الاستخبارات الأميركية تنبأت بـ«كورونا» في 2008 وتحذر من مستقبل عالمي قاتم

مقر وكالة الاستخبارات الأميركية (أرشيفية - رويترز)
مقر وكالة الاستخبارات الأميركية (أرشيفية - رويترز)
TT

الاستخبارات الأميركية تنبأت بـ«كورونا» في 2008 وتحذر من مستقبل عالمي قاتم

مقر وكالة الاستخبارات الأميركية (أرشيفية - رويترز)
مقر وكالة الاستخبارات الأميركية (أرشيفية - رويترز)

قالت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، أمس (الخميس)، إن الاستخبارات الأميركية حذرت من أن العالم يواجه مستقبلاً قاتماً ستشكل فيه الأمراض والأزمات المالية وتغير المناخ تحديات كبيرة.
وأوضحت الصحيفة أن وكالات الاستخبارات الأميركية كل أربع سنوات، مع بدء الفترات الرئاسية، تقدم تقريراً مهماً لما يبدو أنه يتجه إليه العالم خلال العقدين المقبلين، يُطلق عليه «الاتجاهات العالمية».
ولفتت «نيويورك تايمز» إلى أن تقريراً سابقاً للاستخبارات الأميركية في عام 2008 حذر من احتمال ظهور جائحة تنشأ في شرق آسيا، وتنتشر بسرعة في جميع أنحاء العالم، وذكرت أن خبراء في واشنطن قرأوا هذا التقرير قالوا إنهم لا يتذكرون تقريراً أكثر كآبة.
ولفتت إلى أن التقارير المتعلقة بالمستقبل كانت خلال السنوات الماضية تميل لوضع مواقف جيدة، ولكن هذا العام تقول عناوين التقرير بشأن عام 2040 إن «النظام الدولي سيكون فوضوياً ومتقلباً، حيث سيتم تجاهل القواعد والمؤسسات الدولية إلى حد كبير من قبل القوى الكبرى، مثل الصين واللاعبين الإقليميين والجهات الفاعلة غير الحكومية».
وبحسب تقرير «الاتجاهات العالمية 2040» الذي صدر، الأسبوع الماضي، عن مجلس الاستخبارات الوطنية، فإن جائحة فيروس «كورونا» المستجد أثبتت أنها «أهم اضطراب عالمي فريد منذ الحرب العالمية الثانية»، مع تداعيات طبية وسياسية وأمنية سيتردد صداها لسنوات».
وعلقت الصحيفة الأميركية بأن هذا ليس شماتة، ولكن مقدمة لصورة أكثر قتامة بكثير لما ينتظرنا، وأوضحت أن التقرير الاستخباري المكون من 144 صفحة، والذي يحمل عنواناً فرعياً «عالم أكثر تنازعاً» ينذر بالسوء، يضع تصوراً لعالم غير مستقر جراء تغير المناخ، وشيخوخة السكان، والأمراض، والأزمات المالية، وتكنولوجيات تقسم أكثر مما توحد، وكلها ترهق المجتمعات و«تولد صدمات من شأنها أن تكون كارثية»، وفقاً للتقرير.
وحذر التقرير من استمرار اتساع الفجوة بين التحديات والمؤسسات التي تهدف إلى التعامل معها، حيث إنه «من المرجح أن تصبح السياسات داخل الدول أكثر تقلباً وإثارة للجدل»، وأضاف أنه «لا يبدو أن أي منطقة أو آيديولوجية أو نظام محصن».
وتابع أن «العالم يتشكل على نحو متزايد بفعل التحدي الصيني للولايات المتحدة والنظام الدولي الذي يقوده الغرب»، مع وجود مخاطر أكبر للصراع.
واستعرضت الصحيفة رؤية الاستخبارات الأميركية لما سيقبل عليه العالم، حيث قال إن هناك شرائح كبيرة من سكان العالم أصبحوا حذرين من المؤسسات والحكومات التي يرونها غير راغبة أو غير قادرة على تلبية احتياجاتهم.
وتابع أن الناس ينجذبون إلى مجموعات مألوفة ومتشابهة التفكير والهويات العرقية والدينية والثقافية من أجل المجتمع والأمن والمصالح، ولأسباب مثل حماية البيئة.
وذكر أنه في نفس الوقت الذي يتم فيه تمكين السكان بشكل متزايد ومطالبتهم بالمزيد، تتعرض الحكومات لضغوط أكبر من التحديات الجديدة والموارد المحدودة.
وحذر من أن هذه الفجوة الآخذة في الاتساع تنذر بمزيد من التقلبات السياسية، وتآكل الديمقراطية، وتوسيع الأدوار لبدلاء يقدمون للحوكمة.
