«جاكسون هول العُلا» يؤسس لمنصة ترفع صوت الاقتصادات الناشئة دولياً

الجدعان وغورغييفا: العمل معاً للمساعدة في تجنب خطر تخلف بعض البلدان عن الركب

مقر انعقاد المؤتمر في «قاعة مرايا» (مؤتمر العلا)
مقر انعقاد المؤتمر في «قاعة مرايا» (مؤتمر العلا)
TT

«جاكسون هول العُلا» يؤسس لمنصة ترفع صوت الاقتصادات الناشئة دولياً

مقر انعقاد المؤتمر في «قاعة مرايا» (مؤتمر العلا)
مقر انعقاد المؤتمر في «قاعة مرايا» (مؤتمر العلا)

جاء انعقاد مؤتمر «العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة» في توقيت بالغ الأهمية، حيث يشهد العالم والمنطقة تحولات اقتصادية وتكنولوجية وجيوسياسية كبيرة؛ من تعريفات جمركية سيكون لها انعكاساتها على التجارة الدولية، إلى عودة المخاوف من ارتفاع التضخم، وما سيرافق ذلك من تأخر في التخفيضات المتوقعة لأسعار الفائدة، فارتفاع الدولار وما له من تأثير على الأسواق الناشئة، فتنامي الصراعات الجيوسياسية وغيرها... كل هذه العوامل وغيرها لها تداعياتها بالتأكيد على الاقتصادات الناشئة.

فمؤتمر العُلا الذي نظمه كل من صندوق النقد الدولي ووزارة المالية السعودية، «يمثل بداية مهمة لمنصة تهدف إلى رفع صوت الاقتصادات الناشئة في الساحة العالمية، حيث يتم من خلالها التعبير عن آرائها واحتياجاتها»، وفق توصيف وزير المالية محمد الجدعان في ختام المؤتمر الذي دام يومين.

وزير المالية السعودي محمد الجدعان (مؤتمر العلا)

وقالت مصادر لـ«الشرق الأوسط» إن المؤتمر سيكون له بلا شك تأثير كبير في رسم السياسات الاقتصادية في هذه الاقتصادات مستقبلاً.

وهو ما أمكن استشفافه من خلال المناقشات العميقة بين وزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية وصناّع السياسات وقادة القطاعين العام والخاص في الاقتصادات الناشئة، والمؤسسات الدولية، إن على صعيد النمو الاقتصادي، أو الاستقرار المالي، أو التنمية المستدامة، والتضخم، والديون، وغيرها - والاستراتيجيات المقترحة التي يمكن أن تدعم النمو في هذه الأسواق.

جانب من حضور المؤتمر (مؤتمر العلا)

ومن نافل القول إن استضافة السعودية - العضو في مجموعة العشرين - هذا الحدث تعكس مكانتها ودورها القيادي في المنطقة والعالم، كما تعكس التزامها بدعم الاقتصادات الناشئة وتعزيز التعاون بين دولها.

لا شك أن الاقتصادات الناشئة تلعب دوراً بارزاً في الاقتصاد العالمي. فهي تقود حالياً 65 في المائة من النمو العالمي، وتواصل في تحقيق معدلات نمو جيدة. إذ يتوقع صندوق النقد الدولي أن تنمو بواقع 4.3 في المائة في 2025 و4.2 في المائة في 2026 مقابل ما نسبته 3.3 في المائة للنمو الاقتصادي العالمي خلال العامين المشار إليهما.

وهو ما يعني ارتفاعاً في معدلات التوظيف وزيادة في الإنفاق الاستهلاكي؛ ما يجعلها محط أنظار المستثمرين للجوء إليها بصفتها إحدى أهم الفرص الاستثمارية.

من هنا دعوة وزير المالية السعودي الاقتصادات الناشئة إلى أن تعزز ثقتها بنفسها وأن تعترف بدورها الحيوي في التأثير على الاقتصاد العالمي، قائلاً إنه يتعين على هذه الدول أن تُسمع في المحافل العالمية.

