الحكومة الأردنية على أعتاب التعديل الوزاري الثالث في شهرها السادس

الخصاونة يكرّس سابقة في سرعة إقالة أي وزير يراكم تجاوزات أو شبهات بالتقصير والإهمال

د. نذير عبيدات
د. نذير عبيدات
TT

الحكومة الأردنية على أعتاب التعديل الوزاري الثالث في شهرها السادس

د. نذير عبيدات
د. نذير عبيدات

تقترب حكومة بشر الخصاونة في الأردن من موعد تعديلها الوزاري الثالث، مطلع الأسبوع الحالي، بعد أزمات مركبة واجهته بفعل تقصير في أداء وزرائه، وتطبيقه لنظام حاسم في إقالة كل من يطاله الرأي العام بنقد مستند لحقائق، أو تقارير أمنية تحدثت عن تجاوزات مرصودة. وكرّس الرئيس الخصاونة سابقة بين الحكومات في سرعة استجابته لإقالة أي وزير راكم في أدائه التجاوزات أو شبهات التقصير والإهمال. واستخدم لغة مباشرة عند خروجه للرأي العام، معدداً أسباب لجوئه في معاقبة الوزراء المخالفين لتقاليد العمل العام في البلاد؛ بأن المسؤولية الأدبية والسياسية تحتم على أي مسؤول تقديم استقالته حتى لو ابتعد مباشرة عن المسؤولية الميدانية لحظة وقوع الخطأ.
ولكن رغم مواجهته الشرسة في البيان والحجة لدى دفاعه عن قراراته في التعديلات الوزارية التي خطط لها على أساس من تقييم الأداء، لم يسلم الرئيس نفسه من المطالبات بتقديم استقالته بوصفه المسؤول التنفيذي الأول الذي يتحمل مسؤولية أي خطأ أو تقصير، وبصفته الوزير الأول الذي يلتف حوله المقصرون.

صمم رئيس الوزراء الأردني بشر الخصاونة سابقة في محاسبة الوزراء المقصرين، منذ إقالة وزير الداخلية اللواء توفيق الحلالمة، عشية ظهور نتائج الانتخابات النيابية في العاشر من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. حصلت الإقالة في أعقاب خروج مواكب الاحتفالات بفوز مرشحين، بعد دخول قرار الحظر الشامل الذي عاشته البلاد لمدة أربعة أيام فور انتهاء عمليات الاقتراع.
وعبر صور وفيديوهات بثها نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي، أظهرت تجاوزات كبيرة في إطلاق الأعيرة النارية وسط تجمعات كبيرة، ظهر الخصاونة، وإلى جانبه قائد الجيش يوسف الحنيطي ومدير الأمن العام حسين الحواتمة، ومن ثم أعلن قبول استقالة الحلالمة من منطلق مسؤوليته الأدبية في عدم ضبط انفلات الشارع. ووسط استهجان إقالة الحلالمة، بدلاً من مدير الأمن العام الحواتمة يومها، وهو المسؤول المباشر عن إدارة العمليات في الميدان، فاقم الحواتمة من أزمة الحكومة مع الشارع بعد تصريحاته تلك الليلة. وفيها انتقد نواباً رعوا تجاوزات قواعدهم الانتخابية.
بالنسبة للوزير الحلالمة الذي استقال بعد نحو شهر من أدائه القسم الدستوري، فإنه عاد عضواً في مجلس الأعيان (الغرفة الثانية من مجلس الأمة)، وكأن في الأمر استرضاءً واحتواءً للرجل، الذي سبق أن شغل موقع مدير الدرك إبان تأسيسها العام 2009، وسط حديث عن منافسة بينه وبين الحواتمة الذي خلفه بالموقع، سبق للرجلين أن تزاملا في قيادة العمليات الخاصة بالقوات المسلحة، وخدما تحت قيادة الأمير الأردني وقتها الملك عبد الله الثاني كضباط إلى جانبه.