ورجح أن تواجه العلاقات بين المجتمعات وحكوماتها في كل منطقة توترات بسبب عدم التوافق المتزايد بين ما يحتاج إليه الجمهور، وما يتوقعه، وما يمكن أن تقدمه الحكومات، وما ستقدمه.
وكذلك من المرجح أن يؤدي تسريع التحولات في القوة العسكرية، والتركيبة السكانية، والنمو الاقتصادي، والظروف البيئية، والتكنولوجيا، بالإضافة إلى الانقسامات الشديدة حول نماذج الحوكمة، إلى زيادة المنافسة بين الصين والتحالف الغربي بقيادة الولايات المتحدة.
وأوضحت الصحيفة أن التقرير به سيناريو واحد مبهج متعلق بـ«نهضة الديمقراطيات»، حيث تقود الولايات المتحدة وحلفاؤها عالماً من الديمقراطيات الناشئة، يصبح فيه الجميع أكثر سعادة.
وتابعت أن الغرض الواضح من هذا السيناريو هو إظهار أنه يمكن للناس، من حيث المبدأ، تغيير الأمور، ولكنها لفتت إلى أنه لا شيء في التقرير يشير إلى احتمال حدوث ذلك.
وقالت الصحيفة إنه لا ينبغي أن تكون الكآبة مفاجأة؛ فمعظم ما تقدمه التقارير عبارة عن تذكير بمخاطر نعرفها وتحذيرات سمعناها.
وتابعت: «نحن نعلم أن العالم لم يكن مستعداً بشكل جيد لمواجهة فيروس (كورونا) وأن الوباء أسيء التعامل معه بشكل خطير في معظم أنحاء العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة».
وأضافت: «نحن نعلم أن قمم القطب الشمالي تذوب بمعدل محفوف بالمخاطر، مما يرفع مستوى سطح البحر، ويهدد بعواقب وخيمة في جميع أنحاء العالم».
وأردفت: «نحن نعلم أنه رغم جميع الفوائد العظيمة للإنترنت، فقد أطلقت التكنولوجيا الرقمية أيضاً العنان للأكاذيب والمؤامرات وانعدام الثقة، مما أدى إلى تفتيت المجتمعات وتسميم الخطاب السياسي».
وكذلك: «نحن نعلم من السنوات الأربع الماضية ما هو شكل الاستقطاب والحكم الذاتي. ونحن نعلم أن الصين في صعود، وأنه من الضروري إيجاد توازن يمكن إدارته بين الاحتواء والتعاون».
وقالت الصحيفة إن التقرير لم يقدم حلولاً، ولا تستطيع الوكالات الـ18 التي تشكل مجتمع الاستخبارات الأميركي بموجب القانون تقديم توصيات.
وذكرت أنه، ومع ذلك فعندما تستثمر مجموعة كبيرة من المتخصصين في مجال الاستخبارات الذين لديهم إمكانية الوصول إلى مجموعة غير عادية من المعلومات المميزة موارد كبيرة في معرفة إلى أين يتجه العالم، ثم إنارة ضوء أحمر وامض، فهناك سبب وجيه للاهتمام.
وعرضت «نيويورك تايمز» تصريحاً لماريا لانجان ريكهوف، مديرة «مجموعة الاستراتيجيات المستقبلية» لـ«مجلس الاستخبارات الوطنية»، التي قادت نشر «الاتجاهات العالمية 2040»: «نحن لا ننظر في مسألة واحدة فقط أو مجال واحد بشكل ضيق، نحن نحاول أن ننظر عبر كل هذه القضايا، ونسأل كيف تتطور بمرور الوقت».
ولفتت الصحيفة الأميركية إلى أن ليون فويرث، نائب مستشار الأمن القومي في إدارة بيل كلينتون، اقترح، قبل عقد، إنشاء آليات لتوقع الأزمات، وأن تكون تلك الآليات «استباقية، وليست رجعية».
وقالت الصحيفة إن إدارة جو بايدن بدأت التعامل بشكل جيد على بعض الجبهات، لا سيما فيما يتعلق بالسياسة البيئية والبنية التحتية.
وتابعت أن بايدن كقائد يتمتع بمنظور فريد حول كيفية تغير السياسة والمجتمع والعالم على مر السنين، يمكن أن يكون أيضاً هو الشخص الذي يدرك أن العالم الذي يزداد تعقيداً وتقلباً، ولا يمكن التنبؤ به يتطلب آلية جادة للتنبؤ والاستعداد لما يكمن خلف هذا الأفق المظلم، وقالت إن الاستخبارات موجودة وتصرخ من أجل العمل.


