جفاف أروميا أكبر بحيرات إيران يعكس مشكلة المياه المتفاقمة

الغبار المتصاعد من مجاري الأنهار الجافة رفع مستويات تلوث الهواء بشكل كبير

مياه بحيرة  أروميا تتراجع مخلفة أملاحا مضرة بالبيئة المحيطة
مياه بحيرة أروميا تتراجع مخلفة أملاحا مضرة بالبيئة المحيطة
TT

جفاف أروميا أكبر بحيرات إيران يعكس مشكلة المياه المتفاقمة

مياه بحيرة  أروميا تتراجع مخلفة أملاحا مضرة بالبيئة المحيطة
مياه بحيرة أروميا تتراجع مخلفة أملاحا مضرة بالبيئة المحيطة

بعد أن قطع بسيارته مسافة 15 دقيقة على قاع البحيرة التي كانت في وقت من الأوقات أكبر بحيرات إيران من حيث المساحة، نزل مسؤول بيئي إيراني محلي من سيارته وهو يضع يديه في جيوبه وأخذ يتجول في هدوء تلك المساحة العظيمة الجافة وكأنه يبحث عن المياه التي يعرف جيدا أنه لن يجدها.
قبل ذلك بساعة وفي يوم شتوي بارد هنا في غرب إيران، تذكر المسؤول البيئي، حامد رناغادر، أنه قبل عقد من الزمان، كانت المراكب السياحية تمخر عباب البحيرة حاملة على متنها السياح الذين يأتون بحثا عن أسراب طيور النحام (الفلامينغو) المهاجرة.
أما الآن فتبدو تلك المراكب وقد تآكلت بعد أن ربضت وسط الوحل والطين بعد أن جفت البحيرة، أما طيور النحام فقد طارت بعيدا بحثا عما تبقى من مياه في البحيرة علها تجد مظاهر الكرم عند السكان المحليين. وحسب آخر الإحصاءات التي أجراها مكتب الشؤون البيئية المحلي، لم يتبق سوى خمسة في المائة فقط من مياه البحيرة.
وتواجه إيران في الوقت الحالي مشكلة نقص مياه من المحتمل أن تكون على درجة كبيرة من الخطورة حتى أن المسؤولين يقومون حاليا بإعداد خطط طوارئ للاقتصاد في المياه في منطقة طهران الكبرى التي يقطنها نحو 22 مليون نسمة وغيرها من المدن الرئيسية في جميع أنحاء البلاد. وقد اعتبر الرئيس حسن روحاني مشكلة المياه قضية أمن قومي ووعد خلال خطاباته في المناطق، التي تضررت بشدة من نقص المياه: «بعودة المياه».
ويلقي الخبراء باللوم على تغير المناخ وممارسات الإسراف في الري واستنزاف المياه الجوفية كعوامل رئيسية في مشكلة نقص المياه المتفاقمة. وأضافوا أنه في حالة بحيرة أروميا، فإن إقامة سلسلة من السدود أدت إلى قطع مصدر رئيسي للمياه العذبة التي كانت تتدفق إلى البحيرة من الجبال التي تقع على جانبيها.
ويضيف رناغادر، بينما يركل تراب البحيرة مع كل خطوة يخطوها على قاع البحيرة، أنه «قبل بضع سنوات فقط، كان عمق المياه هنا 30 قدما». وعلى امتداد البصر، أشار رناغادر إلى بعض الأماكن – التي كانت ذات مرة عبارة عن جزر يأتي إليها السياح لقضاء العطلات في شاليهات من طابق واحد تطل على مياه البحيرة الزرقاء – أما الآن فقد صارت محاطة بتجمعات من الطين والرمل. ويضيف رناغادر بحسرة وهو متجه إلى السيارة «نحن الذين جعلناها تجف بأيدينا».
وتمتد مشاكل المياه في إيران إلى ما هو أبعد من كارثة بحيرة أروميا المالحة التي لم تكن صالحة في أي وقت للشرب أو الاستخدامات الزراعي، حيث تعاني من جفاف الكثير من البحيرات والأنهار الرئيسية الأخرى، مما يؤدي إلى خلافات حول حقوق المياه واندلاع مظاهرات وأعمال الشغب.
كما جفت أيضا أنهار رئيسية قرب أصفهان في وسط إيران، والأحواز بالقرب من الخليج العربي، وكذلك بحيرة هامون في المنطقة الحدودية مع أفغانستان. وتقول الأمم المتحدة بأن الغبار من مجاري الأنهار الجافة أدى إلى ارتفاع خطير بالفعل في مستويات تلوث الهواء في إيران، التي باتت تضم أربعا من أكثر عشر مدن تلوثا في العالم.
