجملها بالفضاء السياسي من جهة، وبالعمل الحزبي من جهة ثانية.

لقد ظلت وظيفة هذه الصحافة محكومة بدرجة أولى بمنطق الصراع السياسي بين النخب، وبهيمنة حزبية مشددة على الصحافة. وكانت الأولوية، منذ الحصول على الاستقلال إلى غاية منتصف عقد التسعينات من القرن الماضي، تعطى للعلاقة بين الحزب وأعضائه على حساب العلاقة بين الصحيفة والقراء. أي صحافة تخاطب المناضلين، وتنقل لهم تعليمات الحزب، وفق تصوّر هذا الأخير لحاجياتهم الإعلامية، بدلاً من صحيفة موجهة للجمهور الواسع.
وحقاً، فإن معظم الصحف المغربية إما تابعة للأحزاب أو لحساسيات سياسية أو اقتصادية ومالية، مما جعل الصحافة رهينة لتسيس مبالغ فيه. ولقد خضع تعامل الصحف مع الأحداث بالدرجة الأولى للتوجهات السياسية للحزب الناطقة باسمه. وهذا ما يفسر في غالب الأحيان تباين وجهات النظر والتأويلات التي يتعرض لها الحدث الواحد، رغم ظهور صحف ومجلات حاولت أن تنأى بنفسها عن التبعية للأحزاب.

مستقبل الصحافة الحزبية
إذا كان ارتباط الجريدة بالحزب يحد نسبياً من حريتها وحرية صحافييها لدفعها لتكييف خطها التحريري مع توجهات الحزب وعقيدته، إلا أن الحديث عن الصحف المملوكة لأحزاب سياسية أو عن مستقبلها، لا يمكن أن يكون موضوعياً ورصيناً من دون استحضار السياق السياسي والمهني والتاريخي للمغرب. وبالتالي، هنا لا بد من تحليل الموضوع ضمن مقاربة شمولية بلا خلفيات مسبقة أو أحكام جاهزة، أو أطروحات ماضوية باتت اليوم عقيمة، حسب ما يرى محتات الرقاص، مدير نشر جريدتي «بيان اليوم» باللغة العربية و«البيان» باللغة الفرنسية، التابعتين لحزب التقدم والاشتراكية المعارض (الشيوعي سابقاً). يعود تاريخ صدور الصحيفتين إلى عام 1972.
وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط» أوضح الرقاص - وهو أيضاً عضو في المكتب التنفيذي للفيدرالية المغربية لناشري الصحف أن مقاربة هذا الموضوع بالنسبة للحالة المغربية «ليست نفسها في جغرافيات إعلامية وسياسية عربية أخرى»، معرباً عن اعتقاده بأن «عدداً من المتكلمين في هذا الموضوع ببلادنا، لم يطلعوا على صحيفة حزبية منذ عقد الثمانينات من القرن الماضي. وبالتالي، فمقاربتهم للموضوع تبقى منجرة لذات الأدوات التحليلية السابقة، ومعتقلة في قوالب الزمن السياسي الذي مضى».
في سياق ذلك، ذكر الرقاص بأن عدداً من صحف الأحزاب التي لا تزال صامدة في الساحة حتى اليوم، وضمنها «البيان» و«بيان اليوم»، شهدت تحولات كثيرة، في الأشكال وفِي المضامين، مشدداً على «ضرورة استحضار كل هذه التحولات الهيكلية والأساسية في سياق التحليل».
وأردف قائلاً: «نحن نعمل اليوم ضمن مقاولة صحافية تصدر صحفاً مكتوبة أو إلكترونية. ولم يعد الأمر يتعلق بنشرات حزبية تنجز داخل المقرات الحزبية من طرف مناضلين متطوعين. والمقاولة اليوم تُدار ضمن شروط أي شركة خاصة، وتواجه الصعوبات، وتعمل بأدوات القطاع الخاص ذاتها، وتعرض منتوجها للسوق تماماً كما يفعل كل المقاولين».
إلا أن هذه الصحف العريقة، في نظر الرقاص، «مطالبة في الوقت ذاته بالاستمرار والتطور من داخل نموذج اقتصادي ومقاولاتي حديث وعصري، خاصة أن العمل المهني اليومي لا يظهر أن هناك أي فرق بين صحف، يمكن تسميتها سياسية، وأخرى خصوصية، بحكم ملكيتها. ذلك أننا جميعاً نبحث عن الأخبار ونعالجها ونعرضها للجمهور في التزام وتقيد بقواعد المهنة وأخلاقياتها»، فضلاً عن أن الصحافيين «هم أنفسهم ولا لوجود لصحافيين للصحف الحزبية فقط وآخرين للصحف الخاصة».
ويتابع مدير نشر صحيفتي «البيان» و«بيان اليوم» أن علاقة الحزب السياسي نفسه بصحيفته لم تعد كما كانت من قبل، بل صارت تدبر ضمن آليات التعاقد وأحكام قوانين الشركات. ويشير إلى أن ما يقتضيه قانون الصحافة من شروط تسري راهناً على كل المهنيين والمؤسسات الإعلامية من دون استثناء. غير أنه يستدرك قائلاً: «قد تكون الصحف السياسية ملتزمة بثوابت سياسية وفكرية محددة، ولا تتناقض معها... ولكن ذلك يمكن إدراجه ضمن مقتضيات خطها التحريري، وهو ما يفترض مبدئياً أنه يميز كل صحيفة بغض النظر عن مالكها أو الجهة الناشرة لها». ثم يذكر أن صحفاً خاصة بدورها تتقيد بـ«خطوط حمراء» لا تتجاوزها، سواءً في العلاقة مع المواضيع أو الأشخاص أو اتجاه المموّلين والسلطات السياسية.
ومن ثم، يتساءل «ألا يمكن اعتبار هذه الصحف الخاصة جداً، في هذه الحالة، قد تحولت إلى مطبوعات تنتصر لجهة سياسية أو سلطوية أو اقتصادية محددة؟».
محتات الرقاص يرى أن الصحف المغربية كلها تواجه اليوم أمام تحديات استمرارها «وهي مطالبة بصياغة نموذج اقتصادي جديد لتدبير منظومتها كلها. والتمييز هنا بين الصحف، بحسب الجهة الناشرة لها، يعتبر منهجية غير مجدية إطلاقاً». ويعبّر عن اعتقاده بأن المغرب في حاجة ماسة إلى صحافة ممتلكة لوضوح موقفها السياسي، ولديها المصداقية التاريخية والسياسية والمهنية والأخلاقية اللازمة، وذلك لكون الصحف الحزبية التي تطورت وتغيرت كثيراً اليوم بإمكانها تجسيد هذا النموذج لصحافة سياسية وطنية جادة ورصينة تواكب ديناميات الوطن وتنتصر لقضاياه الأساسية.
ويخلص الرقاص إلى القول إن البلاد مدعوة بدورها للانفتاح أكثر وتمتين تحولها وتأهيله، ولكن في الوقت نفسه مدعوة أيضاً لبلورة مخطط استراتيجي كبير للنهوض بقطاع الصحافة المكتوبة والإلكترونية بشكل عام وتنمية القراءة وسط الجمهور والشباب، وإسناد مقاولات القطاع لتعزيز استقرارها المادي والاقتصادي، ولتطوير منتوجها المهني، وتقوية دورها في المجتمع، وهذا في نظره هو «تحدي المرحلة في مهنتنا اليوم بالمغرب».

