«الاشتراكات المدفوعة» تثير التساؤلات عن مستقبل الصحافة الرقمية

«الاشتراكات المدفوعة» تثير التساؤلات عن مستقبل الصحافة الرقمية
TT

«الاشتراكات المدفوعة» تثير التساؤلات عن مستقبل الصحافة الرقمية

«الاشتراكات المدفوعة» تثير التساؤلات عن مستقبل الصحافة الرقمية

في خطوة تثير الكثير من التساؤلات حول مستقبل الصحافة الرقمية، قررت وكالة «رويترز» منتصف أبريل (نيسان) الماضي، إطلاق خدمة مدفوعة، تتوجه مباشرة للقارئ المتخصص، لتكون بذلك هي المرة الأولى منذ تأسيس الوكالة عام 1851 التي تغير فيها نموذج العمل الخاص بها.
ويرى متخصصون في استراتيجية «رويترز» المستحدثة جملة من الدلالات والمؤشرات حول مستقبل الصحافة الرقمية، أهمها أن «وكالات الأنباء ما عادت تعتمد كلياً على الكيانات الصحافية أو غرف الأخبار لتكون المستهلك الوحيد لمنتجاتها الصحافية، لا سيما وسط الأزمات المادية التي تعاني منها الصحافة منذ ظهور منصات التواصل الاجتماعي».
«رويترز» كشفت عن استراتيجيتها الجديدة في بيان نشر على موقعها الرسمي فأعلنت أنها «تعتزم تقديم خدمة صحافية راقية تستهدف قارئاً متخصصاً يتوق إلى معلومات وبيانات دقيقة، ولذا سيكون على استعداد لدفع مبلغ 34.99 دولار شهرياً».
مقارنة بالخدمات الصحافية المدفوعة، يعد هذا المبلغ كبيراً نسبياً، فمثلاً، لا يتخطى الاشتراك في خدمة «آبل» للأخبار، الذي يضم عدداً كبيراً من الصحف والمواقع والمجلات البارزة 10 دولارات. لكن «رويترز» تبرر قيمة الاشتراك وتشدد على أن الغاية «جذب قارئ متخصص يسعى للحصول على مستوى أعمق من التغطية والبيانات الخاصة بقطاعات الصناعة، التي تشمل القانون والأعمال المستدامة والرعاية الصحية والسيارات».
فتحي أبو حطب، المدير العام السابق لصحيفة «المصري اليوم» اليومية الخاصة بمصر، يرى أنه «جرت العادة على أن يسير نموذج العمل الصحافي، أو نموذج نقل الأخبار، من وكالات الأنباء إلى الصحف ثم إلى القارئ، وبالفعل ظلت لسنوات وكالات الأنباء لا تتعامل مباشرة مع القارئ، حتى ظهور وسائل التواصل الاجتماعي. وحينذاك بدأ يلوح في الأفق منافس جديد، وربما محرك مستحدث دخيل على نموذج عملية نقل الأخبار».
ويضيف أبو حطب لـ«الشرق الأوسط» أنه «حتى بعد دخول الصحف في أزمات مالية، بسبب انخفاض التوزيع، وارتباك حركة الإعلانات التي باتت دخل شريك فيها المنصات الرقمية، كانت وكالات الأنباء بعيدة عن التهديد؛ بل دعونا نقول إن الوكالات العالمية حصدت نتاج ارتباك الصحف، لأنها كانت البديل العملي والموثوق فيه للصحافي». ويتابع «هنا، أتذكر كيف تمكنت وكالة مثل (رويترز) أن تتحلى بالمرونة في التعامل مع الموقف، وتقديم محتوى أكثر تنوعاً، شمل الصحة والمنوعات والترفيه، بعدما كانت السياسة واجهتها الأبرز».