لكن مشكلات جفاف المسطحات المائية في إيران ليست على نفس القدر من الخطورة مثل مشكلة بحيرة أروميا، والتي كانت في وقت من الأوقات من أكبر البحيرات المالحة في العالم (يبلغ طولها 90 ميلا وعرضها نحو 35 ميلا)، وتعتبر أكبر قليلا من بحيرة سولت ليك الكبرى في ولاية يوتا. ويحذر خبراء البيئة من أن الملح الجاف يمكن أن يؤدي إلى الإضرار بالأراضي الزراعية المحيطة بالبحيرة، مما سيجعل الحياة بائسة لثلاثة ملايين نسمة يعيشون في المناطق المجاورة لها.
وعلى طول ما كان يُعرف في السابق بشاطئ البحيرة، يقبع أحد الشوارع العريضة الممتلئ بمطاعم الوجبات الخفيفة ومحلات الملابس التي تبقى شاهدة على الأيام الخوالي عندما كان الإيرانيون يأتون من مختلف أنحاء البلاد لممارسة التزلج على مياه البحيرة أو تغطية أنفسهم بطينها الأسود، والذي يقال: إنه كان يساعد في الشفاء من بعض الأمراض.
وقبل نحو عقدين من الزمن، بدأ مختار شيراغي، وهو أحد القرويين المحليين، يلاحظ انحسار مياه البحيرة. يقول شيراغي «في البداية انحسرت المياه نحو مائة متر، ثم مائتي متر. ثم بعد فترة من الوقت، لم يعد بإمكاننا رؤية خط الشاطئ». ويضيف شيراغي، بينما يقف في المقهى الخاص به والذي كان يعج بالرواد في وقت من الأوقات: «قضينا وقتا طويلا في انتظار عودة المياه، لكنها لم تعد أبدا».
ويلقي معظم الناس باللوم على عشرات السدود الكبرى التي شيدتها الحكومة، والتي تسببت في اختفاء البحيرة. فقد ساهمت تلك السدود في انخفاض كبير في تدفق المياه من 11 نهرا كانت تغذي البحيرة. ورغم طبيعتها القاحلة واحتوائها على الكثير من سلاسل الجبال، فإن هناك ميلا في إيران لبناء السدود، التي ترجع إلى عهد الشاه محمد رضا بهلوي.
وكانت قضية بناء السدود قد دخلت دائرة الضوء مجددا في عهد سلف روحاني، الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، الذي كان مهندسا وكانت نقطة ضعفه تتمثل في هوسه بتشييد المشاريع الكبرى. كما كان للحرس الثوري الإيراني دور في تلك القضية حيث ترك العنان لذراعه الهندسية، شركة «خاتم الأنبياء» للإعمار، التي شيدت الكثير من السدود في إيران والدول المجاورة.
وعلى بعد نصف ساعة بالسيارة داخل الجبال المطلة على مدينة أروميا، يقف سد شاهشاي العملاق الذي يجمع المياه التي كانت تصل إلى البحيرة قبل بنائه. وقد جرى إنشاء السد خلال ولاية أحمدي نجاد الأولى، ويمثل السد في الوقت الحالي بحيرة ضخمة في حد ذاته يستخدمها المزارعون المحليون في ري أراضيهم.
ويقول رناغادر، بينما يرفع صوته ليبدو واضحا بين عويل الرياح التي تهب باستمرار من القمم المغطاة بالثلوج المحيطة بالبحيرة، بأن «بعض مياه بحيرة أروميا هنا» مضيفا أن «الناس هنا بحاجة إلى الماء أيضا».
ويقول رناغادر وغيره من الخبراء بأنه بالإضافة إلى إنتاج الكهرباء، التي تحتاجها البلاد بشدة، فإن الهدف من إقامة السدود هو معالجة مشكلة نقص المياه. غير أن المياه يجري إهدارها في كثير من الأحيان من خلال تقنيات الري غير الفعالة، وخاصة الري بالرش.
ويضيف رناغادر أنه خلال العقود الأخيرة، تضاعفت مساحة الأراضي الزراعية في المنطقة - التي تعتبر قلب البلاد - ثلاث مرات، في الوقت الذي يقوم فيه المزارعون بزراعة المحاصيل التي تحتاج إلى كميات كبيرة من المياه مثل العنب وبنجر السكر. وقد قدر المركز، الذي يعمل به رناغادر، أن نحو 90 في المائة من المياه، التي ينبغي أن تصب في البحيرة، يجري استخدامها في الري بالرش.
وفي كتابه الذي صدر في عام 2005 والذي تحدث فيه عن تحديات الأمن القومي في إيران، قدر روحاني أن 92 في المائة من مياه إيران تُستخدم في أغراض الزراعة مقارنة بـ80 في المائة في الولايات المتحدة و90 في المائة في بعض الدول الغربية.
