«الشرق الأوسط الأخضر»... استثمار في الطبيعة لا مجرد حملة ضخمة لزراعة الأشجار

«الشرق الأوسط الأخضر»... استثمار في الطبيعة لا مجرد حملة ضخمة لزراعة الأشجار
TT

«الشرق الأوسط الأخضر»... استثمار في الطبيعة لا مجرد حملة ضخمة لزراعة الأشجار

«الشرق الأوسط الأخضر»... استثمار في الطبيعة لا مجرد حملة ضخمة لزراعة الأشجار

في نهاية شهر مارس (آذار) الماضي، أعلن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عن مبادرة «الشرق الأوسط الأخضر»، التي تهدف إلى مواجهة التحديات البيئية وتحسين جودة الحياة والصحة في المنطقة والعالم. صفة «الأخضر» دفعت البعض إلى الاعتقاد أن المبادرة مجرد حملة تشجير ضخمة على المستويين المحلي والإقليمي. صحيح أن التشجير عنصر أساسي في المبادرة، لكنه جزء واحد فقط منها. فصفة «أخضر» هنا تشير إلى مفهوم واسع للتنمية المستدامة، يقوم على استثمار متوازن للموارد الطبيعية، يلبي حاجات الأجيال الحاضرة ويحافظ في الوقت عينه على حق الأجيال المقبلة في حياة كريمة، بالحد من الانبعاثات الكربونية والتلوث، وتأمين توافر الموارد وتجددها.
وتشمل هذه المبادرة في قسمها المحلي الذي يحمل عنوان «السعودية الخضراء» عدداً من المشاريع الطموحة، أبرزها زراعة 10 مليارات شجرة داخل المملكة لتأهيل 40 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة، ورفع نسبة المناطق المحمية إلى أكثر من 30 في المائة، ومجموعة من المشاريع لحماية البيئة البحرية والساحلية.
كما تعمل مبادرة «السعودية الخضراء» على تقليل الانبعاثات الكربونية، من خلال مشاريع الطاقة المتجددة التي ستوفر نصف إنتاج الكهرباء داخل البلاد بحلول 2030، وتخفيض الانبعاثات الكربونية بمقدار 130 مليون طن سنوياً عبر مشاريع التقنيات الهيدروكربونية النظيفة للحد من انبعاثات الوقود الأحفوري المحلية التي تبلغ حالياً نحو 600 مليون طن سنوياً، وكذلك استرجاع المواد والطاقة من النفايات بنسبة طموحة تصل إلى 94 في المائة، فلا يذهب إلى المطامر أكثر من 6 في المائة منها.
أما إقليمياً، فتسعى مبادرة «الشرق الأوسط الأخضر» إلى زراعة 40 مليار شجرة إضافية بهدف استصلاح نحو 200 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة، وخفض انبعاثات الكربون العالمية. كما ستتضمن المبادرة نقل المعرفة وتبادل الخبرات للمساهمة في خفض انبعاثات الكربون من قطاع النفط في المنطقة بأكثر من 60 في المائة.
الأشجار الملائمة في الأماكن المناسبة
وفيما اهتمت مجمل التغطية الإعلامية العالمية لهذه المبادرة برقم الخمسين مليار شجرة التي تعتزم المبادرة زرعها، كان من الواضح أن صناع القرار في السعودية يقدمون حلاً بيئياً واسع الطيف وأعمق بكثير من مجرد حملة ضخمة أخرى لزراعة الأشجار. لكن تبقى للتشجير أهمية بيئية تتعدى جمال المنظر، لقدرة الغابات على امتصاص كميات كبيرة من ثاني أوكسيد الكربون وتنقية الهواء.
خلال السنوات القليلة الماضية، أعلنت الكثير من البلدان عن مشاريع كبرى لزراعة الأشجار. ففي عام 2019، زعمت إثيوبيا أنها زرعت 350 مليون غرسة في أقل من 12 ساعة. وعام 2014 أطلقت إحدى مقاطعات باكستان مشروع «تسونامي المليار شجرة»، وتوسع هذا المشروع في 2018 على المستوى الوطني. وتسير الصين على الطريق الصحيح لزراعة 35 مليون هكتار بالأشجار في مناطقها الشمالية القاحلة لإنشاء ما تصفه بالسور الأخضر العظيم.
