المفوض الاقتصادي الأوروبي: نسعى إلى تكامل اقتصادي عبر المناطق الحرة مع مصر والأردن وتونس والمغرب

100 مليون يورو شريحة أولى في برنامج مساعدة للأردن

المفوض الاقتصادي الأوروبي: نسعى إلى تكامل اقتصادي عبر المناطق الحرة مع مصر والأردن وتونس والمغرب
TT

المفوض الاقتصادي الأوروبي: نسعى إلى تكامل اقتصادي عبر المناطق الحرة مع مصر والأردن وتونس والمغرب

المفوض الاقتصادي الأوروبي: نسعى إلى تكامل اقتصادي عبر المناطق الحرة مع مصر والأردن وتونس والمغرب

أعلنت المفوضية الأوروبية في بروكسل عن صرف 100 مليون يورو للأردن في شكل قروض، وتعتبر هي الشريحة الأولى من برنامج مساعدات بقيمة 180 مليون يورو، وقال بيير موسكوفيتشي المفوض الأوروبي للشؤون النقدية والاقتصادية، إن صرف هذا المبلغ يعتبر إشارة واضحة على التضامن الأوروبي مع الشعب الأردني في ظل التوترات الحالية، ودليلا واضحا على مساعدة الاتحاد الأوروبي لهذا البلد، لمواجهة آثار الأزمات الإقليمية،، وخصوصا أن الأردن شريك مهم للاتحاد الأوروبي، ولهذا «نعمل من أجل دعم الإصلاحات الاقتصادية، وتهيئة الظروف للنمو المستدام وخلق فرص العمل». وقال بيان أوروبي إن المفوضية تواصل مساعدتها للحكومة الأردنية على طريق جهود الإصلاح في القطاعات الرئيسية، بدءا من كفاءة الطاقة، والطاقة المتجددة، وفرص العمل وتنمية القطاع الخاص، وغيرها.
وفي مايو (أيار) الماضي أعلنت المفوضية الأوروبية ببروكسل رسميا عن إنشاء شراكة مع الأردن في مجال التنقل، وبحسب بيان للجهاز التنفيذي للاتحاد، جرى التوقيع على إعلان مشترك في هذا الصدد، على هامش أعمال المجلس الوزاري للداخلية والعدل في لوكسمبورغ، ليضع إطارا للتعاون المستقبلي في مجال الهجرة والتنقل بين الجانبين الأوروبي والأردني، وذلك بحضور مفوضة الشؤون الداخلية وقتها سيسليا مالمستروم، ووزير الخارجية الأردني ناصر جودة، ووزراء شؤون الهجرة في الدول الاثنتي عشرة بالاتحاد الأوروبي التي تشارك في هذه الشراكة، «وهي الدنمارك وقبرص وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا واليونان والمجر والبرتغال والسويد ورومانيا وإسبانيا».
وقالت مالمستروم إنها خطوة هامة نحو مزيد من التعاون بين الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه والأردن، وتهدف الشراكة إلى تحقيق التقارب بين المواطنين الأوروبيين والأردنيين، وتكثيف الجهود لمنع الاتجار بالبشر، ومكافحة أفضل لتهريب المهاجرين. وفي نفس الوقت تمهد الطريق لبدء مفاوضات لتسهيل إجراءات إصدار تأشيرات شنغن الأوروبية للمواطنين في الأردن، وأيضا دعم جهود الأردن لتوفير الاستقرار واستقبال اللاجئين في المنطقة.
ويعتبر الأردن ثالث دولة عربية بعد المغرب وتونس توقع على مثل هذا الاتفاق مع الجانب الأوروبي، وبحسب المفوضية الأوروبية فإن الاتفاقية تهدف إلى تسهيل حركة المواطنين بين الدول المشاركة فيها لتعزيز إدارة مشتركة ومسؤولة لتدفقات الهجرة، بما في ذلك تبسيط إجراءات منح التأشيرة.