وأضاف أن «اجتماعات مثل العُلا تضمن أن تصل أصواتنا، نحن لا نتحدى الاقتصادات المتقدمة، وإنما نقول لها فقط إن العالم سيكون أفضل بكثير إذا تعاونت مع الاقتصادات الناشئة».

وأكد أن التعاون بين الاقتصادات المتقدمة والناشئة سيكون له أثر إيجابي على معالجة القضايا العالمية بشكل أكثر فاعلية، معرباً عن الأمل في أن يساهم «مؤتمر العُلا» في تعزيز هذا التفاعل بين مختلف الأطراف.

من جهتها، وجّهت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، 3 رسائل للدول الناشئة لتعزيز نموها الاقتصادي، وهي التنويع الاقتصادي، وتبنّي سياسات مرنة، والرقمنة. وأكدت تفاؤلها الكبير بقدرة هذه الأسواق على مواجهة التحديات الاقتصادية.

وأشارت إلى أن هذه الدول باتت تمتلك رؤية واضحة حول العقبات التي تواجهها وأساليب التعامل معها. وأكدت على ضرورة تبادل الخبرات بين الدول، لتتجنّب الأخطاء القابلة للتفادي، والاستفادة من الدروس الإيجابية، فحينها «سنكون قد أدينا مهمّتنا بنجاح».

المدير العام لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا (مؤتمر العلا)

بيان مشترك

وفي بيان مشترك صادر في ختام المؤتمر، شكر كل من الجدعان وغورغييفا «صانعي السياسات في الأسواق الناشئة، والأكاديميين، وممثلي المؤسسات المالية الإقليمية والدولية، على انضمامهم إلينا ومساهمتهم في جعل مؤتمر العُلا الاقتصادي الأول من نوعه لاقتصادات الأسواق الناشئة، منتدى ناجحاً لبناء مزيد من التعاون ومناقشة التحديات المحددة التي تواجه الأسواق الناشئة».

وقالا في بيانهما: «لقد ناقشنا على مدار اليومين الماضيين كيف يمكن للاقتصادات الناشئة أن تتغلب على المخاطر، والأهم من ذلك كيف يمكنها اغتنام الفرص المتاحة أمامها.

ومن المواضيع المشتركة التي برزت، أهمية وحدة الهدف والحاجة إلى مواصلة العمل معاً للحفاظ على قدرة اقتصادات الأسواق الناشئة على الصمود في وجه الصدمات والحفاظ على النمو». وشددا على أن هناك ثلاث نتائج يجب تسليط الضوء عليها، هي:

أولاً، أنه في وقت التحولات الشاملة التي تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي، وفي عالم أكثر غموضاً وعرضة للصدمات، يجب أن يظل بناء المرونة، من خلال سياسات اقتصادية كلية ومالية سليمة، أولوية.

ثانياً، تغتنم الأسواق الناشئة هذه التحولات لجعل اقتصاداتها أقوى. ومع انتشار الرقمنة والسياسات الطموحة على نطاق واسع، فإن آفاق تسخير فوائد الذكاء الاصطناعي واعدة.

ومن شأن الاستفادة من إمكانات الذكاء الاصطناعي أن تعزز إنتاجية اقتصادات الأسواق الناشئة وقدرتها على الصمود، ولكن ذلك سيتطلب إصلاحات لتعزيز الاستثمارات في البنية التحتية الرقمية ورأس المال البشري. كما سيكون من المهم أيضاً تعميق التكامل التجاري والمالي الإقليمي.

ثالثاً، في حين أن هذه التحولات توفر فرصاً كبيرة، يجب أن نعمل معاً للمساعدة في تجنب الخطر الحقيقي المتمثل في تخلف بعض البلدان عن الركب.

وبالطبع سيكون خط الدفاع الأول هي السياسات والإصلاحات المحلية القوية للمساعدة في اغتنام هذه الفرص. ولكن يمكن للمجتمع الدولي أيضاً أن يدعم البلدان ويقلل من خطر التباعد المتزايد.