التكنولوجيا... وتحدي المهنية
على صعيد آخر، يقول عبد الجبار الراشيدي، الباحث في الإعلام والاتصال، في لقاء مع «الشرق الأوسط» إن الصحافة الحزبية «لعبت بالفعل أدواراً طلائعية في تحرير الوطن والمواطن، وكانت المعبر الأمين عن الحركة الوطنية التحررية المغربية. كذلك ساهمت خلال مرحلة الاستقلال في توطيد الديمقراطية والحريات العامة وحقوق الإنسان بالبلاد... رغم مختلف أشكال التضييق والمحاكمات التي تعرضت لها». إلا أنه يضيف أنها «تناضل اليوم من أجل البقاء في ظل المتغيرات المتسارعة المرتبطة بتكنولوجيا الإعلام والاتصال والتكيف مع متطلبات العصر الرقمي».
ويعتبر الراشيدي، وهو أيضاً مسؤول الإعلام وعضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال الذي يصدر صحيفتي «العَلَم» باللغة العربية (أسست عام 1946) و«لوبينيون» باللغة الفرنسية (عام 1964)، أن من بين مميزات الصحافة الحزبية «أنها ظلت عصيّة على التطويع أو الاختراق لما تمتلكه من حصانة سياسية وآيديولوجية، وهذا، في حين أصبحت سلطة المال و«لوبيات» الاقتصاد تلعب اليوم دوراً متصاعداً في صناعة الإعلام والرأي العام وامتلاك وسائل الإعلام. وهذا يشكل - في نظره - «خطراً على حرية الصحافة وعلى الديمقراطية بشكل عام».
ويستطرد الراشيدي ليشدد على أن الصحافة الحزبية بالمغرب «مطالبة بتطوير نفسها وإعادة صياغة علاقتها بالحزب، والانفتاح أكثر على مختلف الحساسيات السياسية والثقافية، وتعددية الرأي والتعبير، وبتبني خط تحريري ينقلها من نشرة حزبية إلى صحيفة مهنية منفتحة على مختلف تيارات المجتمع مع ضمان التعبير عن الخط السياسي للحزب في الحدود المعقولة... لكن بمهنية وحرفية عالية».
للعلم، إذا كانت الصحف الحزبية المغربية، كما هو شأن وسائل الإعلام الأخرى من صحافة مكتوبة خاصة وإلكترونية، تحظى بدعم مالي سنوي من الدولة مكنها على الأقل من المحافظة على الصدور، إلا أن هناك عاملاً آخر يساهم في استمرارية هذه الصحف. هذا العامل هو ما توفره الهيئات السياسية من تغطية مادية ومعنوية، بينما تشير المعطيات المتوفرة إلى تراجع في منسوب الإقبال على الصحف الحزبية من جمهور القراء الذي لا يعير بصفة عامة كثير الاهتمام للإعلام المكتوب، خلافاً لما كان عليه الشأن في السابق، قبل أن تغزو العولمة وبعدها الثورة الرقمية خلال الألفية الثالثة، فتأتي على الأخضر واليابس في عالم الصحافة والإعلام.
لقد فرض التطور التكنولوجي، على الصحف الحزبية المغربية إحداث نسخ إلكترونية إلى جانب صحافتها الورقية، بيد أن هذا لم يمنع استمرار الأزمة التي تعرفها الصحافة الحزبية، ومعها الورقية، والتي تعزى في جانب منها إلى عجز الخطاب الحزبي السائد عن الاستجابة لحاجيات الجمهور خاصة الشباب. ويضاف إلى ذلك المنافسة التي خلقتها في سنوات سابقة حيوية الصحف الخاصة وجرأتها في تناول المواضيع المطروحة، بينما ظلت نظيرتها الحزبية رهينة توجهات الهيئات السياسية المتحدثة بلسانها، مع معوقات أخرى موضوعية على رأسها تدنى نسب القراءة.
تجدر الإشارة إلى أن أبرز الصحف الحزبية في المغرب، فضلاً عن «العَلَم» و«لوبينون» و«بيان اليوم» و«البيان»، وصحف «الاتحاد الاشتراكي» و«ليبراسيون» (يصدرهما حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية اليساري المشارك في الحكومة) و«رسالة الأمة» (لسان الاتحاد الدستوري) و«الحركة» (التي تصدرها الحركة الشعبية) - وهما أيضاً حزبان مشاركان في الحكومة - و«المنعطف» (لسان حزب جبهة القوى الديمقراطي) بينما اهتدى حزب الأصالة والمعاصرة (معارضة برلمانية) أخيراً إلى تأسيس صحيفته واختار لها اسم «التراكتور» (أي الجرّار الزراعي) الذي هو أيضاً شعار الحزب.


