الاتحاد الأوروبي يختبر نوايا التطبيع التركي مع بروكسل

مجلسه يحذر أنقرة من توظيف «مكافحة الإرهاب» لقمع الحريات

رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فو دير لاين سيقومان بزيارة لتركيا الثلاثاء القادم (رويترز)
رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فو دير لاين سيقومان بزيارة لتركيا الثلاثاء القادم (رويترز)
TT

الاتحاد الأوروبي يختبر نوايا التطبيع التركي مع بروكسل

رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فو دير لاين سيقومان بزيارة لتركيا الثلاثاء القادم (رويترز)
رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فو دير لاين سيقومان بزيارة لتركيا الثلاثاء القادم (رويترز)

يريد الاتحاد الأوروبي «طرق حديد العلاقات مع تركيا وهو حام». هكذا لخصت مصادر أوروبية عزم رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فو دير لاين زيارة تركيا في السادس من أبريل (نيسان)، أي بعد أقل من أسبوعين من انعقاد القمة الأوروبية، التي قررت منح تركيا ثلاثة أشهر لتثبت حسن نياتها. القادة الأوروبيون الـ27 استبعدوا «مؤقتاً» خيار فرض عقوبات إضافية على أنقرة بسبب أدائها التصعيدي في مياه المتوسط وفي ليبيا غالبية أشهر العام الماضي. إلا أنهم، في الوقت عينه، أبقوها في «غرفة النظارة» لمراقبة ما سينتج عن اللقاءات التركية - اليونانية حول مياه بحر إيجه ومع قبرص، في إطار لجنة خمسة زائد واحد، وفي ليبيا بخصوص سحب المرتزقة الذين أتت بهم من سوريا، فضلاً عما ستقوم به في الداخل، حيث يبدي الاتحاد قلقه بشأن حقوق الإنسان واحترام دولة القانون ومصير حزب الشعوب الديمقراطي الكردي وانسحاب أنقرة من اتفاقية إسطنبول لمكافحة العنف ضد النساء. قبل التعمق في هذه المسائل، يريد ميشال وفون دير لاين أن يحصلا من السلطات التركية على ضمانات بشأن ملفين رئيسيين: الأول، التزام تركيا بالاتفاقية المبرمة في عام 2015 لجهة إبقاء حدودها مغلقة بوجه الساعين إلى اللجوء إلى بلدان الاتحاد الأوروبي. وفي هذا الخصوص، تتعين الإشارة إلى مطالبة مفوضة الاتحاد الأوروبي للشؤون الداخلية إيلفا جوهانسون أمس تركيا بأن تعود إلى احترام التزامها باستعادة اللاجئين الذين لا يحق لهم الهجرة إلى بلدان الاتحاد «من غير تأخير»، وذلك بمناسبة زيارتها لجزيرة ليسبوس اليونانية التي تستقبل ما لا يقل عن ثمانية آلاف لاجئ. والأمر الثاني، يتناول تعاون أنقرة في موضوع ملاحقة المتشددين الذين يدخلون إلى أراضيها عبر سوريا والحاجة إلى تسليمهم إلى البلدان التي أتوا منها.
ولا يصل المسؤولان الأوروبيان إلى تركيا خاليي الوفاض بل في جعبتهما أكثر من ورقة من شأنها إغراء السلطات التركية التي يعاني اقتصادها من أزمة دفعت بالليرة التركية إلى الحضيض. فمن جهة، يعمد الاتحاد الأوروبي إلى إعادة النظر في خطته لمساعدة تركيا ولبنان والأردن مالياً من أجل تحمل تبعات الوجود المكلف للاجئين والنازحين السوريين. ودأبت أنقرة على الشكوى من أن ما تتلقاه من الاتحاد الأوروبي لا يشكل سوى «قطرة في بحر» مما تصرفه على اللاجئين. وما يريده الاتحاد الأوروبي أن تمتنع تركيا نهائياً عن استخدام ورقة اللاجئين والنازحين للابتزاز السياسي والمالي كما دفعت نهاية شهري فبراير (شباط) و(مارس) 2020 عشرات الآلاف من هؤلاء إلى الحدود مع اليونان في حافلات تعود إما للحكومة أو عدد من البلديات. وكانت ترغب باريس في القمة الأوروبية بموقف أكثر تشدداً، رغم أن إردوغان قد أوقف في الأشهر الأربعة الأخيرة تهجماته على نظيره الفرنسي