من جهة ثانية، يقول مراقبون إن «(رويترز) اتجهت نحو القارئ، ربما لتحميه من ارتباك المشهد، أو لاستقطابه كمستهلك مباشر للمحتوى». وفي عام 2011 أطلقت «رويترز» مشروع «أصوات مصرية» للصحافة الرقمية. ووفق أبو حطب فإن «تجربة أصوات مصرية تستحق كل التقدير، كما أن دخول (رويترز) في إنتاج المحتوى كان قراراً شديد الذكاء. ولكن دعونا نبقى على يقين من أن المؤسسات الدولية لا تأخذ أي خطوة اعتباطاً، ودائماً ما تكون خُطاها حلقة ضمن رؤية موسعة، ومن هنا أتصور أن (رويترز) في ذلك الوقت كانت تتقرب للقارئ مباشرة، لأنها ترى فيه ملاذها إن لم تتمكن الصحف من حل أزماتها».
حسب المراقبين فإن «مشروع (رويترز) في الصحافة المباشرة - أي (أصوات مصرية) - انتهى عام 2017؛ لكن المؤكد أنها حققت الغرض ولمست نبض السوق من خلالها».
أبو حطب يشير إلى أن «قرار إنتاج المحتوى منذ 11 سنة، كان تمهيداً للتحول الذي نتابعه الآن... تقديم خدمة مدفوعة للقارئ مباشرة، هو تغيير في الخطة وليس تراجعا، فبذلك أصبحت الوكالة أكثر استجابة لاتجاهات السوق الصحافية».
عودة إلى بيان «رويترز» الذي يعلن عن جعل خدمتها مقابل اشتراك شهري، فإنه يوضح أن «المحتوى الجديد سيُتاح للقارئ بالمجان عند تصفح 5 قصص إخبارية، ثم يتعين عليه ترك بياناته للاشتراك إذا كان يريد الاستمرار». وهنا يعتبر الخبراء والمتخصصون أن «هذا النموذج كقيمة مالية، له دلالات، لأن (رويترز) بقرارها هذا وتحديد قيمة اشتراكها حددت منافسيها». ويقول أبو حطب إن «(رويترز) لا تخطط لأن تصبح ناشراً تقليدياً، وإلا أصبحت منافساً للصحف، وليس شريكاً في عملية نقل الأخبار... إنها تضع جميع الاحتمالات للاستمرار؛ بل وتصنف الخدمة المدفوعة التي تقدمها بالجودة والتميز، إذ تنافس نموذجي خدمتي (بلومبرغ) و(وول ستريت جورنال) اللتين لهما قيمة الاشتراك نفسها تقريباً».
في السياق ذاته دللت «رويترز» على هذا التحليل؛ بل وذكرته نصاً من خلال البيان الذي أعلنت من خلاله تفاصيل الخدمة المدفوعة. وقال جوش لندن، كبير مسؤولي التسويق في «رويترز»، رئيس قسم المتخصصين في الوكالة، إن «ما يحدث الآن هو أكبر تحول رقمي في (رويترز) منذ عقد من الزمان». في حين علق الصحافي الهولندي، يوست شخفرس، مراسل «نيدرلاندز داغبلات» Nederlands Dagblad الهولندية، والصحافي الرقمي المتخصص في الوسائط المتعددة لدى صحيفة «تروف» Trouw لـ«الشرق الأوسط» قائلاً إن «عدداً من الوكالات الدولية تقدم بالفعل أخبارا مجانية للقارئ على شاكلة (رويترز) و(إيه بي)؛ لكن بالطبع لا تتيح جميع منتجاتها الصحافية. الشيء الوحيد الذي يتغير الآن، هو أنه بالنسبة لجماهير المحددة، سيقدمون خدمات ببيانات إضافية مدفوعة»، موضحاً أنه «لا ينصب تركيز الوكالة التي تغطي العالم بخدماتها الإخبارية على القارئ العادي، ويتضح ذلك من السعر المخصص للخدمة، نظراً لأن الاشتراك عبر الإنترنت في صحيفة مثل (نيويورك تايمز) أو (واشنطن بوست) أو أي صحيفة بارزة تقدم خدمة رقمية مدفوعة بمقابل أقل بكثير من ذلك، لذلك لا أرى فيما يحدث منافسة مهددة للصحف».