وختم الجدعان وغورغييفا بيانهما بالتشديد على أهمية استضافة أول منتدى عالمي يركز فقط على الآفاق الاقتصادية لاقتصادات الأسواق الناشئة، متطلعَين إلى مواصلة المناقشات العام المقبل وفي مؤتمر العُلا الثاني.

«جاكسون هول»

انطلاقاً من التصريحات المعلنة، فإن مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة سيكون على غرار «جاكسون هول» الأسواق الناشئة من الآن فصاعداً.

فكما أن مؤتمر «جاكسون هول» الذي يُعقد سنوياً في مدينة جاكسون هول بولاية وايومنغ الأميركية ويستقطب وزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية وصناع السياسات من مختلف دول العالم، لبحث القضايا الاقتصادية العالمية الكبرى، خصوصاً السياسات النقدية والمصرفية والمالية العالمية، ومناقشة الأفكار والسياسات التي تؤثر في الاقتصاد العالمي، سيكون كذلك حال «مؤتمر العُلا» المختص بملفات اقتصادات الدول الناشئة.

بمعنى آخر، كلا المؤتمرين يسعى إلى مناقشة القضايا الاقتصادية المهمة واقتراح حلول للتحديات، وكلاهما يؤثر في صياغة السياسات الاقتصادية على المستويين الوطني والدولي. وكلاهما من الفعاليات الاقتصادية المهمة على مستوى العالم التي تسهم في فهم التحديات الاقتصادية العالمية واجتراح حلول لها، وهما مكمِّلان بعضهما لبعض في الجهود المبذولة، لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والتنمية المستدامة على مستوى العالم.


مقالات ذات صلة

العلا ضمن القائمة النهائية لجوائز الإنتاج العالمية 2026

يوميات الشرق يُعدّ مجمّع استوديوهات العلا مركزاً إقليمياً لقطاع الإنتاج السينمائي والتلفزيوني (واس)

العلا ضمن القائمة النهائية لجوائز الإنتاج العالمية 2026

أُدرجت محافظة العلا السعودية ضمن القائمة النهائية للمرشحين لجوائز الإنتاج العالمية 2026 في فئة «مدينة الأفلام 2026»، التي تنظمها مجلة «سكرين إنترناشونال».

«الشرق الأوسط» (العلا)
رياضة سعودية ماتيا ناستاسيتش (الشرق الأوسط)

العلا يستأنف قرار «سحب النقاط» لدى مركز التحكيم

كشف مصدر مطلع لـ«الشرق الأوسط» من داخل نادي العلا، أن النادي سيستأنف قرار «سحب النقاط» لدى مركز التحكيم.

«الشرق الأوسط» (العلا)
يوميات الشرق الأمير ويليام اطّلع على مواقع طبيعية وتاريخية وثقافية في العلا (الهيئة الملكية للمحافظة)

السعودية وبريطانيا تعلنان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً

أعلنت السعودية والمملكة المتحدة عام 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً، لتعزيز التبادل الثقافي، والفني، والتعليمي بين البلدين، بالتزامن مع زيارة الأمير ويليام إلى العلا

«الشرق الأوسط» (العلا)
الخليج الأمير سلمان بن سلطان مستقبلاً الأمير ويليام في مطار العلا الدولي الثلاثاء (واس) p-circle

ولي العهد البريطاني يزور العلا

وصل الأمير ويليام، أمير ويلز ولي العهد البريطاني، إلى محافظة العُلا (شمال غربي السعودية)، قادماً من الرياض، ضمن زيارته الرسمية الأولى للمملكة.

«الشرق الأوسط» (العلا)
خاص صورة جماعية للمشاركين في مؤتمر العلا (إكس)

خاص «مانيفستو العُلا» يُنهي حقبة «التبعية» للاقتصادات الناشئة

أبرز «مؤتمر العُلا» الصمود الاستثنائي للاقتصادات الناشئة في وجه العواصف الجيوسياسية، وشدد على ضرورة تعزيز أطر السياسات والمؤسسات لدعم قدرتها على الصمود.