مقالات ذات صلة

دراسة: العمل من المنزل يرتبط بتحسن الصحة النفسية للموظفين

صحتك اكتسب العمل عن بُعد زخماً منذ جائحة «كورونا» (أرشيفية-رويترز)

دراسة: العمل من المنزل يرتبط بتحسن الصحة النفسية للموظفين

أشارت دراسة جمعت إجابات من عاملين عن بُعد إلى أن العمل من المنزل يرتبط بتحسن الصحة النفسية، بل وقد يرتبط ببقاء الموظفين مع جهة عملهم لفترة أطول.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك ممرض يحضِّر جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كوفيد-19» (رويترز)

سحب دراسة مثيرة للجدل حول الوفيات الزائدة خلال جائحة «كوفيد-19»

سُحبت دراسة مثيرة للجدل كانت تحلل الوفيات الزائدة خلال جائحة «كوفيد-19»، وكانت قد قوبلت بانتقادات واسعة النطاق؛ كونها عززت الشكوك بشأن اللقاحات.

«الشرق الأوسط» (باريس)
صحتك سيدة مصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (رويترز)

«كوفيد طويل الأمد» قد يؤثر في إنتاج الدوبامين بالدماغ

أظهرت دراسة جديدة أن مرضى «كوفيد - 19» ذوي الأعراض طويلة الأمد يعانون نقصاً بنسبة 18 في المائة في النهايات العصبية الدوبامينية.

«الشرق الأوسط» (أوتاوا)
يوميات الشرق تشير نتائج الدراسة إلى أن تأثير العمل عن بُعد قد يختلف باختلاف الأشخاص وظروفهم (بيكسلز)

بعد سنوات من انتشاره... دراسة جديدة تكشف الوجه الآخر للعمل عن بُعد

دراسة أميركية حديثة كشفت أن العمل عن بُعد قد يحمل آثاراً غير متوقعة على الصحة النفسية مع مرور الوقت

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
أوروبا علما المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي أمام برج «بيغ بن» في لندن 9 سبتمبر 2017 (رويترز)

10 أعوام على «بريكست»... بين وعود استعادة السيادة وتكلفة الانفصال

بعد عقد على «بريكست»، تتباين التقييمات بين استعادة بريطانيا جزءاً من سيادتها، وتزايدت الأدلة على أن تكلفة الانفصال الاقتصادية والسياسية تجاوزت مكاسبه حتى الآن.

شادي عبد الساتر (بيروت)

سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
TT

سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)

ذكر مكتب أحد نواب البرلمان في كوريا الجنوبية أن وزارة الدفاع في سيول قالت إن كوريا الشمالية تواصل الاستعدادات لإرسال قوات إضافية إلى روسيا، لكن الوزارة لم ترصد أي مؤشرات على أن هذا النشر وشيك.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، فقد جاء هذا التقييم بعد أن نفت كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، الأسبوع الماضي ما قاله الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن اعتزام بيونغ يانغ إرسال ما يصل إلى 50 ألف جندي إضافي إلى روسيا للقتال إلى جانب حليفتها.

وذكر المكتب أن وزارة الدفاع الكورية الجنوبية قالت، في بيان موجه إلى النائب يو يونغ-يون، إن كوريا الشمالية واصلت تزويد روسيا بأنظمة أسلحة، بما في ذلك صواريخ باليستية قصيرة المدى.