ثم يربط الصحافي الهولندي بين محاولة «رويترز» استقطاب قارئ متخصص بتقديم محتوى مباشر، وبين سيطرة الصحافة الرقمية، بقوله: «تغيير نموذج العمل بات ضرورة... فلن تستمر المؤسسات، سواء كانت وكالة أو صحيفة، إلا إذا وجدت لنفسها مساحة فعالة وسط العالم الرقمي. هذا العالم يمثل اليوم الدخل الأكبر، سواء على مستوى الجماهيرية وعدد القراء، أو حتى الإعلانات. وشئنا أم أبينا فإن النسخ المطبوعة في طريقها للاندثار، وهذا الحال سمح للوكالات، بأن تكون شريكاً ولو جزئياً في تقديم المحتوى للقارئ». في السياق نفسه، عن ثقة القارئ في الوكالة مقارنة بالصحف. يرى شخفرس أن «الأمر متساو نوعاً ما، ومن الصعب مقارنته، نظراً لأنهما يقدمان مصادر مختلفة». غير أن أبو حطب يخالفه الرأي، قائلاً: «الأمر لا يتعلق بالثقة بقدر ما يشير إلى أن وكالات الأنباء ناقل جاف للخبر، على عكس الصحف التي يربطها بالقارئ التزامات تاريخية وآيديولوجية. ذلك أن العلاقة التي تربط (رويترز) بالصحافة علاقة تقنية، فالوكالة تقوم بإنتاج ونقل المحتوى لزبائنها من الشركات عبر وسائط، وبالتالي لا تتحمل الوكالة مسؤوليات تاريخية أو آيديولوجية مثل الموجودة في وسائل الإعلام. (رويترز) تنقل المحتوى للجميع الآن براحة وثقة أكبر من كل من سبق لهم التعامل مع القارئ مباشرة»، مضيفاً أن «المشهد الحالي يشير إلى أن (رويترز) وغيرها من الوكالات العالمية جادة في الاستفادة من تقنيات التكنولوجيا. والدليل ليس بخطوة تقديم محتوى رقمي مدفوع فحسب؛ بل تقدم (رويترز) نشرة أخبار عبر أجهزة تلفزيون آبل، بتقنيات عالية الجودة وتتميز بالمرونة لتناسب كل قارئ».
حول الجمهور المستهدف من قبل «رويترز». يشرح شخفرس فيقول إن «(رويترز) تستهدف جمهوراً محدوداً لكنه صاحب قوة شرائية، على شاكلة قراء (بلومبرغ) و(فاينانشال تايمز)، لكنها مستمرة في نموذج العمل الخاص بها سواء بتقديم الخدمات الإخبارية للصحف وغرف الأخبار، أو إتاحة جزء محدود من خدماتها الرقمية بالمجان».
من جانبه، يؤكد أبو حطب أن «(رويترز) تدخل سوق النشر الموجه للأفراد باشتراكات ولديها عدد من مصادر القوة، أهمها: سجل صحافي نظيف بالنسبة لغالبية مستهلكي الأخبار. إذ إن الوكالة لم تتورط مع السكان المحليين في الدول العربية في تقديم أخبار مفبركة لهم، وساعدها دورها كوكالة أنباء أن تتعامل مباشرة مع وسائل الإعلام، تاركة هذه الوسائل لتتحمل مسؤولية النشر، وما يطرأ على خبر الوكالة الأصلي من تعديلات». ويضيف أنه «نظراً للعدد الكبير للعاملين في الوكالة، تعمل (رويترز) وفق كتاب أسلوب style book يقدم أسلوب تحرير واضحاً، وهو ما يجعل من فريق صحافيي ومصوري (رويترز) من الأفضل والأكبر كشبكة إنتاج محتوى حول العالم. ثم إن الوكالة حريصة على تطوير فهمها لصناعة الصحافة من خلال (معهد رويترز لدراسات الصحافة)، وأيضاً لم تنزلق (رويترز) إلى (بيزنس الإعلانات) ولم يخرج نطاق عملها مالياً عن حدود اشتراكات المؤسسات في الوكالة، قبل الإعلان أخيراً عن نظام جديد لاشتراكات القراء».


