قلق علمي من التحورات الثلاثة للطفرة الهندية

الحرب العالمية ضد «كوفيد ـ 19» دخلت «مرحلة حاسمة»

قلق علمي من التحورات الثلاثة للطفرة الهندية
TT

قلق علمي من التحورات الثلاثة للطفرة الهندية

قلق علمي من التحورات الثلاثة للطفرة الهندية

دعت الأمم المتحدة الأسرة الدولية إلى الإسراع في مدّ يد العون إلى الهند التي تواجه وضعاً صحياً كارثيّاً بعد أن خرج الوباء كليّاً عن السيطرة، وبات يشكّل خطراً داهماً على السكان، وحدها المساعدة الخارجية قادرة على التخفيف منه، كما قالت ناطقة بلسان منظمة الصحة العالمية أمس (الخميس).
ويأتي هذا النداء في الوقت الذي باشرت دول عدة، مثل الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي، بإرسال الدفعات الأولى من المساعدات، في حين ترتفع الأصوات المندّدة بإدارة الحكومة الشعبوية التي يرأسها نارندا مودي لهذه الأزمة، ومسؤوليتها المباشرة بتشجيعها على تنظيم مهرجانات سياسية ودينية لأغراض انتخابية خلال الشهرين الماضيين. ويذكر أن عدد الإصابات اليومية المؤكدة يتجاوز ٣٥٠ ألفا منذ أواخر الأسبوع الفائت، بعد أن كان دون العشرة آلاف أواسط شهر فبراير (شباط).
ويقول خبراء منظمة الصحة إن هذه الأرقام، مقارنة بعدد السكان، لا يفترض أن تكون مدعاة للهلع كما في بعض البلدان الأخرى التي سجّلت معدلات أعلى بكثير، لكن الأرقام الرسمية في الهند بعيدة جداً عن الواقع بسبب من ضعف قدرة المنظومة الصحية على رصد الإصابات الفعلية، فضلاً عن أن غالبية ضحايا الوباء يموتون في منازلهم ولا يحتسبون ضمن الإحصاءات الرسمية.
وتفيد منظمة «أطباء بلا حدود» بأن أعداداً كبيرة من المصابين بالوباء يقضون من غير الحصول على أي مساعدة طبية لعدم توفّر الأكسجين وأجهزة التنفس والأدوية والأسرة في المستشفيات، إلى درجة أن المحارق الجماعية لم تعد قادرة على استيعاب المزيد من الجثث.
وبعد أن كانت النتائج الأوليّة للتحاليل المخبرية على الطفرة الجديدة التي يعتقد أنها سبب هذه الموجة الوبائية في الهند قد دلّت أنها تحمل قدرة أسرع على السريان، وربما كانت أكثر مقاومة لمضادات الأجسام، قال خبراء منظمة الصحة العالمية أمس الخميس إن هذه الطفرة باتت متفشيّة بنسبة تزيد على 50 في المائة في بعض الولايات، وإنه ما زال من السابق لأوانه تحديد مواصفاتها بشكل نهائي.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الطفرة كانت قد رصدت للمرة الأولى في خريف العام الماضي، بالتزامن تقريباً مع ظهور الطفرة البريطانية التي تبيّن أنها أسرع سرياناً بنسبة 90 في المائة من الطفرة الأساسية وأشدّ فتكاً منها بنسبة 58 في المائة وفقاً لآخر البيانات العلمية الصادرة عن المركز الأوروبي لمكافحة الأمراض السارية والوقاية منها.
