تحديث البنى التحتية و«التفوق على الصين» في قلب خطة بايدن الاستثمارية

أثارت جدلاً واسعاً بين الجمهوريين... وانتقادات من التقدميين

بايدن يستعد للتوقيع على مشروع قانون في البيت الأبيض الثلاثاء (أ.ف.ب)
بايدن يستعد للتوقيع على مشروع قانون في البيت الأبيض الثلاثاء (أ.ف.ب)
TT

تحديث البنى التحتية و«التفوق على الصين» في قلب خطة بايدن الاستثمارية

بايدن يستعد للتوقيع على مشروع قانون في البيت الأبيض الثلاثاء (أ.ف.ب)
بايدن يستعد للتوقيع على مشروع قانون في البيت الأبيض الثلاثاء (أ.ف.ب)

كشف الرئيس جو بايدن النقاب، أمس، عن خطته الاستثمارية لتطوير البنية التحتية الأميركية، وتبلغ قيمتها تريليوني دولار على مدى ثماني سنوات. وتسعى هذه الخطة الطموحة إلى تحديث شبكة النقل المتداعية في الولايات المتحدة، وخلق ملايين فرص العمل، وتعزيز القدرة التنافسية الأميركية على المدى الطويل. ويروّج مسؤولو إدارة بايدن لهذه الخطة من منطلق أنها مفتاح المنافسة الاقتصادية المتزايدة للولايات المتحدة مع الصين.
وفي تفاصيل الخطة التي أعلنها البيت الأبيض في 25 صفحة قبل ساعات من إلقاء بايدن خطابا في بيتسبرغ مساء أمس، كشف المسؤولون أن الخطة تستهدف أيضاً دعم مشروعات مكافحة تغير المناخ من خلال تسريع التحول إلى مصادر طاقة جديدة ونظيفة، وأخرى تساعد في تعزيز المساواة العرقية في القطاعات الاقتصادية.
وحدّدت الخطة مجالات الإنفاق، حيث وضعت 180 مليار دولار للبحث والتطوير، و115 مليار دولار للطرق والجسور، و85 مليار دولار للنقل العام، و80 مليار دولار لشركة «أمتراك» وقطارات الشحن. كما خصّصت 42 مليار دولار للموانئ والمطارات، و100 مليار دولار للنطاق العريض، و111 مليار دولار للبنية التحتية للمياه، فضلا عن مبالغ مخصصة لتدريب ملايين العمال الأميركيين، ودعم النقابات العمالية.
وتراهن إدارة بايدن بشدة على توسيع الإنفاق الحكومي الذي يهدف إلى زيادة استخدام السيارات الكهربائية، والتي لا تشكل اليوم سوى 2 في المائة من السيارات على الطرق السريعة في الولايات المتحدة، في إطار خطط حماية البيئة والتغير المناخي، حيث تقترح الخطة إنفاق 174 مليار دولار لتشجيع تصنيع وشراء السيارات الكهربائية من خلال منح ائتمانات ضريبية، وحوافز أخرى للشركات التي تصنع بطاريات السيارات الكهربائية في الولايات المتحدة بدلاً من الصين. وستمول الخطة أيضاً بناء حوالي نصف مليون محطة لشحن السيارات الكهربائية - رغم أن الخبراء يقولون إن هذا الرقم ليس سوى جزء ضئيل مما هو مطلوب لجعل السيارات الكهربائية خياراً سائداً.
وتقترح خطة بايدن 100 مليار دولار في برامج تحديث الشبكة الكهربائية، مع بناء المزيد من خطوط النقل من محطات الرياح والطاقة الشمسية إلى المدن الكبيرة.
ويعد هذا المشروع الاستثمار النصف أول من خطة الرئيس بايدن الطموحة لإصلاح الاقتصاد وإعادة هيكلة الرأسمالية الأميركية، التي يمكن أن تحمل تكلفة إجمالية تصل إلى 4 تريليونات دولار على مدار عشر سنوات.
وقال مسؤولون إن الخطة المطروحة سيستغرق تنفيذها ثماني سنوات، على عكس خطة التحفيز الاقتصادي الذي تم تمريره في عهد الرئيس باراك أوباما في عام 2009 عندما كان بايدن نائبا للرئيس.