مقالات ذات صلة

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
الولايات المتحدة​ مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

«واشنطن بوست» تعلن تسريح ثلث موظفيها في جميع الأقسام

في ضربة قاسية لإحدى أعرق المؤسسات الصحافية... أعلنت صحيفة «واشنطن بوست» عن تسريح ثلث موظفيها بقسم الأخبار والأقسام الأخرى

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أكدت الجلسة الحوارية أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية إيصال الأخبار بشكل احترافي (المنتدى السعودي للإعلام)

خبراء: المنصات الحديثة تفرض على المؤسسات الصحافية مراجعة أدواتها

أكد خبراء إعلاميون أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض على المؤسسات الصحافية إعادة التفكير في أدواتها وأساليبها، مع الحفاظ على القيم المهنية وجودة المحتوى.

غازي الحارثي (الرياض) عمر البدوي (الرياض)

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
TT

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)

قالت كِندة إبراهيم، المديرة العامة الإقليمية لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، إن استراتيجية المنصة في المنطقة خلال عامي 2026 و2027 ترتكز على بناء «اقتصاد إبداعي مستدام» يحوّل المحتوى من نشاط رقمي إلى مسار مهني حقيقي، ويمنح المواهب المحلية أدوات النمو والوصول إلى الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأوضحت إبراهيم، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» على هامش حفل جوائز «تيك توك» الذي نُظم أخيراً، أن المنصة «لا تنظر إلى نفسها بوصفها منصة ترفيه فحسب، بل منظومة متكاملة تتحول فيها الإبداعات إلى مهن، والاهتمامات إلى مجتمعات رقمية، والقصص المحلية إلى محتوى قادر على الانتشار عالمياً مع الحفاظ على هويته الثقافية».

وأضافت أن هذه الاستراتيجية «تقوم على الاستثمار في أدوات صناعة المحتوى، وتوسيع فرص تحقيق الدخل المستدام، وتعزيز أنظمة الأمان، وبناء شراكات تمكّن المواهب المحلية من النمو داخل المنطقة وخارجها بثقة». وأردفت أن تركيز المنصة سيظل منصبّاً على أسواق رئيسية مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ومصر، إلى جانب أسواق واعدة أخرى تشهد زخماً متزايداً في ريادة الأعمال والإبداع الرقمي.

مؤشرات نضج المنظومة

في هذا السياق، رأت كندة إبراهيم أن نتائج حفل جوائز «تيك توك» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2025 «شكّلت مؤشراً واضحاً على نضج منظومة صناع المحتوى في المنطقة، بعدما شارك أكثر من 5.7 مليون مستخدم في التصويت، مما يعكس تحول الجمهور من مجرد متلقٍّ إلى شريك فاعل في صناعة المشهد الإبداعي».

وأوضحت أن تكريم 33 صانع محتوى ضمن 11 فئة شملت الترفيه والتعليم والتأثير الاجتماعي والرياضة والطعام والأزياء والابتكار، «يعكس اتّساع نطاق الإبداع وعمقه».

وتابعت قائلةً إن صناعة المحتوى في المنطقة «لم تعد مرتبطة بلحظة انتشار عابرة أو بنوع واحد من المحتوى، بل أصبحت منظومة حقيقية تبني مجتمعات رقمية وتسهم في تشكيل الثقافة».

