«مُتون الأهرام»... تراتيل الصعود إلى السماء

تؤرخ للأدب الجنائزي في مصر القديمة

«مُتون الأهرام»... تراتيل الصعود إلى السماء
TT

«مُتون الأهرام»... تراتيل الصعود إلى السماء

«مُتون الأهرام»... تراتيل الصعود إلى السماء

يعد كتاب «متون الأهرام - الصعود للسماء» أحد أهم النصوص الدينية التي تصور الحياة الأخرى فيما بعد الموت، في شكل رحلة ذات طقوس خاصة لا تخلو من مخاطر وشرور. الكتاب صدر حديثاً عن دار «تنمية» للنشر والتوزيع بالقاهرة، وأنجز المؤلف شريف الصيفي ترجمته من اللغة المصرية القديمة مُباشرة للنصوص الجنائزية التي وصلتنا مُدونة على جدران حجرات الدفن داخل عدة أهرامات في مصر، وقام بتقديم تعليق على تلك الترجمة مُدعمة بمراجع علمية وبحثية.
يدلنا الصيفي على «متون الأهرام» بصفتها «أقدم نص ديني دونه الإنسان على الإطلاق، والنبع الأول الذي فاضت منه كل صور الأدب الجنائزي في مصر القديمة وتطورت». وعلى الرغم من أن أول تدوين لها كان في عصر الأسرة الخامسة، فإن المُترجم يُرجح أنها مأخوذة عن نص أكثر قدماً لم يعثر عليه إلى اليوم، أو ربما نصاً شفاهياً «حفظته أفئدة الكهنة لسنوات طويلة، قبل أن تتطور اللغة للمستوى الذي وصلتنا به المتون»، على حد تعبيره.

- تعاويذ حماية
يُصور الكتاب، في 608 صفحات، رحلة صعود الملك للسماء، وما يرافقه من نصوص جنائزية، بشحنتها الدرامية السحرية الأقرب إلى التراتيل والتعاويذ التي تصاحبه لتقيه من شرور الأعداء المتربصين، كأنها زاده لبر الأمان والحياة الأبدية، لينعم بمعية إله الشمس «رع»، فلا تعرف روحه الفناء.
وتستعرض المتون الوسيلة التي سيصعد بها الملك للسماء: القوارب المصنوعة من البوص، أو الدرج الصاعد، أو عبر جناح الإله «تحوت»، أو تسلق الجبال، أو التحليق كالطيور عالياً، أو أن يرفعه الإله «حورس» بإصبعه إلى الأعالي على قارب «رع». وقد دونت تلك الرسوم على جدران حجرات الدفن داخل عدة أهرامات باللون الأخضر، بشكل عمودي، بعلامات هيروغليفية، كأنها مشحوذة بطاقات سحرية. وظلت تلك النصوص لغزاً راوغ علماء الآثار، وظل اكتشاف أسرارها يتراكم مع كل اكتشاف جديد لها داخل مزيد من غرف الدفن في أهرامات أخرى، فهل هي «تعاويذ» أم «وصايا» أخيرة للعناية بالملك الراحل في رحلة صعوده لمُستقره الأخير في السماء؟
اكتشفت «المتون» في بدايات ثمانينيات القرن التاسع عشر على يد ماسبيرو وبروجش في هرم «ونيس»، وكان هو أول من نشر تلك المتون في عام 1884، فيما أنجز كورت زيته بين 1908 و1922 عرضاً لتلك المتون، وترجمها في عمل ضخم يعد إلى اليوم مصدراً أساسياً للباحثين. ومع اكتشاف مزيد من الأهرامات، زادها عالم الآثار فولكنر لتصل المتون إلى 759 فصلاً.

