تحذير أوروبي لطهران من «خطورة» التصعيد الجديد على محادثات فيينا اليوم

سفير روسيا لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية ميخائيل أوليانوف يتحدث في هاتفه الجوال خارج مبنى «غراند أوتيل» على هامش مباحثات النووي الإيراني في فيينا الجمعة (أ.ب)
سفير روسيا لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية ميخائيل أوليانوف يتحدث في هاتفه الجوال خارج مبنى «غراند أوتيل» على هامش مباحثات النووي الإيراني في فيينا الجمعة (أ.ب)
TT

تحذير أوروبي لطهران من «خطورة» التصعيد الجديد على محادثات فيينا اليوم

سفير روسيا لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية ميخائيل أوليانوف يتحدث في هاتفه الجوال خارج مبنى «غراند أوتيل» على هامش مباحثات النووي الإيراني في فيينا الجمعة (أ.ب)
سفير روسيا لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية ميخائيل أوليانوف يتحدث في هاتفه الجوال خارج مبنى «غراند أوتيل» على هامش مباحثات النووي الإيراني في فيينا الجمعة (أ.ب)

الهدوء الذي شهدته أروقة فنادق فيينا الفخمة، أمس، مع غياب المحادثات النووية الإيرانية وتأجيلها يوماً واحداً، قابله توتر رافق التحضيرات لمحاولة إعادة إطلاق المفاوضات بعد التصعيد الإيراني، الذي خرج من فيينا نفسها بإعلانها بدء تخصيب اليورانيوم بنسبة 60 في المائة، الأمر الذي استدعى تحذيراً أوروبياً صريحاً لطهران من تداعيات اقترابها من مستوى 90 في المائة المطلوب لصنع قنبلة نووية، على جهود إحياء الاتفاق النووي لعام 2015.
وبينما غابت الوفود الغربية عن العاصمة النمساوية، أمس، كانت إيران تحيك مع حليفيها الروس والصينيين «مواقف موحدة» للتوجه بها إلى طاولة المفاوضات مع الأوروبيين بشكل مباشر، والأميركيين بشكل غير مباشر.
وغداة لقاء جمع كبير المفاوضين الإيرانيين، عباس عراقجي، مع السفير الصيني لدى المنظمات الدولية في العاصمة النمساوية، التقى المسؤول الإيراني، السفير الروسي ميخائيل أوليانوف الذي خرج من الاجتماع ليعلن أن اللقاء «كان مفيداً وسمح بمقارنة المواقف»، عشية اجتماع اللجنة المشتركة للاتفاق النووي.
ورغم أن أوليانوف أعرب عن عدم سعادته بالخطوة الإيرانية الأخيرة، فإنه أثنى على «شفافية» طهران في الإعلان عن انتهاكات النووي. واعتبر أوليانوف أن «إحياء الاتفاق يحل كل هذه المشاكل» المتعلقة بخروقات إيران، ليضيف لاحقاً أن العودة للاتفاق «هي السبيل الوحيد المقبول الذي يمكنه إعادة برنامج إيران النووي إلى الأطر المتفق عليها»، ويسمح برفع العقوبات الأميركية.
وقبل وصول وفودها إلى فيينا، أصدرت الدول الأوروبية الثلاث المنضوية في الاتفاق، بياناً، قوي اللهجة تدين فيه إعلان إيران تخصيب اليورانيوم بنسبة 60 في المائة. وجاء في البيان الصادر عن فرنسا وألمانيا وبريطانيا، أن الدول الثلاث «تعبر عن قلقها الكبير» من هذا التطور الذي وصفته بأنه «خطير كون تخصيب اليورانيوم بدرجات عالية يشكل خطوة مهمة نحو إنتاج سلاح نووي». وأضاف البيان أن إيران «لا تملك سبباً مدنياً وجيهاً لتخصيب اليورانيوم بهذا المستوى». وعبرت الدول الثلاث كذلك عن قلقها من إعلان إيران أنها ستضع ألف طرد مركزي في مفاعل نطنز، ما سيرتفع قدرة إيران على التخصيب بشكل كبير.
ورأت الدول الأوروبية التي تلعب دور الوساطة بين إيران والولايات المتحدة، أن إعلان إيران «مؤسف، خاصة أنه يأتي في وقت تجري محادثات مكثفة بين الموقعين على الاتفاق النووي والولايات المتحدة بهدف إيجاد حل دبلوماسي سريع لإعادة إحياء الاتفاق». ووصفت القرار الإيراني بأنه «خطير وهو عكس الروح البناءة لهذه المحادثات». وحرصت الدول الثلاث على دعوة أي طرف لعدم اتخاذ خطوات تصعيدية كما دعت إيران «إلى عدم تعقيد المسار الدبلوماسي أكثر».
وبقي الأميركيون متمسكين بالعودة إلى المفاوضات رغم الإعلان الإيراني، علماً بأن وفدهم الذي يرأسه المبعوث الأميركي إلى إيران روبرت مالي أجّل كذلك قدومه إلى فيينا يوماً إضافياً بعد تأجيل المحادثات لسبب لم يعلن عنه رسميا.
وكان عراقجي قد أعلن أن المفاوضات تأجلت بعد إصابة أحد أعضاء الوفود الأوروبية بفيروس كورونا، ما آخّر قدوم الوفد ودفع إلى تأجيل المفاوضات يوماً واحداً. ولكن الاتحاد الأوروبي الذي ينسق المحادثات قال إنه ما زال يعمل على أجندة اللقاءات من دون أن يعطي سبباً للتأجيل.
وأشار السفير الروسي أوليانوف، الذي أعلن عن التأجيل كذلك، إلى أن الأوروبيين سيريدون من دون شك مناقشة مسألة إعلان إيران تخصيب اليورانيوم بنسبة 60 في المائة، في إشارة إلى أن تغير الأجندة قد يكون سبب التأجيل.
وأكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أنها تبلغت من إيران قرارها ببدء التخصيب بمستوى عالٍ في موقع نظنز الذي تعرض لعملية تخريب قبل أيام.
ولاحقاً، أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن مفتشيها زاروا أمس، منشأة نطنز، لأول مرة بعد تعرضها لانفجار الأحد. وقالت الوكالة، في تصريح، إن «مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية يواصلون أنشطتهم للتحقق والمراقبة في إيران وقد زاروا اليوم موقع تخصيب (اليورانيوم) في نطنز»، بحسب وكالة الصحافة الفرنسية.
وكانت إيران قد اتهمت إسرائيل بعملية التخريب، وبعث مندوبها إلى المنظمات الدولية في فيينا كاظم غريب أبادي، برسالة إلى أمين عام الوكالة رافائيل غروسي نشرها على صفحته على «تويتر». ومما قاله غريب أبادي في الرسالة أن «إيران تحذر من أي مغامرات من قبل إسرائيل وسترد بحزم على أي تهديد أو عمل غير قانوني». ووصف الحادث الذي ألحق أضراراً كبيرة بمفاعل نطنز، بأنه «إرهاب نووي سيقوي إصرارنا على التقدم للأمام…». ليضيف: «حتى أكثر المجرمين جنوناً سيدركون أخيراً وقريباً أنهم لا يجب أن يهددوا الإيرانيين بتاتا».