واستهدافه شخصياً. لكن فرنسا، كما تشير أوساطها، لم ترد أن تغلق الباب بوجه تركيا وإنما قبلت المقاربة الجماعية التي تلخصها الكلمات الثلاثة: «تدرجية، ومشروطة، ويمكن الرجوع عنها». وبكلام آخر، فإن ما عرضه الأوروبيون من «محفزات» على تركيا مثل «الأجندة الإيجابية» وتحديث اتفاقية الاتحاد الجمركي والحوار السياسي عالي المستوى والعودة إلى التفاوض بشأن انضمام تركيا إلى النادي الأوروبي وتسهيل تنقل الأتراك «التأشيرات»، سيتم العمل به خطوة خطوة ومقابل الخطوات المطلوبة من أنقرة وأولها استمرار التهدئة وتسوية نزاعاتها مع اليونان وقبرص.
وفي حال رسبت أنقرة في الامتحان، فإن الأوروبيين سيتراجعون عن خطواتهم وسيعودون إلى الخطة التي أعدها وزير الخارجية الأوروبي جوزيب بوريل لجهة خيارات العقوبات التي يمكن فرضها على تركيا ومنها قطاعات حساسة مثل السياحة.
في عملية لي الذراع بينه وبين تركيا، يمتلك الاتحاد الأوروبي أوراق ضغط قوية، إذ إنه الشريك الأول الاقتصادي والتجاري لتركيا وله معها اتفاقيات ثنائية وشراكات من شأن التخلي عنها التسبب بأذى كبير للاقتصاد التركي. يضاف إلى ذلك أن تغير الإدارة الأميركية يمثل ورقة ضغط إضافية على أنقرة. وخلال اجتماعات وزراء خارجية الحلف الأطلسي الأسبوع الماضي، أعلن وزير الخارجية أنتوني يبلينكن أنه «ليس سراً لأحد وجود خلافات بيننا وبين تركيا». من هنا، تعد مصادر أوروبية أن إردوغان «بحاجة اليوم» لتطبيع علاقاته مع الاتحاد الأوروبي ومع محيطه الإقليمي ما يفسر انفتاح الدبلوماسية التركية على مصر وعلى بلدان الخليج. بيد أن الاتحاد، رغم استعداده لتطورات إيجابية مع أنقرة يبقى بالغ الحذر نظراً للتجارب السابقة والوعود التي أغدقها إردوغان ولم يحترمها كوعده مثلاً في مؤتمر برلين بداية 2020 بالامتناع عن إرسال أسلحة وعتاد إلى ليبيا بقي عدا عن التنفيذ لا بل زادت تركيا من تدخلاتها المباشرة وأرسلت آلاف المرتزقة.
في سياق متصل، وجهت مفوضية حقوق الإنسان بمجلس أوروبا، انتقادات حادة للحكومة التركية بسبب «استغلال التشريعات الخاصة بمكافحة الإرهاب وتمويله في قمع المعارضين والجمعيات الأهلية غير الهادفة للربح». وجاء في رسالة لمفوضة مجلس أوروبا لحقوق الإنسان دونجا مياتوفيتش للحكومة التركية أن قانون تمويل الإرهاب الذي عدل 7 قوانين محلية، يمكن وزارة الداخلية من استهداف الأنشطة المشروعة والقانونية للجماعات غير الحكومية، والحق في تكوين الجمعيات لأعضائها. وتعرض القانون الجديد لانتقادات من قبل المنظمات الدولية وجماعات حقوق الإنسان بسبب تجاوز أحكامه نطاق القانون، واستهداف حرية تكوين الجمعيات في تركيا. وشددت مياتوفيتش على أن أي إجراءات تتخذها الدول لمكافحة الإرهاب يجب أن تمتثل لجميع التزاماتها بموجب القانون الدولي، ولا سيما القانون الدولي لحقوق الإنسان.
كانت الأمم المتحدة بعثت برسالة إلى الحكومة التركية في فبراير الماضي للتعبير عن قلقهم البالغ بشأن التشريع الجديد لتمويل الإرهاب. كما وقع ما يقرب من 680 من منظمات المجتمع المدني إعلاناً ضد القانون قبل التصويت عليه في البرلمان التركي، قائلة إنه سيحد من قدرتها على جمع الأموال والتنظيم مع وضعهم تحت ضغط وزارة الداخلية كما أنه ينتهك الدستور التركي.
ولفتت منظمة «هيومن رايتس ووتش»، في بيان، إلى أن مدعي العموم الأتراك يفتحون بانتظام تحقيقات في الإرهاب مع أشخاص لممارسة حقوقهم في حرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات بشكل سلمي.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».