«المغيبون» يفجّرون خلافاً حاداً في العراق

TT

«المغيبون» يفجّرون خلافاً حاداً في العراق

أثارت تصريحات النائب في البرلمان العراقي عن تحالف القوى العراقية الدكتور ظافر العاني أمام البرلمان العربي في القاهرة مؤخراً سجالاً وخلافاً حاداً شيعياً - سنياً. وكان العاني ألقى كلمة في إحدى جلسات البرلمان تحدث فيها عن المعتقلين في السجون والمعتقلات العراقية، سواء كانت الرسمية منها أم تلك السرية التي يقال إن بعض الفصائل المسلحة الموالية لإيران تشرف عليها.
ورغم أن العاني حاول أن يتناول قضايا المعتقلين والمغيبين قسراً، سواء كانوا سنة أم شيعة، فضلاً عن معتقلي المظاهرات طوال السنتين الماضيتين، حيث لا يزال العشرات منهم بين مخطوف أو مغيب، غير أن العديد من القوى الشيعية أصدرت بيانات وتصريحات حادة ضد العاني وصلت إلى حد المطالبة بإقالته من عضوية البرلمان العراقي في أول جلسة بعد استئناف انعقاده في الثامن عشر من شهر أبريل (نيسان) الحالي.
وكان النائب الأول لرئيس البرلمان حسن الكعبي الذي ينتمي إلى الكتلة الصدرية بزعامة مقتدى الصدر وتحالف «سائرون» أول من أدان بشدة تصريحات العاني وطالب بإقالته. وفي حين ترى أوساط مختلفة، أن تصريحات العاني سوف تكون مادة دسمة للانتخابات المقبلة سواء من قبل الأطراف السنية لجهة الدفاع عن حقوق المغيبين أو الأطراف الشيعية لجهة الوقوف ضد ما يعدونه خطاباً يسعى إلى مهاجمة الشيعة بأدوات خارجية، رد تحالف القوى العراقية الذي يتزعمه رئيس البرلمان محمد الحلبوسي بقوة على تصريحات نائبه الأول الكعبي. وقال التحالف في بيان، إنه «يستغرب الهجمة الشرسة والمغالطات العديدة التي تضمنها بيان النائب الأول لرئيس مجلس النواب حسن الكعبي والتجاوز المرفوض جملة وتفصيلاً على شخصية وطنية عرفت بشجاعتها واعتدالها في الدفاع عن حقوق العراق والعراقيين، وهو النائب ظافر العاني، ونعتبر البيان انتصاراً للظالم على المظلوم». وأضاف التحالف، أن «العديد من التهم والتفاصيل التي أدرجت في البيان كانت مجتزأة؛ في محاولة واضحة لتشويه الحقائق في العديد من جوانبها، فالبيان يتهم النائب بأنه تحدث بلغة طائفية، في حين أن الحديث ليس فيه أي إشارة إلى الموضوع الطائفي وقد دافع العاني عن قضايا حقوق الإنسان للعراقيين جميعاً على حد سواء كالمغيبين ونازحي جرف الصخر واغتيالات متظاهري تشرين السلميين، كما أشاد في كلمته بالحكومة العراقية وبالقضاء. فأين الطائفية في ذلك؟».
وتابع البيان «أما القول بعدم وجود مغيبين أو مخطوفين فهو أمر لا تدعمه الحقائق؛ فهنالك الآلاف الذين تم اختطافهم في الصقلاوية وبزيبز وجرف الصخر ونينوى، والجهات التي خطفتهم يفترض أنها معروفة للحكومة وللجميع ولطالما سمينا الأشياء بمسمياتها على مدى الفترة الماضية، وقد استمرت تلك الجهات ومن يغطي عليها في الدفاع عنها وتبرير جرائمها وهي التي يسميها مقتدى الصدر أنها ميليشيات وقحة». ودعا التحالف الكعبي للاحتكام إلى «المنطق وتغليب مصلحة العراق مستقبلاً، وألا يكون مستعجلاً في حكمه للدفاع عن مجاميع ميليشياوية إرهابية أحرجت العراق أمام المجتمع الدولي باستهداف السفارات والبعثات الدبلوماسية، وخطفت أبناء الشعب العراقي ومثلت بجثثهم، وكان الأجدر به إصدار بيان شديد تجاه الجهات التي تستعرض بأسلحتها وسط العاصمة وتطلق الصواريخ على الأبرياء، وهو منهج مغاير لمنهج (سائرون) ومقتدى الصدر الذي طالب مراراً بمحاسبة هذه الميليشيات التي تتحدى الدولة وتخرق القانون».