وعززت كوريا الشمالية وروسيا تعاونهما العسكري منذ غزو موسكو لأوكرانيا في عام 2022، إذ وردت بيونغ يانغ ذخيرة مدفعية وصواريخ منذ عام 2023 ونشرت قوات منذ عام 2024، وفقاً لتقييمات كورية جنوبية وأوكرانية وغربية.

ونقت موسكو وبيونغ يانغ في السابق عمليات نقل الأسلحة.


أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
TT

أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)

أكدت أستراليا، اليوم الأحد، أول حالة إصابة بإنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» لدى ​حيوان محلي من الثدييات، حيث تأكدت إصابة فقمة فراء ذات أنف طويل بولاية جنوب أستراليا.

وتواجه أستراليا زيادة في حالات الإصابة بإنفلونزا الطيور شديدة العدوى منذ وصول الفيروس إلى البلاد في يونيو (حزيران)، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأكَّدت سلطات جنوب ‌أستراليا اكتشاف ‌أول إصابة لحيوان ​ثديي في البلاد ‌بالفيروس، حيث ​تم العثور على الفقمة المصابة في بلدة بيتشبورت الساحلية، على بعد نحو 310 كيلومترات (192 ميلاً) جنوب أديليد عاصمة الولاية.

وقالت السلطات إن الفقمة، وهي واحدة من نحو 100 ألف فقمة في مياه الولاية، عُثر عليها نافقة دون ‌أي جروح. وذكرت ‌وزيرة الزراعة في الحكومة ​الاتحادية جولي كولينز، ‌في تصريحات نقلها التلفزيون، أنَّ نفوق ‌الفقمة «لا يبدو أنه مرتبط بثدييات بحرية مريضة أو نافقة أخرى».

وأضافت: «بمجرد أن ينتشر فيروس إنفلونزا الطيور (إتش 5) في البيئة الطبيعية، يصبح ‌من المستحيل تجنب خسائر كبيرة».

وسجَّلت أستراليا هذا الشهر أول حالة نفوق جماعي للطيور البحرية بسبب الفيروس، مما يشير إلى تفاقم في تفشي المرض الذي بدأ بعد اكتشاف الفيروس لأول مرة في الطيور البحرية المهاجرة قبل أن ينتشر إلى الأنواع المحلية.

ولم يظهر الفيروس بعد في قطاعي الدواجن أو الزراعة في أستراليا، وفقاً للحكومة الاتحادية التي ​ذكرت يوم ​الجمعة أنه تم حتى الآن تأكيد 297 حالة على مستوى البلاد.


شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
TT

شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)

لم يكن الثاني والعشرون من أغسطس (آب) مجرد ورقة تُطوى في تقويم التاريخ المعاصر، بل كان خيطاً ناظماً لدراما سياسية حبست أنفاس العالم شرقه وغربه.

في هذا اليوم تحديداً، وعلى فترتين زمنيتين تباعدتا بـ13 عاماً، تقاطع مصير رئيسين من أبرز قادة المعسكر الغربي، الفرنسي شارل ديغول، والأميركي جيرالد فورد.

كان الموت يتربص بكليهما في وضح النهار، وبين تفاصيل الهجومين الفاشلين تتكشف حكايات من الصدفة المحضة، والشجاعة اللحظية، والتحولات السياسية الكبرى التي كادت تعصف بفرنسا والولايات المتحدة لو سارت الرصاصات في مساراتها المرسومة.

اعتداء «بوتي-كلامار»: عندما حمت «السيتروين» جنرال فرنسا

في صيف عام 1962، كانت الدولة الفرنسية تعيش مخاضاً عسيراً بعد توقيع اتفاقيات «إيفيان» التي منحت الجزائر استقلالها.

هذا القرار التاريخي الذي اتخذه مؤسس الجمهورية الخامسة، الجنرال شارل ديغول، أشعل غضب المتطرفين القوميين داخل الجيش واليمين الفرنسي، الذين انضووا تحت لواء «منظمة الجيش السري» (OAS).

سيارة «سيتروين DS» التي كان على متنها الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال محاولة اغتياله عام 1962 (ويكيبيديا)

اعتبر هؤلاء ديغول خائناً لفرنسا العظمى، وصار التخلص منه جسدياً هدفهم الأسمى.