ما لم تقم على خطة متكاملة ومنظمة جيداً، يمكن لحملات زراعة الأشجار أن تدمر النظم البيئية الطبيعية، وتجفف إمدادات المياه، وتضر بالزراعة، وتدفع بالناس بعيداً عن أراضيهم، بل إنها تجعل الاحترار العالمي أسوأ. لكن في المقابل، فإن زراعة الأشجار المناسبة في الأماكن المناسبة تساهم في عزل الكربون، وتعيد بناء الغابات، وتعزز الإنتاجية الزراعية. وفي الواقع، فإن الزراعة الرشيدة للأشجار هي واحدة من أفضل الحلول القائمة على الطبيعة لمواجهة تغير المناخ وتحسين الصحة العامة وخلق فرص عمل مستدامة.
لعقود مضت، تضمنت حملات التشجير في الكثير من الدول العربية القليلة المياه زراعة أشجار الصنوبر والأكاسيا والأوكاليبتوس، وتعرف الأخيرة محلياً باسم الكينا في سورية ولبنان، والكافور في مصر، وقلم طوز في العراق. وتظهر الأبحاث أن هذه الأشجار تستهلك مياهاً أكثر بكثير من النباتات المحلية، حيث تجفف الأنهار والأراضي الرطبة، وتلحق ضرراً بشبكات الصرف الصحي، وتزاحم الأنواع المحلية، كما تزيد من الوقود المتاح لحرائق الغابات مما يجعلها أكثر خطورة.
خيارات خاطئة كهذه دفعت حكومة جنوب أفريقيا، التي تواجه نقصاً حاداً في المياه تفاقم بفعل الأشجار الغازية، كالأكاسيا والأوكاليبتوس والصنوبر، إلى إنفاق ملايين الدولارات سنوياً لإزالتها من مستجمعات المياه والمناطق المحمية الرئيسية. واللافت أن مشاريع غرس الأشجار في جميع أنحاء العالم لا تزال تتبنى حتى الآن زراعة الأوكاليبتوس والصنوبر في غير مواطنها، لأنها تنمو سريعاً في معظم المناخات.
في بعض البلدان، يوجد صراع قديم بين استخدام الأراضي لزراعة الأشجار واستخدامها لزراعة المحاصيل والخضار من أجل إطعام الأعداد المتزايدة من السكان. ففي باكستان، كانت الأراضي تؤجر لرعاة الماعز منذ قرون عدة، ولكن «تسونامي المليار شجرة» الذي بدأ في 2014 غير هذه الممارسة، إذ قدمت الحكومة غراساً مجانيةً لأصحاب الأراضي ودفعت لهم سنوياً مقابل كل شجرة استمرت في النمو. ولأن عائد الأشجار كان أكبر من عائد الإيجارات، فقد الرعاة إمكانية الوصول إلى مناطق الرعي الكبيرة، واضطروا إلى بيع حيواناتهم، والتخلي عن أسلوب حياتهم التقليدي، والبحث عن وظائف منخفضة الأجر في المدن البعيدة. ويجري البحث الآن في بدائل تحفظ التوازن بين التشجير والنشاطات الريفية الأخرى.
وفي المكسيك، تقدم الحكومة مدفوعات مباشرة لمالكي الأراضي من أجل زراعة الأشجار في إطار برنامج وطني للتشجير تحت اسم «بذرة الحياة». وكانت النتيجة قيام العديد من ملاك الأراضي بقطع الغابات القديمة لزراعة الغراس الصغيرة. ورغم أن هذه الممارسة قد تكون مقبولة من الناحية الاقتصادية إلا أنها تسببت في فقدان عشرات آلاف الهكتارات من الغابات الناضجة. وبسبب تغير المناخ، أصبحت الغابات معرضة على نحو متزايد للتدمير بسبب الجفاف والحرائق والحشرات والأمراض والعواصف، التي تطلق الكربون مرةً أخرى في الغلاف الجوي. واعتماداً على أنواع التربة والمناخ، غالباً ما تستخدم الأعشاب كمية أقل من المياه لعزل الكربون في التربة مقارنةً بالأشجار، لا سيما في درجات الحرارة المرتفعة. كما أن الحشائش أقل عرضة للتلف بسبب الحرائق والجفاف والأمراض.
في إسكتلندا توجد مساحات شاسعة من الأراضي الرطبة تنمو فيها النباتات المنخفضة التي تشكل الطحالب والأعشاب معظمها. ونظراً لأن التحلل بطيء جداً في الأراضي الحمضية المغمورة بالمياه، تتراكم النباتات الميتة على فترات طويلة جداً مما يؤدي إلى تكوين الخث أو «البيتموس». ولكن في أواخر القرن العشرين، جرى تجفيف بعض المستنقعات الإسكتلندية لزراعة الأشجار، مما تسبب في تسريع تآكل الخث وإطلاق الكربون الذي يختزنه، مما استوجب إدخال تعديلات على الخطة.