وكان الكعبي عدّ تصريحات العاني في البرلمان العربي «دعاية انتخابية رخيصة كاذبة وطائفية»، داعياً مجلس النواب إلى «إقالته بأول جلسة نيابية». مستندا إلى بيانات المفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق بوصفها الجهة الوحيدة المخولة والمختصة بحالات الاختطاف والتغييب.
أكدت عدم وجود حالات اختفاء قسري ثابتة في العراق؛ الأمر الذي عده عدد كبير من النواب والقياديين السنة أمراً مستغرباً، خصوصاً أن مفوضية حقوق الإنسان وغيرها من المؤسسات الحكومية لا تستطيع الدخول إلى مقرات الفصائل المسلحة بما في ذلك منطقة جرف الصخر.
وانضم تحالف «الفتح» بزعامة هادي العامري إلى مهاجمي تصريحات النائب ظافر العاني. وفي بيان شديد اللهجة قال التحالف الذي يضم عدداً من الفصائل المسلحة، إن «العاني يريد أن يزوّر الحقائق ويتلاعب بالحوادث والمعايير والألفاظ، لكنه لن يستطيع تغيير الوقائع التي شهدها العراق خلال السنوات الأخيرة، خاصة حرب التحرير الشاملة التي خاضها العراقيون بمختلف فئاتهم ومشاربهم». وأضاف في بيان، أن «العاني قدم نفسه بهذا الخطاب، وهو الذي انتقل من موقع الدفاع عن البعث ومشروع الاستهداف الطائفي والقومي وحروب الإبادة إلى الدفاع عن تنظيم (داعش) التكفيري بدعوة الدفاع عن المكون السني»، مبيناً أن «ما تحدث به ظافر العاني لا يمثل رأي مجلس النواب العراقي وسوف يتخذ المجلس بحقه جميع الإجراءات القانونية اللازمة».
من جهتها، فقد انضمت جبهة الإنقاذ والتنمية بزعامة أسامة النجيفي، الرئيس الأسبق للبرلمان العراقي، إلى حملة الدفاع عن النائب العاني ضد الانتقادات الشيعية الحادة له. وقال بيان للجبهة، إن «الحقائق التي يعرفها أبناء شعبنا الأبي ليست مادة للاستغلال الدعائي، أو محاولات طمسها عبر إطلاق اتهامات تقود إلى إنكار الأصل وهو حقوق مواطنين عراقيين، يتعين أن يكون الدفاع عنهم واجباً على كل مخلص». وأضاف البيان، أن «ما تحدث به الدكتور ظافر العاني عن حقوق الإنسان في مؤتمر برلماني عربي، وأشار إلى قضية المخفيين قسراً، وقضية جرف الصخر، وشهداء انتفاضة تشرين، ولا نظن أن تجاهل هذه الحقائق يمكن أن يخدم ما يسمى بالمصالحة الوطنية أو تعزيز التعاون والتآلف؛ ذلك أن هناك ملفات كاملة بالأسماء وظروف الإخفاء القسري تتوفر لدى الجهات العراقية والأمم المتحدة، وهناك لجان تحقيقية توصلت إلى نتائج موثقة». وأوضح البيان، أنه فيما يتعلق بمواطني جرف الصخر، فإن «القاصي والداني يعرف أنهم ممنوعون من العودة إلى منطقتهم رغم مرور سنوات على تحرير جرف الصخر من الإرهاب، ولا نعتقد أن أي منصف يمكن أن يتهم مواطني منطقة كاملة بالإرهاب؛ فذلك خارج المنطق». واختتم بيان جبهة الإنقاذ والتنمية بالقول، إن «الإشارة إلى الميليشيات الخارجة عن القانون لا يعني اتهام قوات الحشد الشعبي، فكل القوى السياسية تؤكد وجود نشاط لا يتفق مع القانون لهذه الجماعات، ولعل مسألة إطلاق الصواريخ واستهداف النشطاء دليل من عشرات الأدلة على ذلك». من جهته، فإن الدكتور ظافر العاني ولدى سؤاله من قبل «الشرق الأوسط» كيف ينظر إلى الحملة ضده وهل لديه رأي بخصوص ذلك، قال إنه «يكتفي ببيان تحالف القوى العراقية».