في مساء 22 أغسطس 1962، غادر ديغول ومعه زوجته إيفون، وصهره الكولونيل ألان دي بواسيو، قصر الإليزيه متوجهين إلى مطار «فيلكوبلاي» العسكري في طريقهم إلى قريتهم الوادعة «كولومبي دو ليزيغليز».

تحرك الموكب الرئاسي غير المدرع، المكون من سيارتي «سيتروين DS»، دون حراسة مشددة كعادة الجنرال الذي كان يزدري الإجراءات الأمنية المبالغ فيها.

عند ضاحية «بوتي-كلامار» الباريسية، كان كمين محكم بانتظارهم.

قاد العملية اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو، جان ماري باستيان ثيري، وهو مهندس صواريخ لامع تحول إلى متمرد عقائدي.

اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو جان ماري باستيان ثيري المتهم بمحاولة اغتيال الجنرال الفرنسي شارل ديغول (ويكيبيديا)

وزّع ثيري 12 مسلحاً مدججين بالأسلحة الرشاشة والقنابل على طول الطريق. ومع اقتراب السيارة الرئاسية في الغسق، أعطى ثيري الإشارة بجريدة صحافية.

انهمر الرصاص بغزارة، أكثر من 180 رصاصة أطلقت صوب السيارة، اخترقت عدة مقذوفات هيكل الـ«سيتروين» العادية وتطاير الزجاج المحطم داخل المقصورة.

الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال موكب رئاسي عام 1963 بعد عام على محاولة اغتياله (ويكيبيديا)

صرخ الصهر بواسيو: «انبطحوا!»، لكن ديغول رفض الانحناء بقامته الفارهة. ما أنقذ الموكب كان المهارة الفائقة للسائق العسكري، فرانسوا مارو، الذي حافظ على توازن السيارة رغم انفجار إطاريها، وضغط على دواسة الوقود لينجو بالرئيس وزوجته بأعجوبة.

نزل ديغول من السيارة ولم يقل سوى كلمته الشهيرة: «إنهم يطلقون النار كالأرانب!».

لاحقاً، تم القبض على باستيان ثيري وأُعدم في عام 1963، ليكون آخر من تنفذ فيه عقوبة الإعدام رمياً بالرصاص في فرنسا.

من باريس إلى ساكرامنتو: فورد في مرمى «عائلة مانسون»

دارت عجلة الزمن 13 عاماً، وانتقلت حمى الاغتيالات عبر المحيط الأطلسي إلى الولايات المتحدة التي كانت لا تزال تلملم جراحها بعد فضيحة «واترغيت» واستقالة ريتشارد نيكسون.

كان الرئيس الجديد، جيرالد فورد، يحاول إعادة الثقة إلى البيت الأبيض، لكن المجتمع الأميركي كان يغلي بالتيارات الفوضوية ومخلفات حرب فيتنام.

في صباح يوم 5 سبتمبر (أيلول) 1975، (الذي تلا نفس الذكرى السنوية لنجاة ديغول بأيام قليلة في ذات الحقبة الخريفية لعام 1975، التي شهدت محاولتين متتاليتين ضد فورد في شهر واحد)، كان الرئيس فورد يسير في حديقة «الكابيتول بارك» بمدينة ساكرامنتو بولاية كاليفورنيا، مصافحاً الحشود المتجمهرة.

الشرطة الأميركية خلال اعتقال لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس جيرالد فورد (ويكيبيديا)

من بين الجموع، برزت امرأة ترتدي رداءً أحمر قانياً. كانت تدعى لينيت فروم، وتُلقب بـ«سكيّكي»، وهي واحدة من أشد الأتباع إخلاصاً للمجرم الشهير تشارلز مانسون، زعيم الطائفة الدموية التي روّعت أميركا.

لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

اقتربت فروم من فورد حتى باتت على بعد خطوتين منه، وسحبت مسدساً من طراز «كولت عيار 45».

وجّهت فروم السلاح مباشرة نحو بطن الرئيس، سمع الحاضرون صوت «صدمة المعدن» (Click)، لكن الرصاصة لم تنطلق، إذ تبين لاحقاً أن مخزن السلاح كان يحتوي على الذخيرة، إلا أن فروم لم تقم بتلقيم الرصاصة في حجرة الانفجار (السبطانة).