وتواجه خطة بايدن الاستثمارية عراقيل كبيرة في الكونغرس، خاصة بعد استبعاد زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس الشيوخ دعمها. وقال السيناتور ميتش ماكونيل أمس إن الرئيس بايدن عرض عليه خطة البنى التحتية، وإنه من المستبعد أن يدعمها بسبب «الزيادة الضريبية الضخمة» التي تقترحها، و«تأثيرها المحتمل على الديون». يُشار إلى أن محاولات تمرير خطط استثمار في البنى التحتية الأميركية فشلت عدة مرات على مدار العشرين عاماً الماضية.
في المقابل، رأى مسؤولون أميركيون داعمين للخطة أنه، إذا تمت الموافقة عليها في الكونغرس، فإنها ستنهي عقوداً من الركود في الاستثمار الفيدرالي في مشروعات البنى التحتية، وستعيد الاستثمار الحكومي في تلك المجالات إلى أعلى مستوياته منذ الستينيات من القرن الماضي.
ويؤكد المنافس السابق لبايدن في الانتخابات التمهيدية للديمقراطيين، بيت بوتيجيغ، الذي يشغل حاليا منصب وزير النقل وسيكون في الخط الأمامي في هذا الملف، أن الأمور ستكون مختلفة هذه المرة وأن الظروف مواتية. وقال بوتيجيغ: «أعتقد أننا أمام فرصة استثنائية لنيل تأييد الحزبين»، و«إظهار توجّه جريء على صعيد البنى التحتية». وتابع: «لا يحتاج الأميركيون لأن نشرح لهم أن البنى التحتية تستدعي تحركنا، وفي الحقيقة لا يمكن فصل البعد المناخي» عن هذا الملف.
ويرى مراقبون أن حجم الاقتراح يؤكد مدى إصرار بايدن على استغلال الفرصة لاستخدام الإنفاق الفيدرالي لمعالجة التحديات الاجتماعية والاقتصادية طويلة الأمد بطريقة لم يشهدها الاقتصاد الأميركي منذ نصف قرن. في حين أن الإنفاق على الطرق والجسور والتحسينات المادية الأخرى للأسس الاقتصادية الأميركية كان دائماً يتمتع بجاذبية وقبول لدى الحزبين، إلا أن خطة بايدن تثير معارضة جمهورية شديدة، بسبب حجمها الهائل أو لاعتمادها على زيادات ضرائب الشركات لدفع وتمويل هذه الخطة، بما في ذلك زيادة معدل ضريبة الشركات ومجموعة متنوعة من الإجراءات لفرض ضرائب على الشركات متعددة الجنسيات على الأموال التي تكسبها وتحجزها في الخارج. ويتخوف الجمهوريون أن تمويل هذه الخطة سيستغرق 15 عاماً لتعويض تكلفة برامج الإنفاق بالكامل.
وقال ماكونيل في وقت سابق من هذا الأسبوع إنه لا يريد أن يرى زيادات ضريبية لدفع فاتورة البنية التحتية، مشيرا إلى أن تمويل خطة بايدن سترفع معدلات الضرائب على الشركات من 21 في المائة إلى 28 في المائة، وسيعيد التفاوض حول الحد الأدنى للضريبة العالمية على الشركات متعددة الجنسيات.
بعض الديمقراطيين في الكونغرس انتقدوا أيضاً اقتراح بايدن بشأن البنية التحتية. ويتمتع الديمقراطيون بأغلبية ضيقة في مجلسي النواب والشيوخ، مما يعني أنه لا يمكن لبايدن وقيادة الكونغرس تحمل خسارة أي أصوات ديمقراطية. وقالت عضوة الكونغرس ألكساندريا أوكاسيو كورتيز، من أبرز الأعضاء التقدميين في مجلس النواب، في تغريدة الثلاثاء إن مشروع القانون محدود للغاية وطالبت بزيادته. في الوقت نفسه، أصر بعض الديمقراطيين في نيويورك ونيوجيرسي على أنهم لن يدعموا أي تغييرات في قانون الضرائب، ما لم تتم استعادة تخفيض الضرائب على مستوى الولاية والمحلية.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».