مقالات ذات صلة

مصر تناشد «النخب العربية» العمل على «وأد الفتنة الإعلامية»

العالم العربي اجتماع سابق بين وزير الدولة للإعلام ورؤساء الهيئات الإعلامية الحكومية (وزارة الإعلام المصرية)

مصر تناشد «النخب العربية» العمل على «وأد الفتنة الإعلامية»

لوَّحت الحكومة المصرية، الأربعاء، باتخاذ «كل ما تتيحه نصوص القوانين واللوائح لضبط الأداء الإعلامي لوقف الإضرار بمصالح الوطن والإساءة للدول العربية الشقيقة».

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا وزارة الإعلام والهيئات الإعلامية الرسمية المصرية حذرت من الفتنة (الشرق الأوسط)

مصر تحذر من محاولات تقويض علاقاتها بالدول العربية عبر السجالات الإعلامية

حذرت مصر من محاولات بث الفرقة وتقويض العلاقات المصرية - العربية عبر وسائل الإعلام على وقع الحرب الإيرانية.

أحمد عدلي (القاهرة )
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ) p-circle

«الخيانة العظمى»... ترمب يلوّح بأقصى العقوبات ضد الإعلام بسبب تغطية الحرب الإيرانية

وجّه الرئيس الأميركي دونالد ترمب انتقادات حادة لعدد من المؤسسات الإعلامية، مطالباً بمحاكمتها بتهمة «الخيانة العظمى» على خلفية تغطيتها للحرب مع إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم العربي دعوة لوسائل الإعلام العربية للتضامن مع الدول التي تتعرض لاعتداءات (الهيئة الوطنية للإعلام)

وزراء الإعلام العرب يحذرون من «الخلط» بين اعتداءات إيران وصراعها مع أميركا وإسرائيل

أكد مجلس وزراء الإعلام العربي على أهمية قيام وسائل الإعلام العربية بدورها في توعية الرأي العام بحقائق «العدوان الإيراني السافر» على بعض الدول العربية.

محمد الكفراوي (القاهرة )
الخليج سلمان الدوسري وزير الإعلام السعودي (الشرق الأوسط)

وزير الإعلام السعودي: نقف صفاً واحداً في مواجهة العدوان

دعا سلمان الدوسري وزير الإعلام السعودي، الإعلاميين والإعلاميات في دول مجلس التعاون الخليجي لمواجهة كل من يستهدف أمنها واستقرارها عبر خطابٍ واحدٍ وإعلامٍ مسؤول.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
TT

حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)

بينما تتواصل المعارك العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، اندلعت حرب أخرى على منصّات التواصل الاجتماعي، إذ جرى تداول صور ومقاطع فيديو لآثار المعارك ثبت أنَّها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، ما أثار مخاوف متصاعدة بشأن معركة «تضليل معلوماتي» بموازاة الحرب الدائرة.

ولقد علّق خبراء بالقول إنَّ الذكاء الاصطناعي بات أداةً مركزيةً في «حروب المعلومات»، لا سيما مع قدرته على إنتاج محتوى مضلّل بسرعة وبتكلفة منخفضة. وطالبوا بوضع قواعد لحوكمة التكنولوجيا؛ لمواجهة التأثير المتصاعد لـ«التضليل المعلوماتي».

جدير بالذكر، أنَّ مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي تداولوا أخيراً قائمةً تضمَّنت مدناً وأهدافاً أميركية عدة، زعموا إنَّ إيران تعتزم استهدافها. إلا أنَّ بحثاً أجراه «معهد بوينتر» الأميركي المتخصِّص في الدراسات الإعلامية، أكّد أن «القائمة المتداولة غير صحيحة. وأنها اعتمدت على أخبار قديمة تضمَّنت تنبؤات بطبيعة الأهداف المحتملة في الحرب».

