انتصارات لإسرائيل من دون معارك

الحقائق التاريخية هي الغائب الأكبر عن أفلامها

مشهد من الفيلم
مشهد من الفيلم
TT

انتصارات لإسرائيل من دون معارك

مشهد من الفيلم
مشهد من الفيلم

يستخدم الإسرائيليون السينما «سلاحا» ثانيا في خدمة قضيتهم، بما يأتي كمساهمة إضافية في تحقيق الهدف، ذاك الذي صرح عنه المخرج الإسرائيلي «مناحيم جولان» ذات مرة: «أظن أنني قد حققت انتصارات لصالح إسرائيل من دون معارك».
تبدو الحقائق التاريخية هي الغائب الأكبر عن تلك الأفلام، وتغيبها قد يأتي مقصودا، كطريقة مقبولة غربيا للحصول على تمويل للفيلم، فلم يعد مهما الآن مستوى جودته الفنية بقدر ما هو مهمة مضامينه، التي تقع في أحايين كثيرة في شرك النمطية وتغليب القوالب الجاهزة.
فالنمطية لم تنج منها اليوم المخرجة الإسرائيلية «شيريل أميتاي» في فيلمها «موعد في عتليت»، رغم بذلها جهدا واضحا في عرض تكراري خبيث لصور من قبيل: الفلسطينيون دعاة حرب واليهود طلاب سلام، تلك البروباغندا المعهودة، بدت في سياق أخرج الفلسطيني من كل إطار فني، وتاليا من الإطار السياسي.
تدور أحداث الفيلم في «عتليت» القرية التي كانت عربية يوما، وتغيرت ملامحها بعد تحويلها لمستوطنة إسرائيلية،، حيث تختفي هوية مالكي العقارات، وتظهر النصب التذكارية لمجهولين باتوا يمثلون قضايا «غير محقة»، هنا حيث المصالح المالية قوضت «الوئام الأخوي» بعد حرب طويلة يرفضها طرف ما غير محدد في الفيلم.
سيناريو يستعير مسارات ملحوظة من فيلم «إيريك روث بعنوان «ميونيخ» وهو فيلم تجري أحداثه حول مطاردة الموساد لأعضاء منظمة (أيلول) الأسود 1972 في مدينة ميونيخ الألمانية، للممثل الشهير ايريك بانا، الذي يعرض لصورة البطل الإسرائيلي، وترشح يومها لخمسة جوائز أوسكار.
تكرس «آميتاي» في فيلم الأبعاد السياسية ذاك الشعور «اليهودي» العنيد في طلب الخير، على أرض الاضطرابات الداخلية والصراع المعقد، خلافا لما يبدو فيه «الفلسطينيون». هؤﻻء ظهروا كما لو نزلوا أشباحا في مكان ليس لهم، إذ إن المخرجة حاولت جاهدة قلب الصورة حيال ملكية الأرض، تلك القصة القديمة، وعرضتها بطريقة ناعمة تبتعد بشكل أو بآخر عن المباشرة والفجاجة، محاولة بذلك خلق سياق طبيعي – إن جاز التعبير - غير طارئ لحكاية هي في أصلها طارئة واقعا.
كاتبة السيناريو «العابر» رسمت في فيلم من إنتاج فرنسي وإسرائيلي مشترك، ويشارك فيه ممثلون يهود من أصول عربية (جزائرية / جير الدين نقاش، وتونسية / جوديث شيملا، ومغربية / ياعيل أبي قسيس) فضلا عن الفلسطيني مكرم خوري رسمت لحكاية ثلاث يهوديات يعشن في باريس، ويتحدثن الفرنسية كلغة فرانكفونية حضارية، يقررن العودة إلى «أرض الميعاد» بعد ورثة منزل عن والديهم، وعند الوصول يبدآن أعمال ترميم لبيت متواضع يعكس حالة الفقر في الأوساط الإسرائيلية مطلع التسعينات، يأتين وحلم السلام يمكث في المخيلة اليهودية، يتراءى كحقيقة بعد إعلان بدء عملية صلح بين «طرفي النزاع».
سرعان ما تبدأ اضطرابات غير متوقعة بالظهور، الأمر الذي خلق للفيلم سياقا سياسيا مغرضا، إذ يبدو السلام حلما إسرائيليا أكثر مما هو «حلم» فلسطيني، قد تعترضه أوهام كاذبة لم تعد ذات أهمية بعد مقتل رابين.