«هرمز» على خط النار... واشنطن تتوعد طهران بضربات«أشد»

قصف على مطار مهرآباد في غرب طهران الثلاثاء (شبكات التواصل)
قصف على مطار مهرآباد في غرب طهران الثلاثاء (شبكات التواصل)
TT

«هرمز» على خط النار... واشنطن تتوعد طهران بضربات«أشد»

قصف على مطار مهرآباد في غرب طهران الثلاثاء (شبكات التواصل)
قصف على مطار مهرآباد في غرب طهران الثلاثاء (شبكات التواصل)

فقد لوّحت واشنطن بضربات «أشد» إذا حاولت طهران تعطيل تدفق النفط عبر مضيق هرمز، بينما ردت إيران بتحذيرات مقابلة، إذ حذرت الرئيس الأميركي دونالد ترمب من مغبة التصعيد. وفي حين تتواصل فيه الضربات المتبادلة، قال مسؤولون عسكريون أميركيون إن الجيش الأميركي ضرب نحو 50 سفينة حربية واستهدف قرابة 5000 هدف داخل إيران منذ بدء الحملة العسكرية.

وتحوّل مضيق هرمز إلى بؤرة التوتر الرئيسية في الحرب الدائرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تصاعدت التهديدات المتبادلة حول أمن الملاحة النفطية في الممر البحري الحيوي.

ورسمت واشنطن سقفاً عسكرياً للحملة ، في حين شددت طهران على أن قرار إنهاء الحرب بيدها، وربطت بين استمرار القتال ووضع مضيق هرمز وأسواق الطاقة، مشددة على أن الأولوية ما زالت للدفاع، وأن أي حديث عن الوساطة أو وقف إطلاق النار مشروط بوقف كامل للحرب وضمان عدم تكرار الهجمات.

«أقوى بعشرين مرة»

وحذر لاريجاني الرئيس الأميركي من «الانتباه لنفسه كي لا يتم استهدافه»، في رد مباشر على تهديد ترمب بضرب إيران «بعشرين ضعفاً» إذا حاولت وقف تدفق النفط عبر مضيق هرمز.

وقال لاريجاني في منشور على منصة «إكس» إن إيران لا تخاف من «التهديدات الفارغة»، مضيفاً أن حتى من هم «أكبر» من ترمب لم يتمكنوا من القضاء على الأمة الإيرانية، وختم بتحذير مبطن قال فيه: «احرص على نفسك كي لا يتم استهدافك».

وقال لاريجاني إن مضيق هرمز «إمّا أن يكون مضيق انفراج للجميع، وإمّا أن يتحول إلى مضيق اختناق للحالمين بالحرب».

وجاءت تصريحات لاريجاني بعدما هدد ترمب على منصة «تروث سوشال» بأن أي خطوة إيرانية لوقف تدفق النفط عبر مضيق هرمز ستقابل بضربة أميركية «أقوى بعشرين مرة» مما تعرضت له إيران حتى الآن.

وقال قائد العمليات الإيرانية، علي عبد اللهي، إن الحرب «لن يكون لها نهاية» بالشكل الذي تتصوره الولايات المتحدة، مؤكداً أن واشنطن وإسرائيل لا يمكنهما بدء الحرب وإنهاءها متى شاءتا. وأضاف أن تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن قرب انتهاء الحرب «حرب نفسية وتضليل»، مشدداً على ضرورة «الانتقام» لمقتل علي خامنئي.

وشنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران في 28 فبراير (شباط)، أسفرت عن مقتل المرشد علي خامنئي، قبل أن ترد طهران بهجمات صاروخية ومسيّرة على إسرائيل ودول أخرى في المنطقة.

عاد مضيق هرمز إلى قلب المشهد مع تزايد الترابط بين الحرب وحركة الشحن وأسعار النفط. فالحرب أدت فعلياً إلى إغلاق المضيق، وهو ممر حيوي لنقل النفط والغاز الطبيعي المسال على مستوى العالم، بما تسبب في توقف ناقلات النفط عن الإبحار منذ أكثر من أسبوع وأجبر المنتجين على وقف الضخ مع امتلاء المخازن.

في المقابل، واصل الرئيس الأميركي إرسال رسائل متباينة بشأن مآلات الحرب. فقد قال إن الحرب قد تنتهي «قريباً جداً»، وهو ما خفف موقتاً الضغوط على الأسواق، لكنه عاد فلوح بتصعيد واسع إذا مست إيران تدفق النفط من الخليج. كما قال إن الضربات المشتركة دمرت جزءاً كبيراً من القدرات الإيرانية، وإن الأهداف الأميركية «تحققت إلى حد كبير».