واستطردت بأن «وصول 66 صانع محتوى إلى القوائم النهائية قبل بدء التصويت يؤكد وجود قاعدة واسعة ومتنوعة من المواهب في مختلف أنحاء المنطقة، وهو ما دفع (تيك توك) إلى تطوير برامج دعم جديدة لعام 2026، تشمل استثمارات أكبر في أدوات مثل (تيك توك استديو) و(تيك توك ون)، إلى جانب برامج متخصصة للمعلمين والفنانين وصناع المحتوى الرياضيين ورواة القصص».

كِندة إبراهيم، المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى "تيك توك" في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا.(الشرق الأوسط)

محركات النمو

من جهة ثانية، ذكرت كندة إبراهيم أن نمو «تيك توك» في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تقوده ثلاثة عوامل رئيسة تتمثل في: الاكتشاف، والمجتمع، وفرص الدخل المستدام.

ولفتت إلى أن «نظام التوصية القائم على الاهتمامات، وليس على عدد المتابعين، يتيح للأصوات الجديدة الظهور بسرعة، ويسمح للاهتمامات المتخصصة من التعليم والرياضة إلى الطعام والجمال، بأن تتحول إلى حركات ثقافية واسعة تقودها المجتمعات نفسها... وأدوات مثل (تيك توك ون)، والتعاون بين صناع المحتوى، أمور تسهم في تحويل التفاعل إلى علاقات أعمق وفرص دخل حقيقية، مما يدعم بناء منظومة إبداعية أكثر استدامة في المنطقة». ومن ثم، فإن المنصة -وفق كندة ابراهيم- «تقيس هذا النمو عبر مجموعة من المؤشرات، تشمل عدد المستخدمين النشطين، ووقت المشاهدة، والتفاعل المتكرر، ونشاط صناع المحتوى، وتبني أدوات تحقيق الدخل، إضافة إلى عدد الصنّاع الذين ينشرون محتوى بشكل منتظم، وسرعة وصول المواهب الجديدة إلى مجتمعاتها».

التعليم والترفيه

ورداً على سؤال عن طبيعة المحتوى، أكدت أن الترفيه لا يزال عنصراً أساسياً في تجربة «تيك توك»، لكنه لم يعد النوع الوحيد الذي يبحث عنه الجمهور... ذلك أن المحتويين التعليمي والمعرفي، إلى جانب محتوى ريادة الأعمال والتأثير الاجتماعي، قطاعات تشهد نمواً متزايداً، خصوصاً عبر مبادرات مثل «تعلم في تيك توك».

وأوضحت أن التعليم على المنصة لا يأتي بصيغة تقليدية، بل في قالب بسيط وسريع وممتع، يمزج بين الفائدة والترفيه، وهو ما يجعل المحتوى أكثر قرباً من الناس وأكثر قابلية للمشاركة والاستمرار.

منصة متعددة الأجيال

وفيما يتعلق بالفئات العُمرية، شددت المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، على أن «تيك توك» باتت «منصة متعددة الأجيال بطبيعتها». إذ تعتمد تجربة المستخدم على الاهتمامات لا على العمر، وبالتالي، «فإن كل مستخدم يجد محتوىً يناسبه، سواءً للترفيه أو التعلّم أو التعبير عن الذات، مما يجعل التجربة أكثر شمولاً وإنسانية».

السلامة والذكاء الاصطناعي

أما عن التحديات، فقالت إن «تيك توك» تولي أولوية قصوى لبناء بيئة رقمية آمنة وشفافة، خصوصاً مع الانتشار المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي. وشرحت كيف أن المنصة كانت أول جهة تطبّق تقنية «بيانات اعتماد المحتوى Content Credentials بالتعاون مع تحالف C2PA لتمييز المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي».

وأضافت أن أكثر من 37 مليون صانع محتوى استخدموا أداة وسم المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي منذ العام الماضي، كما جرى وسم أكثر من 1.3 مليار فيديو بعلامات مائية غير مرئية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية.