- دراما وتراتيل
ويمكن تقسيم المتون إلى عدة مستويات، منها «النصوص الدرامية» التي يغلب عليها اللون الحُواري في سياق الطقس الديني، وهناك «التراتيل» التي تُتلى على لسان الكاهن في سياق حديثه للملك المتوفى، و«الابتهالات» القريبة الشبه بالتراتيل، و«فصول التجلي» التي تشغل حيزاً كبيراً داخل المتون، وتتعدد فيها الأصوات «حورس، أوزير، الكاهن، المرتل»، وتدور غالبيتها حول صعود الروح إلى السماء، وأخيراً «تعاويذ الحماية» التي ملأت المتون بالتعاويذ لمواجهة المخاطر والشرور، ومنها تعاويذ ضد بعض الوحوش، كالتماسيح وأنثى ابن آوي وفرس النهر، وكذلك الثعابين والديدان التي قد تؤذي جسد المُتوفى ومحتويات قبره. ويجمع الكتاب قسماً مُخصصاً للتعاويذ السحرية ضد الثعابين: «تصور المصري القديم أن طريقه في العالم الآخر محفوف بالمخاطر، وبكثير من الثعابين الفتاكة، لذا عجت المتون الجنائزية بعشرات التعاويذ ضد عدة أنواع من الثعابين». وكما يقول أحد النصوص من متون الملك «ونيس»:
«تراجع، أيها الثعبان الخفي، اختفِ
ولا تدع الملك (ونيس) يراك،
تراجع، أيها الثعبان الخفي، اختفِ
ولا تأتِ إلى المكان الذي يوجد فيه الملك (ونيس)
كي لا ينطق اسمك (ني نم ابن نمت)
حط البجع المقدس على سطح النيل،
فاهرب، اهرب، أيها الثعبان المتوحش،
أيها الثعبان (المُتربص في الليل)»
وعلى الرغم من أن هذه التعاويذ كُتبت للتصدي لأذى الثعابين، فإنه تظل لها حساسيتها التي كان يُدركها المصري القديم؛ يقول المترجم: «لا يجب أن نفترض أن العداء بين الملك المُتوفى والثعابين عداءُ جذري يستلزم فناء أحدهما، فالثعابين في النهاية كائنات مقدسة ينبغي الحذر منها، لكن دون قتلها».
وهناك طقوس تقديم القرابين التي تُتلى في أثناء تقديم القربان، وعادة ما كان يُطلق تعبير «عين حورس» على كل قربان، ويمر الكتاب على أصل حكاية حورس وعينه التي تعد القربان الذي ضحى به الابن في سبيل الأب خلال الصراع بين «حورس» وخصمه «ست»؛ عين حورس التي فقأها «ست»، واستعادها «تحوت» وطببها له، لُتصبح عين حورس، حسب المترجم «في ضررها وترميمها مرة أخرى رمز لوفاة الملك وتعافيه وتجدده. كما تشير إلى الاختفاء اليومي في نهاية كل نهار للشمس، ومعاودة شروقها صباحاً بعد ساعات الظلام. وتُعد أيضاً رمزاً للصحة والقوة والسلامة»:
«أيها الملك (ونيس) تقبل عين (حورس)
فقد طُببت لك ولن تفقدها ثانية».
ويمر الكتاب على طقوس حفظ الجسد وتقديم القرابين، تلك التي كانت حافلة بزخم من موائد القرابين، من لحم وطير وزيوت وعطور، إلى جانب الأدوات التي كانت تستخدم في الطقوس الجنائزية، وعلى رأسها «فأس فتح الفم» الذي يعد أحد أبرز الطقوس الجنائزية التي تسبق عملية الدفن. يقول الصيفي: «فكما تبدأ حياة الطفل بفتح الفم بالصراخ والرضاعة، فإن فتح فم المُتوفى يعطيه القدرة على الكلام وتلاوة التعاويذ والابتهال للآلهة في العالم الآخر، وعلى ممارسة بقية مظاهر الحياة من أكل وشرب. وكان يصاحب هذا الطقس عمليات التطهير وحرق البخور وإقامة ولائم فاخرة للملك، مع إراقة دم الذبيحة ودهن الجثة بالزيوت، وتقديم الثياب الملكية الفاخرة والصولجانات والتيجان إلى تماثيل الملك المتوفى، وتقريب الفخذ اليمنى الأمامية لأحد الثيران من فم الملك لإعادة الحياة إليه ومده بالقوة».