كانت الفتيات الثلاث قد أبدين ضجرا وسأما من وعود الحكومة، وفي مشهد يظهرن وهن يتابعن مقتطفا من خطاب إسحاق رابين رئيس الحكومة، فتقوم إحدى البنتين وتطفئ جهاز التلفاز، بينما تقوم الأم بوضع طلاء الأظافر لابنتها الثانية في مشهد يتجلى فيه حجم الصراع.
تشهد البطلات الثلاث «خبر اغتيال» رابين على يد متطرف إسرائيلي، فيتعثر حلم اليسار اليهودي الذي صافح «الآخر» الفلسطيني ذات يوم وعلى مضض، ثم تظهر الصور تباعا وهي تنتقل بسرعة بين اثنين: إسحاق رابين وياسر عرفات في مشهد صورته المخرجة بطريقة منفصلة عن الواقع، فمن بعد تكسر الحلم، تحضر الثلاث مجسما للكرة الأرضية كي تخترن إلى أي بلد سيهاجرون وكأنهن يردن القول: أين سنذهب بحزننا وتاريخنا المؤلم، لم تترك لنا خيارات، مع محاولات تمرير رسالة الإسرائيليين بأنهم غير موافقين على سياسة الاستيطان التي تنتهجها الحكومة (المفارقة أن مكان أحداث الفيلم مستوطنة)، وغير معنيين بأجندات سياسية باتت بائسة إلى حد بعيد.
لكن اليهودي بأي حال يرغب في بناء الأرض! وانعكس ذلك في شخصية البطل الإسرائيلي دان (Pini Tavger) الذي تحبه إحدى الابنتين، ويرفض الخروج من أرض القدس حتى لو اختفى السلام وضحى بحبه مع واحدة كانت تريد العودة إلى باريس.
اختارت المخرجة في الفيلم بطلا فلسطينيا «محمد حمدوني»، ليؤدي دور العربي الذي وجد نفسه من دون مقدمات في حديقة المنزل، بعدما آل إلى العائلة اليهودية، في زمن نكبة عام 1948. لم نعرف عنه شيئا، جاء طارئا كما كل مرة، أخرجته من سياق السلام برمته، إذ أظهرته طرفا ضعيفا وهشا، يعيش على أوهامه الشعرية بالعودة إلى فلسطين.
الفلسطيني الذي يملك حصانا عربيا أصيلا لا يفارقه، ولا يجد نفسه (أي هويته) إلا حين يلعب معه، ثم يقتل على يدي «مجهولين»، ويظهر كشبح تسيطر روحه على المنزل الصغير، كذا تدور مشاهد من قبيل انطفاء النور بغتة، إغلاق باب حديقة المنزل وفتحه دون سب، ما يصور سكان فلسطين كما لو أنهم أرواح وأشباح تحوم حول المكان في عتليت، ليبقى طيلة مدة العرض غريبا عن أرضه وتاريخه.
في سياق من الصور التي فرضت على المشهد تصور «أميتاي» مجمل التعقيدات النفسية التي خلقت أجواء متوترة لدى الإسرائيلي المهاجر، قد تدفعه أن يفكر مليا بالهجرة العكسية، ويظهر هذا من خلال حوارات بين الأم والابنة، وتنتهي ببيع الأم المنزل ليهودي آخر أكثر تطرفا، للتخلص من الفقر لا من العبء النفسي الذي يحمله البيت، في حين تقرر الأخت الكبرى وضع المنزل تحت تصرف الأمم المتحدة، لتأتي النهاية وفق مشاهد فوضوية صبت كلها في إطار التعبير عن تطلعات الشخصية اليهودية.
لعل السبب الحقيقي وراء سر الإقبال الأوروبي الكبير على الفيلم أثناء عرضه في مهرجان حيفا واليوم في فرنسا، ربما هو جهل الأوروبيين بخلفيات الصراع، وبعيدا عن مستوى فني يعاني التخبط وفقدان الهوية، هكذا على الأقل وصفه يوما الناقد الفرنسي «روجيه بوسينو» الذي تناول «البطولة» المفتعلة للعصابات الصهيونية وأظهر الانهيار العربي والانكسار أمام وحدة اليهود.