هلا صغبيني (العُلا)

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
TT

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)

قفزت أسعار النفط نحو 4 في المائة، يوم الاثنين، بعد أن بدأ الجيش الأميركي حصاراً بحرياً على السفن المغادرة للموانئ الإيرانية. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية في أعقاب انهيار محادثات نهاية الأسبوع الرامية لإنهاء الحرب، مما دفع طهران للتهديد بالرد ضد جيرانها في الخليج.

تقلبات حادة في الأسواق الآجلة والفورية

أنهت العقود الآجلة تعاملات يوم الاثنين على ارتفاع، مواصلةً حالة التذبذب التي سادت الأسواق منذ بدء النزاع في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وارتفع خام برنت بمقدار 4.16 دولار أو ما نسبته 4.4 في المائة ليستقر عند 99.36 دولار للبرميل. كما صعد الخام الأميركي بمقدار 2.51 دولار أو 2.6 في المائة ليستقر عند 99.08 دولار.

وسجلت أسعار الخام المخصص للتسليم الفوري في أوروبا مستويات قياسية وصلت إلى 150 دولاراً للبرميل.

مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي في خطر

تسببت الحرب في أكبر اضطراب شهدته إمدادات النفط والغاز العالمية على الإطلاق، نتيجة تعطل حركة المرور في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

وفي حين ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن 34 سفينة عبرت المضيق يوم الأحد، إلا أن تقارير الملاحة تشير إلى انخفاض حاد، حيث تعبر في الظروف العادية أكثر من 100 سفينة يومياً.

تداعيات التضخم العالمي وتراجع الطلب

بدأت التكاليف المرتفعة تضغط بشدة على ميزانيات المستهلكين حول العالم. ففي الولايات المتحدة، سجلت أسعار البنزين والديزل أعلى مستوياتها منذ صيف 2022. وفي أوروبا، أعلنت المفوضية الأوروبية عن زيادة قدرها 22 مليار يورو في فواتير الوقود الأحفوري منذ بدء الحرب.

في حين خفضت منظمة «أوبك» توقعاتها للطلب العالمي على النفط في الربع الثاني بمقدار 500 ألف برميل يومياً.

انقسام دولي وإجراءات طارئة

في الوقت الذي لوّح فيه ترمب باستهداف أي سفن هجومية إيرانية تقترب من الحصار، أعلن حلفاء الناتو امتناعهم عن المشاركة في خطة الحصار، مقترحين التدخل فقط بعد انتهاء القتال.

من جانبه، أشار رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، إلى أن الدول الأعضاء قد تضطر للسحب من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية لمواجهة نقص الإمدادات، معرباً عن أمله في ألا تكون هذه الخطوة ضرورية إذا استقرت الأوضاع.


«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)

أطلق رؤساء ثلاث من كبرى المنظمات الدولية - وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي - تحذيراً شديد اللهجة بشأن التداعيات الاقتصادية المتفاقمة والناجمة عن الحرب المستمرة في منطقة الشرق الأوسط.

وفي بيان مشترك صدر يوم الاثنين عقب اجتماع رفيع المستوى في واشنطن، أكد قادة هذه المؤسسات أن النزاع أحدث صدمة «جوهرية وعالمية وغير متكافئة»، حيث طال الضرر بشكل أساسي الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل. وأشار القادة إلى أن هذه «الصدمة» أدت بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، وإثارة مخاوف جدية تتعلق بالأمن الغذائي وفقدان الوظائف، وانخفاض كبير في إيرادات الصادرات لبعض الدول المنتجة للطاقة في المنطقة.

استمرار حالة عدم اليقين واضطراب الملاحة

وصف البيان الوضع الراهن بأنه «لا يزال غير يقيني للغاية»، مع الإشارة إلى أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز لم تعُد إلى طبيعتها بعد. وحذر القادة من أنه حتى في حال استئناف الملاحة المنتظمة، فإن العودة لمستويات الإمداد ما قبل النزاع ستستغرق وقتاً، مما قد يبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة طويلة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

تداعيات قطاعية وإنسانية

أوضح البيان أن نقص المدخلات الأساسية الناتج عن تعطل الإمدادات سيؤثر على قطاعات الطاقة والغذاء والصناعة. كما أشار إلى أن الحرب تسببت في نزوح قسري للسكان، وتأثر الوظائف بشكل مباشر، وتراجع في حركة السفر والسياحة، وهو مسار قد يستغرق وقتاً طويلاً للتعافي منه.