وفي مارس (آذار) من العام الماضي وقع الاتحاد الأوروبي على اتفاقية مع الأردن تقضي بمنح الحكومة الأردنية مساعدة مالية بقيمة 180 مليون يورو. وقالت المفوضية الأوروبية إنه منذ الربيع العربي تلقى الاقتصاد الأردني عدة صدمات خارجية، بما في ذلك الاضطرابات المتكررة وأيضا توقف إمدادات الغاز الطبيعي المصري بسبب الهجمات الإرهابية على خط أنابيب شبه جزيرة سيناء، وأيضا بسبب التوترات الإقليمية ومنها الصراع السوري وزيادة أسعار النفط والركود الاقتصادي العالمي، وقال الجهاز التنفيذي للاتحاد الأوروبي إن كل هذه العوامل شكلت عبئا ثقيلا على الأردن وتسببت في تباطؤ النمو، وفي وقت كانت المالية العامة تتعرض لضغوط نتيجة الأزمة المستمرة في سوريا وأدت إلى تدفق أعداد كبيرة من اللاجئين إلى الأردن فاقت نصف مليون شخص، مما أدى إلى زيادة الإنفاق على الأمن الاجتماعي.
وبناء على هذه الخلفية وافق صندوق النقد الدولي في أغسطس (آب) 2012 على تقديم مساعدة إلى الأردن بقيمة مليارَي دولار لدعم برنامج الإصلاح الاقتصادي للحكومة، وفي نفس الوقت طلب الأردن مساعدة من الاتحاد الأوروبي في ديسمبر (كانون الأول) 2012، واعتمدت المفوضية الأوروبية في أبريل (نيسان) من عام 2013 تقديم مساعدة بقيمة 180 مليون يورو في شكل قرض متوسط الأجل، ووافق عليه البرلمان الأوروبي في نهاية العام نفسه، وأنهت المفوضية مفاوضات مع الأردن حول اتفاقية بشأن القرض وأقرتها الدول الأعضاء في 4 مارس من العام الماضي.
وجرى توقيع الاتفاقية في حضور أولي ريهن مفوض الشؤون النقدية والاقتصادية وقتها وأمية طوقان وزير المالية الأردني، وأيضا بحضور رئيس المصرف المركزي الأردني زياد فارس، وفي مؤتمر صحفي عقب التوقيع قال ريهن إنها مساعدة أوروبية للأردن على تجاوز التأثير الشديد للأزمة الاقتصادية والأوضاع الإقليمية، «ونحن ندعم الجهود المستمرة نحو تحقيق استقرار اقتصادي كلي، وهذه المساعدة تساهم في تخفيف قيود التمويل ودعم الإصلاحات الاقتصادية في الأردن من أجل تحسين الظروف المعيشية»، مشيرا إلى وجود تفكير أوروبي أردني لبدء المحادثات حول اتفاق للتجارة الحرة بين الطرفين.
من جانبه قال طوقان إن الأردن يتعرض لضغوط بسبب الأزمة السورية والوضع في مصر وتأثيراتهما الاقتصادية على عمان، مشيرا إلى خطوات الأردن على طريق الإصلاحات السياسية وتعديل الدستور واتخاذ خطوات أخرى لتحسين الشفافية والحكم الرشيد وحرية التعبير.
وفي أواخر فبراير (شباط) 2014 قالت المفوضية الأوروبية ببروكسل إن استمرار الاضطرابات والصراعات في منطقة حوض المتوسط، يجعل من التعاون والحوار بين ضفتي المتوسط أكثر أهمية من أي وقت مضى، وذلك من أجل ضمان مستقبل أفضل. ومن خلال بيان وزع في بروكسل، قال ستيفان فولي مفوض شؤون سياسة الجوار الأوروبية: «إن تغييرات عميقة وتحديات اقتصادية هائلة حدثت على ضفتي المتوسط، مما يجعل هناك حاجة ملحة لتوحيد القوى، وتبادل الخبرات وأفضل الممارسات، وتعزيز العزم على التصدي للقضايا الملحة، التي هي مفتاح لمستقبل شعوبنا».
ونقل البيان كلمة فولي أمام اجتماع وزراء الصناعة في دول الشراكة الأورومتوسطي الذي انعقد ببروكسل، وخلال كلمته قال فولي إن السنوات الأخيرة عرفت تباطؤ النمو الاقتصادي في معظم بلدان حوض المتوسط سواء من دول الاتحاد الأوروبي أو دول الجنوب الشريكة، ورافق ذلك ارتفاع العجز المالي والتضخم المتزايد وارتفاع معدلات البطالة، أي أن التحدي واحد وهو التحدي الاقتصادي، كما أن تحقيق نمو اقتصادي أعلى وأكثر شمولا واستدامة هو أمر حاسم لنجاح عملية الانتقال السياسي التي شرعت فيها عدة دول شريكة في جنوب المتوسط.