الشعر على حافة الوجود والعدم

الشعر على حافة الوجود والعدم
TT

الشعر على حافة الوجود والعدم

الشعر على حافة الوجود والعدم

يمثل ديوان «برزخ الريح» للشاعر غريب إسكندر تجربة شعرية تنتمي بوضوح إلى أفق الحداثة العربية التي تستند بمعظمها إلى تنظيرات غربية، ولا غرو في ذلك إذا ما عرفنا أن الشاعر يقيم بلندن، ويكتب باللغتين العربية، والإنجليزية. وفي هذا الديوان الذي صدر مؤخراً عن «منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق 2026» تتراجع الحكاية لصالح التأمّل، وتتقدّم اللغة بوصفها أداة قلق واكتشاف في آنٍ معاً. منذ العنوان، يضعنا الشاعر أمام منطقة ملتبسة وشائكة: «البرزخ» بوصفه حدّاً فاصلاً وواصلاً في الوقت نفسه، و«الريح» بوصفها قوة عابرة لا تستقر. هذا التوتر بين الثبات والتحوّل ينعكس في مجمل نصوص الديوان التي تبدو كأنها تقيم في حالة عبور دائم.

فبعد تجربة امتدت لأربعة عقود أصدر خلالها الشاعر أكثر من مجموعة شعرية، منها «سواد باسق/ المؤسسة العربية للدراسات والنشر2001» و«أفعى كلكامش/ دار الفارابي 2011»، يتورّط غريب إسكندر من جديد بواحدة من إرهاصات اللّاهوت ممثلة بـ«البرزخ» الذي ينبثق هنا بوصفه دالّاً، ونافذة غير مرئية لكل ما هو باطني، وغنوصي، جاعلاً إياه عتبة ينفذ منها إلى العالم الشاسع، عالم ما بعد الموت، وما قبله. وهي إشارة أولى إلى إرباك القارئ، ووضعه في خضم تجربة الوجود.

لغة الديوان مكثّفة، متقشّفة، تنأى عن المباشرة، وتراهن على الإيحاء. والجملة الشعرية غالباً ما تأتي قصيرة، ومقطوعة النفس، أو مفتوحة على احتمالات متعددة، بحيث لا تقدّم معنى جاهزاً بقدر ما تُنتج مناخاً شعورياً. في أحد المقاطع، نقرأ: «كلُّ شيءٍ سينتهي/ ولا ينتهي الاسم»، وهي عبارة تختزل هذا الهاجس الوجودي الذي يلازم النصوص، حيث يتقاطع الفناء مع رغبة غامضة في البقاء، ولو على مستوى اللغة. ولا يسعى الشاعر إلى بناء صور مكتملة، بل يفضّل الاشتغال على التشظّي، حيث المفردات تنتمي إلى حقول دلالية مألوفة: الضوء، الظلمة، الجسد، الريح، الصمت، ولكنّها تُعاد صياغتها ضمن شبكة رمزية تجعلها غريبة، ومفتوحة. وهنا لا تكون اللغة وسيلة نقل، بل تعد موضوعاً للتجربة نفسها، وكأن الشاعر يختبر حدودها، أو حتى عجزها. يظهر ذلك في مقطع آخر يقول فيه: «لا شيء سوى الصمت»، حيث يتحوّل الصمت من غياب للكلام إلى مركز للمعنى.