روبوت يعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي (آ ف ب)

كذلك، إبان معارك «حرب إيران» نشرت صحيفة «طهران تايمز» الإيرانية صورةً تظهر مقارنةً بين معدّات رادار أميركية في قاعدة قيل إنها على أرض قطر قبل «تدميرها بالكامل». وبعد ذلك نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية» أن باحثين اكتشفوا أنَّ الصورة مأخوذة من «غوغل إيرث» وتعود إلى العام الماضي، وهي تظهر قاعدةً أميركيةً في البحرين جرى التلاعب بها بواسطة الذكاء الاصطناعي. وعليه، حذَّر الخبراء من تداعيات انتشار «التضليل المعلوماتي» في الحروب، لا سيما مع ازدياد واقعية المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي.

دور الذكاء الاصطناعي

الدكتور حسن عبد الله، نائب رئيس جامعة شرق لندن بالعاصمة البريطانية، قال لـ«الشرق الأوسط» خلال لقاء معه: «إن زمن الحروب والأزمات يشهد تصاعداً ملحوظاً في ظاهرة التضليل المعلوماتي، حيث تتحوَّل المعلومات إلى سلاح موازٍ للأسلحة العسكرية». وأردف: «وفي سياق التوترات والحروب المرتبطة بإيران، يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً مزدوجة الاستخدام؛ إذ يمكن أن يسهم في تسريع الوصول إلى المعلومات وتحليلها، لكنه في المقابل، يتيح أيضاً إنتاج ونشر محتوى مضلل بسرعة غير مسبوقة».

وأوضح عبدالله: «الذكاء الاصطناعي يساعد على إنتاج نصوص وصور ومقاطع فيديو تبدو واقعيةً للغاية، وهذا ما يُعرف بالتزييف العميق»، مشيراً في هذا الصدد إلى «أزمات دولية سابقة شهدت تداول مقاطع مفبركة لعمليات عسكرية أو تصريحات منسوبة لقادة سياسيين لم تحدث في الواقع. والحال، أن التضليل المعلوماتي في عصر الذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على الكذب، بل على إنتاج روايات مقنعة يصعب التحقُّق منها بسرعة».

وطرح عبد الله أسباباً عدة لانتشار حملات التضليل إبان الحروب، من أبرزها: «التأثير في الرأي العام، وإضعاف ثقة المجتمعات بالمؤسسات الرسمية، وإرباك الخصوم عبر نشر معلومات متناقضة». وتابع أن «الحروب الحديثة أظهرت كيفية انتشار الشائعات بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً عندما تكون المعلومات الرسمية محدودة أو متأخرة».

ثم استطرد: «في الحروب المعاصرة لم تعد المعركة عسكرية فقط؛ بل أصبحت أيضاً معركة على المعلومات والروايات... في ظلِّ التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، برز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً مؤثرةً في تشكيل السرديات الإعلامية، ونشر محتوى مضلل على نطاق واسع».

ولفت إلى «انتشار صور ومقاطع فيديو ادعت تدمير قواعد عسكرية أو سقوط طائرات حربية، تَبيَّن لاحقاً أنَّ بعضها مُولَّد بالذكاء الاصطناعي، أو مواد قديمة جرى تعديلها رقمياً وإعادة نشرها في سياق جديد»، وتطرّق إلى «حالات أخرى جرى فيها تداول مقاطع قيل إنها توثِّق ضربات صاروخية أو معارك في المدن، لكنها في الحقيقة كانت مقتطفات من ألعاب فيديو عسكرية مثل لعبة (أرما - Arma)، التي استُخدمت مراراً في التضليل الإعلامي بسبب واقعية رسومها».

وواصل الدكتور حسن عبد الله شرحه، موضحاً أنه «في مواجهة هذه التحديات، بدأت الحكومات بوضع قواعد لتنظيم المحتوى الرقمي، مثل (قانون الخدمات الرقمية/ DSA)، وقواعد الشفافية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي... ثم إن هذه التطورات تكشف عن أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتحوَّل إلى سلاح إعلامي بقدر ما هو أداة تكنولوجية». واختتم بالتشديد على أن «حماية الحقيقة في زمن الحروب لم تعد مسؤولية الصحافيين وحدهم، بل باتت تتطلب أيضاً تعاون الحكومات والمنصّات الرقمية والمؤسسات الإعلامية لضمان أن تبقى المعلومات الموثوقة أقوى من التضليل».

شعار "معهد بروكينغز" (لينكد إن)

أوقات الحروب والنزاعات

وكما سبقت الإشارة، يزداد انتشار الصور المُعدَّلة بالذكاء الاصطناعي و«الشائعات المضللة» في أوقات الحروب والنزاعات. وحقاً، تكرَّر المشهد ذاته خلال الحرب الروسية - الأوكرانية، وخلال احتجاجات لوس أنجليس في الولايات المتحدة العام الماضي، ما يثير مخاوف بشأن تأثير هذا النوع مع المحتوى على الجمهور وصُناع القرار، لا سيما مع اعتماد كثيرين على منصات التواصل الاجتماعي للحصول على معلومات بشأن الحروب والنزاعات. وخلال حوار مع «الشرق الأوسط»، قالت الدكتورة سالي حمود، الباحثة الإعلامية اللبنانية في شؤون الإعلام المعاصر والذكاء الاصطناعي، وأستاذة الإعلام والتواصل: «في أوقات الحروب تصبح الساحة مفتوحةً لنشر التضليل المعلوماتي، وفي عصر الذكاء الاصطناعي، الذي يقود هذه الحرب، بات الإعلام ونشر المعلومات جزءاً من أسلحة أطراف النزاع».