وأشار المسؤول الأوروبي إلى أن هناك إجماعا واسع النطاق في ما يتعلق بالمطلوب لمعالجة هذا الوضع، وفي مقدمة هذا اتخاذ تدابير لتعزيز الاستثمار الخاص، وهذا يعني تحسين بيئة الأعمال ولا سيما من خلال إصلاح الإدارات العامة والحد من الأعباء الإدارية للشركات وخلق نظام للاستثمار أكثر شفافية وانفتاحا لكل من المستثمرين المحليين والأجانب، وتعزيز مؤسسات السوق والإدارة الاقتصادية الجيدة، هذا إلى جانب ضرورة دعم الروابط التجارية والاستثمارية بين ضفتي المتوسط وتحفيز التنمية في قطاعات المشروعات الصغيرة والمتوسطة المبتكرة ذات القيمة المضافة ورفع مستوى المهارات، وخصوصا للشباب وتسهيل التجارة والحصول على التمويل، وأيضا المشاركة الكاملة للمرأة في الديناميات الاجتماعية والاقتصادية وإمكانية وصولهم الكامل إلى سوق العمل، وأهمية ذلك لتحقيق التنمية الاقتصادية.
وشدد المسؤول الأوروبي خلال الاجتماع الوزاري على أن الإجراءات أهم من التصريحات وأن الاتحاد الأوروبي على استعداد لتوفير الخبرة الكبيرة والدعم المالي لمساعدة الحكومات على إجراء الإصلاحات المطلوبة. ونوه فولي بأن هناك قناعة أوروبية بأن التجارة والاستثمار من أهم المصادر لخلق فرص العمل والابتكار والتقدم التكنولوجي، وفي هذا الصدد سيتم دعم التنويع الاقتصادي والنمو المستدام، وتحقيقا لهذه الغاية يعمل الاتحاد الأوروبي على إبرام اتفاقات تكامل اقتصادي أو ما يسمى التعميق الشامل لمناطق تجارة حرة مع كل من مصر والأردن وتونس والمغرب، وهدفهم هو ضمان التكامل الاقتصادي التدريجي إلى السوق الأوروبية.
ولمح إلى أن الحوافز للاستثمارات تكون أكبر إذا كانت الفرص المتاحة في السوق أوسع، وفي نفس الوقت علينا أن ندرك أن تحرير التجارة والاستثمار هو عملية معقدة يمكن أن يترتب عليها تكاليف التكيف على المستوى القصير، وهذا هو السبب في أن الاتحاد الأوروبي يحرص على تسهيل الاستثمار وتحفيز تنمية القطاع الخاص، وقدم منذ 2011 أكثر من 800 مليون يورو من المساعدات الثنائية لدعم الموازنات والمساعدة التقنية نحو سياسات للنمو الشامل في المنطقة، وهي تشمل برامج لدعم التنمية الريفية والشركات الصغيرة والمتوسطة والبحث والابتكار والتجارة وتعزيز السوق المحلية وخلق فرص العمل وتوليد الدخل للفقراء والإدارة الاقتصادية والإدارة المالية العامة، إلى جانب تقديم الدعم الكبير لإصلاح قطاعي التدريب والتعليم المهني مع التركيز على توظيف النساء. هذا إلى جانب المليارات التي قدمت من خلال المؤسسات المالية الأوروبية لدعم مشروعات في جنوب المتوسط وأيضا في صورة قروض.
واختتم بالقول إن التحديات كبيرة، ولكن هناك قناعة بأن في المنطقة إمكانات هائلة، والمفتاح للنجاح هو الاستمرار في شراكتنا من أجل الإصلاح والتحديث، وبطبيعة الحال فإن المسؤولية عن الإصلاحات تقع على الحكومات، كما أن الحوار وتوثيق التعاون الإقليمي يمكن أن يساهم بشكل مفيد في تحقيق هدف النمو بشكل أكثر شمولية واستدامة.