ويقول علي رضا سيد غوريشي، عضو في مجلس إدارة المياه المحلية، بأن المزارعين «يستخدمون كميات مياه مبالغا فيها من دون فهم أنه في مناخ بلدنا تتبخر معظم المياه بهذه الطريقة، نحن بحاجة لتثقيف المزارعين بشأن أفضل طرق الري».
كما تعرضت البحيرة لاعتداء من نوع آخر. حيث إنه جرى تقسيم الحيازات الزراعية الكبيرة إلى حيازات أصغر كجزء من اتجاه الحكومة لتشجيع الزراعة المحلية، وقد قام معظم الملاك الجدد بحفر آبار جديدة على وجه السرعة، مما أدى إلى امتصاص جزء كبير من المياه الجوفية.
ويضيف غوريشي «هناك نحو 30.000 بئر جرى حفرها بشكل قانوني، غير أنه جرى حفر مثل هذا العدد بطرق غير قانونية. ومع تناقص المياه، أخذ المزارعون يزيدون من عمق الآبار التي يحفرونها».
وقد لعب تغير المناخ، لا سيما ارتفاع درجات الحرارة، دورا رئيسيا في مشكلة جفاف المسطحات المائية في إيران. حيث تظهر الإحصاءات الرسمية أن متوسط درجات الحرارة حول بحيرة أروميا ارتفع أكثر من ثلاث درجات خلال العقد الماضي.
وكان هطول الأمطار قد أنهى فترة طويلة من الجفاف في المنطقة تواصلت على مدى عامين. لكن زيادة هطول الأمطار لم يعوض عن العوامل الأخرى التي ساهمت في جفاف البحيرة.
يقول رناغادر «إننا جميعا نتحمل المسؤولية. لقد زاد عدد السكان بشكل كبير في وقتنا هذا، والجميع يحتاج إلى المياه والكهرباء التي تولدها السدود».
وعند العودة إلى مكتبه بوزارة البيئة، بدا المسؤولون مثل الجنود الذين يتجهون إلى مهمة محكوم عليها بالفشل، حيث صاغوا ما لا يقل عن 19 خطة لإنقاذ البحيرة، منها ما هو معقول (مثل تعليم المزارعين من خلال تكنولوجيا الري الحديثة) وما هو تخيلي (مثل الاستمطار لزيادة كمية سقوط الأمطار).
ومن جانبه، قال عباس حسنبور، رئيس المكتب: «يمكننا أن نبدأ الآن». ومن خلال وجود مساعديه حوله، بما في ذلك رناغادر، قال حسنبور بأن وزارته قد أنشأت «فرق عمل ونماذج جاهزة للتنفيذ».
وفي حين أن إيران ترسل القرود إلى الفضاء لتطوير برنامج الصواريخ الخاص بها، لم توفر حكومة روحاني – التي تعاني نقص الأموال بسبب فرض العقوبات الدولية على برنامجها النووي – أي أموال لتخصيصها لجهود استعادة البحيرة.
ويقول المسؤولون بأنه حتى لو حدث ذلك، فربما يكون قد فات الأوان لإنقاذ بحيرة أروميا. ويقول أحد المسؤولين بأنه يمكن إنفاق جميع الأموال الموجودة في العالم على تطوير هذه البحيرة، بيد أن الخطط الأكثر تفاؤلا تشير إلى إمكانية استغراق هذا التطوير لعقود من الزمان بحيث يمكن أن تصل المياه إلى مستوياتها السابقة. وتوجد الكثير من المشكلات والكثير من المصالح المتضاربة التي تقف حجر عثرة في طريق إنقاذ البحيرة.
وفي حال عدم اتخاذ أي إجراء أو اتخاذ إجراءات غير كافية، ستحدث الكثير والكثير من المشكلات. وفي عامي 2010 و2011. اندلعت الاحتجاجات العنيفة في أروميا بسبب هذه البحيرة، واضطرت القوات الأمنية إلى السفر إلى هناك لاستعادة الانضباط والنظام.
وفي هذا السياق، يقول مرتضى ميرضائي، الذي يعيش في أروميا: «ليس مسموحا لنا بالتحدث بشأن البحيرة، ولكنهم يشيدون السدود، مما أدى إلى اختفاء كل شيء في الوقت الراهن». وقال مواطنون آخرون بأنهم يلقون باللائمة على المواطنين العاديين ولكن – حسبما يقول موشين راض، الذي يبيع معدات الطباعة: «الحكومة هي التي تضطلع بمسؤولية حماية البلاد وهي التي تتحمل المسؤولية عن هذا الوضع».
ويقول رناغادر، الذي نشأ وترعرع حول البحيرة، بأنه يقضي وقت الفراغ في مكافحة الصيادين غير القانونيين في التلال المحيطة بالبحيرة. ويضيف «هل تعرف ما هي المشكلة الحقيقية؟ الجميع في جميع أنحاء العالم يفكرون فقط في جمع المال. ونحن ارتكبنا نفس الخطيئة، وكانت النتيجة أن البحيرة جفت».