الذات في هذا الديوان قلقة، منشطرة، تبحث عن نفسها، ولا تجدها كاملة. فثمة شعور دائم بالاغتراب، ليس فقط عن العالم، بل عن الداخل أيضاً. في إحدى الصور اللافتة يقول الشاعر: «أنا هنا... وكلما أضحك لأنني أموت»، وهي مفارقة تجمع بين الحضور والغياب في لحظة واحدة، وتكشف عن وعي مأزوم بالوجود، حيث يصبح العيش نفسه شكلاً من أشكال الفناء المؤجل. والزمن في هذه النصوص لا يتحرك في خط مستقيم، بل يبدو دائرياً، أو متداخلاً، حيث تفضي البداية إلى النهاية، والنهاية تعود لتكون بداية أخرى، في استعادة واضحة لفكرة «البرزخ». وهذا التصور يتجلّى في إشارات متكررة إلى التلاشي، والتحوّل، كما في عبارة إليوت التي يوردها الشاعر«In my beginning is my end»، في إحالة إلى تداخل الأزمنة، وكسر التسلسل التقليدي.

ويحضر الجسد بوصفه كياناً هشّاً، لكنّه في الوقت ذاته مساحة للمعنى، وحقل للتجربة. فليس الجسد، هنا، جسداً حسّياً بقدر ما هو استعارة للوجود الإنساني في ضعفه، وتعرّضه للزوال. ويتقاطع الجسد مع مفاهيم مثل الألم، والذاكرة، ويظهر أحياناً بوصفه عبئاً، وأحياناً وسيلة إدراك، مما يعكس نظرة مركّبة إلى الكينونة. ومن العناصر اللافتة أيضاً حضور الصمت بوصفه لغة موازية. فالشاعر يترك فراغات مقصودة داخل النص، ويعتمد على الانقطاع، والتكرار، ليخلق إيقاعاً داخلياً لا يقل أهمية عن الكلمات في هذا السياق، فتبدو القصيدة كأنها تُكتب «بما لا يُقال» بقدر ما «تُكتب بما يُقال»، وهو ما يمنحها بعداً تأمّلياً عميقاً. ولا تخلو النصوص من إشارات ثقافية، سواء من التراث العربي، أو من الأدب العالمي، ولكنّها لا تُقدَّم على نحو مباشر، بل تتسلل عبر اللغة، والصور، وتندمج في نسيج القصيدة. هذا الانفتاح يمنح الديوان بُعداً كونياً، ويخرجه من حدود الجغرافيا الضيّقة، من دون أن يفقد خصوصيته. فالشاعر لا يقتبس بقدر ما يعيد تشكيل هذه المرجعيات داخل نسيجه الشعري، بحيث تصبح جزءاً من تجربته الخاصة. وهذا ما يعزز من ثراء النص، ويجعله قابلاً لقراءات متعددة. فقد وظّف الشاعر عمله الآخر، بوصفه باحثاً في الأدب المقارن، والترجمة، في تجربته الشعرية على نحو ينسجم مع مفاهيم عالمية وإنسانية من قبيل الانفتاح، والتناص، وما يعرف بـ«شعر العالم».

أما من حيث البناء، فلا يعتمد الديوان على شكل تقليدي، بل يقدّم نصوصاً أقرب إلى الشذرات، أو المقطّعات التأمّلية. لا توجد حبكة، أو تسلسل واضح، بل حركة حرّة بين الصور والأفكار. هذا التفكك الظاهري ينسجم مع الرؤية العامة، حيث العالم نفسه يبدو مفككاً، وغير قابل للإحاطة. لذلك، قد لا يكون «برزخ الريح» ديواناً سهلاً، لأنّه يتطلّب قارئاً مستعداً للتورط في لعبة التأويل، والتخلّي عن انتظار المعنى المباشر. لكنّه، في المقابل، يقدّم تجربة شعرية غنية، تفتح أفقاً للتفكير في الوجود، والزمن، واللغة.