اليمن يرفض رحلات طهران إلى صنعاء

العليمي يترأس اجتماعاً استثنائياً لمجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)
العليمي يترأس اجتماعاً استثنائياً لمجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)
TT

اليمن يرفض رحلات طهران إلى صنعاء

العليمي يترأس اجتماعاً استثنائياً لمجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)
العليمي يترأس اجتماعاً استثنائياً لمجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)

أكد مجلس القيادة الرئاسي اليمني تمسكه بحماية سيادة البلاد ورفض أي ترتيبات تسمح بتسيير رحلات جوية إيرانية إلى مطار صنعاء خارج الأُطر القانونية المعتمَدة، في وقت قرأ فيه مراقبون أن طهران حاولت احتواء تداعيات رحلة نقلت وفداً حوثياً إلى إيران، عبر طلب تسيير رحلة تابعة لشركة «ماهان» الإيرانية، لإعادته إلى العاصمة اليمنية المختطَفة.

وجاء الموقف اليمني خلال اجتماع استثنائي عقده مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي، وبحضور جميع أعضائه، إلى جانب رئيس الوزراء شائع الزنداني، حيث ناقش الاجتماع التطورات الوطنية والإقليمية، والسياسات المقترحة للتعامل معها على المستويات السياسية والأمنية والدبلوماسية.

وخصص المجلس جانباً من مداولاته لبحث الطلب الإيراني، الذي قالت الحكومة اليمنية إنه قُدم عبر قيادة «تحالف دعم الشرعية»، لتسيير رحلة تابعة لشركة «ماهان» من طهران إلى صنعاء؛ بهدف إعادة عناصر حوثية سبق نقلها من مطار صنعاء، في الثالث من يوليو (تموز) الحالي.

جانب من اجتماع المجلس القيادي الرئاسي اليمني عبر الاتصال المرئي (سبأ)

وعدَّ المجلس الرئاسي اليمني أن الرحلة التي نقلت الوفد الحوثي إلى إيران مثّلت تجاوزاً للسيادة اليمنية، وتحدياً للأُطر القانونية وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، مؤكداً أن أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بالمنافذ الجوية اليمنية يجب أن تجري عبر الجهات الشرعية المختصة، وليس عبر تفاهمات أحادية تفرض أمراً واقعاً جديداً.

ووفق مراقبين، فإن صنعاء لم تعد مجرد ملف متعلق بحركة الطيران المدني، بل تحولت إلى قضية سيادية وأمنية، في ظل اتهامات للحوثيين بالسعي لإدخال شركة طيران إيرانية مرتبطة بطهران بديلاً عن الناقل الوطني اليمني، بما تعدُّه الحكومة محاولة لتعزيز النفوذ الإيراني داخل البلاد.

الناقل الوطني

أكدت الحكومة اليمنية، وفق مصادر، أنها قدّمت، خلال الفترة الماضية، مبادرات متعددة لإعادة تشغيل الرحلات التجارية من مطار صنعاء عبر الخطوط الجوية اليمنية، بوصفها الناقل الوطني، وفي مقدمة تلك المقترحات تسيير رحلات منتظمة بين صنعاء والعاصمة الأردنية عمّان، بما يخفف معاناة المواطنين في مناطق سيطرة الحوثيين.

وترى الحكومة اليمنية أن تشغيل الرحلات المدنية لا يمثل عائقاً، وأنها أبدت استعداداً لتوفير الترتيبات اللازمة لاستمرار حركة السفر؛ شريطة ضمان سلامة الطائرات والأطقم وعدم التدخل في عمل الشركة أو التحكم في قراراتها التشغيلية.