وفي مقابلة مع «فوكس نيوز» الثلاثاء، قال ترمب إنه من الممكن أن يتحاور مع إيران، لكن الأمر «يعتمد على الشروط». ونقلت الشبكة عنه قوله إنه يسمع أن إيران «تريد التحدث بشدة»، مضيفاً: «هذا ممكن، ويعتمد على الشروط». واستدرك قائلاً: «ربما لم نعد مضطرين للحديث بعد الآن إذا فكرت في الأمر، لكن ذلك يبقى ممكناً».

كما جدد ترمب استياءه من المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي. ونقلت «فوكس نيوز» عنه قوله: «لا أعتقد أنه قادر على العيش بسلام».

ترمب برفقة هيغسيث، وخلفهما المبعوث الخاص سيتف ويتكوف على متن طائرة الرئاسة السبت الماضي (رويترز)

وفي سياق متصل، قال ترمب إن نتائج العملية العسكرية الأميركية في إيران «تجاوزت التوقعات بكثير»، مضيفاً أن الولايات المتحدة ألحقت أضراراً جسيمة بالقوات الجوية والبحرية الإيرانية، وتوقع أن ينتهي الصراع قبل المهلة الأولية المحددة بأربعة أسابيع، من دون أن يحدد شكل النصر.

كما حذر من أن الهجمات الأميركية قد تصبح أشد إذا منعت إيران مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، قائلاً: «سنضربهم بقوة لدرجة أنه لن يكون من الممكن لهم أو لأي شخص آخر يساعدهم استعادة تلك المنطقة من العالم».

«يجب أن يدفعوا الثمن»

وهدد «الحرس الثوري» بمنع «تصدير لتر واحد من النفط من المنطقة» إلى حلفاء الولايات المتحدة وإسرائيل ما دامت الحرب مستمرة.

وقال المتحدث باسم «الحرس» علي محمد نائيني إن إيران ستواصل عرقلة إمدادات النفط، مؤكداً أن بلاده «لن تسمح بتصدير لتر واحد من نفط المنطقة إلى الطرف المعادي وشركائه حتى إشعار آخر». وأضاف، أن الجهود الرامية إلى خفض أسعار الطاقة أو السيطرة عليها «ستكون مؤقتة وغير مجدية». ونقلت وسائل إعلام رسمية عنه القول إن إيران هي التي ستحدد نهاية الحرب، ووصفت تعليقات ترمب بأنها «هراء».

وفي هذا السياق، قال رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، إن إيران لا تسعى إلى وقف إطلاق النار، وإنها ترى ضرورة «توجيه ضربة للمعتدي حتى يتعلم درساً ولا يفكر مجدداً في الاعتداء على إيران».

وكتب على منصة «إكس»: «نحن بالتأكيد لا نسعى إلى وقف إطلاق النار. نعتقد أن المعتدي يجب أن يتلقى ضربة قاسية حتى يتعلم درساً فلا يفكر مجدداً في مهاجمة إيران».

وأضاف قاليباف أن إسرائيل ترى بقاءها في استمرار دورة الحرب - التفاوض - وقف إطلاق النار ثم الحرب مجدداً لترسيخ هيمنتها، قائلاً: «سنكسر هذه الدورة». وأكد أن استهداف البنية التحتية للطاقة، إلى جانب سيطرة إيران على مضيق هرمز، أسهما في ارتفاع أسعار النفط.

وفي منشور لاحق، قال قاليباف إن بلاده «سترد بشكل فوري ومتناسب على أي عمل عدائي«، مضيفاً أن «أي شرارة لن تبقى بلا رد». وتابع أن إيران تطبق مبدأ «العين بالعين» من دون استثناء، محذراً من أنه إذا بدأ الطرف الآخر استهداف البنية التحتية الإيرانية فإن طهران ستستهدف البنية التحتية لديه بالمثل.

وعلى المستوى الحكومي، قالت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية فاطمة مهاجراني إن مضيق هرمز من الأصول الاستراتيجية لإيران، وإن من الطبيعي السعي إلى تحقيق أقصى استفادة من هذه الموارد. وقالت إن أي جهود للوساطة يجب أن تتم في ظل وقف كامل للحرب وضمان عدم تكرار الاعتداءات.

من جانبه، شدد نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي على أن القوات المسلحة تدافع حالياً عن البلاد «بحزم»، وأنه لا توجد أولوية حالياً سوى مواصلة «الدفاع القاطع والجاد» عن البلاد. وأضاف: «نحن في حالة حرب، ومن الطبيعي أن تكون لهذه الإجراءات تبعات وثمن».

وقال الدبلوماسي المحسوب على المتشددين، إن التفاوض والدبلوماسية يمثلان إحدى الأدوات في مختلف الظروف، موضحاً أنه حتى في ظل التهديد ينبغي استخدام القدرات العسكرية إلى جانب أدوات أخرى مثل الدبلوماسية بأقصى قدر ممكن. ولفت إلى أن طلب التفاوض لم يصدر من طهران، بل إن واشنطن طلبته مرات عدة، وأن رؤساء حكومات في بعض دول المنطقة تواصلوا وطلبوا من طهران الرد إيجابياً على الطلبات الأميركية.

وأضاف أن دولاً بينها الصين وروسيا وفرنسا وبعض دول المنطقة تواصلت مع طهران، معبرة عن رغبتها في بذل جهود لوقف الحرب وإرساء وقف لإطلاق النار. لكنه قال إن وقف إطلاق النار لا معنى له إذا كان سيُستأنف الهجوم على إيران بعد أشهر، مشيراً إلى أن المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة تحدد شروط وقف الدفاع المشروع، ومنها ضمان عدم تكرار الهجمات.