في تلك الليلة، وإن تحمل الخصاونة مسؤولية تعديله الوزاري الأول في حكومته التي شكَّلَها، مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، فإنه تحمل وزر الصراع للمراكز الأمنية الذي كان يشي بوقوع أزمة تضارب الصلاحيات، وتوزع دماء المسؤولية بين أجهزة لا يملك الخصاونة نفسه قراراً في اختيار قياداتها أو تحكم في طبيعة عملها. وخلال أيام من انتقال الحلالمة لمجلس الأعيان، قضت إرادة ملكية في تعيين سمير المبيضين وزيراً للداخلية، وهو الذي سبق له أن خرج من الوزارة نفسها قبل عام تقريباً.
- معاقبة وزيري الداخلية والعدل
القصة الثانية في تعديلات الخصاونة الوزارية انطوت على طرفة تناقلها الأردنيون. ففي فبراير (شباط) أُعلن الرئيس الخصاونة بشكل مفاجئ إقالة وزير الداخلية سمير المبيضين، ووزير العدل بسام التلهوني، لمخالفتهما أوامر الدفاع التي نصت على عدم الجلوس على طاولات المطاعم لأكثر من ستة أشخاص. والطرفة جاءت في سياق أن من خالف أوامر الدفاع هما المعنيان في تطبيقها، مع تفشي جائحة «كوفيد - 19». ولم تنجح دفاعات الوزيرين عن نفسيهما، بل استدعيا في وقت مبكر من يوم الإقالة لمكتب الرئيس الذي أبلغهما القرار، ومن دون الاستماع لدفوعاتهما، لا بل أنه بدا جازماً في قراره، ومستعداً للتعامل مع البدائل الفورية.
قصة الوزيرين تمثلت في قبولهما لدعوة عشاء في مطعم فاخر بالعاصمة عمّان، وجهها رجل أعمال. وفي التفاصيل فقد كانت الدعوة موجهة لعشرة أشخاص جلسوا على طاولة غير مراعين لشروط التباعد الجسدي، وعدم التزامهم بالعدد المقرر للجلوس على كل طاولة.
في التفاصيل أيضاً، أنه تزامن لحظة موعد العشاء وجود مسؤول أردني آخر حذّر أحد الوزيرين من مخالفة بلاغات الدفاع من جهة عدد الجالسين على الطاولة، لكنه استخف بنصيحة زميله... وفي هذه الأثناء دخلت لجنة تفتيش رسمية، وضبطت مخالفة المدعوين، ووثقتها بالصور، وكأن الأمر مخطط له مسبقاً، وتحدثت أوساط رسمية يومها عن رفع تقارير المخالفة لمرجعيات عليا.
البعض رأى أن الضربة في التشهير الإعلامي لواقعة الوزيرين كانت موجهة للحكومة، غير أن الرئيس استبق التسريبات، وأعلن إقالة الوزيرين لأسباب نثرها على رؤوس الإعلام، ومذكراً بأن التقصير جزاؤه الإقالة. ولم يترك الأمر متروكاً على قياسات الاستهتار بالموقع العام كقدوة في الالتزام أمام الجميع. ومع أن الوزيرين قاما يومها بإصدار بيانات وتصريحات تؤكد عدم مخالفتها لأوامر الدفاع، سرعان ما انقلبت التوضيحات لإدانات لهما، فقبول المسؤول لدعوة في ظروف وبائية صعبة، وعشية ليلة الحظر الشامل ليلة الخميس على الجمعة، والإصرار على الجلوس في مكان عام، كانت أسباباً كافية لإدانة الوزيرين وليس التعاطف معهما، رغم جلوسهما لمدة 45 دقيقة ومغادرتهما العشاء، بحسبهما.
- التعديل الوزاري الثاني
وفي السابع من مارس (آذار) الحالي، أجرى الخصاونة تعديله الوزاري الثاني، الذي خفض فيه عدد الوزراء من 32 وزيراً إلى 28 وزيراً، ودمج حقائب وزارية وألغى أخرى. وجاء هذا التعديل وسط تشوه جغرافي ديموغرافي زاد من تعقيد مشهد تشكيل الحكومات الأردنية، ورفع من حدة النقد الموجه للحكومة التي يراهن كثيرون على أنها لا تعمّر طويلاً. وللعلم، في الأردن بات عرفاً أن التعديلات الوزارية تضعف الحكومات، وتترك ندوباً غائرة في الجسم الحكومي لا يعالجها إلا المزيد من التعديلات الجديدة التي تزيد من ضعف الرئيس ولا تنجيه من النقد الجارح.