- الشجرة رمز لاستعادة النظام البيئي
يقدر العلماء أن النظم البيئية على اليابسة تستطيع استيعاب نباتات إضافية تكفي لامتصاص ما بين 40 و100 مليار طن كربون من الغلاف الجوي. وفي المقابل، تطلق البشرية إلى الغلاف الجوي 10 مليارات طن من الكربون سنوياً، أي أن الحلول القائمة على زراعة النباتات تستطيع إزاحة العبء المناخي الناتج عن عشر سنوات من النشاط البشري، مما يستوجب تحديد الأشجار وفق قدرتها الاستيعابية على امتصاص الكربون.
في مبادرة «الشرق الأوسط الأخضر»، تأتي زراعة الأشجار كجزء من الحل لمواجهة التغير المناخي، وهي تخطو خطوة متقدمة في معالجة أساس المشكلة عبر تقليل الانبعاثات الكربونية من خلال مشاريع الطاقة المتجددة، ومشاريع التقنيات الهيدروكربونية النظيفة، واسترجاع المواد والطاقة من النفايات، ونقل المعرفة وتبادل الخبرات.
وتتجاوز المبادرة مسألة التعامل مع الأشجار على أنها مجرد مخازن للكربون، إلى اعتبارها مدخلاً لاستعادة النظم الطبيعية المتدهورة في مساحة تمتد على 200 مليون هكتار. وهذه تبلغ ضعف المساحة المستهدفة في مبادرة «السور الأخضر العظيم» الصينية. وهي تقدم الدعم للمجتمعات المحلية في منطقة الساحل والصحراء لإدارة واستخدام الغابات والمراعي والموارد الطبيعية الأخرى بصورة مستدامة، إلى جانب المساهمة في التخفيف من آثار تغير المناخ والتكيف معها، وتحسين الأمن الغذائي وسبل المعيشة للسكان.
وفيما تلحظ المبادرة الأفريقية استعادة الأراضي العشبية والسافانا، وتعمل المملكة المتحدة على إنقاذ الأراضي الخثية، فإن مبادرة «الشرق الأوسط الأخضر» تملك عدداً أكبر من الخيارات المؤثرة نتيجة تنوع المشاكل البيئية في المنطقة. ففي مجال استعادة النظم الطبيعية، تستطيع المبادرة دعم إنقاذ غابات القرم (الشورى أو المانغروف) التي تنتشر على سواحل البحر الأحمر والخليج العربي وخليج العقبة.
وتتحمل أشجار المانغروف الملوحة، وتتكيف مع الحياة في الظروف الساحلية القاسية، وتساعد في عزل الكربون بكثافة أكبر بكثير من أنواع الأشجار الأخرى، كما تمثل حاجزاً بين الأرض والبحر يحمي الناس من الفيضانات الساحلية المدمرة، وهي فوق كل ذلك موئل للأنواع الحية كالأسماك ذات الريعية الاقتصادية.
كما يمكن لمبادرة «الشرق الأوسط الأخضر» أن تلحظ حماية المناطق الجافة وشبه الجافة من انتشار الكثبان الرملية عبر الزراعة المستدامة للأنواع النباتية المحلية التي تعد مصداً طبيعياً للرمال كأشجار الأثل، وكذلك عبر إيجاد بدائل لتخفيف الضغوط عن المراعي الطبيعية. وفي هذه الحالة أيضاً، تشكل المبادرة فرصةً لاستعادة التنوع البيولوجي وزيادة المناطق المحمية وتوفير فرص عمل إضافية للسكان المحليين.
أما أبرز ما يمكن أن تقدمه المبادرة فهو حماية الغابات القليلة المتبقية في المنطقة. ففي كل سنة تتعرض الغابات الساحلية في شرق المتوسط وشمال أفريقيا لحرائق الغابات التي تقضي على آلاف الهكتارات، كما يطال التحطيب العشوائي الأشجار المعمرة في الأودية والبوادي في شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام ومناطق أخرى. ويمكن للمبادرة أن تقدم الخبرات في مجال الإدارة المستدامة للموارد الطبيعة، وتدعم نظم المراقبة والإنذار والاستجابة السريعة للحرائق.
زراعة 50 مليار شجرة عبر مبادرة «الشرق الأوسط الأخضر» تمثل أكبر مساهمة عالمية حتى الآن في مشروع «الحفاظ على تريليون شجرة أو ترميمها أو زراعتها» بحلول 2030 الذي أطلقه المنتدى الاقتصادي العالمي العام الماضي. وبغض النظر عن الأرقام، تبقى الأشجار رمزاً لاستعادة النظم البيئية باعتبارها شبكات خضراء معقدة يتعين علينا احترامها ومعرفة موقعنا فيها، لأن مصير ملايين الأنواع الحية يرتبط بها.