وشدد على أن وقف الحرب «بيد الجمهورية الإسلامية»، حتى إذا أوقف الطرف الآخر عملياته، موضحاً أن إيران يجب أن تتوقف عندما تحصل على ضمانات بعدم تكرار الأعمال العدائية وأن يتحمل الطرف الآخر مسؤولية أفعاله. وقال إن هذين الشرطين «أساسيان ومهمان»، مضيفاً أن من نفذوا الهجمات «يجب أن يدفعوا الثمن»

5000 هدف داخل إيران

في واشنطن، قال مسؤولون عسكريون أميركيون إن الولايات المتحدة تدرس خيارات لمرافقة السفن عبر مضيق هرمز مع تصاعد أثر الحرب على حركة الملاحة وإمدادات الطاقة العالمية. وأكدوا في الوقت نفسه أن الحملة العسكرية على إيران مستمرة، وتركز على تدمير قدراتها الصاروخية والبحرية ومنعها من امتلاك سلاح نووي.

قصف على مطار مهرآباد في غرب طهران الثلاثاء (شبكات التواصل)

وقال رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين خلال إحاطة في البنتاغون إن واشنطن «تنظر في مجموعة من الخيارات» لاحتمال مرافقة السفن في المضيق. وأوضح أنه إذا طُلب تنفيذ مثل هذه المهمة، فإن الجيش سيقدم إلى تقييماً يشمل الموارد المطلوبة، وآليات القيادة والسيطرة، والمخاطر المحتملة، وسبل الحد منها.

واكتسبت حماية ناقلات النفط أهمية متزايدة بعد أن تجاوزت أسعار النفط 100 دولار للبرميل في وقت سابق من الأسبوع قبل أن تتراجع لاحقاً.

وكان ترمب قد قال قبل أسبوع إن الولايات المتحدة مستعدة لتوفير مرافقة بحرية للسفن وتغطية تأمينية للشحنات.

وأعلن الجنرال كين أن قواته هاجمت سفن زرع ألغام إيرانية، وقال إن القيادة المركزية الأميركية(سنتكوم) تواصل عمليات البحث عن سفن زرع الألغام ومنشآت تخزين الألغام وضربها. وأضاف أن الولايات المتحدة أغرقت أو دمرت أكثر من 50 سفينة حربية خلال الأيام العشرة الأولى من الحملة على إيران.

وأشار كين إلى أن الحرب أدت فعلياً إلى إغلاق مضيق هرمز، وهو ممر مائي حيوي لنقل النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً، بما حال دون إبحار ناقلات النفط لأكثر من أسبوع وأجبر المنتجين على وقف الضخ مع نفاد سعة التخزين.

كما قال إن الضربات الأميركية والإسرائيلية أدت إلى تراجع إطلاق الصواريخ الباليستية الإيرانية بنحو 90 في المائة مقارنة بالأيام الأولى للحرب، موضحاً أن القوات الأميركية استهدفت نحو 5000 هدف داخل إيران وتواصل ضرب منشآت إنتاج الطائرات المسيّرة وإضعاف البحرية الإيرانية.

وأضاف أن الأهداف الرئيسية للحملة تبقى تدمير الصواريخ الإيرانية ومنصات إطلاقها، وإضعاف القدرات البحرية لطهران، واستهداف القاعدة العسكرية والصناعية للبلاد، لمنع إيران من القدرة على مهاجمة الولايات المتحدة أو مصالحها وشركائها في السنوات المقبلة. وأقر بأن إيران بدأت تتكيف مع الحملة العسكرية، لكنه قال إن ذلك لا يجعلها «أكثر قوة مما كان متوقعاً»، مضيفاً: «إنهم يقاتلون، وأنا أحترم ذلك، لكن عملياتنا مستمرة وستظل صعبة».

«الأكثر كثافة»

من جانبه، قال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث إن العمليات العسكرية ضد إيران تسير وفق الخطط، مؤكداً أن الجيش الأميركي «يحقق تقدماً في الحرب» وأن القيادة الإيرانية «في حالة ارتباك ويأس». وأضاف أن الضربات الأميركية المتواصلة أدت إلى إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية، مشيراً إلى أن ذلك اليوم قد يكون «الأكثر كثافة» في الحملة الجوية منذ بدء الحرب مع مشاركة مزيد من المقاتلات والقاذفات والطائرات العسكرية الأخرى.

وأكد هيغسيث أن أهداف الحملة محددة وتشمل تدمير الصواريخ الإيرانية وقدرتها على إنتاجها، وإضعاف البحرية الإيرانية، ومنع إيران بشكل دائم من امتلاك سلاح نووي. وقال إن الجيش الأميركي يمنح الرئيس ترمب «أقصى الخيارات» لإدارة العمليات العسكرية، مشيراً إلى أن تحديد ما إذا كانت الحرب في بدايتها أو منتصفها أو نهايتها يعود إلى الرئيس وليس إلى وزارة الدفاع.

وأضاف أن الولايات المتحدة لن تتراجع عن الحرب «حتى يُهزم العدو بشكل كامل وحاسم»، وأن إنهاءها سيتم «وفق الجدول الزمني الذي تختاره الولايات المتحدة». كما دعا المرشد الجديد مجتبى خامنئي إلى «الإصغاء لتحذيرات» ترمب وعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي، وقال إنه لا يستطيع التعليق على تقارير تحدثت عن احتمال إصابته في الضربات.

واتهم هيغسيث إيران باستخدام البنية التحتية المدنية لأغراض عسكرية، قائلاً إن القوات الإيرانية تطلق صواريخ من مدارس ومنشآت مدنية. كما حذر روسيا من التدخل في الحرب بعد الاتصال الهاتفي بين ترمب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، واصفاً المكالمة بأنها «قوية» وقد تفتح المجال لتحقيق تقدم أيضاً في الحرب الروسية الأوكرانية.

منشآت الصواريخ تحت النار

ميدانياً، استهدف سلاح الجو الإسرائيلي فجرء الثلاثاء، بنى تحتية رئيسية تابعة للنظام الإيراني في طهران، استناداً إلى معلومات استخباراتية عسكرية. وأوضح الجيش الإسرائيلي أن إحدى الضربات استهدفت مجمعاً تابعاً لـ«الحرس الثوري» مخصصاً لأبحاث وتطوير الأسلحة، بما في ذلك مسار تحت الأرض داخل المجمع كان يستخدم لإجراء تجارب واختبارات مرتبطة بتطوير وإنتاج الصواريخ الباليستية.