ويوم الأحد الذي أعلن فيه الرئيس تعديله الوزاري، غابت حصة محافظات من الوزارات، كما قُلص تمثيل محافظات أخرى، في حين بقيت وزارات الدولة مرتخية بثقلها على أكتاف الرئيس. كذلك بات تقليص حصة تمثيل المرأة في يومها العالمي من ثلاث حقائب إلى حقيبتين، مدخلاً عند مؤسسات المجتمع المدني لانتقاد التعديل.
الخصاونة، مع هذا، تجاوز كل ذلك، ومضى قدماً، معترفاً بحجم التشابك الأمني والسياسي في اختيار الوزراء، وممارسة التضييق في الخيارات التي ستنعكس لاحقاً على الأداء. ووسط ذلك كله تجاوز الخصاونة لغماً وضعه نواب أمامه في مذكرة نيابية تطلب عقد جلسة مناقشة عامة، تحت عنوان أسباب التعديل الوزاري وأهدافه. واستطاع بدبلوماسيته المستندة لخبرته في وزارة الخارجية من سحب التواقيع على المذكرة تباعاً. ولكن، بعد أقل من 24 ساعة من التعديل الوزاري، اصطدم الخصاونة بإعلان وزير العمل معن القطامين استقالته على مواقع التواصل الاجتماعي، ومن دون أن يقدم أي أسباب.
القطامين، الذي جاء وزيراً في الحكومة محمولاً على أكتاف مواقع التواصل الاجتماعي، بصفته حاصداً لأعلى المشاهدات على الفيديوهات التي ينتجها، ويضمِّنها نقداً للسياسات والقرارات الحكومية، كان من المتوقَّع أن يباغت رئيسه باستقالة صادمة.
وفي حين أصدرت الحكومة بياناً مفصلاً بيّنت فيه تضارب مواقف القطامين، بعدما قبل الاستمرار في الحكومة وزيراً للعمل، في أعقاب إلغاء وزارة الدولة لشؤون الاستثمار، وأدى اليمين الدستوري على هذا الأساس، تفاجأت الحكومة من قراءتها لاستقالة الرجل على مواقع التواصل الاجتماعي.
يومها، قالت الحكومة إن الرئيس الخصاونة عرض على الوزير ثلاثة خيارات، بعدما سارعت في خطوة غير مسبوقة، إلى إصدار توضيح على لسان وزير الدولة لشؤون الإعلام الجديد صخر دودين. وجاء فيه أن استقالة القطامين جاءت رغم عقد اجتماع بينه وبين الخصاونة لمناقشة حيثيات التعديل، وأن رئيس الوزراء أبلغه بأن الجمع بين حقيبتي الاستثمار والعمل ثبت عدم جدواه خلال الأشهر الماضية، وأنه سيصار إلى فصل الحقيبتين. ووضع رئيس الحكومة، وفقاً لبيانها في ذلك اليوم، 3 خيارات أمام الوزير المستقيل، هي: الاستمرار في تولي حقيبة العمل، أو الانتقال إلى رئاسة هيئة تشجيع الاستثمار، أو المضي قدماً في إجراءات استقالته التي طلبت من الطاقم الوزاري قبل التعديل، لافتاً قبوله بالاستمرار بوزارة العمل وأدائه اليمين القانونية.
وبعكس ما كان القطامين يتوقعه، كانت استقالته التي جاءت ليلة أدائه القسم أمام الملك، مدخلاً لنقده على منابره الاجتماعية. وخرج في فيديو موضحاً أن استقالته جاءت في سياق دفاعه عن مشروعه ورؤيته في خطة دعم الاستثمار في بلاده، وتنصُل رئيس الحكومة من دعم أفكاره في هذا المجال، بعد استثنائه من تشكيله اللجان الوزارية المصغرة.