- مغزى الأسطورة
يلفت المترجم، في معرض تعليقه، إلى الحضور اللافت للأساطير المصرية التي كانت في طور التكوين بمتون الأهرام، بما يبرز حضور الملك في نسيج الأسطورة كأنه أحد أبطالها، ولعل أبرزها أسطورة «أوزير» و«ست»، ويقول عن ذلك: «لا تظهر الأسطورة في متون الأهرام بصفتها بنية سردية ذات تسلسل زمني للأحداث، بل في شكل تداخل مجموعة من الأدوار التي يعكس فيها تفكك عقدة الموت في الجانبين المادي والاجتماعي؛ في هذا التفكك يكمن الإنجاز والمغزى الحقيقي للأسطورة، بجعل الموت حدثاً قابلاً للعلاج».
ومن اللافت في كتاب «متون الأهرام» استشهاد المترجم في بعض المواضع بالخط الهيروغليفي لبعض العبارات والألفاظ التي يقول إن القصد منها هو أن تكون دليلاً للمتخصصين، ولكي تتعود عين القارئ على الكتابة المصرية؛ ربما كانت تحفيزاً على تعلم المزيد منها وعنها. ويُرجح شريف الصيفي أن علماء الآثار هم من أطلقوا على تلك المتون هذا الاسم (متون الأهرام)، أما النص الأصلي فهو بلا عنوان، ويميل إلى أن يطلق عليه اسم «سفر المعراج» أو «الصعود للسماء»، مشيراً إلى أن تلك النصوص ملكية في الأساس، ولم يصلنا أي دليل على أن الناس اتخذوها لأنفسهم في مقابرهم الخاصة، لكن مع نهاية الأسرة السادسة دُونت النصوص في أهرامات زوجات الملك «ببي» الثاني الثلاث.
و«متون الأهرام» هو الجزء الثاني من النصوص الجنائزية التي يقوم بإنجازها شريف الصيفي، بعد الجزء الأول «الخروج للنهار».



فيلم «أسد» يواجه اتهامات بدعم سردية «الأفروسنتريك»

فيلم «أسد» من بطولة محمد رمضان (صفحته على فيسبوك)
فيلم «أسد» من بطولة محمد رمضان (صفحته على فيسبوك)
TT

فيلم «أسد» يواجه اتهامات بدعم سردية «الأفروسنتريك»

فيلم «أسد» من بطولة محمد رمضان (صفحته على فيسبوك)
فيلم «أسد» من بطولة محمد رمضان (صفحته على فيسبوك)

يواجه فيلم «أسد» اتهامات واسعة بدعم سردية «الأفروسنتريك»؛ إذ حذر كبير الآثاريين بوزارة السياحة والآثار بمصر من المساس بـ«الهوية المصرية»، على خلفية مشاهدته للمواد الدعائية للفيلم، كما انتقدت تعليقات ومنشورات «سوشيالية» عدة قصة الفيلم الذي عُرض قبل يومين بالسينمات المصرية، وحقق إيرادات مليونية في «شباك التذاكر»، وفق بيان الموزع المصري محمود الدفراوي، ويتصدر بطولته الفنان محمد رمضان بعد غياب سينمائي دام 3 سنوات.

وشملت الانتقادات طرح الفيلم لـ«ثورة العبيد»، مؤكدين «أن الأحداث لم تكن بمصر بل في دولة عربية أخرى»، وتساءلوا: «لماذا تتم صياغتها في فيلم مصري؟»، حيث تحولت بعض الآراء لاتهامات صريحة لصناع الفيلم بدعم أفكار حركة «الأفروسنتريك»، وسرديتها التي تدعي أن «الحضارة المصرية»، أصلها أفريقي.

وردّ المخرج محمد دياب على الاتهامات الموجهة لصناع الفيلم عبر حسابه على موقع «فيسبوك»، مستنكراً ما يشاع حول دعم «أسد»، لأفكار «الأفروسنتريك».