تنسيق دولي ودعم مالي مرتقب

يأتي هذا الاجتماع باعتباره جزءاً من «مجموعة التنسيق» التي تم إنشاؤها في أوائل أبريل (نيسان) الجاري لضمان استجابة مؤسسية متكاملة للأزمة. وأعلن القادة أن فرق العمل المشتركة تعمل حالياً على مستوى الدول لتقديم مشورات تقنية مخصصة بهدف مساعدة الحكومات على وضع سياسات لمواجهة الصدمة، وتوفير دعم مالي مباشر من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين للدول الأكثر تضرراً، لا سيما الدول ذات الدخل المنخفض التي تعاني من عبء فاتورة استيراد الطاقة.

واختتم رؤساء المنظمات بيانهم بالتزامهم بمواصلة مراقبة الأسواق عن كثب، والتنسيق مع المنظمات الدولية الأخرى لضمان وضع أسس «تعافٍ مرن» يضمن الاستقرار والنمو وتوفير فرص العمل في مرحلة ما بعد النزاع.


اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
TT

اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)

اتفاق غاز بين مصر وقبرص جاء بعد تقلبات في إمدادات الغاز الإسرائيلي بسبب حرب إيران، لكن إسرائيل تحدثت عن أنها «شريكة بذلك الحقل القبرصي وأن ذلك دليل على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

في المقابل، تعتقد مصر بحسب تصريحات رسمية، أن «لقبرص سيادة على الحقل، وليس لإسرائيل سلطة مطلقة فيه»، وهو ما جعل خبراء بينهم رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان) يؤكدون لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق يساعد مصر على تنويع الإمدادات من مصادر عدة، ويجعلها بعيدة عن الارتهان لضغوط سياسية من إسرائيل أو غيرها، بخلاف كونه يؤكد مكانة مصر في الإسالة التي لا بديل عنها حالياً».

وقالت سفارة إسرائيل لدى مصر، في بيان، إنه «تم توقيع عقد غاز ضخم مع مصر في حقل قبرصي بمشاركة شركة (نيو ميد) الإسرائيلية»، زاعمة أن «هذه الصفقة تسلط الضوء على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

وسبق محاولة إسرائيل تكريس هيمنتها، تأكيد وزير الدولة المصري للإعلام، ضياء رشوان، الخميس الماضي، في مؤتمر صحافي، أن «العقد موقَّع بين مصر وقبرص كمالكة للحقل، و(شيفرون) و(شل) بوصفهما الشركتين المسؤولتين عن إدارته». ولفت إلى أن جميع الشركات متعددة الجنسيات تضم «أطرافاً أخرى» (في إشارة لإسرائيل).

وتحت عنوان «مصر تخرج من شرنقة إسرائيل غازياً» كتب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، مقالاً بصحيفة «المصري اليوم» المحلية، قال فيه إن الكمية المصدرة من قبرص تقترب من الكمية المصدرة من إسرائيل، وتبلغ نحو مليار قدم مكعب يومياً، ومن ثم فإن تنويع المصادر الخارجية للغاز المورد لمصر أمر مهم للغاية، حتى تتجنب أي مثالب تتعلق باستيراد كمية كبيرة من الغاز من إسرائيل.

ويخلص إلى «أنه بذلك تكون مصر قد خرجت تدريجياً من شرنقة الغاز الإسرائيلي»، لافتاً إلى «أنه صحيح أن الغاز المتفق على توريده أخيراً من حقل (أفروديت) منتج من حقل تشارك فيه شركة (نيوميد إنرجي) الإسرائيلية، إلا أن باقي الشركاء غير ذلك؛ فالحكومة القبرصية في واجهة المشهد، لوقوع الحقل في أرضها، كما أن أكبر مُلاك الحقل هما شركة (شيفرون) الأميركية، وشركة (بي جي شل) البريطانية».