وباختصار، يمكن القول إنَّ غريب إسكندر يكتب شعراً يقف على الحافّة: حافّة المعنى، وحافّة اللغة، وحافّة الوجود ذاته. هو لا يقدّم إجابات، وخلاصات جاهزة، بل يضعنا في قلب التجربة الإنسانية بكل تناقضاتها. إنّه يوسّع مساحة السؤال، ويجعل من القصيدة مكاناً للعبور، حيث «لا يوجد شيء مكتمل»، وكلّ شيء معرّض لأن يُعاد التفكير فيه من جديد. وفي هذا السياق، تبدو اللغة كأنها تُقاوم الاستقرار؛ فهي لغة «تتكوّن وهي تتفكّك»، إن صح التعبير، فتمتلئ القصائد بأسئلة غير مكتملة تشير إلى عجز اللغة عن الإمساك بالحقيقة. وهذا القلق لا يُطرح بشكل فلسفي مباشر، بل يتجلّى عبر الصور الشعرية، وعبر التوتر بين الحضور، والغياب، بين الصوت، والصمت، والمعنى، واللامعنى. وفي هذا السياق تبرز قصيدة «هاملت» بوصفها واحدة من اللحظات الدالة في الديوان:

«أسطورةٌ حيّة

هذا العالم

لا يصلحُ له مثالٌ واحد:

وجود واحد

عدم واحد

حقيقة واحدة

أو حتى خيال واحد.

فقد اختفى شبحُ الأب

تماماً من على خشبة الحياة

لكنَّ المسرحَ لا يزال مكتظّاً

بـ«أن تكون أو لا تكون»

التي لم تعد «مشكلة»

بعد الآن

في هذه الأزمنة المبهمة!».

يستدعي الشاعر شخصية هاملت لا بوصفها إحالة ثقافية فحسب، بل مرآة للذات القلقة، والمترددة أمام أسئلة الوجود. ففي المقطع الذي يقول فيه: «أن تكون أو لا تكون»، لا يعيد الشاعر صياغة العبارة الشكسبيرية بوصفها اقتباساً جاهزاً، بل يعيد إدماجها داخل نسيجه الشعري بوصفها سؤالاً مفتوحاً، منزوع اليقين. هنا لا يعود السؤال اختياراً بين حالتين، بل يتحول إلى حالة وجودية مستمرة، إلى تعليق دائم بين الإمكان والعدم. ومما يلفت الانتباه في هذه القصيدة هو أنّ الشاعر يفرّغ العبارة من بُعدها المسرحي الدرامي، ليمنحها بُعداً تأمّلياً داخلياً. فـ«أن تكون» لا تعني الحضور المكتمل، و«أن لا تكون» لا تعني الغياب التام، بل إنّ الاثنين يتداخلان داخل تجربة الذات، كما لو أنّ الوجود نفسه حالة «برزخية»، تماماً كما يقترح عنوان الديوان. وبهذا تصبح شخصية هاملت امتداداً لصوت الشاعر، وليست قناعاً له، حيث يتكرر التردد، ويتعمّق الشك، وتغدو اللغة عاجزة عن الحسم.

إنَّ إدراج هذه الإحالة لا يأتي بوصفه تزييناً ثقافياً، بل يعد جزءاً من بنية التفكير الشعري في الديوان، حيث تتقاطع المرجعيات العالمية مع التجربة الفردية لتنتج معنى جديداً. وهكذا يتحول «هاملت» إلى نص داخل النص، يعزز من فكرة العبور، واللايقين، ويؤكد أنَّ السؤال الوجودي، في جوهره، لا يزال مفتوحاً، ومتجدداً، وعصياً على الإجابة.


«الفتاة الصامتة»... سر جاذبية أدب الجريمة

«الفتاة الصامتة»... سر جاذبية أدب الجريمة
TT

«الفتاة الصامتة»... سر جاذبية أدب الجريمة

«الفتاة الصامتة»... سر جاذبية أدب الجريمة

في منزل منعزل وسط غابة نائية، تتكشف ملامح جريمة قتل مروعة لأسرة بأكملها تتكون من الأم والأب وطفلين، يعثر عليهم مقتولين بالرصاص في بيتهم دون أي آثار تدل على وجود اختراق أو سرقة، كأننا إزاء فعل عنيف دموي بدا كأنه تصفية دقيقة ومحسوبة، لا تترك خلفها إشارة أو علامة تشكل دافعاً واضحاً أو مشتبهاً مباشراً بارتكاب الجريمة.