وأكد دياب أن من شاهد أول مشهد بالفيلم سيعي جيداً أن العبيد الذين ظهروا خلال الأحداث ليسوا من أصل مصري بل من أفريقيا، وهذا الأمر ينفي الاتهامات، مشيراً إلى أنه يعمل حالياً على فيلم «فرعوني»، يكشف وهم فكرة «الأفروسنتريك»، مطالباً الناس بتحري الدقة.

وتابع دياب أن صناع فيلم «أسد»، قدموا الفيلم بتفانٍ، وعملوا عليه لسنوات، وتم تصويره بالكامل في مصر بأيادٍ مصرية، لافتاً إلى أنهم يحتاجون الدعم من أجل صناعة السينما، وتأثيرها ليس المادي فقط، بل لقوتها الناعمة في نشر الثقافة والوعي.

وذكر في منشوره أن ما يقال عن تناول الفيلم لـ«ثورة الزنج» في العصر العباسي عارٍ من الصحة، موضحاً أن أحداثه تدور خلال منتصف القرن الـ19، وأن مصر كانت أول دوله في المنطقة تلغي العبودية.

وقبل أيام من عرض الفيلم، أكد الدكتور مجدي شاكر كبير الآثاريين بوزارة السياحة والآثار بمصر، أن الفيلم يثير مخاوف على الهوية والتاريخ، ويطرح تساؤلات حول توقيته ومضمونه، مؤكداً «أن البرومو والملصق الترويجي، يشيران إلى تناول ثورة الزنج التي اندلعت بالعراق خلال العصر العباسي، وهي ثورة ليست من التاريخ المصري»، محذراً من «اللعب في مناطق شائكة تتعلق بالهوية المصرية»، ودعم أصحاب نظرية المركزية الأفريقية، الذين يحاولون نسب الحضارة المصرية لأنفسهم.

الفيلم تضمن ممثلين من عدة دول عربية (الشركة المنتجة)

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أكد الدكتور مجدي شاكر، أن اعتراضه ليس على تناول التاريخ، ولكن على «تناول العبودية»، والطرح والوقت والأدوات، متسائلاً: «هل تمت الاستعانة بمتخصص بالتاريخ لمراجعة القصة وتفاصيلها في هذا العصر أم لا؟»، مشيراً إلى أن الدراما شيء، والتاريخ شيء آخر.

وأضاف شاكر: «هل ما يتم طرحه بالفيلم من عبودية وثورة عبيد وسوق النخاسة مناسب للوقت الحالي بمصر؟»، وأكد المتخصص في الآثار المصرية أنه ليس ضد صناعة السينما، ولكن لا بد أن تسير بشكل صحيح ليستفيد منها الناس.

ولفت إلى أن رأيه كان بناءً على البرومو الترويجي للفيلم وملصقاته، وفي حال مشاهدته بالكامل فإن اعتراضه على بعض النقاط لن يتغير، «خصوصاً فيما يتعلق بالتاريخ الذي ستتعرف عليه أجيال، وتأخذ معلوماتها من خلال الأحداث؛ لذا يجب أن تكون صحيحة ومتقنة»، على حد تعبيره، مشيراً إلى أن الفن قدم معلومات مغلوطة عدة، ورغم ذلك ترسخت في أذهان الناس من بينها «إلقاء عروس بالنيل»، وديانة «عيسى العوام» المخالفة للواقع.

ويرى الناقد الفني المصري سمير الجمل، بشكل عام، «أن اللجوء للتاريخ يجب أن يكون متقناً، وليس اعتباطياً»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن الفيلم بالكامل بداية من اسمه يعود على بطل الفيلم، وهو مجرد امتداد لأعماله السابقة.