العلا... «بوصلة» الاقتصادات الناشئة في مواجهة «عدم اليقين»

وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
TT

العلا... «بوصلة» الاقتصادات الناشئة في مواجهة «عدم اليقين»

وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)
وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)

بين الجبال الشامخة وتاريخ الحضارات العريق، تستعد محافظة العلا لاستضافة النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» يومي الأحد والاثنين. هذا الحدث، الذي وُلد بوصفه شراكة استراتيجية بين وزارة المالية السعودية وصندوق النقد الدولي، والذي تحوّل بسرعة مذهلة إلى «جاكسون هول» خاص بالدول الناشئة، يأتي في وقت أثبتت فيه القوى الصاعدة «مرونة استثنائية» قلبت توقعات الأسواق العالمية.

وتحت شعار «رسم مسار عبر مشهد عالمي متغير»، يجمع المؤتمر نخبة من وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية وصنّاع القرار، لتنسيق السياسات، وبناء على ما تحقق في العام الماضي، ومتابعة جهود ترسيخ مكانة هذه الاقتصادات لتكون ركيزة للاستقرار العالمي.

ولا يقتصر زخم «العلا» على العمل المؤسسي، بل يتزامن مع «نهضة استثمارية» أعادت صياغة قواعد اللعبة؛ فبعد عقدين من العائدات المتواضعة، قفز مؤشر MSCI القياسي لأسهم الأسواق الناشئة بنسبة 34 في المائة في عام 2025، (وكان أفضل أداء له منذ عام 2017)، متفوقاً على الأسواق المتقدمة التي نمت بنسبة 21 في المائة. ومع بداية 2026، يبدو أن «ماراثون» الأسواق الناشئة قد انطلق بالفعل، مع ارتفاع المؤشر بنسبة تقارب 11 في المائة حتى الآن في يناير (كانون الثاني). كما ارتفعت قيمة الأسهم في المؤشر بأكثر من تريليون دولار هذا العام لتصل إلى 28 تريليون دولار، مقارنة بـ 21 تريليون دولار في بداية عام 2025، بدعم من تراجع الدولار وجاذبية التقييمات، مما يجعل هذه الأسواق الملاذ الأكثر استدامة للمستثمرين الباحثين عن النمو بعيداً عن تقلبات القوى الكبرى.

صورة جماعية للمشاركين في النسخة الأولى من المؤتمر (الشرق الأوسط)

سر الصمود

في محاولة لتفسير المرونة الاستثنائية التي طبعت الاقتصادات الناشئة، يشرح صندوق النقد الدولي أن صمود الأسواق الناشئة لم يكن محض صدفة، أو «ضربة حظ»، بل هو نتاج تطور جذري في «أطر السياسات». وبينما ساهمت الظروف الخارجية المواتية بنحو 0.5 نقطة مئوية في دعم النمو، إلا أن التحسن في السياسات الوطنية منح هذه الدول 0.5 نقطة مئوية إضافية من النمو، ونجح في خفض التضخم بنسبة 0.6 نقطة مئوية مقارنة بالأزمات السابقة، من تقرير الصندوق في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

هذا التحول يعكس «نضجاً نقدياً» يتمثل في قدرة هذه الدول على استباق الضغوط التضخمية عالمياً؛ وبناء «مصدات استقرار» ذاتية مكنتها من حماية عملاتها المحلية، وإعادة هيكلة ديونها لتقليل الارتهان للعملات الأجنبية، مما ضمن استمرار الإنتاجية حتى في ظل ارتفاع الفائدة العالمية.