وأضاف الجيش أن هذا المجمع يقع داخل الجامعة العسكرية المركزية التابعة لـ«الحرس الثوري» المعروفة باسم «الإمام حسين»، والتي تُستخدم أيضاً كموقع طوارئ ونقطة تجمع لنشاطات عملياتية. وقال إن الغارات شملت أيضاً بنى تحتية داخل المقر الرئيسي لـ«فيلق القدس»، إلى جانب مواقع إنتاج أخرى لأسلحة ومنظومات دفاعية تابعة للنظام الإيراني. واعتبر أن هذه الضربات تأتي في إطار «تعميق الأضرار» التي لحقت بالبنى الأساسية والقدرات العملياتية للنظام الإيراني.

وفي وقت لاحق، أفيد عن بدء موجة غارات أخرى تستهدف مواقع تابعة للنظام الإيراني في طهران.

وكانت الغارات الجوية المشتركة استهدفت منشآت في ضواحي طهران وعن أضرار طالت منشآت كهربائية، بينما أعلنت شركة إدارة شبكة الكهرباء في إيران أن التيار أعيد إلى المناطق المتضررة في طهران ومحيطها خلال أقل من ساعتين، بعد تضرر منشآت الشبكة نتيجة سقوط مقذوفات ليلة الاثنين.

على الجبهة المقابلة، أعلن الجيش الإيراني أن قواته الجوية هاجمت باستخدام طائرات مسيّرة انتحارية مصفاة للنفط والغاز وخزانات وقود إسرائيلية في حيفا، وذلك رداً على الهجوم الذي استهدف مستودعات النفط الإيرانية.

وفي العراق، قال «الحرس الثوري» إنه استهدف مقر الجيش الأميركي في قاعدة حرير بإقليم كردستان بخمسة صواريخ.

وقبل غروب الشمس الثلاثاء، قال «الحرس الثوري» الإيراني إن الموجة الجديدة تضمنت إطلاق منظومة من الصواريخ الاستراتيجية، بينها صواريخ «قدر» و«عماد» و«فتاح»، إضافة إلى صاروخ «خيبر» الفرط صوتي. وأفاد التلفزيون الرسمي بأن الهجمات شملت إطلاق صواريخ متعددة الرؤوس أو ما تعرف بالصواريخ الانشطارية.

وأضاف بيان «الحرس» أن العمليةأدخلت ساحة المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل «مرحلة جديدة». وأوضح البيان أن صواريخ أطلقتها الوحدة الصاروخية مدعومة بطائرات مسيّرة هجومية، استهدفت مواقع تجمع القوات الأميركية في قاعدتي الظفرة والجفير.

كما أعلن «الحرس» استهداف مواقع عسكرية في شمال إسرائيل، من بينها قاعدة «رمات ديفيد» الجوية ومطار مدني في حيفا، إضافة إلى منصات صواريخ تابعة للجيش الإسرائيلي قال إنها كانت مخفية في منطقة «بني براك» شرق تل أبيب. ونوه البيان أن الهجمات «غير مشروعة وغير قانونية» لاستهداف البنية التحتية الإيرانية وقتل المدنيين «لن تبقى بلا رد».

وأضاف أن بنك الأهداف الإيراني الذي يشمل منشآت عسكرية وبنية تحتية أميركية وإسرائيلية في المنطقة «أكبر بعشرة أضعاف» من الأهداف التي يملكها خصوم طهران. وزاد أن «الأمن والاستقرار في المنطقة إما أن يكونا للجميع أو لن يكونا لأحد».

كما أعلنت قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية رصد إطلاق صواريخ من إيران باتجاه الأراضي الإسرائيلية، وجرى تفعيل أنظمة الدفاع الجوي واعتراض التهديدات، وإرسال تعليمات مباشرة إلى الهواتف المحمولة في المناطق المعنية، تطلب من السكان دخول الأماكن المحصنة والبقاء فيها حتى إشعار آخر.

دوت صافرات الإنذار في القدس الثلاثاء بعد إعلان الجيش الإسرائيلي رصد صواريخ أطلقت من إيران، الثلاثاء فجراً، مع دخول الحرب يومها الحادي عشر.

نتنياهو يصعد

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن إسرائيل تأمل أن يؤدي القصف الأميركي - الإسرائيلي إلى دفع الإيرانيين للإطاحة بالجمهورية الإسلامية، لكنه شدد على أن القرار «يبقى في نهاية المطاف بيد الشعب الإيراني». وأضاف أن الهجوم «يكسر عظامهم، وما زلنا نواصل العمليات». وجاءت تصريحاته خلال فعالية خاصة في وقت متأخر من مساء الاثنين قبل أن ينشر مكتبه مضمونها الثلاثاء.

وحذر نتنياهو من أن الحرب «لم تنتهِ بعد»، مؤكداً أن الضربات المتواصلة تضعف نظام الحكم هناك. وقال خلال زيارة للمركز الوطني للصحة: «نطمح إلى أن يتخلص الشعب الإيراني من نير الاستبداد، وفي النهاية يعود الأمر إليهم. لكن لا شك أنه من خلال الإجراءات التي اتخذناها حتى الآن نحن نكسر عظامهم، ولم ننته بعد».

وتزامنت هذه التصريحات مع قول السفير الإسرائيلي لدى فرنسا جوشوا زاركا إن إسرائيل متقدمة على الجدول الزمني فيما يتعلق بتحقيق أهداف الحرب في إيران.

طهران تتزعم

أعلنت وزارة الاستخبارات الإيرانية توقيف 30 شخصاً بتهم التجسس والعمل الميداني والإعلامي لصالح ما وصفته بـ«العدو الأميركي-الصهيوني» وجماعات إرهابية، وذلك خلال عمليات أمنية نفذت في عدة محافظات خلال الأيام الماضية، وفق بيان نقلته وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري».