ويجمع فيلم «أسد»، بين الدراما والرومانسية، والتشويق والإثارة، حيث يقدم المخرج محمد دياب قصة تاريخية تتناول قضية «العبودية والحرية»، ويشارك في بطولة الفيلم بجانب محمد رمضان، ماجد الكدواني، وعلي قاسم، وأحمد داش، وعدد من الفنانين العرب، مثل اللبنانية رزان جمال، والفلسطيني كامل الباشا، ومن السودان، إسلام مبارك، وإيمان يوسف، ومحمود السراج، ومصطفى شحاتة، والفيلم من تأليف محمد وخالد وشيرين دياب.

وقالت الناقدة الفنية المصرية فايزة هنداوي لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما يثار من اتهامات، هو حديث خالٍ من أي منطق، ورؤية سطحية في التعامل مع الفيلم، وبحث عن أي إثارة للجدل ولفت الأنظار فقط».

وفي تصريحات صحافية، أكد محمد رمضان أن صناع «أسد»، أخلصوا في العمل، وضحوا بعامين لتقديم فيلم يليق بالسينما المصرية، والجمهور العربي، موضحاً أن بطل الفيلم كان سبباً في القضاء على العنصرية بمصر، وأن الشخصية والمرحلة التي طرحها الفيلم أثرت فيه، وأن الفيلم سيكون بداية طريق سينمائي جديد في مشواره.


«رسوم سماوية»... جداريات لتوثيق «الدير الأحمر» بصعيد مصر

الأجنحة الثلاثة في هيكل الدير الأحمر (الشرق الأوسط)
الأجنحة الثلاثة في هيكل الدير الأحمر (الشرق الأوسط)
TT

«رسوم سماوية»... جداريات لتوثيق «الدير الأحمر» بصعيد مصر

الأجنحة الثلاثة في هيكل الدير الأحمر (الشرق الأوسط)
الأجنحة الثلاثة في هيكل الدير الأحمر (الشرق الأوسط)

بدا اختيار «بيت السناري» الأثري، الممتد عمره لأربعة قرون، لاستضافة ومناقشة كتاب «رسومٌ سماوية - الدير الأحمر الأثري» للدكتورة أمنية صلاح، مرتبطاً بأحد أبرز محاور اللقاء؛ وهو فكرة تواصل الفنون وتراكمها في مصر، منذ الفن المصري القديم، مروراً بالفن القبطي وحتى الفن الإسلامي.

هذا الطرح، الذي استهلّ به الدكتور شريف شعبان، خبير الآثار المصرية والمحاضر في تاريخ الفن، حديثه عن الكتاب، استعاد سيرة المكان نفسه؛ «بيت السناري»، الذي ارتبط تاريخياً بكتابة موسوعة «وصف مصر»، ولا يزال يحتفظ بدوره بوصفه مساحةً للتأمل في تاريخ الفنون وتحولاتها. وعدّ شعبان أن كتاب «رسوم سماوية: الدير الأحمر الأثري»، الصادر أخيراً عن دار «العين للنشر» بالقاهرة، ينتمي إلى فئة الكتب التي تشتبك مع واحدة من أكثر الحقب الفنية صعوبةً من حيث الدراسة والتوثيق، نظراً إلى قلّة مصادرها؛ وهي حقبة الفن القبطي.

جانب من زخارف الدير الأحمر كما التقطته الكاتبة (الشرق الأوسط)

يُعد «الدير الأحمر» بمحافظة سوهاج (جنوب مصر) واحداً من أبرز الشواهد الباقية على الفن والعمارة القبطية في مصر، إذ يرجع تاريخ إنشائه إلى القرن الخامس الميلادي، ويرتبط بالقديس الأنبا بشاي، أحد أبرز رموز الحركة الرهبانية في صعيد مصر، ويتميّز الدير بطرازه البازيليكي وجدارياته الغنية بالزخارف والرسوم الدينية التي تكشف عن تداخل التأثيرات المصرية والبيزنطية والقبطية في تكوينه البصري.