وزير المالية السعودي يلقي كلمة في افتتاح النسخة الأولى من مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

«صوت» في واشنطن

يكتسب توقيت المؤتمر أهمية مضاعفة كونه يسبق اجتماعات الربيع في واشنطن في أبريل (نيسان) المقبل؛ مما يجعل من العلا «مختبراً» لصياغة رؤية موحدة تضمن تحول هذه الاقتصادات من «متلقٍ» للسياسات إلى «شريك» في صياغتها. والهدف هو بلورة موقف جماعي يوازن بين طموحات النمو والواقع المالي المعقد الذي تفرضه المديونية العالمية.

وفي هذا السياق، أكد وزير المالية محمد الجدعان أن استقرار هذه الأسواق مصلحة وجودية للدول المتقدمة أيضاً، وهو ما دعمته المديرة العامة للصندوق، كريستالينا غورغييفا، بضرورة تحويل رسائل المؤتمر إلى خطوات إجرائية تخدم تطلعات الدول الناشئة قبل طرح ملفاتها الكبرى في المحافل الدولية.

غورغييفا تلقي كلمة في افتتاح مؤتمر العلا العام الماضي (الشرق الأوسط)

وعلى صعيد هيكلية النقاشات، يشهد المؤتمر أجندة حافلة تتصدرها جلسة «تداعيات حالة عدم اليقين العالمية على الأنظمة النقدية والمالية»، بالتوازي مع مناقشة ورقة حول «السياسة النقدية في ظل التحولات الهيكلية». ويهدف هذا المسار النقاشي إلى تفكيك التحديات التي تواجه البنوك المركزية للموازنة بين مكافحة التضخم وتحفيز النمو.

في نهاية المطاف، يبدو المشهد العالمي اليوم في ذروة مثاليته للرهان على القوى الصاعدة. ومع توقعات صندوق النقد بتفوق نمو الأسواق الناشئة على الاقتصادات الغنية بنسبة 2.4 نقطة مئوية في 2026، تبدو الأمور متوازنة لتشجيع رؤوس الأموال على التوجه نحو أماكن تنمو بوتيرة أسرع. وبينما قد تدفع سياسات الإدارة الأميركية الحالية المستثمرين للبحث عن بدائل، تظل الحقيقة الأبرز أن ما نشهده ليس مجرد طفرة، بل هو إعلان عن نضج هذه الاقتصادات، وقدرتها على قيادة الدفة، لتظل الأسواق الناشئة صمام أمان للاقتصاد العالمي بأسره. فإذا كانت «جاكسون هول» هي بوصلة الماضي الغربي، فإن «عُلا السعودية» هي اليوم المختبر الحقيقي الذي يصنع مستقبل الجنوب العالمي.


«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
TT

«داو جونز» يكسر حاجز 50 ألف نقطة للمرة الأولى... ما القوى المحركة وراء ذلك؟

متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)
متداولون يعملون في قاعة التداول ببورصة نيويورك بينما يتجاوز مؤشر «داو جونز» الصناعي حاجز 50 ألف نقطة (رويترز)

في لحظة وصفت بالتاريخية في مسيرة الأسواق المالية، نجح مؤشر «داو جونز» الصناعي يوم الجمعة، في تجاوز عتبة 50 ألف نقطة للمرة الأولى منذ تأسيسه، منهياً أسبوعاً من التقلبات الحادة بانتصار كاسح للثيران (المشترين) على الدببة (البائعين). ولم يكن هذا الارتفاع مجرد طفرة رقمية؛ بل جاء تتويجاً لعودة الثقة في قطاع التكنولوجيا والرهان المستمر على ثورة الذكاء الاصطناعي.

ما الذي دفع «وول ستريت» لهذا الانفجار السعري؟

لم يكن وصول «داو جونز» إلى هذا الرقم القياسي وليد الصدفة؛ بل جاء نتيجة تضافر قوى شرائية هائلة أعادت الحياة إلى قطاع التكنولوجيا. فبعد أسبوع من النزيف السعري، ارتد مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 2 في المائة، مسجلاً أفضل أداء يومي له منذ مايو (أيار) الماضي.

والسؤال الذي يطرحه المستثمرون الآن: من قاد هذا «الرالي»؟ الإجابة تكمن في قطاع أشباه الموصلات، حيث قفز سهم «إنفيديا» بنسبة 7.8 في المائة، وتبعه سهم «برودكوم» بارتفاع 7.1 في المائة، مما أدى إلى محو مخاوف التراجع التي سادت مطلع الأسبوع.