ويقول الخبراء إن ما يدعو إلى القلق من الطفرة الهندية، هي ثلاثة تحوّرات في سلسلتها الوراثية المؤلفة من 30 ألف حرف، حيث إن تغييراً واحداً فقط من شأنه أن يجعل الفيروس أكثر قدرة على اقتحام أعضاء الجسم والإفلات من نظام المناعة المكلّف القضاء عليه. أما التحوّر الذي يثير أكبر قدر من القلق لدى العلماء في هذه الطفرة، فهو L452R الذي يظهر أن الفيروس تطوّر ليستبدل مادة الليوسين بواسطة مادة الأرجينين عند النقطة 452 في مادته البروتينية، وهي بالتحديد الموقع الذي يدخل منه الفيروس إلى الخلايا البشرية. وتجدر الإشارة إلى أن علماء أميركيين كانوا رصدوا هذا التحوّر في الطفرة التي ظهرت في ولاية كاليفورنيا، وتبيّن أنها أسرع سرياناً بنسبة 20 في المائة، وقادرة على الإفلات من بعض المضادات التي تتولّد لدى المصابين، فضلاً عن أنها أسرع تكاثراً.
لكن الطفرة الهندية تحمل تحوّراً آخر مثيراً للقلق عند النقطة E484Q لم يتمكّن الخبراء بعد من تحديد مواصفاته وقدراته، إضافة إلى تحوّر ثالث كشفته التحاليل الأخيرة عند النقطة P681R يخشى أنه يسهّل عملية اقتحام الفيروس للخلايا ويزيد من قدرته على اجتياح الأنسجة.
وترى الأوساط العلمية أن المشكلة الكبرى التي تواجه الهند، فضلاً عن العجز الكبير في مستلزمات العلاج وعدد الأسرة في المستشفيات، هي ضعف قدرتها على إجراء التسلسل الوراثي لتحديد طبيعة الإصابات ومواصفاتها، والتي لا تتجاوز واحدا في المائة من الحالات، ما يعني أنها تكاد تجهل تماماً معدلات انتشار الطفرات بين السكان الذين يزيد عددهم على 1.3 مليار نسمة. وتجدر الإشارة مثلاً إلى أن بريطانيا تجري تحاليل التسلسل الوراثي لما يزيد على 10 في المائة من الإصابات.
الموقف الرسمي لمنظمة الصحة العالمية ما زال يتسّم بالحذر بشأن تحديد مستوى الخطر الذي تشكّله الطفرة الهندية، في انتظار تقدم التحاليل وتوفّر المزيد من المعلومات عنها، وما زالت تصنّفها ضمن «الطفرات المثيرة للاهتمام» وليس ضمن «الطفرات المقلقة» التي تندرج فيها طفرات بريطانيا والبرازيل وجنوب أفريقيا وكاليفورنيا التي توفّرت أدلة كافية على سريانها وفتكها وقدرتها على مقاومة بعض اللقاحات. لكن خبراء المنظمة لا يخفون قلقهم من هذه الطفرة الهندية في ضوء النتائج الأولية للتحاليل المخبرية التي أجريت عليها.
المعهد الوطني للعلوم الفيروسية في الهند أفاد من جهته أمس (الخميس)، بأن الدراسة الأولى التي أجراها حول هذه الطفرة بيّنت أن المضادات التي تتولّد بفعل الإصابة بالفيروس قادرة على منع الإصابة بها، وأن لقاح «كوفاكسين» الذي تطوره الهند فعّال أيضا في مواجهتها.
وفيما تركّز التجارب والتحاليل التي تجريها الهند ودول أخرى حالياً على تحديد مواصفات التحوّرات الثلاثة لهذه الطفرة عبر الدراسات المخبرية ومتابعة تطور الموجة الوبائية، ينبّه خبراء منظمة الصحة من المبالغة في تأثير الطفرة الجديدة على هذه الموجة الوبائية الاستثنائية التي تشهدها الهند، ويذكّرون بأن الطفرات الجديدة ليست هي التي تتسبب في الموجات الوبائية، بل هي الموجات وسرعة سريان الفيروس نتيجة عوامل عدة هي التي تساعد على ظهور الطفرات الجديدة.
وتقول مديرة قسم العلوم الفيروسية في جامعة جنيف ناتالي بوتيكير: «الحرب العالمية ضد كوفيد دخلت مرحلة حاسمة، واللقاحات هي السلاح الفعّال الوحيد لمحاصرة الفيروس ومنعه من مواصلة التحوّر للبقاء على قيد الحياة. وبقدر ما تتأخر حملات التلقيح، بقدر ما تزداد احتمالات ظهور طفرات جديدة تمدّ الفيروس بعناصر التفوّق في هذه الحرب».