* خدمة «نيويورك تايمز».



تصعيد في «هرمز»... وطهران تتمسك بشروطها


حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
TT

تصعيد في «هرمز»... وطهران تتمسك بشروطها


حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)

تصاعدت التوترات في مضيق هرمز وخليج عُمان مع تجدد الهجمات على السفن التجارية وناقلات النفط؛ ما أدى إلى انخفاض عدد السفن العابرة للمضيق إلى أدنى مستوياته في أكثر من شهرين، وفقاً لما أوردته «رويترز»، وذلك بعدما بلغت الهجمات على ناقلات النفط، الأسبوع الماضي، أعلى مستوى لها منذ اندلاع الحرب.

وتتبادل الولايات المتحدة وإيران إجراءات الضغط البحري وسط مخاوف من تداعيات أمنية واقتصادية على إمدادات الطاقة العالمية.

وفي موازاة التصعيد الميداني، تمسكت طهران بتنفيذ شروطها السبعة في أي مسار تفاوضي مع واشنطن، في حين أكد رئيسها مسعود بزشكيان، أهمية مواصلة المشاورات الدبلوماسية.

وأعلنت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» عن تعطيل سفينة شحن تجارية في خليج عُمان في أثناء محاولتها اختراق الحصار البحري المفروض على إيران، بعدما تجاهلت التحذيرات الأميركية.

وأوضحت «سنتكوم» في بيان نشرته عبر منصة «إكس»، أن مقاتلة أميركية أطلقت ذخيرة دقيقة مستهدفة مؤخرة السفينة «أوشن موليكا»، التي ترفع علم بنما، وتُعرف أيضاً باسم «أريكا صن»؛ ما أدى إلى «تعطيل نظام الدفع، من دون إلحاق أضرار كاملة بالسفينة وطاقمها».

كما أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، أمس، بتعرض ناقلة لإطلاق نار في «هرمز» بمقذوف مجهول أصاب جانبها الأيسر، وأدى إلى اندلاع حريق على متنها، وفقاً لإفادة قبطانها. وأعلن «الحرس الثوري» أيضاً أن ناقلة نفط انفجرت، واشتعلت فيها النيران بعد اصطدامها بلغم بحري في أثناء عبورها المضيق.