كما خضع الدير خلال العقود الأخيرة لمشروع ترميم واسع، نفذه مركز البحوث الأميركي (ARCE) بالتعاون مع المجلس الأعلى للآثار في مصر، واستمرت أعماله نحو 10 سنوات، بهدف إنقاذ الجداريات والعناصر المعمارية التي تضررت بفعل الزمن والكوارث الطبيعية، وأسهمت أعمال الترميم في إحياء جانب كبير من ألوان الجداريات وتفاصيلها، بعد أن كانت مغطاة بطبقات من السناج والترسبات التي طمست ملامحها لسنوات طويلة.

تُشير الكاتبة والباحثة الدكتورة أمنية صلاح إلى تلك الخلفية التاريخية، موضحة أن الدير قبل الترميم «ظل مهمشاً رغم قيمته التاريخية والمعمارية»، مضيفة أن «الدكتور خالد العناني، الذي يشغل حالياً منصب المدير العام لمنظمة (اليونيسكو)، كان من أبرز المتحمسين لمشروع الترميم خلال فترة توليه وزارة الآثار في مصر، وحرص آنذاك على دعوة عدد من السفراء الأجانب لتفقد الدير بوصفه من أهم مواقع السياحة الدينية في مصر»، ولفتت إلى أن الدير أصبح اليوم مفتوحاً للزيارة، وسط اهتمام متزايد بالفن القبطي وتاريخه.

جانب من لقاء مناقشة «رسوم سماوية» في «بيت السناري» (الشرق الأوسط)

وحصلت الدكتورة أمنية صلاح على الدكتوراه في تخصص الآثار والفنون القبطية من جامعة الإسكندرية، فيما بدا عنوان كتابها «رسومٌ سماوية» مستمداً من طبيعة هذا الفن وروحه الرمزية، فتقول: «الفنان القبطي لا يقوم بالتصوير بعيداً عن التزامه بالكتاب المقدس وأيقوناته»، موضحة أن «الفن القبطي احتفظ عبر تاريخه بسماته الخاصة، بوصفه فناً شعبياً بعيداً عن أي رعاية إمبراطورية، وهو ما انعكس على طابعه القائم على التحوير والتجريد والرمزية».

وتوالت خلال الندوة الصور المعروضة على جدران «بيت السناري» كأنها امتداد بصري للحديث عن الفن القبطي نفسه؛ حيث تنقّلت الكاتبة بين نماذج من التأثيرات الفنية المختلفة للفن القبطي وصولاً إلى انعكاساتها على جداريات «الدير الأحمر»؛ ذلك المكان الذي «نجا عبر القرون من الزلازل والحرائق والنهب، قبل أن تستعيد جدارياته ألوانها من جديد، شاهدة على طبقات طويلة من التاريخ والفن والروحانية»، على حد تعبير الكاتبة.

من جانبه، عدّ الدكتور شريف شعبان أن «الفن المصري القديم امتد لآلاف السنوات، ما منحه مساحة واسعة من التراكم البصري، فيما تبدو دراسة الفن القبطي أكثر صعوبة بسبب قلة المصادر المتاحة عنه، خصوصاً في فترات الاضطهاد التي لحقت به»، مشيراً إلى أهمية الكتب والدراسات التي تُعيد قراءة هذا الفن وتقديمه للقارئ العربي.

غلاف كتاب «رسوم سماوية» (دار العين للنشر)

وتستعير مؤلفة الكتاب تعبير الكاتب والسيناريست المصري الراحل أسامة أنور عكاشة على لسان بطل مسلسله «أرابيسك» حين قال: «مصر معدة تأخذ الثقافات وتُمصّرها»، بوصفه مدخلاً لفهم التأثيرات المتبادلة بين الفنون المصرية عبر العصور؛ حيث تأثر الفن القبطي بالفن المصري القديم والفن اليوناني الروماني، قبل أن يترك بدوره أثره الواضح على الفن الإسلامي.

ويمر الكتاب على الموضوعات المصوّرة داخل الدير الأحمر، متوقفاً عند رمزية الألوان، وتنوع أنماط تصوير الشخصيات، وحرص الفنان القبطي على التعبير عن الحركة، إلى جانب تصويره السيد المسيح والسيدة العذراء والتلاميذ وموضوعات العهدين القديم والجديد، فضلاً عن الزخارف النباتية والحيوانية والهندسية، في طرح بحثي يسعى إلى قراءة جدران الدير الأثرية بوصفها مساحة حيّة تحتفظ بذاكرة الفن والروح معاً.