السلاح الذي استعملته لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» خلال محاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

في أجزاء من الثانية، انقض عميل الخدمة السرية، لاري بوندورف، على المرأة وشلّ حركتها، بينما تم سحب فورد بسرعة إلى مكان آمن.

حكم على فروم بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها مشروطاً عام 2009، والمفارقة أن فورد نجا بعد 17 يوماً فقط من محاولة اغتيال ثانية وأكثر خطورة في سان فرانسيسكو.

وثيقة رسمية من المذكرات اليومية للبيت الأبيض توثق جدول أعمال الرئيس الأميركي جيرالد فورد يوم 5 سبتمبر 1975 وتتضمن تفاصيل الدقائق الحرجة لمحاولة اغتياله الفاشلة على يد «لينيت فروم» أثناء سيره نحو كابيتول ولاية كاليفورنيا

رصاصة «مور» القاتلة: المحاولة الثانية في سان فرانسيسكو

لم يكد الرئيس الأميركي جيرالد فورد يستوعب صدمة نجاة عنقه من مسدس لينيت فروم في ساكرامنتو، حتى عاد الموت ليتجسد له في سان فرانسيسكو بعد 17 يوماً فقط، وتحديداً في 22 سبتمبر (أيلول) 1975.

هذه المرة كانت المؤامرة أكثر خطورة وشراسة، إذ وقفت سارة جين مور، وهي امرأة ذات ميول يسارية راديكالية ومخبرة سابقة لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، وسط الحشود خارج فندق «ستافورد بلاس».

سارة جين مور المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

أشهرت مور مسدساً من عيار 38، ووجّهته مباشرة نحو رأس الرئيس من مسافة لم تتجاوز 12 متراً.

أطلقت مور الرصاصة الأولى التي أخطأت رأس فورد ببضع سنتيمترات فقط بسبب خلل في ارتداد السلاح لم تحسب له حساباً.

وبينما كانت تحاول تدوير أسطوانة المسدس لإطلاق الرصاصة الثانية القاتلة، انقض عليها جندي سابق في مشاة البحرية الأميركية (المارينز) كان يقف بجوارها ويدعى أوليفر سيبيل، حيث أمسك بذراعها وحرّف مسار الرصاصة الثانية لتصيب جدار الفندق وتجرح أحد المارة.

فورد أثناء إجلائه من موقع محاولة اغتياله في سان فرانسيسكو (ويكيبيديا)

تم إجلاء فورد على عجل وسط حراسة مشددة، وأُلقي القبض على مور التي حُكم عليها بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها بشروط عام 2007، لتدخل هذه المحاولة التاريخ بوصفها المرة الأقرب التي واجه فيها فورد الموت الحقيقي خلال أسابيع جنون الخريف الأميركي.

تلازم المصائر وفلسفة النجاة

تُظهر المقارنة التاريخية بين الحادثتين كيف يتشابه المشهد السياسي العالمي في لحظات جنونه. في كلتا الحالتين، واجه الرئيسان خصوماً من الأطراف الراديكالية، ديغول واجه اليمين العسكري القومي المتطرف، بينما واجه فورد إرث التمرد الطائفي والفوضوي لـ«الهبيز» في كاليفورنيا.

كما لعبت «التفاصيل الصغيرة» الدور الأكبر في صياغة التاريخ، فلو امتلك قناصة «بوتي-كلامار» تنسيقاً أفضل ثانية واحدة، أو لو قامت لينيت فروم بسحب أقسام مسدسها بشكل صحيح، لتغيرت خريطة السياسة الدولية.

كانت نجاة ديغول تعني استمرار بناء فرنسا الحديثة وصياغة استقلالها عن الهيمنة الأميركية، وكانت نجاة فورد تعني استقرار مؤسسة الرئاسة الأميركية في مرحلة حرجة من الحرب الباردة.

بقي الثاني والعشرون من أغسطس، وما تلاه من أيام في ذلك الخريف السياسي، شاهداً على أن مصائر الدول العظمى قد تتوقف أحياناً على مهارة سائق سيارة، أو خطأ تقني في بندقية مهاجم.