كذلك كشفت عن إطلاق صندوق بقيمة مليوني دولار لدعم محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى الانضمام إلى «Partnership on AI» لتعزيز التعاون على مستوى الصناعة. وشددت على أن هدف «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا هو مواكبة الابتكار، مع الحفاظ على بيئة آمنة ومسؤولة تحترم الخصوصية، وتعزز الثقة، وتدعم الإبداع الحقيقي الذي يعكس ثقافة وقيم مجتمعات المنطقة.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن المنصة كانت قد نظّمت اخيراً حفل جوائزها السنوي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا احتفاءً بأبرز صنّاع المحتوى في المنطقة الذين كان لهم تأثير متميز خلال عام 2025، وتم تكريم صنّاع المحتوى الذين ساهمت قصصهم وإبداعاتهم وتأثيرهم في رسم ملامح هذا العام على المنصة وخارجها.

تنامي المنصة

للعلم، تُعدّ «تيك توك» من المنصات الرقمية المتنامية العالم. وخلال السنوات الماضية عملت على طرح المحتوى بشكل مختلف من خلال الفيديوهات القصيرة. إذ تقوم فلسفة المنصة على نموذج اكتشاف قائم على الاهتمامات لا على عدد المتابعين، مما يمنح الأصوات الجديدة فرصة الظهور والانتشار السريع، ويتيح للمجتمعات الرقمية أن تتشكل حول متابعات مشتركة، سواءً في التعليم أو الرياضة أو الطعام أو ريادة الأعمال أو الفنون.

وفي منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، تتطلع «تيك توك» لأن تكون لاعباً رئيسياً في تشكيل الثقافة الرقمية، إذ تحوّلت إلى مساحة للتعبير عن الهوية المحلية، ومسرح للأفكار الجديدة، ومنصة لإطلاق المواهب الشابة.


«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة. وهذا الأمر يدفع الآن شركة «ميتا»، مالكة المنصة، إلى الرهان على الذكاء الاصطناعي بوصفه مساراً لاستعادة التفاعل عبر تحسين أنظمة التوصية وترتيب المحتوى، وتقديم تجربة أكثر تخصيصاً للمستخدمين.

لقد أشار تقرير أجرته «سوشيال إنسايدر» (وهي شركة متخصصة في تحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي وتقديم تقارير مؤشرات أداء)، خلال الشهر الحالي، إلى أن «متوسط معدلات التفاعل على (فيسبوك) بلغ 0.15 في المائة. وهي نسبة تعكس انخفاضاً تم تسجيله منذ مطلع عام 2025». وتبيّن المؤشرات التي استندت إلى تحليل بيانات نحو 70 مليون منشور عبر منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«فيسبوك» و«إكس» (تويتر سابقاً)، أنه لا يمكن فصل هذا التراجع عن التحولات الأوسع في سلوك المستخدمين، ولا عن المنافسة المحتدمة مع منصات تقدّم أنماطاً أكثر حيوية من المحتوى، وفي مقدمتها الفيديو القصير.

حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، أرجع انخفاض التفاعل على «فيسبوك» إلى عدة عوامل. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك) بات يعاني من هجرة جيلَي زد وألفا، وتحوّل المنصة إلى فئة عُمرية أكبر (في سن 35 سنة)، والسبب في ذلك أساساً وجود منافسين أكثر حيوية ومنصّات تقدّم أنماطاً جديدة من المحتوى مثل (تيك توك) و(إنستغرام)، حتى إن (فيسبوك) باتت منصة الآباء والأجداد».