مقالات ذات صلة

ابيضاض الشعاب المرجانية يتسارع بوتيرة تفوق قدرتها على التعافي

بيئة شعاب مرجانية بالقرب من جزيرة في جزر غونا يالا الهولندية على الكاريبي - 24 أغسطس 2026 (أ.ب)

ابيضاض الشعاب المرجانية يتسارع بوتيرة تفوق قدرتها على التعافي

قال علماء، اليوم الاثنين، إن الشعاب المرجانية تتعرّض بشكل مستمر إلى عوامل تؤدي إلى ابيضاض لونها بدرجة لم تعد تتيح لها الوقت الكافي للتعافي.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
بيئة جفاف وتشقق التربة على ضفاف نهر ماغدالينا بكولومبيا في مشهد يعكس تداعيات الظروف المناخية المرتبطة بظاهرة «إلنينيو» (رويترز - أرشيفية)

«الأرصاد البريطانية» تتوقع أقوى ظواهر «إلنينيو» في التاريخ الحديث

قالت هيئة الأرصاد الجوية البريطانية، اليوم (الجمعة)، إن ظاهرة «إلنينيو» الجوية التي تتشكل حالياً مرشحة لأن تكون الأقوى في التاريخ الحديث.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا أعلنت بعض المستشفيات في إيطاليا الطوارئ بسبب ارتفاع درجات الحرارة (أ.ب)

إيطاليا في حالة تأهب قصوى والمجر تطفئ الأنوار مع موجة حر تجتاح أوروبا

اتخذت ‌إيطاليا خطوة غير مسبوقة بوضع كل مدنها الكبرى في أعلى مستويات التأهب الصحي، بسبب ارتفاع ​درجات الحرارة اليوم الخميس

«الشرق الأوسط» (روما)
أوروبا صورة من بحيرة بايكال في روسيا (أ.ف.ب-أرشيفية)

مشروع سياحي في روسيا يهدد «بايكال» أكبر خزان للمياه العذبة في العالم

يثير مشروع لتطوير السياحة حول بحيرة بايكال في روسيا مخاوف بيئية متزايدة، بعدما سمحت تعديلات قانونية بقطع الأشجار في مناطق كانت تخضع لحماية مشددة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
العالم مارة يسيرون حاملين المظلات في شارع جيزو-دوري التجاري بسبب موجة حر شديدة بطوكيو يوم 23 يوليو 2026 (رويترز)

نقل المئات إلى المستشفيات جراء «كارثة» الحر الشديد في اليابان

نُقل أكثر من 450 شخصاً في طوكيو إلى المستشفيات خلال يوم واحد؛ للعلاج من مشكلات مرتبطة بالإجهاد الحراري.

«الشرق الأوسط» (طوكيو - باريس)

السعودية تؤكد التزامها بحماية الأمن الغذائي العالمي

الدكتور علي الشيخي أكد أن السعودية تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية (واس)
الدكتور علي الشيخي أكد أن السعودية تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية (واس)
TT

السعودية تؤكد التزامها بحماية الأمن الغذائي العالمي

الدكتور علي الشيخي أكد أن السعودية تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية (واس)
الدكتور علي الشيخي أكد أن السعودية تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية (واس)

أكدت السعودية التزامها بمواصلة جهودها الدولية والإقليمية لتعزيز استدامة الموارد البحرية، ومكافحة الصيد غير القانوني، ودعم الحوكمة الرشيدة للمصايد؛ بما يسهم في حماية الأمن الغذائي العالمي واستدامة النظم البيئية البحرية.