منصة الغاز التابعة لحقل «ليفياثان» أكبر حقول الغاز في إسرائيل (رويترز)

وتحدثت شركة «نيوميد إنرجي» الشريكة في حقل «أفروديت» القبرصي، الخميس، عن توقيع اتفاق لمدة 15 عاماً لبيع الغاز الطبيعي إلى شركة (إيغاس) المصرية، في وقت تنشط الجهود الحكومية لضمان تغطية الاستهلاك المحلي في ظل اضطرابات أسواق الطاقة، مع تأثر القاهرة سلباً بتوقف إمدادات الغاز القطري نتيجة «الحرب الإيرانية»، ومع إغلاق إسرائيل بعض حقولها قبل أن تستأنف العمل في حقل «ليفياثان» أخيراً.

وزير البترول المصري الأسبق، رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ، أسامة كمال، يشير إلى أن الاتفاق المصري - القبرصي ليس صفقة لإدخال الغاز غداً، بل صفقة مستقبلية سيبدأ تنفيذها فور انتهاء شركة «شيفرون» من أعمال الربط في 2027، لافتاً إلى أن الحقل قبرصي، ولا يوجد أمام أي دولة في منطقة شرق المتوسط مخرج لتصدير غازها إلا من خلال الشبكة البحرية المصرية ومحطتي الإسالة الموجودتين في مصر، حيث لا تمتلك أي دولة أخرى في المنطقة هذه الإمكانات، ومصر لها الأولوية في الغاز.

وأكد كمال لـ«الشرق الأوسط» أن «المشروعات المشتركة تربط مصائر الدول ببعضها البعض؛ ما يضمن وقوف دول أوروبية مثل قبرص واليونان بجانب مصر في مختلف المواقف السياسية حال كررت إسرائيل، وأوقفت إمدادات غازها مجددا»، موضحاً أن الاتفاقية مع قبرص «ليست لها علاقة بالغاز الإسرائيلي، بل في إطار التنوع لمجابهة أي ضغوط سياسية مستقبلية».

الخبير الاستراتيجي في الطاقة، والزميل الزائر بجامعة جورج ميسن الأميركية، الدكتور أوميد شكري، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن اتفاق الغاز المصري - القبرصي يأتي في إطار استراتيجي، وليس اتفاقية تجارية نهائية، موضحاً أنه «يُتيح تطوير وتصدير الغاز البحري القبرصي مستقبلاً، لا سيما من حقلي (أفروديت) و(كرونوس)، عبر البنية التحتية المصرية القائمة للغاز الطبيعي المسال».

وأضاف «أنه بالنسبة لمصر يُساعد هذا الاتفاق في سدّ فجوة متزايدة في الإمدادات المحلية، مع تعزيز دورها بوصفها مركزاً إقليمياً للغاز، أما بالنسبة لقبرص فهو يُوفر مساراً تجارياً مُجدياً لتصدير الموارد التي كانت ستُهدر لولا ذلك».

وبشأن إمكانية أن يُمثل الاتفاق تحولاً عن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، قال شكري: «ليس تماماً... حيث يعكس الاتفاق تنويعاً لا استبدالاً، خصوصاً أن مصر مُرتبطة هيكلياً بواردات الغاز الإسرائيلي، التي تُوفر إمدادات فورية وقابلة للتوسع عبر البنية التحتية القائمة. ومع ذلك، يُقلل اتفاق قبرص من اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي».

وتستورد مصر ما يصل إلى مليار قدم مكعبة يومياً، من الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019، ثم جرى تعديله بنهاية عام 2025 لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040.

وتراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل احتياجات يومية تقارب 6.2 مليار قدم مكعبة، ترتفع إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعبة خلال أشهر الصيف، وفقاً لتقديرات حكومية.