طائرة تابعة للخطوط الجوية اليمنية (إكس)

لكن تلك المبادرات اصطدمت، وفق الرواية الحكومية، بإجراءات اتخذتها الجماعة الحوثية عطّلت عمل الخطوط الجوية اليمنية، مِن بينها الاستيلاء على أربع طائرات تابعة للشركة خلال عام 2024، ومنع تشغيلها من مطار صنعاء، قبل أن تؤدي التطورات اللاحقة إلى تدمير تلك الطائرات وإلحاق أضرار بأصول الناقل الوطني.

وتتهم الحكومة اليمنية الحوثيين كذلك برفض الإفراج عن أموال تابعة لشركة الخطوط الجوية اليمنية موجودة في صنعاء، وتقول إن هذه الأموال، التي تُقدَّر بأكثر من 120 مليون دولار وفق تقديراتها، كان يمكن استخدامها في شراء أو استئجار طائرات جديدة، أو إيجاد حلول لاستمرار الرحلات التجارية.

وترى الحكومة أن جوهر الخلاف لا يرتبط فحسب بإعادة فتح مطار صنعاء، وإنما بمحاولة فرض السيطرة على مؤسسة وطنية وإخضاع إدارتها وإيراداتها لجهة واحدة، في حين تؤكد أن إدارة الشركة في عدن يقودها مسؤولون يمنيون سبق لهم العمل في المؤسسة قبل سيطرة الحوثيين على صنعاء في عام 2014.

اعتبارات أمنية

جاء رفض الحكومة اليمنية السماح باستخدام شركة «ماهان» الإيرانية لإعادة الوفد الحوثي إلى صنعاء، استناداً إلى اعتبارات أمنية مرتبطة بسِجل الشركة والعقوبات الدولية المفروضة عليها، إضافة إلى اتهامات سابقة باستخدام الطيران الإيراني لنقل دعم عسكري وخبراء إلى الحوثيين.

وتشير المصادر إلى أن الحكومة تعدُّ طلب تسيير رحلة «ماهان» محاولة لتصحيح ترتيبات وصفتها بأنها غير قانونية، بعد نقل الوفد الحوثي إلى إيران خارج الإجراءات المعتمَدة، مؤكدة أن استمرار الرحلات الإيرانية إلى مطار صنعاء قد يفتح الباب أمام استخدام الطيران المدني لأغراض تتجاوز الجانب الإنساني.

صورة متداولة لطائرة إيرانية في مطار صنعاء الخاضع للحوثيين (إكس)

كما تتهم الحكومة الطائرة الإيرانية التي نقلت الوفد الحوثي بقطع إشارات التتبع أثناء عبورها الأجواء اليمنية، وعدَّت ذلك مؤشراً يثير مخاوف أمنية، في ظل معلومات تقول إنها مرتبطة باحتمال نقل عناصر وخبراء في مجالات الصواريخ والطائرات المُسيرة والاتصالات العسكرية.

وتؤكد الحكومة أن أي نشاط جوي خارج الرقابة والإجراءات المعتمَدة قد يشكل انتهاكاً لقرارات مجلس الأمن، ويقوّض الجهود الرامية إلى الوصول لتسوية سياسية وإنهاء الصراع في اليمن.

بدائل يمنية

في مقابل رفضها الرحلات الإيرانية، طرحت الحكومة اليمنية بدائل لإعادة الوفد الحوثي إلى صنعاء؛ من بينها استئجار طائرة عبر الخطوط الجوية اليمنية بوصفها الناقل الوطني الوحيد، بدلاً من الاعتماد على شركة أجنبية ترى أنها مرتبطة بمصالح إيران والجماعة الحوثية.

كما جدد مجلس القيادة الرئاسي اليمني تأكيده لليمنيين، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، أن الخطوط الجوية اليمنية جاهزة لاستئناف الرحلات التجارية من مطار صنعاء إلى عمّان وأي وجهات أخرى يجري الاتفاق عليها، متى توفرت الضمانات اللازمة لحماية الطائرات والأطقم ومنع أي تدخُّل في عمل الشركة.