جاء ذلك خلال مشاركة وفدها الذي رأَسه الدكتور علي الشيخي الوكيل المساعد للثروة الحيوانية والسمكية بوزارة البيئة والمياه والزراعة، في أعمال الدورة السابعة والثلاثين للجنة مصايد الأسماك (COFI37)، والحدث الرفيع المستوى للاحتفال بمرور عشر سنوات على دخول اتفاق تدابير دولة الميناء حيز النفاذ، بمقر منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» في العاصمة الإيطالية روما.

وأوضح الشيخي خلال كلمته أن المملكة تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية والازدهار، وأن التحديات التي تواجه الموارد البحرية تتجاوز الحدود الوطنية، وتتطلب استجابة دولية متكاملة تقوم على التعاون والشفافية والابتكار والالتزام بالتنفيذ.

وأشار إلى أن المملكة انسجاماً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» تواصل تطوير منظومتها الوطنية لإدارة المصايد البحرية، وتعزيز أطر الحوكمة والرقابة والامتثال، ورفع كفاءة التفتيش، وتحسين جودة البيانات، والاستفادة من التقنيات الحديثة في التتبع والرصد؛ بما يعزز الإدارة المستدامة للموارد البحرية، ويرسخ شفافية سلاسل الإمداد، ويدعم تنمية الاقتصاد الأزرق.

وأكد أن البحر الأحمر يحظى بمكانة خاصة في جهود السعودية، لما يتميز به من تنوع أحيائي فريد ونظم بيئية ذات أهمية بيئية واقتصادية وتنموية، مبيناً أن المملكة تعمل على ترسيخ نموذج متوازن بين طموحات التنمية ومتطلبات الاستدامة، عبر حماية الموائل البحرية الحساسة، وتنظيم أنشطة الصيد، وتعزيز الرقابة والتتبع، وتطوير إدارة عمليات الإنزال، وتشجيع ممارسات الصيد المسؤولة والمستدامة.

تشارك السعودية في أعمال الدورة السابعة والثلاثين للجنة مصايد الأسماك (واس)

وشدد على أهمية تعزيز الشراكة الإقليمية بين الدول المطلة على البحر الأحمر، وتبادل المعلومات والبيانات، وتكامل أعمال الرقابة والتفتيش، وبناء القدرات؛ بما يسهم في حماية موارده واستدامتها للأجيال القادمة.

وتشارك السعودية في أعمال الدورة السابعة والثلاثين للجنة مصايد الأسماك، التي تنعقد خلال الفترة من 7 إلى 11 سبتمبر (أيلول) الجاري، وتناقش قضايا رئيسية في قطاعي مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية، بينها تقرير «حالة الموارد السمكية وتربية الأحياء المائية في العالم 2026»، والتقدم المحرز في مكافحة الصيد غير القانوني، وتنفيذ الصكوك الدولية ذات الصلة، والتكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره، ودعم مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية صغيرة النطاق.

وأكدت السعودية أهمية الانتقال خلال المرحلة المقبلة من الرقابة التقليدية إلى الرقابة الذكية، ومن الاستجابة للمخالفات إلى استباقها، مع تعزيز التكامل بين دول العلم والساحل والميناء والسوق، وتوسيع استخدام أنظمة الرصد والتتبع وتحليل البيانات والتقنيات الحديثة.

كما جددت التزامها بمواصلة العمل مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة والدول الأعضاء والمنظمات الإقليمية والدولية والشركاء؛ لتعزيز الحوكمة الرشيدة للمصايد، ومواجهة الصيد غير القانوني، ودعم استدامة الموارد البحرية والأمن الغذائي العالمي، وتحويل الالتزامات الدولية إلى نتائج وأثر مستدام.