شاشة تعرض مؤشر «داو جونز» الصناعي وأرقام التداول الأخرى بعد إغلاق بورصة نيويورك (رويترز)

هل رهان «أمازون» بـ200 مليار دولار هو السر؟

أحد المحركات الرئيسية لهذا الصعود كان الإعلان الصادم من شركة «أمازون»، التي أكدت نيتها استثمار مبلغ ضخم يصل إلى 200 مليار دولار خلال هذا العام. هذا الاستثمار لا يستهدف التجارة الإلكترونية التقليدية؛ بل يركز على «الفرص الجوهرية»؛ مثل الذكاء الاصطناعي، والرقائق، والروبوتات، والأقمار الاصطناعية.

هذا التوجه طرح تساؤلاً جوهرياً في الصالونات الاقتصادية: هل نحن أمام فقاعة تكنولوجية جديدة؟ أم إعادة هيكلة شاملة للاقتصاد العالمي؟

وأكد جنسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا»، على شبكة «سي إن بي سي» الإخبارية المالية، أن الطلب على الذكاء الاصطناعي لا يزال «مرتفعاً للغاية»، وأن مستوى الإنفاق مناسب ومستدام. وارتفعت أسهم «إنفيديا»، أكبر شركة مدرجة في البورصة بالعالم بقيمة سوقية تبلغ 4.5 تريليون دولار، بنسبة 7.9 في المائة يوم الجمعة.

هدوء في جبهة البتكوين والمعادن الثمينة

ولم يكن المشهد بعيداً عن سوق الأصول المشفرة؛ فبعد أسابيع من الهبوط الحر الذي أفقد البتكوين أكثر من نصف قيمتها منذ ذروة أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، استطاعت العملة الرقمية الأشهر التماسك مجدداً؛ فبعد أن اقتربت من كسر حاجز 60 ألف دولار نزولاً يوم الخميس، استعادت توازنها لتقفز فوق مستوى 70 ألف دولار، مما أعطى إشارة إلى المستثمرين بأن موجة الذعر قد بدأت في الانحسار.

وفي السياق ذاته، خفتت حدة التقلبات في أسواق المعادن؛ حيث استقر الذهب عند مستوى 4979.80 دولار للأونصة بعد ارتفاع بنسبة 1.8 في المائة، في حين سجلت الفضة استقراراً نسبياً، مما يعكس تحولاً في شهية المخاطرة لدى المتداولين من الملاذات الآمنة إلى أسهم النمو.

ترمب يبارك

وكعادته في رصد أداء الأسواق، سارع الرئيس الأميركي دونالد ترمب للاحتفاء بهذا المنجز الاقتصادي، حيث نشر عبر منصته «تروث سوشيال» مهنئاً الشعب الأميركي بهذا الرقم القياسي، وحاول اعتبار هذا الصعود دليلاً على نجاح التعريفات الجمركية الأميركية - سياسته الاقتصادية المحورية - التي بلغت أعلى مستوياتها الفعلية منذ عام 1935 خلال فترة رئاسته.

وكتب ترمب: «شكراً لك يا سيد الرسوم!». وادعى قائلاً: «أمننا القومي وأمننا المالي لم يكونا أقوى مما هما عليه الآن!»، وهو ما يراه مراقبون تعزيزاً للسردية السياسية التي تربط قوة السوق بالأداء الإداري.


رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
TT

رئيسة «فيدرالي» سان فرانسيسكو: الاقتصاد الأميركي في وضع «هشّ»

رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)
رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في سان فرانسيسكو ماري دالي بمنتدى «جاكسون هول» الاقتصادي 2025 (رويترز)

قالت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو، ماري دالي، يوم الجمعة، إنها ترى أن الاقتصاد الأميركي في وضع «هش». وأضافت أن الشركات تتسم إلى حد كبير بتفاؤل حذر، في حين أن الأسر أقل ثقة؛ نظراً لأن الشركات التي تتردد حتى الآن في إجراء تسريحات جماعية قد تغيّر استراتيجيتها بسرعة.