طائرة أممية في مطار صنعاء تنقل شحنة إنسانية (الأمم المتحدة)

وأكد المجلس أن الحكومة اليمنية ستتعامل مع أي محاولات مماثلة من خلال الأدوات التي يكفلها الدستور والقانون الدولي، مشيراً إلى أن الخيارات السياسية والدبلوماسية والعسكرية ستظل متاحة لحماية السيادة الوطنية ومنع تكرار مثل هذه الوقائع.

وحمَّل مجلس القيادة الرئاسي اليمني إيران والجماعة الحوثية مسؤولية أي تداعيات قد تنتج عن استمرار تسيير رحلات إيرانية إلى مطار صنعاء خارج الأُطر القانونية، داعياً طهران إلى وقف تدخلها في الشؤون الداخلية اليمنية واحترام سيادة البلاد ووحدة أراضيها.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مصدر لـ«الشرق الأوسط»: اجتماع مصري - إسرائيلي لتفادي تجدد حرب غزة

فلسطينية تنظف طاولة على سطح مسجد تحول ملجأً لنازحين في خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ب)
فلسطينية تنظف طاولة على سطح مسجد تحول ملجأً لنازحين في خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ب)
TT

مصدر لـ«الشرق الأوسط»: اجتماع مصري - إسرائيلي لتفادي تجدد حرب غزة

فلسطينية تنظف طاولة على سطح مسجد تحول ملجأً لنازحين في خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ب)
فلسطينية تنظف طاولة على سطح مسجد تحول ملجأً لنازحين في خان يونس جنوب قطاع غزة الجمعة (أ.ب)

تحدث مصدر مصري مطلع على ملف مفاوضات «اتفاق غزة» لـ«الشرق الأوسط»، عن تفاصيل اللقاء الذي انعقد خلال الساعات الماضية بين وفد مصري وآخر إسرائيلي في القاهرة، ضمن جهود مكثفة لتفادي تعقيدات قد تهدد اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة.

ومساء الخميس، قالت «هيئة البث الإسرائيلية» إن «وفداً من كبار ضباط الجيش الإسرائيلي وصل إلى القاهرة، وأجرى مناقشات مع كبار مسؤولي الجيش المصري خلال اليومين الماضيين»، بشأن الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بقطاع غزة.

وجاء الاجتماع المصري - الإسرائيلي بالتزامن مع وجود وفد من قيادة حركة «حماس» برئاسة خليل الحية، في القاهرة لإجراء مباحثات مع الوسطاء بشأن تثبيت «اتفاق غزة» الذي جرى التوقيع عليه في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

فلسطيني يحمل أمتعة على كتفه ويمر بمحاذاة الأنقاض في مخيم للنازحين جراء الحرب بحي الشيخ رضوان بمدينة غزة (أ.ف.ب)

ورجَّح المصدر المصري قدوم وفد أميركي للتشاور بشأن غزة ومواصلة التفاهمات مع «حماس» لإنقاذ جهود الوساطة، مع معلومات تفيد بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يستعد لإعادة الحرب من أجل استغلالها انتخابياً.

وشدد المصدر ذاته على أن محادثات القاهرة تركزت حول الأفكار التي طُرحت الأسبوع الماضي، بشأن الاتفاق والتي أبدت حركة «حماس» اعتراضاً عليها، موضحاً أن الوفد الإسرائيلي أفصح عن رسالة قدمها إلى مبعوث مجلس السلام بالقطاع، نيكولاي ملادينوف، مفادها أنه في حال عدم نجاح الجهود الحالية المبنية على الصياغات الجديدة للورقة الخاصة به، فإن إسرائيل ستمضي قُدماً في مسار المواجهة العسكرية، والقيام بعمل عسكري داخل قطاع غزة.

وطُرحت على مدار الأشهر الثلاثة الماضية مقترحات من ملادينوف تتركز بشكل أساسي على أولوية نزع سلاح القطاع للمضي في الإعمار، وسط تحفظات من «حماس» ومطالبات بتنفيذ ما تبقى من المرحلة الأولى والتمسك بانسحاب إسرائيلي.