فرق الإنقاذ التابعة لجمعية الهلال الأحمر الإيراني تعمل في موقع مبنى تضرر جراء غارة جوية في طهران(د.ب.أ)

وقالت الوزارة إن من بين الموقوفين شخصاً أجنبياً اتُّهم بالتجسس بالوكالة لصالح دولتين في الخليج، حيث جمع معلومات عسكرية وأمنية داخل إيران ونقلها إليهما قبل أن تصل ـ بحسب البيان ـ إلى جهات أميركية وإسرائيلية.

كما أعلنت السلطات توقيف عنصر قالت إنه كان يعمل داخل جماعة مسلحة في جنوب شرقي البلاد، واتُّهم بجمع معلومات حول مواقع وتحركات القوات العسكرية والأمنية والمنشآت الدفاعية وإرسالها إلى جهات خارجية.

وفي تطور متصل، أفادت الوزارة بتوقيف عضو في جماعة «انفصالية» بمحافظة كردستان أثناء نقله معدات اتصال إلى داخل البلاد، فيما كشفت عملية مشتركة بين وزارة الاستخبارات و«الحرس الثوري» عن شحنة أسلحة تضمنت عشر بنادق كلاشينكوف و21 مخزناً و630 طلقة.

وفي السياق نفسه، قالت الوزارة إن 19 من الموقوفين مرتبطون بأنشطة ميدانية وإعلامية مع معارضين في الخارج، وكانوا يستعدون لتنفيذ برامج منسقة في ثماني محافظات، بينهم شخص عاد إلى البلاد بعد إقامة عشر سنوات في الخارج وشكّل خلية مسلحة.

على المستوى القضائي، قال المتحدث باسم السلطة القضائية الإيرانية إن عقوبات قد تصل إلى الإعدام ومصادرة الممتلكات ستطبق بحق من يتعاون مع «العدو». وأضاف أنه جرى توجيه تحذيرات لبعض وسائل الإعلام المحلية بسبب نشر صور أو مقاطع من مواقع حساسة دون مراعاة الاعتبارات الأمنية.

وفي غرب إيران، قال محافظ كرمانشاه إن الحدود الغربية للبلاد آمنة بالكامل، وإن الشائعات بشأن انعدام الأمن في هذه المناطق لا أساس لها من الصحة، مؤكداً أن القوات المسلحة تراقب الحدود بيقظة وتمنع أي محاولات تسلل أو تهديد.

الحكومة والداخل

في سياق متصل نفت السلطات الإيرانية «شائعات» تلوث مياه الشرب في طهران عقب انفجار خزانات نفطية في العاصمة. وقالت شركة المياه في طهران إن منشآت وخزانات المياه مؤمنة بالكامل، وإن نتائج الفحوص عند مخارج محطات المعالجة تؤكد عدم وجود أي تلوث في مياه الشرب وبقاء جودتها ضمن المستويات المطلوبة.

وفي الوقت نفسه، قال مدير منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس إن الحريق الناتج عن استهداف مصفاة نفط في طهران قد يؤدي إلى تلوث الغذاء والماء والهواء، بعد تصاعد دخان كثيف فوق المدينة.

أما على صعيد الخسائر، فقد قالت السلطات إن ما لا يقل عن 1230 شخصاً قُتلوا في إيران، و11 في إسرائيل، إلى جانب سبعة عسكريين أميركيين.

باكستان تحمي سفنها

وفي وقت متأخر الأثنين، أعلنت الجيش الباكستاني إطلاق عملية بحرية لمواجهة التهديدات التي قد تطال الملاحة والتجارة في ظل المخاوف بشأن إمدادات الوقود نتيجة الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران.

وأعلن الجيش أن سفناً حربية ترافق السفن التجارية لضمان تدفق الطاقة وأمن الملاحة، مشيراً إلى أن 90 في المائة من تجارة البلاد تمر عبر البحر، فيما أكدت البحرية أنها في حالة استعداد كامل لمواجهة أي تحديات أمنية بحرية.

وأطلقت باكستان اسم «حامي البحار»، تهدف إلى حماية «خطوط الاتصال» في البحر وضمان استمرار ​التجارة البحرية وإمدادات الطاقة المحلية دون انقطاع. ولم ​يوضح البيان ما المقصود بخطوط الاتصال.


رفع تكلفة الحرب استراتيجية ضغط من طهران لدفع واشنطن للتراجع

ناقلات نفط قبالة الفجيرة في انتظار فتح مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط قبالة الفجيرة في انتظار فتح مضيق هرمز (رويترز)
TT

رفع تكلفة الحرب استراتيجية ضغط من طهران لدفع واشنطن للتراجع

ناقلات نفط قبالة الفجيرة في انتظار فتح مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات نفط قبالة الفجيرة في انتظار فتح مضيق هرمز (رويترز)

تعتمد إيران استراتيجية مدروسة بعناية لزيادة التكاليف الحربية على الولايات المتحدة حتى تجبرها على إنهاء الأعمال العسكرية، معوّلة خصوصاً على بث الفوضى في الشرق الأوسط، وإغلاق مضيق هرمز، وفق ما يؤكد خبراء.

وبدأت الحرب في المنطقة بهجوم أميركي إسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط)، أسفر في مطلعه عن مقتل المرشد علي خامنئي وعدد من القادة الكبار. وردت طهران بإطلاق صواريخ ومسيّرات نحو الدولة العبرية، وعدد من دول المنطقة. وامتدت تداعيات الحرب على رقعة الشرق الأوسط وأبعد منه، وصولاً إلى أذربيجان وتركيا وقبرص.

وفي حين يشدد مسؤولون إيرانيون على أن الضربات تستهدف قواعد ومصالح أميركية وليست موجّهة ضد الدول المضيفة، فإنها شملت منشآت للطاقة ومبانيَ سكنية وأهدافاً مدنية.