يرتكز الصراع على تلك الفكرة، ويتنامى من خلاها جوهر الحبكة الدرامية في رواية «الفتاة الصامتة» الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة، تأليف مشترك لاثنين من أدباء السويد هما مايكل هيورث وهانز روزينفيلت، ترجمة هند حسني، التي تأتي ضمن سلسلة روايات «المحقق الجنائي سيباستيان بيرغمان».

تظهر المفاجأة الكبرى ضمن الأحداث حين تكتشف الشرطة أن هناك ناجية واحدة؛ فتاة صغيرة تدعى «نيكول» كانت مختبئة وقت وقوع المجزرة، حيث أصيبت بصدمة نفسية شديدة أفقدتها القدرة على النطق تماماً، لتصبح مفتاحاً للعثور على القاتل وشاهداً على ما جرى لكنها لا تستطيع، أو لا ترغب في التحدث.

وتشهد الرواية عودة شخصية «سيباستيان بيرغمان» إلى الواجهة رغم اضطرابه الشخصي وعلاقاته المتوترة مع زملائه في فريق التحقيق، وهو محقق معروف بذكائه الحاد وسلوكه غير المعتاد، ويرى أن الفتاة قد تكون المفتاح الوحيد لفهم دوافع القاتل، وكشف هويته لكنه يواجه تحدياً كبيراً كيف يمكنه قراءة صمتها؟

وتجسد الرواية السمات الأساسية لأدب الجريمة، التي تجعله جذاباً لدى فئات واسعة من القراء، لا سيما المراهقين والشباب، فهى تبدأ بفعل صادم يشد الانتباه منذ اللحظات الأولى، كما تعتمد القصة على الغموض وسط سرد سريع متصاعد، انتظاراً للعثور على حل الجريمة التي تتحول إلى لغز يتحدى ذكاء البطل والقارئ على حد سواء.

وُلد المؤلف الأول مايكل هيورث عام 1963/ وهو منتج فني بارز وسيناريست، أما هانز روزينفيلت فوُلد عام 1964 وسبق أن عمل حارساً للأسود وسائقاً ومعلماً وممثلاً حتى عام 1992 عندما بدأ يكتب دراما تلفزيونية.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

جلست آنا إريكسون في سيارتها منتظرة أمام المبنى السكني ذي اللون الأصفر الباهت، تأخرت «فانجا» وهو أمر نادر الحدوث، افترضت «آنا» أن هذا ليس سوى وسيلة أخرى من الوسائل التي انتهجتها ابنتها مؤخراً لتأكيد موقفها منها لكن الأسوأ من كل ذلك أنها لم تعد تتصل بها إطلاقاً.

تمكنت «آنا» من التعايش مع ذلك، تفهمت الأسباب وبطريقة ما في أعماقها ربما شعرت بأنها تستحق ذلك وبصراحة لم تكن علاقتهما في إطار كونهما أماً وابنتها من ذلك النوع الذي يتضمن محادثات هاتفية طويلة.

أما «فالديمار» فقد كان ابتعاد «فانجا» عنه مؤلماً إلى حد لا يُحتمل وقد حوّله إلى ظل لما كان عليه في السابق أكثر حتى مما فعل به السرطان نفسه. لم يتوقف قط عن الحديث عن ابنته وعن الحقيقة التي ما كان ينبغي لهما إخفاؤها عنها، كان عليهما التعامل مع الأمور بطريقة مختلفة تماماً، لقد أفلت من قبضة الموت ليجد أن الحياة لم تعد تحمل له سوى الحزن والندم، بالطبع وجدت «آنا» الوضع عبئاً هي الأخرى لكنها استطاعت التكيف فقد كانت دائماً أقوى من زوجها.

مر أكثر من شهر على خروج «فالديمار» من المستشفى، ومع ذلك لم تستطع «آنا» إقناعه بمغادرة الشقة، كان جسده قد تقبل الكلية الجديدة تماماً، لكن «فالديمار» نفسه لم يستطع تقبل واقعه الجديد كعالم خال من ابنته وقد اختار أن ينأى بنفسه عن كل شيء.