ولفتت حمود إلى انتشار مقاطع فيديو لاحتراق مبانٍ أو تدمير قواعد عسكرية تُبيَّن أنها مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي. وحذَّرت من «سرعة انتشار هذا النوع من المحتوى عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ لأنَّ تأثير المعلومات المضللة، خصوصاً، في زمن الحروب، يكون كبيراً جداً حتى لو اكتُشف زيفها فيما بعد، وهذا يشير إلى خطورة التضليل المعلوماتي وقت الحرب».

وتابعت حمود مؤكدة على «أهمية المضي في اتخاذ خطوات لكبح جماح التكنولوجيا، ووضع قواعد صارمة لحوكمتها... مع ملاحظة أن الكلام المتكرِّر عن حوكمة الذكاء الاصطناعي لا يبدو فاعلاً على الأرض حتى الآن».

وبالفعل، تتكرَّر بين الحين والآخر المطالبات بـ«حوكمة» الذكاء الاصطناعي، ولكن، على الرغم من محاولات دول عدة وضع قواعد لمنصات التواصل الاجتماعي، فإنَّ الخبراء ما زالوا يحذِّرون من تفاقم تأثير المعلومات المنتشرة عبر تلك المنصات، لا سيما «المحتوى العنيف والمضلل».

في مواجهة التحديات المستجدّة بدأت الحكومات الغربية بوضع قواعد لتنظيم المحتوى الرقمي

تقرير «معهد بروكينغز»

هذا، وكان قد ورد في تقرير نشره «معهد بروكينغز» الأميركي عام 2023 أنه «على الرغم من أن نشر مقاطع فيديو عن القتل والعنف عبر الإنترنت ليس جديداً، فإنه في كثير من الأحيان يخدم أغراضاً متضاربة، ما بين إعلام الجمهور أو دفعه للتطرف».

وحول هذا، رأى يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، ورئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «الصراعات والحروب تزيد الشغف والرغبة في الحصول على المعلومات، ويُشكِّل فرض قيود على انتشار المعلومات بيئةً خصبةً للتضليل المعلوماتي، وأن الذكاء الاصطناعي ساعد على انتشار التضليل المعلوماتي لما يوفره من إمكانات في إنتاج صور ومقاطع فيديو تبدو واقعيةً للوهلة الأولى». وحذَّر إكو، بالتالي، من «تأثير المحتوى المضلل على الجمهور الذي قد يجد صعوبةً في تمييز المحتوى الدقيق من المضلل». وشدَّد على ضرورة «رفع وعي المستخدمين بوصفه وسيلةً أساسيةً لمكافحة التضليل المعلوماتي مع زيادة فاعلية الإعلام في نقل المعلومات والتحقّق منها».


أدوات «ميتا» لدعم الفيديوهات تُغيّر مستقبل تقديم الأخبار على المنصات

شعار "ميتا" (رويترز)
شعار "ميتا" (رويترز)
TT

أدوات «ميتا» لدعم الفيديوهات تُغيّر مستقبل تقديم الأخبار على المنصات

شعار "ميتا" (رويترز)
شعار "ميتا" (رويترز)

أعلنت شركة «ميتا» عن حزمة تحديثات جديدة لتعزيز إنتاج الفيديو على حساب الروابط، في خطوة ذكرت أن هدفها إتاحة تجربة متكاملة عبر تطبيقاتها الرقمية، إلا أن خبراء عدَّوا هذه الخطوة تحولاً استراتيجياً يؤثر على مستقبل مؤسسات الأخبار التي لا تزال تعتمد حركة الإحالات لنشر محتواها.

للعلم، «ميتا» ذكرت خلال مارس (آذار) الحالي أنها عزّزت أدوات الفيديو في تطبيق «إيديتس»، الذي كانت قد أطلقته الشركة ليتكامل تقنياً ومنصاتها («فيسبوك» و«إنستغرام» و«واتساب» و«ثريدز») بآليات مستحدثة لتحرير الفيديو. وترمي التحديثات إلى «تبسيط» تجربة صناعة المحتوى، وتعزيز قدرات المبدعين على المنصات التابعة للشركة، وتسهيل عملية النشر المباشر. وأيضاً، شملت التحديثات الأخيرة مجموعة من الأدوات التي تركّز على الجوانب البصرية، ما يسمح بتحرير الفيديو بالكامل عبر تطبيقات «ميتا» من دون الحاجة إلى الخروج أو استخدام أدوات خارجية.

مراقبون رأوا في ذلك أن اتجاه «ميتا» نحو دعم الفيديو ينسجم مع استراتيجية «الحدائق المغلقة»، وهي أنظمة رقمية مغلقة تُسيطر على كل جزء من تجربة المستخدم وتدفق البيانات، وهو ما يعني ضمان بقاء المستخدم داخل التطبيق من دون الحاجة إلى الخروج لروابط خارجية، مثل مواقع الأخبار.