وتُطرح تساؤلات عما إذا كانت هذه الهجمات قراراً مركزياً في إيران، أم تعود إلى مبادرات اتخذها قادة عسكريون إيرانيون من الصف الثاني.

جنود أميركيون يجهزون صواريخ للطائرات الحربية في قاعدة فيرفورد الجوية بجنوب غربي إنجلترا (أ.ف.ب)

وقال مصدر دبلوماسي فرنسي الأسبوع الماضي إن «السؤال الكبير هو ما إذا كان الرد الإيراني منظماً».

وعلى الرغم من اغتيال كثير من القادة في الضربات، يبدو أن السلطات في طهران ما زالت تتحكم بمنظومة اتخاذ القرار.

وقالت بورجو أوزجيليك من مركز الأبحاث البريطاني «روسي»، إن «إيران كانت تستعد لهذا الاحتمال منذ وقت طويل».

وبعد امتصاص صدمة الضربات الأولى، تسعى السلطات الآن إلى ضمان استمرار النظام بالاعتماد على مبدأ قديم هو عدم تماثل الإرادات، بين طرف يقاتل من أجل البقاء، وهو إيران في هذه الحال، وآخر يسعى إلى تحقيق مصالح أقل أهمية، وهو الولايات المتحدة.

لا يمكن لإيران إلحاق هزيمة عسكرية بالولايات المتحدة في ظل تفاوت ميزان القوى، لكنها تسعى إلى الصمود بوجه حملة عنيفة قائمة على ضربات جوية وبحرية.

ورأى علي واعظ، مسؤول برنامج إيران في مجموعة الأزمات الدولية، أن طهران «تسعى إلى رفع تكلفة التصعيد حتى تبدأ واشنطن في البحث عن مخرج».

وفي مقال مرجعي عن النزاعات غير المتكافئة نُشر عام 1975 بعد الانتكاسة الأميركية في فيتنام، شدّد الباحث أندرو ماك على أن الطرف الأضعف في أي نزاع يسعى إلى «الإضعاف التدريجي للقدرة السياسية لخصمه على خوض الحرب».

بدورها، عدّت أنييس لوفالوا، رئيسة معهد بحوث ودراسات المتوسّط، أنه في ظل عدم امتلاك الإيرانيين «مخزونات هائلة من الصواريخ والطائرات المسيّرة، نراهم يحاولون الاقتصاد في استخدام ذخائرهم، كي يطول أمد الصراع بما يكفي، ولكي يقول ترمب في لحظة ما هذا يكفي، لنوقف الحرب».

ولجأت طهران إلى أساليب مواجهة غير مباشرة، منها قصف دول مجاورة وإثارة الفوضى، ورفع أسعار النفط عبر شلّ الحركة في مضيق هرمز، أملاً في أن تدفع ضغوط دول الخليج والتضخم بسبب ارتفاع تكلفة الطاقة، ترمب للتراجع تدريجياً.

نيران القصف مشتعلة في طهران (رويترز)

وأوضحت أوزجيليك أن استراتيجية إيران هدفها الضغط «عبر إثارة غضب دول الخليج والتسبب في ارتفاع أسعار النفط والغاز وسائر المواد الأولية».

ورجحت المحللة في شركة «تينيو» الأميركية إميلي سترومكويست أن يكون لتأثيرات الأسواق والاضطرابات في مضيق هرمز وأسعار النفط «وزن كبير في حسابات واشنطن، أو قد تدفعها إلى انسحاب مبكر».

وقدّر داني سيترينوفتش، الباحث المتخصص بالشأن الإيراني في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، أن ما تريده طهران هو «تعظيم مكاسبها، وأن تطبع في أذهان خصومها ما ستكون عليه تكلفة أي مواجهة مستقبلية ضد إيران». ورأى أنه كلما «طال أمد الصراع، زاد شعور طهران بأن ميزان القوى الاستراتيجي يتغيّر لصالحها».


الجيش الإسرائيلي يستعد لتوسيع عملياته في الضفة الغربية

جنود إسرائيليون خلال عملية اقتحام لمخيم للاجئين في شرق نابلس بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون خلال عملية اقتحام لمخيم للاجئين في شرق نابلس بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)
TT

الجيش الإسرائيلي يستعد لتوسيع عملياته في الضفة الغربية

جنود إسرائيليون خلال عملية اقتحام لمخيم للاجئين في شرق نابلس بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون خلال عملية اقتحام لمخيم للاجئين في شرق نابلس بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

تلقت قطاعات واسعة في الجيش الإسرائيلي أوامر بالاستعداد للخروج في عمليات عسكرية في الضفة الغربية في هذه الفترة، بعد أن تقرر تعليق ذلك خشية تدهور أمني أكبر في الضفة.

وبثّت «القناة 14» الإسرائيلية أنه بعد الاجتماع الذي ترأسه قائد المنطقة الوسطى، اللواء آفي بلوت، الاثنين، والذي انتهى إلى قرار وقف العمليات الهجومية في الضفة الغربية عقب حادثة تحطيم جندي إسرائيلي لنصب تذكاري في جنين يعود للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، تغيرت الأوامر؛ فقد تلقى عدد من القطاعات في قيادة المنطقة الوسطى، توجيهاً جديداً: «الاستعداد للخروج لعمليات عسكرية خلال الـ 24 ساعة المقبلة».

صورة مأخوذة من فيديو يظهر جندياً إسرائيلياً يحاول تحطيم نصب عرفات في جنين في الضفة (وسائل تواصل)

وكان بلوت قد قرر تجميد العمليات الهجومية في الضفة «ما لم تكن ضرورية»، بعد تسريب فيديو لجندي إسرائيلي يقوم بتحطيم نصب تذكاري للرئيس الفلسطيني الراحل عرفات بمطرقة حديدية في بلدة «الزبابدة» في «جنين» شمال الضفة الغربية، وجاء ذلك في ذروة هجمات للمستوطنين على الفلسطينيين في الضفة، قُتلوا خلالها 6 منذ بدء الحرب على إيران.