الحرب والتضخم يخنقان الأسواق في إيران... والتجار يكافحون للبقاء

عدد المتسوقين في تناقص بسبب ضعف القدرة الشرائية (إ.ب.أ)
عدد المتسوقين في تناقص بسبب ضعف القدرة الشرائية (إ.ب.أ)
TT

الحرب والتضخم يخنقان الأسواق في إيران... والتجار يكافحون للبقاء

عدد المتسوقين في تناقص بسبب ضعف القدرة الشرائية (إ.ب.أ)
عدد المتسوقين في تناقص بسبب ضعف القدرة الشرائية (إ.ب.أ)

في سوق إيراني تفوح في أروقته روائح الأعشاب والتوابل، يراقب التاجر ناصر، البالغ 61 عاماً، كيف غيّرت الحرب الأميركية ـ الإيرانية ملامح الحياة التجارية. فبعدما كان الزبائن يشترون المكسرات بالكيلوغرامات، دفعت الزيادات الحادة في الأسعار كثيرين إلى تقليص مشترياتهم، ما وضع المتاجر والشركات أمام صعوبات متزايدة في الحفاظ على أعمالها.

وكان البازار الواقع في شمال طهران يعجّ عادة بالمتسوقين، لكن متاجره باتت شبه خالية، ولم يعد يرتاده سوى عدد محدود من الزبائن الذين يتنقلون في ممراته الضيقة والعتيقة. ويعكس هذا المشهد تحولاً لافتاً في سوق اعتاد التجار فيها الترويج لبضائعهم بأصوات مرتفعة وسط حركة شراء نشطة.

وقال ناصر: «كان لدينا زبائن يشترون ما بين كيلوغرامين و5 كيلوغرامات. أما الآن، فباتوا يكتفون بشراء كيلوغرام واحد حتى نصف كيلوغرام فقط».

وأضاف، في إشارة إلى الارتفاعات السعرية، أن «الأسعار مرتفعة بالفعل. جميعنا يعلم ذلك، وسيكون من الكذب القول بغير ذلك».

ودعا التاجر السلطات إلى تحقيق الاستقرار في سعر صرف العملة، بما يتيح لأصحاب الأعمال والشركات التخطيط للمستقبل، قائلاً: «نحن تائهون، جميعنا كذلك».

سنوات العقوبات

متسوقون يتجولون بين المحال في البازار الكبير بطهران (أ.ف.ب)

وأثقلت سنوات العقوبات كاهل الاقتصاد الإيراني، لكن الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) مع الهجمات الأميركية والإسرائيلية، إلى جانب الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، زادت الضغوط على النشاط الاقتصادي والحياة اليومية للسكان.

وتفاقمت الأوضاع مع ارتفاع التضخم إلى نحو 90 في المائة على أساس سنوي في سبتمبر (أيلول)، وفق الأرقام الرسمية، فيما تسببت التقلبات الحادة في سعر الصرف في زيادة تكلفة السلع الأساسية، وارتفعت أسعار المواد الغذائية إلى أكثر من ضعف مستوياتها قبل عام.

وفي البازار التاريخي بساحة تجريش في طهران، يحاول السكان التكيف مع الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، وهم يتجولون بين الأعلام الإيرانية واللافتات المكتوبة بالفارسية، ويتفحصون الحلوى والمجوهرات والملابس التقليدية وقطع اللحوم قبيل عطلة نهاية الأسبوع.

وفي أحد الأزقة، كان فنان يعزف على الغيتار، فيما يقرع آخر بيديه على صندوق خشبي، محاولين استقطاب بعض الإكراميات من المارة.

«نحتاج إلى الاستقرار»

إيراني يتسوق في محيط البازار الكبير وسط طهران (أ.ب)

لكن خلف هذه المشاهد، تتزايد المخاوف بشأن مستقبل الأنشطة التجارية، في ظل تراجع الطلب وارتفاع تكاليف التشغيل.

وقال علي نوروزي (36 عاماً)، الذي يدير متجراً للملابس الرياضية في البازار، إن التجار يخوضون «معركة يائسة وأخيرة من أجل البقاء»، مضيفاً أن المصنّعين يعلنون إفلاسهم، ويستغنون عن موظفين، ويغلقون متاجرهم، ما ينعكس بدوره على بقية حلقات النشاط التجاري.