لماذا ظلَّ المسرح القومي «بيت» الفنانين المصريين حتى لحظاتهم الأخيرة؟

جانب من عرض «الملك لير» على خشبة المسرح القومي (صفحة المسرح في «فيسبوك»)
جانب من عرض «الملك لير» على خشبة المسرح القومي (صفحة المسرح في «فيسبوك»)
TT

لماذا ظلَّ المسرح القومي «بيت» الفنانين المصريين حتى لحظاتهم الأخيرة؟

جانب من عرض «الملك لير» على خشبة المسرح القومي (صفحة المسرح في «فيسبوك»)
جانب من عرض «الملك لير» على خشبة المسرح القومي (صفحة المسرح في «فيسبوك»)

قُبيل رحيله، أوصى الفنان الكبير عبد الرحمن أبو زهرة بأن تمرَّ جنازته بالمسرح القومي. ورغم وفاته في أحد مستشفيات مدينة الشيخ زايد، التي تبعد دقائق عن مسجد الشرطة حيث خرج منه جثمانه إلى مثواه الأخير، فقد حرص نجله الموسيقار أحمد أبو زهرة على تنفيذ وصية والده التي تعكس تعلّقه بالمسرح القومي الذي شهد نجاحاته عبر عدد كبير من العروض الكلاسيكية المصرية والعالمية.

وأكد رئيس قطاع المسرح في وزارة الثقافة، الدكتور أيمن الشيوي، أنّ أبو زهرة أوصى أسرته بأن تمرَّ جنازته بالمسرح القومي، كونه يحتضن جزءاً كبيراً من تاريخه وحياته التي أفناها في خدمة الفنّ.

ويرى الناقد المسرحي المصري محمد الروبي أنّ الفنان حين يُوصي بأن تمرَّ جنازته بالمسرح القومي، فهو لا يطلب مجرّد مرور عابر أمام مبنى قديم في قلب القاهرة، بل يطلب أن يودّع حياته من الباب الذي دخل منه للمرّة الأولى، كأنه يعود في لحظته الأخيرة إلى المنبع وإلى الخشبة التي منحته صوته والتصفيق الأول.

وأضاف الروبي لـ«الشرق الأوسط»، أنّ «فرصة المرور أمام المسرح تبدو لحظة شديدة الإنسانية، وكأنّ الفنان يقول: خذوني إلى هناك للمرّة الأخيرة». وأشار إلى أنّ فنانين كباراً سبقوا أبو زهرة في ذلك، من بينهم شفيق نور الدين وتوفيق الدقن وغيرهما من أبناء المسرح القومي الذين ظلّوا حتى آخر العمر يشعرون بأن بينهم وبين خشبة المسرح عهداً لا ينتهي بالموت، بل حياة تُعاش تحت الأضواء وتُستهلك فوق الألواح الخشبية، حيث يقف الممثل وحيداً أمام الجمهور بلا فرصة ثانية، ومع السنوات يصبح المسرح جزءاً من تكوينه النفسي.

ويلفت الروبي إلى أنّ للمسرح القومي تحديداً رمزية لا تُخطئها العين، فهو ذاكرة كاملة للفنّ المصري الحديث، وعلى خشبته وقف فنانون عظام صنعوا وجدان الجمهور المصري والعربي، على غرار يوسف وهبي وجورج أبيض.

أما أيمن الشيوي فيفسّر لماذا يُعد المسرح القومي درة تاج المسارح المصرية، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «للمسرح القومي مكانة كبيرة في تاريخ الفنّ العربي والمصري، فالفنّ المسرحي يبدأ منه، بكلّ ما يمثّله من تراث وفنّ حقيقي راسخ عبر أجيال عدّة من الفنانين العظام الذين خرجوا منه وقدموا أعمالهم طوال حياتهم».