ووفق المصدر، فإن الوفد الإسرائيلي أكد، في رسالته، ضرورة التزام «حماس» ببنود الاتفاق وعلى رأسها نزع السلاح وفق الصيغ المطروحة، مشيراً إلى أن الوسطاء يتشاورون مع حركة «حماس» بشأن القبول بصياغة مباشرة وواضحة يتم إبلاغ نيكولاي ملادينوف بها لتمضي الأمور قُدماً، وتجنب استكمال إسرائيل للعمل العسكري.

فلسطينية تبكي خلال جنازة ضحية قُتلت في غارة إسرائيلية استهدفت خيمة وذلك في مجمع ناصر الطبي بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وحذَّر المصدر من وجود معلومات متزايدة ومتصاعدة تفيد بأن نتنياهو سيقدِم على عمل عسكري مدفوعاً بحسابات الانتخابات المرتقبة خلال الشهور المقبلة، في ظل استطلاعات الرأي التي تعزز من فرص منافسين آخرين مثل غادي آيزنكوت ونفتالي بينيت وغيرهما، حيث يسعى نتنياهو جاهداً لاستعادة شعبيته وأرضيته السياسية، ويمهد لذلك أيضاً الرفض القاطع من جانب ملادينوف لتعديل أي صياغات، وتمسكه بتعامل «حماس» بجدية مع المقترحات الحالية.

وعبَّر الوفد الإسرائيلي عن «رغبته في التجاوب مع التحركات المصرية المسؤولة»، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن تعنت «حماس» سيؤدي حتماً إلى صدام مع الحركة، حسب المصدر.

وأكد المصدر أن قبول القاهرة استضافة الوفد الإسرائيلي، رغم ما يثار من توتر، يحمل دلالة واضحة على انفتاح مصر على كل الأطراف وسعيها الدؤوب لتقريب وجهات النظر مع الجميع، وأنه لا يوجد أي عائق أمام إجراء أي لقاءات في هذا التوقيت.

وقال: «القاهرة تحاول التفاعل بمسؤولية مع الأطراف كافة في هذا التوقيت؛ وذلك لاستشعارها الخطورة البالغة للمشهد الحالي؛ ولذا تتحرك مصر في دوائر مسؤولة لإنقاذ الوضع الإنساني المتدهور، وتخوفاً من فتح المشهد عسكرياً واغتيال مزيد من القيادات الميدانية وتدهور الأوضاع»، لافتاً إلى احتمالية وصول وفد أميركي لمصر للتشاور بشأن الأوضاع في غزة.

وتنسق مصر بشكل أساسي مع الطرف التركي، وبطبيعة الحال مع دولة قطر؛ لممارسة أكبر قدر من الضغوط على الحكومة الإسرائيلية، وفق المصدر، الذي أشار إلى أن الأيام المقبلة ستشهد أيضاً اتصالات مصرية تشمل الجانب الأميركي؛ وذلك بغرض إلزام الإدارة الأميركية بالعودة إلى بنود خطة السلامة، وعدم إعطاء أي فرصة للانحراف عن بنود الخطة أو طرح مسارات بديلة، أو قيام ملادينوف بإعادة صياغة خطط أخرى قد تعقّد المشهد.

طفلان يملآن وعاءين بالماء في دير البلح وسط قطاع غزة (أ.ب)

ولا تستبعد تقديرات المصدر المصري، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن تواصل «حماس» استثمار عنصر الوقت مع الأطراف الوسيطة؛ ترقباً لتفاصيل المفاوضات والمواجهات الأميركية - الإيرانية على أمل أن تعزز مواقفها لاحقاً أو التذرع بعدم حسم الانتخابات الداخلية للحركة بعد، وبالتالي عدم القدرة على اتخاذ إجراءات وصياغات كاملة؛ ما قد يدفع الأمور إما باتجاه التجميد أو بترك الأمور معلقة لبعض الوقت بغرض التقييم.

ورغم ذلك، يعتقد المصدر ذاته أن الجهود المصرية ستسابق الوقت لتفادي التصعيد العسكري الإسرائيلي بالقطاع مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية واستحقاق انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي، مشيراً إلى أنها أحداث متشابكة من شأنها أن تؤدي إلى تعطيل المسارات الدبلوماسية والسياسية بالكامل.