وقالت دالي في منشور على «لينكد إن»: «لقد شهدنا بيئة عمل تتسم بانخفاض التوظيف وزيادة التسريح لفترة من الوقت. قد يستمر هذا الوضع، لكن العمال يدركون أن الأمور قد تتغير بسرعة، مما قد يُعرّضهم لسوق عمل تتسم بعدم الاستقرار وارتفاع معدلات التسريح». وأضافت: «مع تجاوز التضخم هدف لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية البالغ 2 في المائة، يبدو الوضع غير مستقر، وهذا واقع ملموس»، وفق «رويترز».

وأبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأسبوع الماضي على تكاليف الاقتراض قصيرة الأجل دون تغيير، مشيراً إلى ارتفاع التضخم واستقرار سوق العمل. وصرح رئيس المجلس، جيروم باول، بأن البنك المركزي «في وضع جيد للاستجابة، مستفيداً من البيانات المتاحة».

ومنذ ذلك الحين، أشار بعض صنّاع السياسات إلى ميلهم نحو اتجاه معين؛ فقد صرحت ليزا كوك، محافظة مجلس الاحتياطي الفيدرالي، يوم الأربعاء، بأن المخاطر «تميل نحو ارتفاع التضخم»، في حين أكدت ميشيل بومان، نائبة رئيس المجلس لشؤون الإشراف، بعد التصويت مع كوك بنتيجة 10-2 للإبقاء على أسعار الفائدة ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، أنها لا تعتبر أن «مخاطر تراجع فرص العمل ضمن نطاق ولايتنا قد تضاءلت».

وتشير معظم التقديرات، بما فيها تقديرات صنّاع السياسات في مجلس الاحتياطي الفيدرالي، إلى أن التضخم الأساسي في نهاية العام الماضي بلغ نحو 3 في المائة، متجاوزاً هدف المجلس البالغ 2 في المائة. وقد أكّدت بيانات سوق العمل استمرار حالة الركود الجزئي التي تتسم بانخفاض معدلات التوظيف وزيادة التسريح.

ومن المتوقع أن يصدر مكتب إحصاءات العمل تقرير الوظائف الشهري يوم الأربعاء المقبل، بعد تأخره بسبب إغلاق الحكومة نتيجة الخلاف المستمر بين الديمقراطيين والجمهوريين حول تمويل قوانين الهجرة. ويتوقع الاقتصاديون أن يُظهر التقرير استقرار معدل البطالة في يناير (كانون الثاني) عند 4.4 في المائة.

مع ذلك، أثار انخفاض فرص العمل المتاحة في ديسمبر (كانون الأول) إلى أدنى مستوى لها منذ خمس سنوات، وارتفاع طلبات إعانة البطالة الأسبوعية الجديدة، التي أعلنتها وزارة العمل الأميركية يوم الخميس، قلق بعض المحللين من احتمال اختلال التوازن لصالح ضعف سوق العمل.

وكتب المحلل توماس رايان من «كابيتال إيكونوميكس»: «قد يثير الانخفاض المفاجئ والكبير في فرص العمل المتاحة قلق مسؤولي (الاحتياطي الفيدرالي)، ويشير إلى أنهم تسرعوا في حذف بنود من بيان السياسة النقدية الصادر الشهر الماضي، والتي كانت تؤكد ارتفاع مخاطر تراجع سوق العمل». ومع ذلك، ومع استمرار ارتفاع معدلات التوظيف وانخفاض التسريحات، لا يمكن استنتاج مزيد من التراجع في سوق العمل بنهاية العام الماضي بشكل قاطع.

أما بالنسبة لدالي، فتبدو الاستراتيجية المثلى هي التريث والانتظار.

وقالت: «علينا مراقبة جانبَي مهمتنا»، مشيرة إلى هدفَي «الاحتياطي الفيدرالي» المتمثلين في تحقيق أقصى قدر من التوظيف مع الحفاظ على التضخم عند مستوى منخفض. وأضافت: «يستحق الأميركيون استقرار الأسعار وتحقيق التوظيف الكامل، ولا يمكن اعتبار أي منهما أمراً مفروغاً منه».