وأوضح نوروزي أنه بات يطلب كميات محدودة من البضائع لعرضها في متجره، تفادياً لظهور الرفوف فارغة، على غرار مستودعه الذي قال إنه أصبح شبه خالٍ بسبب ضعف الطلب.

وأضاف: «ليست لدينا أي خطة للمستقبل على الإطلاق. فعندما يتوقف الناس عن الشراء، يعني ذلك عملياً إفلاس النشاط التجاري»، مشيراً خصوصاً إلى ارتفاع الإيجارات وفواتير الخدمات. وختم بالقول: «كل ما نحتاج إليه هو بعض الاستقرار».

أما آزاده، وهي امرأة تبلغ 45 عاماً وعاطلة عن العمل حالياً، فقالت إنها باتت تقصد السوق لمجرد «مشاهدة المتاجر»، في مؤشر إلى تراجع قدرة بعض السكان على الشراء.

تراجع القدرة الشرائية

وتشير الأرقام الرسمية إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الإيراني انكمش بنسبة 10.1 في المائة على أساس سنوي بين أواخر مارس (آذار) وأواخر يونيو (حزيران)، في ظل الضغوط المتزايدة الناجمة عن الحرب.

وفي سوق الصرف غير الرسمية، جرى تداول العملة الإيرانية خلال الأسبوع الماضي عند نحو 2.7 مليون ريال للدولار الواحد، مقارنة بنحو 1.7 مليون ريال قبل اندلاع الحرب.

وانخفضت القيمة الدولارية للحد الأدنى الشهري للأجور من نحو 120 دولاراً قبل عام إلى نحو 65 دولاراً حالياً، ما يعكس تآكل القدرة الشرائية مع ارتفاع تكاليف المعيشة.

في المقابل، رفض وزير الاقتصاد الإيراني التوقعات التي تتحدث عن انهيار اقتصادي وشيك، متهماً خصوم بلاده بالسعي إلى إثارة المخاوف بين المواطنين ودفع أسعار الصرف إلى مزيد من الارتفاع.

الأسعار «حلّقت»... ومشتريات تتقلص

إيرانيون يتسوقون في بازار تجريش شمال طهران (إ.ب.أ)

وتقدم آزاده مثالاً على حجم الارتفاع في الأسعار، مشيرة إلى أن قطعة قماش للمطبخ اشترتها قبل عدة أشهر مقابل 22 سنتاً، يبلغ سعرها الآن 1.10 دولار، أي ما يعادل 5 أضعاف سعرها السابق. وقالت: «هذا يبيّن أن الأسعار لم ترتفع فحسب، بل حلّقت إلى مستويات هائلة بالفعل».

وأضافت أنها اضطرت إلى التوقف عن شراء بعض أنواع الفاكهة، كما لم تعد قادرة على تحمل تكاليف قضاء العطلات.

وتساءلت: «وجودنا لا يجب أن يكون مرتبطاً فقط بأننا على قيد الحياة، بل يُفترض أن نعيش حياتنا فعلاً، أليس كذلك؟».

ولا تقتصر تداعيات الأزمة على المتاجر وأسواق المواد الغذائية، بل تمتد إلى الخدمات والحرف التي تعتمد على إنفاق الأسر.

وقال مجتبى رضائي (57 عاماً)، وهو ميكانيكي سيارات، إن عدد زبائنه تراجع إلى عُشر مستواه السابق، في وقت ارتفعت فيه أسعار السلع إلى ضعفين أو 3 أضعاف.

وأضاف، في حديث لوكالة الصحافة الفرنسية داخل البازار: «أشعر في الواقع بالحرج عندما أبلغ الزبائن بالأسعار. فالناس يأتون فقط للاستفسار عن السعر ثم يغادرون».

وتابع أن أنشطة كانت تشكل جزءاً من الحياة اليومية للإيرانيين، مثل شراء الملابس والخروج للترفيه وتناول الطعام في المطاعم، باتت بعيدة عن متناول كثيرين.

وبين متاجر تتراجع مبيعاتها، وأجور تتآكل قيمتها، وأسر تقلص مشترياتها إلى الحد الأدنى، يجد التجار والمستهلكون أنفسهم أمام ضغوط متزايدة، فيما يظل الاستقرار الاقتصادي مطلباً ملحاً في سوق أنهكتها العقوبات والحرب والتضخم.