وفي تقرير نشرته المنصة البريطانية «فيوتشر ويك» خلال يناير (كانون الثاني) الماضي، فإن كبريات الشركات مثل «ميتا» و«غوغل» و«أمازون» صارت تتبع هذا النمط (الحدائق المغلقة) المُعزّز بالذكاء الاصطناعي، «وذلك بهدف الاستحواذ الكامل على بيانات المستخدم، ومن ثم ضمان السيطرة على المعلنين».

أسامة عصام الدين، خبير تطوير منصات التواصل الاجتماعي، وصانع محتوى تقني بالمملكة العربية السعودية، رأى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن الفيديو هو «لغة منصات التواصل الجديدة»، وأضاف «صارت تتشكل المنصات اليوم من مقاطع الفيديو والخوارزميات التي تعرض اهتمامات المستخدمين، بعيداً عن المسمى الأساسي الذي نشأت عليه هذه المنصات (التواصل الاجتماعي)». وتابع: «أظن أن (فيسبوك) بات أبعد ما يكون اليوم عن ركيزة التواصل، إذ صار منصة ترفيه ومتابعة اهتمامات أولاً، والفيديو هو محرك ذلك، ثم منصة بيع وشراء ثانياً».

واعتبر عصام الدين أن «المنصة تريد محتوى يبقي المستخدم أطول فترة ممكنة، ولذلك فهي تقلل وصول أي محتوى يضم روابط تُخرج المستخدم من المنصة، حتى إن كانت روابط فيديو؛ ولذا حاولت جاهدة استنساخ نموذج (يوتيوب) لصناعة ومشاركة الأرباح مع صناع المحتوى».

ثم أشار إلى أن «التفاعل مع الأخبار النصَّية هو الآن في أدنى مستوياته التاريخية، فالمستخدمون، خصوصاً الشباب، صاروا يريدون استهلاك المحتوى الذي لا يتطلب منهم قراءة ومتابعة عميقة، مفضلين المحتوى المشاهد الذي لا يشكل عبئاً على أنفسهم عند استهلاكه، حتى إن لم يتسم ذلك الاستهلاك بالتركيز الكامل».

وقال من ثم: «الأخبار لا تزال مُحركاً؛ لكن تغير الدور... ويظل ما يميز الخبر النصي المكتوب اليوم هو استخدامه مرجعاً، ليس للمتابع فقط؛ بل حتى لخوارزميات نماذج الذكاء الاصطناعي التي قد تستخدمه مصدراً لها».

من جهة ثانية، تحدّث شون سايمون، مدير الهندسة في فريق «ثريدز»، عبر حسابه الرسمي في التطبيق، أخيراً، عن «إطلاق مجموعة دردشة لاستقبال طلبات التحديث والملاحظات الفورية من المستخدمين، فضلاً عن رصد يومي للمقترحات لضمان استجابة الأداة لمتطلبات صناع المحتوى المتغيرة، لضمان نجاح التجربة وجذب مزيد من المستخدمين وصناع المحتوى». قال المحاضر والباحث في الإعلام الرقمي، محمد صلاح عبد الموجود، إن «التحوّل نحو الفيديو بات ضرورة للناشرين»، وأبلغ «الشرق الأوسط» أن «صحافة الفيديو بدأت عنصراً تكميلياً، لكنها باتت منصة أساسية للنشر، لا سيما مع اتجاه جميع التطبيقات للمحتوى المرئي. وهذا الاتجاه ليس وليد قرار، إنما استراتيجية متكاملة بدأت تتكشف خلال العامين الماضيين. وهكذا كان حتمياً اتجاه المؤسسات الصحافية للاعتماد على الفيديو في عرض القصص الخبرية وتناول القضايا الصحافية التي تهم الجمهور بالشكل الفني الذي يجذبه».

عبد الموجود أشار إلى تقرير «الأخبار الرقمية لعام 2026» الصادر عن معهد «رويترز»، الذي أورد أن «أكثر من 50 في المائة من مستخدمي الإنترنت يفضلون مشاهدة الأخبار عبر الفيديو بدلاً من قراءتها، خاصة الفئات العمرية الشابة. ولذا يجب على المؤسسات الصحافية مواكبة هذه التغيرات في غرف أخبارها، من خلال توفير المعدات والأجهزة اللازمة لإنتاج هذه المواد المرئية، واستخدام الذكاء الاصطناعي في تحويل النصوص إلى مقاطع فيديو جاذبة، ما يوفر الوقت والمجهود داخل غرف الأخبار، وأيضاً يضمن تحقيق أرباح في حال زيادة نسبة المشاهدة».

ووفق عبد الجواد، فإن توجه «ميتا» وجميع المنصات نحو الفيديو انعكاس لتغيير لحق بسلوك الجمهور؛ لأن «الجمهور بات يميل إلى المحتوى الممتع والتفاعلي، حتى فيما يخص الأخبار. ووفقاً لبيانات سابقة فإن مقاطع الفيديوهات الإخبارية تُحقق معدلات وصول وتفاعل أفضل مقارنة بالمنشورات النصّية».