ما تأثيرات «النينيو» المتوقعة على المنطقة العربية الخريف المقبل؟

توقعات بحدوث ظواهر متطرفة الخريف المقبل (إ.ب.أ)
توقعات بحدوث ظواهر متطرفة الخريف المقبل (إ.ب.أ)
TT

ما تأثيرات «النينيو» المتوقعة على المنطقة العربية الخريف المقبل؟

توقعات بحدوث ظواهر متطرفة الخريف المقبل (إ.ب.أ)
توقعات بحدوث ظواهر متطرفة الخريف المقبل (إ.ب.أ)

حذرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، التابعة للأمم المتحدة، الخميس، من أن ظاهرة «النينيو» القادمة ستكون الأقوى منذ بدء تسجيل بيانات مماثلة قبل 4 عقود، وكما صرح الأمين العام للأمم المتحدة بأن العالم في «منطقة خطر الطقس المتطرف». وأفادت المنظمة بأن هذه الظاهرة المناخية ستصبح «شديدة للغاية» في الأشهر المقبلة.

وقالت سيليست ساولو، رئيسة المنظمة، للصحافيين في جنيف: «إذا استمر هذا المسار، فقد تكون هذه الظاهرة أقوى من أي شيء شهدناه منذ بدء رصدنا لها». وتؤدي ظاهرة النينيو إلى تغيرات عالمية في الرياح والضغط الجوي وهطول الأمطار. وتحدث ظاهرة النينيو عادةً كل سنتين إلى 7 سنوات، وتستمر من 9 إلى 12 شهراً. ويمكنها أن تُغير أنماط الطقس والمناخ على بُعد آلاف الكيلومترات من المحيط الهادئ الاستوائي.

التأثير المتوقع على منطقتنا العربية

قال جوش ويليس، عالم محيطات في مختبر الدفع النفاث في جنوب كاليفورنيا، أحد المختبرات التابعة لوكالة «ناسا» الأميركية: «يمتد نطاق ظاهرة النينيو إلى ما هو أبعد من المحيط الهادئ. حيث تتفاعل هذه الحرارة المخزنة مع الغلاف الجوي، مُحدثةً تيارات الحمل الحراري، ومؤديةً إلى تغيرات في أنماط الرطوبة وهطول الأمطار بعيداً عن المنطقة التي بدأت فيها».

تظهر الخريطة موجة دافئة عملاقة تعبر المحيط الهادئ (ناسا)

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «بالنسبة للمنطقة العربية، يميل الوضع نحو ظروف أكثر رطوبة من المعتاد في أجزاء من شرق البحر الأبيض المتوسط ​​ومنطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، فيما تميل شمال أفريقيا عادةً إلى الجفاف. لكن هذه مجرد مؤشرات، وليست ضمانات.

فظاهرة النينيو هي أحد العوامل المؤثرة من بين مجموعة عوامل، ويمكن للأنماط الإقليمية أو الظواهر المناخية الأخرى، مثل تأثيرات ظاهرة النينيو في المحيط الهندي، أن تُضخّم أو تُبطل من هذا التأثير. وضربت عاصفة جوية صيفية نادرة وحالة من عدم الاستقرار الجوي لبنان وسوريا في أواخر شهر أغسطس (آب) 2026، مما أدى إلى هطول أمطار غزيرة غير مسبوقة في هذا الوقت من العام وتشكل سيول مفاجئة.

وقال الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «إن الطبيعة الجغرافية للمنطقة العربية والتضاريس الموجودة فيها من جبال ووديان ومنخفضات قد يعرض السكان في مثل هذه الظروف لخطر السيول، وحالات من عدم استقرار الظواهر المناخية والطقس، خصوصاً في الفصول الانتقالية مثل الربيع والخريف».

وأَضاف أن المنخفضات الجوية أيضاً هي أحد مظاهر فصل الخريف وتتكون على منطقة الشرق الأوسط، بعضها قادم من القارة الأفريقية من الجنوب وشمال السودان، وهناك أخرى تكون قادمة من جنوب أوروبا وتؤثر على المناطق الشمالية من المنطقة العربية. وتتوقع المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن تشتدّ ظاهرة النينيو لتصبح حدثاً قوياً للغاية في الأشهر المقبلة، مع تأثيرات كبيرة على أنماط هطول الأمطار ودرجات الحرارة، وما يصاحبها من مخاطر الفيضانات والجفاف وموجات الحر الشديدة».

مخاوف من تأثير ظاهرة النينيو على الزراعة في المنطقة العربية (د.ب.أ)

ووفق التحديث المناخي الموسمي العالمي فإن هناك احتمالاً كبيراً لارتفاع درجات الحرارة عن المعدل الطبيعي في معظم المناطق البرية. وتمتد أقوى مؤشرات هذا الاتجاه عبر أفريقيا، وجنوب أوروبا، وشبه الجزيرة العربية، وشبه القارة الهندية، وشرق آسيا، ومناطق أخرى من العالم.