- استقالة وزير الصحة
وقبل أسبوعين، وقعت كارثة مستشفى السلط الحكومي (20 كلم غرب عمّان) التي راح ضحيتها 9 مواطنين مصابين بفيروس «كوفيد - 19»، نتيجة لنقص الأكسجين في الخزانات الرئيسة بالمستشفى.
الكارثة كانت تنذر بإقالة الحكومة كاملة، بعدما أعلن الخصاونة تحمل كامل المسؤولية المترتبة على الحادثة، ووصف التقصير الذي تسبب بوفاة مواطنين بـ«المخجل». ومن ثم، اعتبر أن هذا التقصير «لا يمكن تبريره»، ومشدداً على أن وفاة أردني واحد بسبب التقصير «أمر لا يمكن قبوله على الإطلاق». على أن المسؤولية السياسية انتهت بإقالة وزير الصحة الدكتور نذير عبيدات، وتوقيف 13 قيادياً من وزارة الصحة ومستشفى السلط الحكومي.
وفي التفاصيل، بعيد إعلان خبر نقص الأكسجين من الخزانات الرئيسة في المستشفى، وصل وزير الصحة إلى المستشفى، وأعلن حصيلة أولية في عدد الوفيات. ثم أعلن أمام شاشات التلفزيونات المحلية وضعه استقالته بين يدي الخصاونة، قبل أن يغادر المستشفى من بوابته الخلفية، خوفاً من مواجهة أهالي الضحايا.
استقالة عبيدات التي وضعها بين يدي رئيسه، صاغها وزير الدولة لشؤون الإعلام صخر دودين في روايتين بمقطعين مختلفين. ففي تصريح مبكر، أعلن دودين أن رئيس الوزراء الخصاونة هو من طلب من عبيدات تقديم استقالته، وبعد وقت قصير عاد دودين ليقول إن العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني هو من أمر باستقالة الوزير. غير أن الجميع كانوا قد استمعوا لمبادرة عبيدات في تحمله المسؤولية الأدبية والأخلاقية والسياسية في تقديم استقالته. ثم انتهى اليوم بتسجيل سابقة في الحياة السياسية الأردنية بعد صدور مرسوم ملكي قضى «بإقالة وزير الصحة نذير عبيدات»، وليس كما جرت العادة بكتابة نص «صدرت الإرادة الملكية السامية بقبول استقالة»، وهو ما فتح شهية المحللين للتكهن بمصير الحكومة برمتها، وليس مصير وزير بعينه.
من ناحية ثانية، بينما ظلّت الحكومة يومها تتمسك بروايتها بحصيلة الوفيات الأولية بواقع 6 وفيات، أعلن مدير الطب الشرعي في اليوم نفسه عن وصول 7 جثث لضحايا السلط، ليصدم وزير الداخلية مازن الفراية المكلف بإدارة وزارة الصحة بالإعلان عن 9 وفيات، وذلك في مطلع جلسة نيابية طارئة عقدت بعد يوم من وقوع الكارثة.
غير أن كل تلك التصريحات الرسمية لم تأتِ على ذكر الضحايا الذين تأثروا بنقص الأكسجين لمدة ساعتين في المستشفى، سواء من مرضى الفيروس أو الأطفال الخدّج في المستشفى، وأقفل عداد الضحايا، وتفاقم الإصابات عند رقم مقطوع دون زيادة أو نقصان.
هذا، منذ حادثة المستشفى ما زال شاغراً مقعد وزير الصحة الذي استقال متحملاً مسؤوليته الأدبية، ليخلفه بالوكالة وزير الداخلية العميد الفراية. وللعلم، فالتكليف في مبدأ ملء الشواغر الوزارية تقليد أردني مرتبط بموعد التعديل الوزاري، الذي يجب أن يشمل هذه المرة بالإضافة لوزارة الصحة، مقعد وزير العمل الشاغر بعد استقالة القطامين المفاجئة.