لبنان: «الترند» مفهوم يتحكّم بإيقاع الرأي العام

جاد شحرور (الشرق الأوسط)
جاد شحرور (الشرق الأوسط)
TT

لبنان: «الترند» مفهوم يتحكّم بإيقاع الرأي العام

جاد شحرور (الشرق الأوسط)
جاد شحرور (الشرق الأوسط)

منذ نحو 10 سنوات دخل مصطلح «الترند» إلى لغتنا اليومية، فأصبح جزءاً من الخطاب الإعلامي والشعبي.

هذا المصطلح يعني «الاتجاه» الدارج في أوساط الناس، ويُستخدم للدلالة على حدث يكتسب انتشاراً واسعاً خلال فترة زمنية قصيرة. وإعلامياً، ارتبط شيوع مفهوم «الترند» ارتباطاً وثيقاً بانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، حيث أسهمت منصات مثل «فيسبوك» و«إنستغرام» و«إكس» و«تيك توك» في منحه مساحة واسعة من الاهتمام، عاكسةً اهتمامات الناس وميولهم.

في لبنان، ارتبط أحدث «الترندات» بمناقشة ميزانية عام 2026 في مجلس النواب، إلى جانب تلك المتعلقة بأحوال الطقس من عواصف ثلجية وهطول كثيف للأمطار. كذلك تصدّرت فضيحة «أبو عمر» السياسية، واجهة «الترندات» لأيام متتالية، ولا تزال شريحة من اللبنانيين تتفاعل معها حتى اليوم. ولا تزال الأخبار المرتبطة بالشأن السوري تسجّل تفاعلاً مشابهاً، إضافة إلى ما أُطلق عليه «قانون الفجوة الاقتصادية».

وفي السياق نفسه، تُعدّ أغنية الفنانة هيفاء وهبي «بدنا نروق» من أبرز الأعمال الفنية التي تحوّلت إلى «ترند»، محققة تفاعلاً بالملايين، إلى حدّ أن عضو البرلمان النائبة سينتيا زرازير استخدمتها خلال مداخلتها المتعلقة بميزانية 2026.

أما عالمياً فقد انتشرت مقاطع فيديو (ريل) بشكل لافت تداولها الملايين. ومن بينها تلك التي ظهر فيها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وهو يردد عبارة «فور شور» بالإنجليزية. واستخدمت في حفلات السهر بحيث راح يمرّرها الموسيقيون في حفلاتهم الموسيقية لإثارة الحماس بين الساهرين.

في الحقيقة، لا يقتصر استخدام «الترند» اليوم على السياسة أو الفن، بل يمتدّ أيضاً إلى مجالات متعدّدة كالأزياء (الموضة) والاقتصاد والتكنولوجيا، حيث بات يُستخدم للدلالة على الأنماط السائدة والفئات الرائجة. وفي الفترة الأخيرة، خصّصت محطات التلفزيون فقرات ثابتة لـ«التراندات» تُشكّل مسك ختام نشراتها الإخبارية، وينتظرها اللبنانيون مساءً للاطلاع على أبرز ما يتصدّر المشهد محلياً وعالمياً. ومن بين هذه الفقرات «كونيكتد» على شاشة «إم تي في»، و«ريفريش» عبر شاشة «الجديد».

«الترند» صوت الناس

«كلمة ترند تعني، بالأساس، مساراً تغييرياً أو اتجاهاً جديداً مخالفاً لما درجت عليه العادة. وجرى اختزال هذا المصطلح بأمور متعدّدة ومختلفة لإعطائه ما كان لهذا المصطلح من أهمية في فهم تغيرات، وتوقع مسارات مستقبلية». بهذه الكلمات يختصر طارق عمّار، مدير «شركة آراء» للبحوث والاستشارات هذه الظاهرة. وفي رأيه، تكمن أهميته في المدة التي يستخدم خلالها، وتأثيرها على المجموعات المختلفة.

طارق عمّار (الشرق الأوسط)

عمّار أعطى مثالاً على ذلك عبارة «كلّن يعني كلّن» (كلّهم يعني كلّهم) التي انتشرت بشكل لافت، وبقي تأثيرها كـ«ترند» فعال منذ بدايته في عام 2015 حتى اليوم. وأضاف في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن أهمية هذا «الترند» تنبع من كونه نتج من القاعدة الشعبية، لا بقرار يعبّر عن رأي شريحة ضيقة، وسرعان ما تبنته شرائح مختلفة من الشعب. وكثيرون راهناً يحاولون البناء على قوة «الترندات» أو مواجهتها عبر خلق العديد منها، معتمدين على حسابات وهمية وشركات متخصّصة في بناء الوهم. لكن تعدّد المستخدمين وانتشارهم ووجود مؤسسات تتابع هذه الأعمال... عوامل أسهمت في إضعاف هذه النيات وتأثيرها على المدى الطويل.

واختتم عمّار: «باختصار، يمكن لأي جهة البناء على قوة المنصّات الرقمية، إلا أن ما يجعل الترند منتشراً ومستديماً ومؤثراً هو تعبيره عن حاجات دفينة لدى جموع الناس، تتفاعل معه وتتأثر به، ويغير من سلوكياتهم... وصحيح أن كثيرين يحاولون البناء عليه أو ضربه، إلا أن الترند يظل صوت الناس الذي يعلو من خلال تداول الوسم وتعزيزه بروابط محددة، فيؤدي إلى تغيير في آراء وسلوكيات المتابعين».