وتُظهر توقعات هطول الأمطار للفترة من أغسطس إلى أكتوبر (تشرين الأول) 2026 أنماطاً نموذجية لظاهرة النينيو القوية. ومن المتوقع هطول أمطار أكثر من المعتاد على منطقة القرن الأفريقي، وأجزاء من آسيا الوسطى، وجنوب أوروبا، وكذلك في مناطق أخرى بعيدة من العالم. في المقابل، من المرجح أن تسود ظروف أكثر جفافاً من المعتاد في شبه القارة الهندية، وجنوب وشرق أستراليا، وجنوب أميركا الوسطى وأجزاء من منطقة البحر الكاريبي، وشمال غرب أميركا الجنوبية، وشمال أوروبا.

الآثار الاستراتيجية على المنطقة العربية

ووفق مركز البيئة والتنمية للإقليم العربي وأوروبا (سيداري) يتزامن حدث النينيو لعام 2026 مع اضطرابات كبيرة في سلاسل الإمداد، لا سيما حول مضيق هرمز. ويخلق هذا وضعاً بالغ الخطورة لانعدام الأمن الغذائي، حيث تتضافر عوامل فشل المحاصيل الناجمة عن تغير المناخ مع ارتفاع تكاليف الأسمدة والوقود.

ووفق قطب فإن أبرز المجالات التي تتأثر بالتغيرات المناخية هي الزراعة؛ لأن المحاصيل الزراعية تحتاج لظروف مناسبة من درجة الحرارة والرطوبة ومعدلات المطر. وأضاف أن النقل البحري أيضاً أحد أبرز المجالات التي تتأثر بالتغيرات المناخية، لا سيما شدة الأمطار وارتفاع الأمواج، وهو ما قد يؤثر على سلاسل الإمداد في المنطقة.

تؤدي النينيو إلى تغيرات عالمية في الرياح والضغط الجوي وهطول الأمطار (أ.ف.ب)

وحسب سيداري فإنه من المتوقع أن يؤدي النقص الناتج في المياه والغذاء، خصوصاً في المناطق الزراعية، إلى تأجيج التوترات على مستوى المجتمعات المحلية، والنزاعات المحلية، والاحتجاجات المتعلقة بالمياه. وقد تهدد موجات الحر الشديدة والفيضانات المفاجئة المحتملة البنية التحتية.

يقول ويليس: «لتأثيرات ظاهرة النينيو تداعيات اقتصادية عالمية. فالمياه الدافئة التي نرصدها من الفضاء لها ثمنها، وقد يظهر هذا الثمن في أسعار أعلاف الحيوانات والغذاء بعيداً عن المحيط الهادئ».

إدارة استباقية

وتُعد المنطقة العربية شديدة التأثر بتقلبات أسعار الغذاء العالمية، التي من المرجح أن تزيدها ظاهرة النينيو. ويؤدي تداخل الصراعات مع الظاهرة المناخية إلى تعطيل إنتاج ونقل الأسمدة النيتروجينية، وهي ضرورية لإنتاج الغذاء في المنطقة. ومع وجود 19 دولة عربية تعاني بالفعل من شح المياه، فإن النينيو تهدد بشكل مباشر إمدادات المياه الأساسية، وفق سيداري.

وحثت رئيسة المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، ساولو، سلطات إدارة الكوارث والقطاعات الحساسة للمناخ، مثل الزراعة ومصايد الأسماك والصحة والطاقة والمياه، على الاستعداد. وقالت: «إن ظاهرة النينيو الاستثنائية هذه لديها القدرة على توجيه ضربة قوية للمجتمعات والاقتصادات في جميع أنحاء العالم».

مخاوف علمية من حدوث سيول وفيضانات مفاجئة (أ.ب)

وشدد قطب على ضرورة اتخاذ الدول التدابير اللازمة للتكيف مع التغيرات المناخية، مثل سياسات التحول من استخدام الوقود الأحفوري إلى الطاقات الجديدة والمتجددة، والدفع نحو استخدام السيارات الكهربية والقطارات الحديثة الموفرة للطاقة والتي تقلل من نسب التلوث البيئي أيضاً، وبالطبع التوسع في إقامة المناطق الخضراء، وإنشاء مبانٍ سكنية صديقة للبيئة.