وبحسب «القناة 14»، كان قرار بلوت نابعاً من «حرصه على تخفيف التوتر في الضفة، لكن حدث تطور دراماتيكي، وتقرر استئناف الهجمات بعد عاصفة أثيرت في قيادة المنطقة الوسطى».

وأشارت إلى أن السياسة التقييدية التي أدت إلى إلغاء «عمليات هجومية مهمة كانت مخططة للمستقبل القريب»، أثارت ردود فعل غاضبة بين كبار القادة في المنطقة الوسطى، وفي محادثات مغلقة، هاجم ضباط القرار، ووصفوه بأنه «تذلل أمام العدو»، ووصفوا الشعور في الميدان بأنه «عودة إلى سياسة السادس من أكتوبر (تشرين الأول»، أي (تفضيل الهدوء والدفاع على حساب المبادرة والهجوم).

مستوطنون مسلحون في بلدة حوارة بالضفة الغربية المحتلة (أ.ف.ب)

بن غفير...

وحادثة تحطيم نصب عرفات أثارت جدلاً في إسرائيل، وقرر بلوت فصل الجندي من الخدمة، وفي الوقت نفسه، تم إرسال رسائل اعتذار إلى السلطة الفلسطينية، وبقي النصب التذكاري قائماً، وهي الخطوات التي أغضبت وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير الذي عبر عن استياء شديد إزاء قرار الفصل، قائلاً: «إن قرار إيقاف جندي الاحتياط الذي حطم صورة الإرهابي والسفاح ياسر عرفات - الملطخة يداه بدماء العديد من اليهود - هو، في رأيي، قرار خاطئ. إنه جندي احتياط يخوض حرباً ضروساً، بينما يُذبح إخوته وأخواته ويُقتلون. هذا تعبير عن الألم والغضب والشعور بالعدالة لدى أولئك الذين يقاتلون من أجل شعب إسرائيل. إن إيقاف جندي احتياط في مثل هذا الموقف خطوة مُبالغ فيها، وتجب دراسة هذا القرار بعناية قبل اتخاذ أي إجراء».

ودافع الجيش عن إقالة الجندي بقوله إنه «لم يلتزم بالإجراءات المتبعة».

قوات إسرائيلية تهاجم مخيماً للاجئين شرق نابلس في الضفة الغربية (د.ب.أ)

وحاول الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء، الفصل بين إقالة الجندي وبين السياسة العملياتية... وجاء في تعقيب بثّته «القناة 14» أن «النشاط العملياتي مستمر وفقاً لتقييم الوضع، وبغض النظر عن توثيق حادثة الزبابدة. إن تقليص حجم القوات يتم بناءً على تعليمات الجيش، ووفقاً لتقييم مستمر للوضع... محاولة الربط بين واقعة فردية لتجاوز الإجراءات، وبين السياسة العملياتية، هي محاولة لا أساس لها من الصحة».

وجاءت الحادثة وسط تصعيد كبير في الضفة، يقوده المستوطنون الذين استغلوا انشغال العالم بالحرب الإقليمية المستمرة، فقتلوا 6 فلسطينيين في الضفة، وأصابوا آخرين منذ بداية الحرب في سلسلة هجمات مستمرة.

ولم يكبح انشغال إسرائيل في حرب رئيسية مع إيران، وأخرى جانبية مع لبنان، هجمات الجيش الإسرائيلي والمستوطنين في الضفة الغربية، بل تواصلت بوتيرة تصاعدية يقول المسؤولون الفلسطينيون إنها تأتي ضمن مشروع سياسي متكامل، بهدف السيطرة على الضفة الغربية، وتحويل الاحتلال إلى حالة دائمة.

فلسطينية تتفقد ما لحق بخيمة سكنية أحرقها مستوطنون في قرية سوسيا قرب الخليل بالضفة الغربية (رويترز)

وصعد المستوطنون هجماتهم في الضفة منذ السابع من أكتوبر 2023، وزادت حدّتها في الأسابيع الأخيرة، بعد أن أخذت الحكومة الإسرائيلية قرارات لصالح فرض السيادة الإسرائيلية في الضفة، وهي مستمرة رغم الحرب الحالية.

وشوهد مستوطنون يهاجمون في مناطق عدّة في الضفة منذ بداية الحرب، ويضعون اليد على أراضٍ في مناطق مختلفة، بينما كان الجيش يشن عمليات دهم يومية.

تصعيد إرهابي

وحذرت الرئاسة الفلسطينية من «تصعيد إرهابي إسرائيلي كبير في الضفة ومن تداعياته»، وهو وضع أقرّت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بأنه قد يفجر المنطقة التي ظلت هادئة نسبياً في شهر رمضان وحتى في أثناء الحرب مع إيران.

وكانت القيادة الوسطى للجيش بقيادة بلوت قد عبَّرت عن القلق إزاء تسلسل الأحداث، ثم جاءت حادثة نصب عرفات.

وحذّرت حركة «فتح» من تصعيد خطير، وقالت إن المستوطنين يعملون تحت حماية ودعم الحكومة الإسرائيلية وجيشها، مستغلين انشغال العالم بالحرب الدائرة في المنطقة.

جنود إسرائيليون يقفون للحراسة خلال جولة للمستوطنين في الخليل بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)

وشنت قوات الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء، حملة مداهمات واقتحامات واسعة في مختلف محافظات الضفة الغربية المحتلة، تخللتها مواجهات واعتقالات، ويتوقع أن تتصاعد في الفترة الأخيرة من رمضان.

ومنذ بدء الحرب على إيران، أحكمت إسرائيل قبضتها، وأغلقت معظم الحواجز بين الضفة وإسرائيل، وكذلك حول المدن، كما أغلقت المسجد الأقصى في القدس. وتقول إن ذلك جزء من «مواجهة تهديدات محتملة». شملت اعتقال مئات عدّتهم «محرضين» على وسائل التواصل الاجتماعي.