الحوار الأميركي ـ الإسرائيلي بشأن ضرب إيران لا يزال مستمراً

ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
TT

الحوار الأميركي ـ الإسرائيلي بشأن ضرب إيران لا يزال مستمراً

ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

أكدت مصادر سياسية في تل أبيب أن الاتصالات بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن توجيه ضربة إسرائيلية منفردة إلى إيران، في ظل الاستعدادات للانتخابات الإسرائيلية، لا تزال مستمرة، وأنه لم يُحسم بعد اتجاهها النهائي.

وقالت المصادر نفسها إن الملف لا يزال مطروحاً بجدية، رغم تقديرات ترى أن تسريب تفاصيل هذه الاتصالات قد يكون جزءاً من حرب نفسية تستهدف إرباك القيادة الإيرانية، وزيادة الضغوط على طهران. في المقابل، يتعامل مسؤولون إسرائيليون مع احتمال تنفيذ الضربة بجدية، في ضوء حاجة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى تطور أمني كبير قد يعزز موقعه عشية الانتخابات.

وبحسب هذه التقديرات، قد لا تنجح الضربة بالضرورة في تأجيل الانتخابات أو إنقاذ نتنياهو من الهزيمة، لكنها قد ترفع أسهمه لدى الناخبين، وتساعده على استعادة أصوات انتقلت إلى المعسكر المنافس.

وكان الكاتب الصحافي بن كسبيت، المعروف بصلاته بمصادر سياسية في تل أبيب، قد كشف أن مسؤولين أميركيين طلبوا من إسرائيل مهاجمة إيران. وكتب في صحيفة «معاريف» أن المسؤولين في البيت الأبيض لم يطلبوا ضربة أميركية أو هجوماً مشتركاً، بل أرادوا أن تنفذ إسرائيل العملية منفردة.

وأضاف كسبيت أن رئيس الأركان الإسرائيلي، إيال زامير، أبلغ الأميركيين بأن ضربة من هذا النوع قد تؤدي إلى تأجيل الانتخابات الإسرائيلية، مشيراً إلى أن واشنطن تراجعت عن طلبها في تلك المرحلة. كما أكد الصحافي الإسرائيلي، باراك رافيد، المحرر السياسي في «القناة 13» التلفزيونية، ما ورد في هذا التقرير.

حسابات انتخابية على جانبي الأطلسي

اتساع الخلاف بشأن المصالح السياسية بين ترمب ونتنياهو (أ.ف.ب)

وجاء الطلب الأميركي، وفقاً لتقرير صحيفة «معاريف»، على خلفية تطورات تشير إلى أن إيران تعمل على استعادة قدراتها في إنتاج الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، على الرغم من الغارات التي استهدفتها خلال الأشهر الماضية، وفق ما أوردته وسائل إعلام أميركية.

وأوضح كسبيت أن واشنطن أرادت أن تتحمل إسرائيل الأعباء والمخاطر السياسية المترتبة على الهجوم، بدلاً من أن يتحملها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يستعد لخوض الانتخابات النصفية للكونغرس.

وقال كسبيت إن الإدارة الأميركية اعتقدت أن الإسرائيليين هم الطرف الأكثر رغبة في شن الهجوم قبل انتخاباتهم، في حين قد تؤدي ضربة أميركية قبيل الانتخابات النصفية الأميركية إلى إلحاق ضرر سياسي بترمب.

ويأتي ذلك في وقت تزداد فيه التكهنات بشأن دراسة الرئيس الأميركي احتمال استئناف الهجمات على إيران. ووفقاً لكسبيت، فإن ما تكشفه الاتصالات يشير إلى أن ترمب طلب، في مرحلة أولى، من إسرائيل توجيه الضربة بدلاً من أن تنفذها القوات الأميركية، قبل أن يجري كبح هذا المسار.

ولم تتضح، بحسب الكاتب، طبيعة موقف نتنياهو من هذه التطورات، لكنه أشار إلى أن جدول أعمال رئيس الوزراء الإسرائيلي خلال الأسبوع الأخير تضمن سلسلة لقاءات وزيارات وصفها بالحساسة، في فترة اتسمت بكثافة النشاط الأمني.