ووفق سيداري، تتطلب ظاهرة النينيو لعام 2026 إدارةً استباقيةً ومعززةً للموارد، بما في ذلك تسريع الاستثمارات في تحلية المياه والزراعة المستدامة، وتأمين طرق بديلة لإمدادات الغذاء، وتعزيز شبكات الأمان الاجتماعي لإدارة الاضطرابات الاجتماعية المحتملة. كما أنه لا بدّ لنا من التساؤل: هل بنيتنا التحتية العربية مُهيأة لمواجهة ظاهرة مُتفاقمة على كوكبٍ ذي حساسيةٍ أعلى وحمايةٍ أقلّ؟ هل إجراءاتنا المعتادة للإغاثة الزراعية والإنسانية كافيةٌ لمواجهة تحوّل جذري؟ إننا نشهد أزمة متوقعة تواجه عالماً غير مُستعد. لم يعد السؤال ما الذي سيحدث، بل هل نحن أخيراً على أهبة الاستعداد للاستجابة لما يُشير إليه هذا الحدث؟


ترمب يعتزم رفع غطاء الحماية عن الذئاب

ذئب رمادي أميركي (أرشيفية - رويترز)
ذئب رمادي أميركي (أرشيفية - رويترز)
TT

ترمب يعتزم رفع غطاء الحماية عن الذئاب

ذئب رمادي أميركي (أرشيفية - رويترز)
ذئب رمادي أميركي (أرشيفية - رويترز)

أعلنت الإدارة الأميركية، الجمعة، أنها تعتزم إنهاء الحماية الممنوحة للذئاب كأحد الأنواع المهددة بالانقراض، مما أثار غضباً واسعاً لدى المنظمات البيئية.

وفي مرسوم يهدف إلى مساعدة مربي المواشي للحدّ من خسائرها، طلب الرئيس دونالد ترمب من وزير داخليته دوغ بورغوم أن يحدّد في غضون 90 يوماً ما إذا كانت الذئاب الرمادية والذئاب المكسيكية تستوفي المعايير التي «تتيح رفع الحماية عنها، أو إعادة تصنيفها بموجب قانون الأنواع المهددة بالانقراض».

وإذا استوفت الذئاب المعايير، فبإمكان بورغوم البدء في شطبها من القائمة، الأمر الذي قد يدفع الحكومة إلى تشجيع الولايات على تخفيف القيود المفروضة على صيد الذئاب.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في طريقه إلى مروحية «مارين وان» للانتقال إلى نادي الغولف الذي يملكه في بيدمينستر بولاية نيوجيرسي لتمضية عطلة نهاية الأسبوع (أ.ف.ب)

وكانت الولايات المتحدة تضم ما لا يقل عن 250 ألف ذئب قبل وصول المستوطنين الأوروبيين الذين تسببوا في انخفاض أعدادها بشكل كبير مع توسعهم غرباً.

وتضم الولايات المتحدة القارية حالياً نحو 7600 ذئب رمادي، بحسب منظمة «وولف كونسرفيشن سنتر»، بينما قُدّر عدد الذئاب المكسيكية بنحو 317 ذئباً في نهاية عام 2025، بحسب المنظمة المكلفة بمراقبة أعدادها.

وقررت إدارة ترمب إلغاء قرار حماية الذئب الرمادي الذي صدر في سبعينات القرن الفائت بعد أن كاد ينقرض في الولايات المتحدة. وقد أعاد قاضٍ فدرالي العمل بالقرار في العام 2022.

ورأى بن غرويل، من منظمة «سييرا كلوب» المدافعة عن البيئة، أن هذا القرار محاولة لتهدئة مخاوف مربي المواشي الغاضبين من قرار الحكومة رفع الرسوم الجمركية مؤقتاً عن لحوم الأبقار المستوردة.

وأضاف: «إن تحويل حماية الذئاب إلى قضية تُدار سياسياً بذريعة الحد من الأضرار لن يُساهم في خفض أسعار المواد الغذائية، أو مساعدة الأسر التي تُعاني من ارتفاع تكاليف المعيشة».

وكانت إدارة ترمب قد أضعفت في يوليو (تموز) حماية موائل الأنواع المُهددة بالانقراض، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».