ويضيف المصدر، لتلك المسارات المعطلة، إمكانية طرح اسم نيكولاي ملادينوف مرشحاً أميركياً لتولي منصب دولي رفيع؛ وهو ما يضع الجميع أمام عنصر الوقت الحرج، مع احتمال شغور في الموقع لفترة طويلة لحين تسمية بديل له، مستدركاً: «لكن هناك معلومات تشير إلى جاهزية البدلاء المحتملين لملادينوف، هما رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير أو المبعوث ستيف ويتكوف».

فلسطينيون يعاينون سيارة استهدفها هجوم إسرائيلي في مدينة غزة الخميس (رويترز)

ومساء الخميس، قالت هيئة البث الإسرائيلية إن «وفداً من كبار ضباط الجيش الإسرائيلي وصل إلى القاهرة، وأجرى مناقشات مع كبار مسؤولي الجيش المصري خلال اليومين الماضيين»، بشأن الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بقطاع غزة.

وفي 29 سبتمبر (أيلول) 2025 أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، خطة لإنهاء الحرب الإسرائيلية على غزة، تضمنت في مرحلتها الأولى وقفاً لإطلاق النار وانسحاباً إسرائيلياً جزئياً والإفراج عن الأسرى الإسرائيليين وإدخال 600 شاحنة مساعدات يومياً.

وبينما التزمت حركة «حماس» باستحقاقات المرحلة الأولى، عبر الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين، تنصلت إسرائيل من التزاماتها الإنسانية وواصلت اعتداءاتها؛ ما أسفر عن مقتل 1092 فلسطينياً وإصابة 3507 آخرين.

أما المرحلة الثانية، فتتضمن انسحاباً أوسع للجيش الإسرائيلي الذي يحتل أكثر من 70 في المائة من مساحة قطاع غزة، وبدء إعادة الإعمار، مقابل الشروع في نزع سلاح الفصائل، إلا أن إسرائيل لم تنفذ هذه المرحلة، وأصرت على أولوية نزع السلاح.

ويواجه قطاع غزة دماراً واسعاً جراء الحرب منذ أكتوبر 2023، وأسفرت عن مقتل أكثر من 73 ألف فلسطيني وإصابة أكثر من 173 ألفاً، فضلاً عن تدمير نحو 91 في المائة من البنية التحتية في القطاع.


هل تُعيد «الرقابة البرلمانية» رسم الدور التنموي لـ«جهاز مستقبل مصر»؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أثناء افتتاح مشروع الدلتا الجديدة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أثناء افتتاح مشروع الدلتا الجديدة (الرئاسة المصرية)
TT

هل تُعيد «الرقابة البرلمانية» رسم الدور التنموي لـ«جهاز مستقبل مصر»؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أثناء افتتاح مشروع الدلتا الجديدة (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أثناء افتتاح مشروع الدلتا الجديدة (الرئاسة المصرية)

يثير توسيع «الرقابة البرلمانية» على «جهاز مستقبل مصر»، وفقاً للتعديلات التي أقرتها اللجنة التشريعية بمجلس النواب (الغرفة الأولى للبرلمان) مؤخراً، تساؤلات بشأن مدى تأثيرها على دور الجهاز التنموي، بخاصة في المشروعات الزراعية.

وفي اعتقاد برلمانيين ومختصين في الاقتصاد الزراعي، فإن الرقابة البرلمانية على الجهاز «توفر الحماية للمستثمرين من داخل مصر وخارجها للمشاركة في استثمارات الجهاز التنموية»، مشيرين إلى أن «القانون يشكّل نقلة اقتصادية في عمل الجهاز، ويعزز دوره التنموي».

وأقرت اللجنة التشريعية بمجلس النواب، الخميس الماضي، تعديلات على قانون «جهاز مستقبل مصر»، تتضمن توسيع رقابة البرلمان على الجهاز؛ إذ اشترطت نصوص القانون «موافقة مجلس النواب في جلسة عامة على قرار إنشاء مناطق التنمية المستدامة».