لا يبدو أن أي شيء يشغله هذه الأيام لا «آنا» ولا الزملاء القلائل الذين لا يزالون يتواصلون معه رغم ما فعله، ولا الأصدقاء الذين باتت اتصالاتهم أكثر ندرة أو حتى التحقيق الذي لا يزال جارياً، صحيح أن هذه الاتهامات بالتهرب الضريبي والاحتيال خطيرة لكنها بدت بلا أهمية تذكر مقارنة بما جعل «فانجا» تعانيه.


بلغاريا تفوز بمسابقة «يوروفيجن» للمرة الأولى

دارا ممثلة بلغاريا عقب فوزها في نهائي الدورة السبعين من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ب)
دارا ممثلة بلغاريا عقب فوزها في نهائي الدورة السبعين من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ب)
TT

بلغاريا تفوز بمسابقة «يوروفيجن» للمرة الأولى

دارا ممثلة بلغاريا عقب فوزها في نهائي الدورة السبعين من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ب)
دارا ممثلة بلغاريا عقب فوزها في نهائي الدورة السبعين من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ب)

فازت المغنية البلغارية دارا بالنسخة الـ70 من مسابقة «يوروفيجن» للأغنية الأوروبية التي أقيمت في فيينا السبت، لتمنح بلادها أول لقب لها في هذه المسابقة التي تعد أكبر عرض موسيقي تلفزيوني مباشر في العالم.

وتفوقت دارا البالغة 27 عاماً برصيد 516 نقطة على الإسرائيلي نوام بيتان الذي حصد 343 نقطة في نهائي المسابقة التي شهدت دعوات للمقاطعة بسبب مشاركة إسرائيل.

تفاعل الوفد البلغاري بعد فوز دارا بالنهائي الكبير لمسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (إ.ب.أ)

ولم تكن دارا من بين المرشحين والمرشحات الأوفر حظاً، لكنها تمكنت خلال أسبوع «يوروفيجن» من اكتساب شهرة واسعة، وخاصة بفضل أغنيتها «بانغارانغا».

ويقاطع «يوروفيجن» محطات عامة في دول كبرى مثل إسبانيا وهولندا وأيرلندا، وذلك بالإضافة إلى أيسلندا وسلوفينيا، احتجاجا على مشاركة إسرائيل. وتقول ⁠إسرائيل إنها تواجه حملة تشويه ‌عالمية. لكن المتسابق الإسرائيلي أدى ‌أغنيته في النهائي دون أي ​مظهر على الاحتجاج ‌من الجمهور كما كان الحال في قبل النهائي ‌يوم الثلاثاء.

وتجنبت أغنية بانجارانجا البلغارية التي أدتها الفنانة دارا، وهي أغنية راقصة حماسية لاقت استحسان الجمهور، الخوض في السياسة تماما.

وكانت أغنية المتسابق الإسرائيلي، وهي أغنية غرامية ‌حملت اسم «ميشيل» بالعبرية والفرنسية والإنجليزية، أقل إثارة للجدل من أغنية إسرائيل في العام ⁠الماضي ⁠التي غنتها إحدى الناجيات من هجوم السابع من أكتوبر تشرين الأول.

المغني الإسرائيلي نوام بيتان يؤدي أغنيته «ميشيل» في نهائي مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (ا.ف.ب)

وسمعت بعض صيحات الاستهجان من الجمهور عندما حصدت إسرائيل عدداً كبيراً من النقاط في تصويت الجمهور، ما أدى إلى صعودها في الترتيب، كما حدث في 2025 عندما احتلت إسرائيل المركز الثاني أيضاً.

وكان من المتوقع أن تتصدر المنافسة هذا العام الأغنية الفنلندية «ليكنهايتن» (قاذفة اللهب)، والتي تشارك فيها عازفة الكمان ليندا لامبينيوس ومغني البوب ​بيته باركونين، تليها «إكليبس» ​الأسترالية للمغنية دلتا جودريم.