وأكد أنّ «القومي» بالنسبة إلى الفنانين المصريين يتجاوز مجرّد مبنى يقدّم عروضاً مسرحية إلى حياة وقيمة ثقافية وفنية للمجتمع المصري كلّه.

الفنان عبد الرحمن أبو زهرة أوصى بمرور جنازته أمام المسرح القومي (فيسبوك)

ويحظى المسرح القومي بمكانة خاصة لما يمثّله من تاريخ عريق؛ إذ شهد أهم العروض المسرحية التي قدَّمها كبار نجوم المسرح، ومن بينهم يوسف وهبي، وجورج أبيض، وأمينة رزق، وعبد الله غيث، وسميحة أيوب، ومحمود ياسين، ونور الشريف، ويفخر الفنان الذي يقف على خشبته بذلك في مسيرته الفنّية.

ويشير الشيوي، الذي تولّى إدارة المسرح القومي خلال السنوات الماضية، إلى اختصاص «القومي» بكلاسيكيات النصوص المسرحية المصرية والعالمية، وأنه شهد في الآونة الأخيرة تقديم عروض مهمّة، مثل «رصاصة في القلب» لتوفيق الحكيم، ومعالجة لشكسبير في مسرحية «مش روميو وجولييت»، وأخرى لمسرحية «بجماليون» في عرض «سيدتي أنا»، وقبلها مسرحية «الحفيد» لعبد الحميد جودة السحار.

كما احتفل قبل أيام بالليلة الـ150 لعرض مسرحية «الملك لير» من بطولة الفنان يحيى الفخراني، فيما تنتظره عروض جديدة مهمة خلال المرحلة المقبلة.

ويرفض الشيوي ما يتردَّد عن تراجع دور المسرح القومي، الذي شهدت مرحلة الستينات قمة ازدهاره، مؤكداً أنّ «الجمهور يرتاد المسرح القومي، والأُسر المصرية تحرص على حضور عروضه، مع حرصنا على أن تظلَّ أسعار التذاكر رمزية وفي متناول المواطن العادي، كونه خدمة ثقافية تدعمها الدولة».

يحيى الفخراني في مسرحية «الملك لير» المعروضة حالياً على خشبة المسرح القومي (فيسبوك)

ولفت إلى تحقيق إيرادات تُقدّر بنحو 4 ملايين ونصف المليون جنيه من عائد التذاكر حتى الآن خلال موسمي 2025 و2026، ممّا يؤكد الكثافة الجماهيرية الكبيرة التي توافدت على المسرح.

ويعاني المسرح القومي أزمة وجوده بجوار منطقة العتبة المزدحمة بأسواقها والباعة الجائلين. وهنا يلفت الشيوي إلى أنّ وزيرة الثقافة المصرية الدكتورة جيهان زكي تواصلت مع محافظ القاهرة وجهاز التنسيق الحضاري، وجرت تهيئة المكان المحيط بمسرحي الطليعة والعرائس، وأنّ المنطقة كلّها في طريقها إلى التطوير، وفي مقدّمتها محيط المسرح القومي حفاظاً على مكانته.

جانب من جمهور المسرح القومي خلال عرض «الملك لير» (صفحة المسرح في «فيسبوك»)

وأسَّس الخديو إسماعيل المسرح القومي عام 1869 بحي الأزبكية وسط القاهرة، بجوار دار الأوبرا القديمة، تزامناً مع الاحتفال بافتتاح قناة السويس. وقد أُطلق عليه اسم المسرح القومي بعد ثورة يوليو (تموز) 1952.

وكان المسرح قد تعرَّض لحريق عام 2008، وتوقَّفت العروض فيه لـ6 سنوات، حتى إعادة تجديده وافتتاحه في ديسمبر (كانون الأول) 2014.

وتستأثر القاهرة بأكبر عدد من المسارح التابعة لوزارة الثقافة، من بينها: الجمهورية والسلام والحديث وميامي والعائم والغد ومسارح الأوبرا، بخلاف مسارح الفرق الخاصة.