وتأسس جهاز «مستقبل مصر للتنمية المستدامة» بقرار رئاسي عام 2022، كإحدى الأذرع التنموية للحكومة عبر استصلاح آلاف الأفدنة في الصحراء، وربطها بالتصنيع الزراعي، ومن أبرز مشروعاته الزراعية مشروع «الدلتا الجديدة» (شمال غرب مصر)، والذي يضم نحو مليونَين ونصف مليون فدان.

ويمنح قانون «جهاز مستقبل مصر»، الذي يناقشه البرلمان، استقلالية إدارية ومالية في إطار مدني جديد، بتحويل تبعية الجهاز من وزارة الدفاع إلى كيان استثماري وتنموي بهيئة اقتصادية مستقلة تتبع رئيس الجمهورية مباشرة، بما يعزز قدرته على تنفيذ المشروعات التنموية، ودعم استدامة الاقتصاد الوطني، وتهيئة مناخ أكثر جذباً وثقة للاستثمارات المحلية والأجنبية.

وأجرت اللجنة المشتركة لمناقشة نصوص القانون، والتي تضم اللجنة التشريعية و17 لجنة برلمانية أخرى، تعديلات على مشروع القانون المقدم من الحكومة، من بينها «اشتراط موافقة مجلس النواب في جلسة عامة على قرار إنشاء مناطق التنمية المستدامة، فضلاً عن الموافقة على إدخال 5 مواد مستحدثة حاكمة راعت المناقشات النيابية».

ويستند مشروع القانون إلى المبادئ الدستورية المنظمة للنظام الاقتصادي، التي تقوم على تحقيق التنمية المستدامة، وتشجيع الاستثمار، وحماية الأنشطة الاقتصادية، وتعزيز دور القطاع الخاص كشريك رئيسي في عملية التنمية، بما يسهم في رفع معدلات النمو، وزيادة الإنتاج، وتوفير فرص العمل، وتحقيق الأمن الغذائي والمائي.

تعديلات تشريعية على القانون المنظم لعمل «جهاز مستقبل مصر» للمساهمة في جذب الاستثمارات (جهاز مستقبل مصر)

ويرى وكيل لجنة الزراعة بمجلس النواب المصري فريد واصل، أن «قانون (مستقبل مصر) يشكّل تحولاً نوعياً في عمل الجهاز، يسهم في نقله من مرجعيته العسكرية إلى الإطار المدني»، وقال إن «نصوص القانون ضرورية لتعزيز دوره التنموي في الاقتصاد المصري». وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «الرقابة البرلمانية على عمل الجهاز ستوفر الحماية والضمانة لأي مستثمر من داخل مصر أو خارجها للمشاركة في الدور التنموي للجهاز»، وقال إن «الضوابط الرقابية التي نص عليها القانون تشكّل رسالة طمأنة للجميع، خصوصاً للمستثمر الأجنبي».

ويعيد مشروع القانون تنظيم دور الدولة في النشاط الاقتصادي، من خلال إتاحة مساحة أكبر لمشاركة القطاع الخاص والشراكات الدولية في دفع عجلة التنمية، وتعزيز مساهمتهما في زيادة الناتج المحلي، وخلق فرص العمل، وتطوير القطاعات الإنتاجية والخدمية داخل مناطق التنمية المستدامة.

ومن المقرر أن تناقش الجلسة العامة لمجلس النواب مشروع القانون تمهيداً لإقراره بشكله النهائي. ويعزز قانون تنظيم «جهاز مستقبل مصر» دوره التنموي، وفق خبير الاقتصاد الزراعي مدحت عنيبر، الذي أشار إلى أن «القانون نقل تبعية الجهاز لرئيس الجمهورية مباشرة، بما يعكس زيادة الاهتمام بأعماله والتوسع في استثماراته».

وأوضح عنيبر، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التوسع في استصلاح الأراضي الزراعية بالصحراء يستدعي وجود نصوص تنظم أعماله، بما يساعد في متابعة الاستثمارات في هذه الأراضي، وضمان استمرارية إنتاجها»، مشيراً إلى أن «المستثمرين دائماً ما يبحثون عن ضمانات، ونصوص القانون، ومن بينها بنود الرقابة، تتيح هذه الضمانات».

وأضافت الحكومة المصرية نحو 4.5 مليون فدان خلال السنوات الأخيرة، وفق إحصاءات رسمية.