إيران تعيد بناء ترسانتها

صواريخ إيرانية محمولة على شاحنات خلال عرض في قاعدة عسكرية شمال طهران في 17 أبريل 2024 (أ.ب)

وكانت وكالة «بلومبرغ» الأميركية للأنباء قد ذكرت في تقرير نشرته، يوم السبت، أن إيران تمكنت من الحفاظ على مصانع للصواريخ والطائرات المسيّرة، رغم تعرضها لغارات إسرائيلية وأميركية على مدى أشهر، نقلاً عن أشخاص مطلعين على التفاصيل.

وبحسب التقرير، استطاعت طهران إعادة بناء جزء من ترسانتها خلال الفترة التي توقفت فيها إدارة ترمب عن شن مزيد من الغارات، مع انشغال واشنطن بالاستعداد للانتخابات النصفية للكونغرس. ونقل التقرير عن مصادر غربية أن إيران لا تزال قادرة على إنتاج الأسلحة، وتجديد مخزوناتها.

وأشار أحد المصادر إلى أن إيران لا تزال تمتلك مخزوناً كبيراً من الصواريخ الباليستية والأسلحة البحرية المضادة للسفن، وأنها قادرة على زيادة مخزونها بسرعة، كما أفادت المعلومات التي أوردها التقرير بأن روسيا تزود طهران بصواريخ، استناداً إلى معلومات نُشرت في يونيو (حزيران) الماضي.

وتتعارض هذه التقديرات، وفق «بلومبرغ»، مع تصريحات متكررة لترمب وأعضاء في إدارته، أكدوا فيها أن الغارات الجوية ألحقت دماراً واسعاً بالقدرات الإيرانية التي تهدد القواعد الأميركية وحلفاء واشنطن في المنطقة.

وكان ترمب قد أعلن، قبل نحو عام، أن الجيش الإيراني «دُمر بالكامل»، بينما صرح وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، بأن الولايات المتحدة قضت على قدرات الصناعات العسكرية في إيران.

تل أبيب تفضل ضربة مشتركة

حريق بمبنى الصناعات الإلكترونية التابع لوزارة الدفاع الإيرانية بطهران بعد استهدافه في مارس 2026 (أ.ف.ب)

وفي إسرائيل، ترى القيادة السياسية والعسكرية أن استمرار المواجهة على النحو الحالي قد يبعث برسائل ضعف إلى طهران، ويعزز اعتقاد القيادة الإيرانية أن بإمكانها استغلال الضغوط التي تواجهها إدارة ترمب بسبب الانتخابات النصفية، وارتفاع أسعار النفط لانتزاع تنازلات من واشنطن.

وتعتقد أوساط إسرائيلية أن طهران تستفيد من إطالة أمد المواجهة، وتتبنى موقفاً متشدداً في المفاوضات، من دون أن تبدي اهتماماً كافياً بالتداعيات الاقتصادية على مواطنيها بسبب الحصار البحري والاقتصادي. وترى هذه الأوساط أن استمرار الصمود الإيراني قد يدفع الإدارة الأميركية، في نهاية المطاف، إلى تقديم تنازلات.

وبناءً على ذلك، تؤيد هذه الأوساط توجيه ضربة عسكرية واسعة إلى إيران، لكنها تفضل أن تكون أميركية ـ إسرائيلية مشتركة، لا أن تتحمل إسرائيل وحدها تبعاتها العسكرية والسياسية.

ومع ذلك، فإن الجدل المتصاعد في إسرائيل بشأن احتمال سعي نتنياهو إلى توظيف ضربة عسكرية لتحقيق مكاسب سياسية وشخصية، بما في ذلك احتمال تأجيل الانتخابات، دفع أجهزة أمنية إسرائيلية إلى إبداء تحفظات على الدخول في حرب قد يُنظر إليها على أنها تخدم مصالح حزبية وشخصية لرئيس الوزراء.

وتفضل هذه الأجهزة، وفق المعطيات المتداولة، الانتظار بضعة أسابيع قبل اتخاذ قرار بالهجوم، بينما تواصل حوارها مع القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» بشأن الخيارات العسكرية المحتملة. ويشمل التنسيق إعداد الخطط وتحديث بنك الأهداف، إلى حين اتخاذ القرارات السياسية اللازمة في تل أبيب وواشنطن.