- حكومة الخصاونة تكليف استثنائي في ظروف مركبة وأزمات متراكمة
كُلف رئيس الحكومة الأردني بشر الخصاونة بتشكيل الحكومة يوم 27 سبتمبر (أيلول) الماضي بعد انتهاء عمر مجلس النواب الـ18 المقدّر دستورياً بأربع سنوات دستورية، وعشية استقالة حكومة عمر الرزّاز، التي اتخذت قراراً بحل المجلس النيابي.
ويوم 12 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أقسم الخصاونة، ومعه فريقه الوزاري المكون من 31 وزيراً، القسم الدستوري أمام العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني بعد أسبوعين من تكليفه، وسط استغراب من طول فترة المشاورات التي قام بها الخصاونة، رغم أن مجلس النواب كان منحلاً.
لقد اعتبرت أولى المهمات التي قام بها الخصاونة إعادة ترتيب القرارات حيال أزمة جائحة «كوفيد - 19»، بعدما أربكت الحكومة السابقة المواطنين بكثرة القرارات المتناقضة، وارتفاع وتيرة النقد الشعبي لإدارة الأزمة الاقتصادية التي رافقت الظروف الصحية في البلاد.
من ناحية أخرى، ذهبت حكومة الخصاونة الجديدة لتسهيل مهمة إجراء الانتخابات النيابية الأخيرة التي أجرت يوم 10 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ودعم جهود الهيئة المستقلة للانتخابات الجهة المخولة بإدارة الانتخابات والإشراف عليها، ما أسفر عن ولادة مجلس نيابي جديد بـ98 نائباً لم يسبق لهم حمل مسؤولية الخدمة في السلطة التشريعية.
وفي أول مواجهة للرئيس الخصاونة، القادم من وظيفة المستشار الأول للعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، مع مجلس النواب، في مطلع يناير (كانون الثاني) الماضي، حصد ثقة 88 نائباً بعد «ماراثون» مناقشات استمر على مدى 6 أيام متواصلة. ولم يتعرّض رئيس الوزراء الجديد خلال تلك المناقشات لمضايقات نيابية، بمقدار ما سعى لنيل ثقة لا تشكل عليه أعباء إذا تجاوزت سقف الرقم الآمن بالحدود التي حصل عليها.
بعد تلك الجولة المتعبة، وعلى بعد أقل من شهر تقريباً، دخل الخصاونة في مواجهته الثانية مع المجلس على خلفية مناقشة قانوني الموازنة العامة لسنة 2021، وقانون الوحدات الحكومية. وأكمل النواب مناقشاتهم التي غطتها المطالب الخدمية على حساب مناقشتهم للسياسات المالية، وتوسع أرقام العجز وارتفاع المديونية، ليتجاوز الخصاونة امتحانه الثاني بأقل الأضرار. مع أنه، في العادة، تبقى العلاقة بين السلطتين محفوفة بالتوتر والتصعيد، خصوصاً، مع مزاج نيابي جاء متأثراً بمزاج الشارع السلبي والمحتقن نتيجة الظروف الاقتصادية التي جاءت مصاحبة لأزمة الجائحة التي عطلت قطاعات اقتصادية واسعة.
وأمام انزعاج الخصاونة من رقابة مجلس النواب، التي أمطرت وزراءه بالأسئلة والاستجوابات النيابية، فإنه يمضي ممسكاً بتفاصيل إدارته للملفات التي خبرها إبان عمله سفيراً ووزيراً، قبل جلوسه على الكرسي الأقرب من الملك عبد الله الثاني خلال عمله مستشاراً سياسياً.
لكن الخصاونة، الذي يتابع أداء فريقه الوزاري بدقة، لا يزال يعاني من ضعف بعض أجنحته في الوزارات. وهذا الأمر قد يحتم عليه التوسع في تعديله الوزاري الثالث المرتقب. ومعلوم أن الحكومة تواجه هذه الأيام نقداً شعبياً متزايداً نتيجة الظروف الاقتصادية الخانقة التي يعيشها مواطنون بسبب فقدان وظائفهم، في ظل التوسع في إغلاق القطاعات الاقتصادية، وتعذر توفير مظلات حماية اجتماعية.



الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».