مقالات ذات صلة

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)
أوروبا سجّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة كورونا في أوروبا إذ حصد «كوفيد - 19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

أكثر من 14 مليار دولار تكلفة الاحتيال المتعلق بـ«كوفيد - 19» في بريطانيا

بلغت تكلفة الاحتيال المتعلق ببرامج الدعم الحكومي خلال جائحة كوفيد - 19 في بريطانيا 10.9 مليار جنيه إسترليني (14.42 مليار دولار).

«الشرق الأوسط» (لندن)

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟


الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
TT

الآلاف يتظاهرون في سيدني احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي

متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)
متظاهرون يحتشدون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

استخدمت الشرطة في مدينة سيدني الأسترالية رذاذ الفلفل، ودخلت في صدامات، اليوم الاثنين، مع متظاهرين مشاركين في مَسيرة احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورشّت الشرطة المتظاهرين ومراسلين صحافيين برذاذ الفلفل، أثناء محاولة المَسيرة المؤيدة للفلسطينيين الخروج من المنطقة المحدَّدة للتظاهر بها.

تجمّع متظاهرون في ساحة قاعة المدينة للاحتجاج على زيارة الرئيس إسحاق هرتسوغ الرسمية إلى أستراليا (رويترز)

وتظاهر الآلاف في أنحاء أستراليا احتجاجاً على زيارة هرتسوغ. وفي سيدني، تجمع الآلاف في ساحة ‌بحي الأعمال المركزي ‌بالمدينة، واستمعوا إلى خطب ورددوا شعارات مؤيدة للفلسطينيين.

وقال ‌متظاهر ⁠يبلغ ​من ‌العمر 30 عاما من سيدني «كانت مذبحة بونداي مروعة، لكن قيادتنا الأسترالية لا تعترف بالشعب الفلسطيني وسكان غزة»، وفق «رويترز».
وأضاف «يتهرب هرتسوغ من جميع الأسئلة المتعلقة بالاحتلال وقال إن هذه الزيارة تتعلق بالعلاقات بين أستراليا وإسرائيل، لكنه متواطئ».
وكان هناك وجود مكثف للشرطة مع طائرة هليكوبتر تحلق في السماء ودوريات ينفذها أفراد من الخيالة.

وبدأ هرتسوغ زيارة لأستراليا، اليوم الاثنين، لتكريم ضحايا هجوم بونداي الذي أودى بحياة 15 شخصاً كانوا يحتفلون بعيد الأنوار اليهودي «حانوكا» على الشاطئ الشهير في سيدني، وتقديم دعم للجالية اليهودية. وقال الرئيس الإسرائيلي إن زيارته تهدف إلى «التعبير عن تضامنه ومنح القوة» للجالية اليهودية، بعد الهجوم الذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً في 14 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

تجمَّع متظاهرون خلال احتجاج على زيارة الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ إلى أستراليا (د.ب.أ)

وفي مواجهة دعوات إلى الاحتجاج أطلقها ناشطون مؤيدون للفلسطينيين، حضّت السلطات على الهدوء، وحشدت قوة أمنية كبيرة في سيدني، حيث يقوم هرتسوغ بزيارة مُدّتها أربعة أيام.

ودعت مجموعة «بالستاين أكشن» إلى تظاهرة، بعد ظهر الاثنين، أمام مبنى بلدية سيدني، ورفضت طلب الشرطة بنقل التجمع إلى حديقة قريبة.

وتُندد المجموعة بـ«الإبادة الجماعية» التي تقول إن إسرائيل ترتكبها في قطاع غزة، وتدعو السلطات الأسترالية إلى التحقيق مع هرتسوغ بتهمة ارتكاب جرائم حرب باسم التزامات كانبيرا الدولية. وخلصت لجنة تحقيق مستقلة، مكلَّفة من الأمم المتحدة، عام 2025، إلى أن إسرائيل كانت ترتكب إبادة جماعية في غزة، منذ بداية الحرب على القطاع.