الشولي يشير إلى «تحول (فيسبوك) لإحراق المحتوى؛ إذ تتعرّض الحسابات العادية لنحو 1500 منشور محتمل خلال أقل من 8 ساعات، ما أدى إلى مفهوم انهيار السياق والاتجاه نحو التلوث في الكم مع إغفال النوع». ويضيف: «هو بالأساس يدخل في إطار فلسفة الاقتصاد، بتحويل انتباه المستخدمين وجعلها عملية نادرة، تتنافس عليها الشركات المعلنة، الأمر الذي أدى لتحول المنصة لسوق من الإعلانات، مع انعدام المحتوى». ويلفت إلى أن «الكمية الهائلة من المنشورات ولّدت فقراً في الانتباه، كما يقول هربرت سايمون، الذي أسس لفكرة اقتصاد الانتباه».

جدير بالذكر أن مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ«ميتا»، كان قد ألمح إلى نية الشركة الدفع باتجاه مزيد من الأدوات والاستخدامات المعززة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما عدّه خبراء «رهاناً لتعويض تراجع التفاعل». وكشفت «ميتا» عقب إعلانها أحدث تحديثات الأداء عن دور أنظمتها المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحسين ترتيب المحتوى وزيادة الصلة داخل الخلاصات.

عودة إلى الشولي، فإنه يرى صعوبة في إيجاد تغيير ملموس بشكل كامل على «فيسبوك»؛ إذ يقول: «المنصة بحاجة لإعادة نظر في شكلها الحالي وطبيعة عملها... والأهم من ذلك استقطابها لجمهور الشباب؛ إذ لدى (فيسبوك) نحو 3 مليارات مستخدم نشط شهرياً، منهم 2 مليار ناشطون بشكل يومي، ولكن معدل الأعمار الأكثر نشاطاً هم الأكبر بالعمر، وهذه مشكلة عنق الزجاجة التي تعاني منه (فيسبوك) طوال السنوات العشر الماضية».

ويضيف أن «الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في استهلاك المحتوى من قبل المستخدمين؛ لكن داخل حيز الحسابات النشطة فقط». وهو لا يعتقد بارتفاع أعداد الحسابات النشطة أكثر مما عليه الآن.

من جهة ثانية، وفق البيانات الرسمية لـ«ميتا»، أسهمت تحسينات ترتيب الخلاصات والفيديو على «فيسبوك» خلال الربع الرابع من عام 2025 في زيادة مشاهدات منشورات الخلاصة والفيديو العضوية بنسبة 7 في المائة، مع تسجيل نمو في وقت مشاهدة الفيديو على أساس سنوي داخل الولايات المتحدة. كذلك زادت المنصة من عرض المقاطع القصيرة المنشورة في اليوم نفسه بنسبة تجاوزت 25 في المائة مقارنة بالربع الثالث من العام ذاته.

وهنا ذكرت دعاء عمار، الصحافية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «فيسبوك» لم تنجح في جذب الشرائح الأصغر سناً. ولفتت إلى التغيّر في تفضيلات الخوارزمية، قائلة: «في السابق كانت خوارزمية (فيسبوك) تعرض ما ينشره أصدقاؤك وأقاربك، أما الآن فتحاول (فيسبوك) استنساخ (تيك توك)». وأردفت دعاء عمار أن «الخوارزمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ما تشاهده على أساس اهتمامك الحالي، وليس بناء على مَن تتابعهم»، معتبرة أن هذا قلّل «الحميمية» التي كانت قبل ذلك دافعاً أساسياً للتفاعل بالتعليقات والمشاركة.

وبالنسبة لرهان «فيسبوك» على الذكاء الاصطناعي، رأت دعاء عمار أن «المشكلة تكمن في أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي مصممة لزيادة التفاعل بأي ثمن، ما قد يؤدي على سبيل المثال إلى انتشار الأخبار المضللة أو حبس المستخدم في فقاعة من المحتوى الذي يوافق مزاجه فقط؛ ما قد يخلق استقطاباً مجتمعياً حاداً». ومن ثم «التفاعل يجب أن يكون هدفاً مقيداً وليس الهدف الوحيد... والحد الفاصل هو عندما يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة لتحسين التفاعل، إلى محرّك غير خاضع للمساءلة لزيادة هذا التفاعل».


«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.