الإعلام تطوّر مع التكنولوجيا

من جهته، قال جاد شحرور، المسؤول والمدرب الإعلامي في «مؤسسة سمير قصير للإعلام» (سكايز)، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إن الإعلام شهد تطوراً ملحوظاً بفضل التكنولوجيا، و«بعد التسعينات، ومع دخول الإنترنت الحيز العام، فرض نفسه على هذا المجال. ثم، بعد ولادة المواقع الإلكترونية، ظهرت منصات التواصل الاجتماعي مثل (إنستغرام) و(تيك توك) وغيرهما. وهذا ما دفع الإعلام للدخول على خط هذه الوسائل بشكل مباشر».

وأردف شحرور: «بدأ الإعلام بإنشاء صفحات خاصة على هذه المنصّات، خصوصاً مع فورة انتشار الوسوم (الهاشتاغات). وأدخلت نشرات الأخبار والبرامج التلفزيونية فقرة الهاشتاغ، بينما اعتمد (تلفزيون المستقبل) قبلها فقرة (كلمة اليوم) لتكون بمثابة (فوكس بوب) مباشر من الواقع». وتابع: «تطوّر الأمر لاحقاً ليشمل الترويج لشخصيات أو أزمات معيّنة، كلها تدور تحت هذا العنوان. وبذا قرّر العديد من المحطات تخصيص فقرة في نشراتها الإخبارية لأهم الأحداث، تحت عنوان (ترند)، فصار جزءاً لا يتجزأ من سياسة صناعة المحتوى الإعلامي».

«ريفريش» يتابعها الملايين

أما نعيم برجاوي، رئيس تحرير المحتوى الرقمي في تلفزيون «الجديد»، فأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن إدراج فقرة خاصة بـ«الترند» ضمن نشرات الأخبار بات أمراً ضرورياً. وذكر أنه «كان من الطبيعي إدخال هذه الفقرة إلى النشرات لمواكبة العصر، فأحياناً يولد الترند من تقرير مصوّر أو خبر سياسي. ثم إن متابعة ما يتداوله روّاد وسائل التواصل الاجتماعي تلبّي اهتمام شريحة لا يُستهان بها من مشاهدي التلفزيون، وتضعهم على تماس مع ما يشغل المتابعين».

نعيم برجاوي (الشرق الأوسط)

واستطرد: «إننا نختار محتوى الفقرة بما يتناسب مع رغبات جمهورنا واهتماماته. والأمثلة كثيرة، كتقارير عن الطقس العاصف، أو انهيار مبنى، أو ارتكاب جريمة، أو خبر اغتيال. وسواء تألف المحتوى من تقارير مصوّرة أو لقطات من برامج تُعرض على شاشتنا، فهي تشكّل جزءاً من خياراتنا التحريرية».

استخدام «الترند» ما عاد مقتصراً على السياسة أو الفن، بل يمتدّ أيضاً إلى مجالات متعدّدة كالأزياء والاقتصاد والتكنولوجيا

سلطة ناعمة تفرض أجندة معيّنة

الدكتور محمود طربية، الأستاذ الجامعي المتخصص في الإعلام الرقمي، أدلى بدلوه في حوار مع «الشرق الأوسط»، فقال إن لـ«الترند» حسناته وسيئاته في آن معاً، «فهو من ناحية يضع جمهوراً واسعاً في حالة تفاعل مع أبرز الأحداث العالمية والمحلية...

د محمود طربيه (الشرق الأوسط)

لكنه، من ناحية أخرى، ينطوي على خطورة ما يُعرف بـ(نظرية القطيع)، حيث ينساق الناس خلف محتوى معيّن بدافع التقليد اللا واعي، فيتحوّل إلى عدوى رقمية تشبه الفيروسات، ولكن بطبيعة افتراضية». وأضاف: «(الترند) نمط أو موضة سريعة الانتشار وظرفية بطبيعتها». ومن منظور إعلامي، يمكن اعتباره مؤسِّساً لتفكير جماعي ونظريات معيّنة تُروَّج على نطاق واسع، فتتلقّفها الجماهير من دون نقاش. كما أن شريحة كبيرة من الناس تعاني مما يُعرف بـ«فوبيا» (FOMO)، أي رهاب تفويت أي معلومة رائجة «Fear of missing out».

وتابع أن «الترند» في الإعلام بات أشبه بـ«سلطة ناعمة» تفرض أجندات وسلوكيات معيّنة، وتؤثر في خيارات الناس عبر الخوارزميات والوسوم (الهاشتاغات) التي تحكم وسائل التواصل الاجتماعي، التي تقوم على تكرار عبارة أو شريط (ريل) معيّن... وفي بعض الأحيان نلاحظ انتشار «ترند» غير ذي قيمة، فيكون مفتعلاً عبر جيوش إلكترونية أو حملات موجّهة. أما الجانب الإيجابي لـ«الترند» فلخّصه طربيه، بالقول: «إنه يوفّر مساحة للتسلية والترفيه، ويُعدّ مؤشراً على حيويّة المجتمع وانخراطه في الشأن العام، كما يعكس نبض الشارع والاهتمامات التي تشغله».